عام

Netflix ، فساد في الغاية وفي الوسيلة

  • عبد الرحمن حبش
  • تحرير: عبير العتيبي

تمهيد:

في واقعٍ طغت وتغلغلت فيه الأفكار المادية والمتع اللحظية، وحلّت فيه النسبية المطلقة محل المسلمات والثوابت، في عالم ما بعد حداثي صرف، حيث اللاحقيقة واللامركزية، فلتصنع مركزيتك الخاصة ولتعش بها ولتؤمن بها، ولكن لا سلطان لها على غيرك. كان من الطبيعي في ظل هذه الأجواء والظروف خروج نماذج ومذاهب مشوهة من حيث نظرتهم للعالم ومن حيث المفاهيم المركزية التي يتبنونها في هذه الحياة، كمن جعلوا اللذة المادية والجسدية مركزيتهم ومبتغاهم في هذه الدنيا، أو كمن جعلوا اللامركزية مركزيتهم، فقاموا بجهد ساعين لهدم  كل مركزية، ومحاربين لكل من يتبنى مركزية محكمة -كالأديان والمذاهب الفلسفية المتماسكة- بكل ما أوتوا من وسائل نزيهة كانت أو غير نزيهة، ممهدين بذلك (النموذجين السابقين = منتهجي اللذة واللامركزية) لنشوء ما يسمى بـ[Netflix]، وهي شركة الإنتاج التيليفزيونية التي ما كلّت ولا ملّت منذ نشأتها في السعي لترسيخ الفساد الأخلاقي والقيمي وتمييع الثوابت والبث بأيديولوجيات فاسدة، حتى وإن كان ذلك عن طريق التدليس والتزييف -وهذا هو النقد الذي سنناقشه في الأسطر القادمة بحول الله جلّ وعلا. ألا وهو كونهم -علاوةً على نشرهم وتسويغهم لقضايا الفساد الأخلاقي وغيرها- يستخدمون التزييف والكذب لإيصال تلك القضايا.

أساسنا ومنطلقنا في هذا النقد هو التسليم بكون السينما والتلفاز عمومًا من أكثر العوامل التي تؤثر على أفكار وتصورات المشاهدين وبأن لهما اتصالاً عميقاً بالواقع، ودلائل ذلك مشاهدةٌ لا تحصى، فعلى سبيل المثال، لم يكن لأحد أن يتصور سرعة استساغة وقبول المجتمعات العربية والإسلامية لكثير من الأفكار الغربية الدخيلة -كالنسوية- لولا وجود البرامج والأعمال التلفزيونية التي تروج لتلك الأفكار ليل نهار. فإذا سلّمنا إذن بسلطة السينما على عقول المشاهدين، علمنا بأن من يعرض لمشاهديه واقعاً غير الواقع، وبأن من يصب تركيزه على حالات وقضايا دون أخرى ويضخم حضورها أكثر مما هي عليه في الواقع، فقد دلّس وزيف الحقيقة، وهذا بالتحديد هو عمل Netflix في كثير من القضايا بهدف استساغة ورواج تلك القضايا لدى المجتمع أو لغير ذلك من الأهداف، ناهيك عن كون تلك القضايا باطلاً وضلالاً في ذاتها، كالظلمات بعضها فوق بعض. ولنأخذ القضايا التالية بعين الاعتبار ونرى طريقة تعاملهم معها:-

1- الشذوذ الجنسي:

في أحدث إحصائيات مؤسسة (Gallup) الأمريكية، قُدّر نسبة الشواذ في الولايات المتحدة مجتمعة بـ%4.5، والشيء بالشيء يُذكر، فيجدر الإشارة إلى أن هذه النسبة قد ارتفعت من %3.5 عام 2012 إلى %4.5 في عام 2017 [1]، أي بواقع مليون وثلاثة أرباع المليون مواطن خلال أربعة أعوام فقط! ويعود الفضل في ذلك -في ظني- لما ذكرناه سابقاً من ترويج هذه الشبكة ومثيلاتها لتلك القضية. عند الانتقال من إحصائيات الواقع إلى إحصائيات التلفاز، نجد أن نسبة الشخصيات ذات الميول الجنسية الشاذة والتي ظهرت على مجموع الشبكات التلفازية وفقاً لأحدث تقارير(Where We are on TV) عام 2019 قد بلغت %10.2 [2]، وبإمكان القارئ أن يتوقع الشبكة التي كان لها النصيب الأعظم من تلك النسبة، فقد ذكر ذات التقرير أن Netflix  كانت الشبكة التلفازية ذات أكبر عدد من الشخصيات الشاذة بواقع 121 شخصية[3]، ومن الجلي والبين عدم توافق هذه النسبة (%10.2) مع النسبة الواقعية (%4.5)، بل أنها تزيد عن ضعف تلك النسبة !!. فما تحاول تلك الشبكة بثه حقاً هو تضخيم حضور تلك الفئة أكثر مما هي عليه في الواقع حتى يسهل عليهم بعد ذلك تمرير بعض المفاهيم والقضايا المتعلقة بتلك الفئة دون وجود أي حالة من الاستنكار أو الاستهجان لدى المتلقي الذي قد اعتاد الوجود الطاغي لتلك الفئة بالفعل. والحق أنهم قد نجحوا فعلاً في بث هذه الحالة من التضخيم في أوساط المجتمع الأمريكي. فعندما أُجريت دراسة تستعرض تقدير المواطنين الأمريكيين لنسبة الشواذ في مجتمعهم، كان متوسط الإجابات هي %23.6، وترتفع هذه النسبة إلى %28.5 للفئة العمرية ما بين 18-29، ويظن كاتب المقالة المتعلقة بتلك الدراسة (Justin McCarthy) أن هذه الحالة من المبالغة في التقدير -Overestimation- لعدد الشواذ قد يكون نتيجةً لحالة التضخم في النظرة -outsized visibility- المتعلقة بمجتمع الشواذ لدى الشارع الأمريكي، والتي تشارك في تنميتها الشبكات التلفزيونية[4].

2- الصورة النمطية للمسلمين:

لطالما كان المسلمون ضحايا الصور النمطية في هوليوود والسينما الغربية عموماً منذ انطلاقتها. فلا يُعرف المسلم سابقاً في هوليوود إلا كإرهابي يرتدي حزاماً ناسفاً في انتظار أكبر تجمع من الكفار ليقضي عليهم[5]. ولكن مع ضغط الواقع الحالي وعندما وجد منتجوا تلك الأعمال أنهم قد وقعو في فخ التناقض مع مبادئهم الليبرالية، كان لا بد لصورة نمطية جديدة أن تخرج للساحة، فرأوا أنه لا يمكن أن يكون كل مسلم سيء وإرهابي، فهناك من المسلمين من هو جيد غير ملتزمٍ بدينه، مشكلته الوحيدة هو كونه حبيس مجتمعات رجعية، ما إن يأتي عندنا وننوره بنورنا وننجيه من تخلفه حتى يعود عن الضلال الذي كان فيه، وبحكم هذا الواقع فقد نمت -(بجانب صورة المسلم الإرهابي التي لا يمكن أن نقول بأنها تلاشت بل ربما قلّ رواجها قليلاً ولكنها لا تزال حاضرة في عدد من الأعمال الحديثة، من بينها أعمال لـNetflix)- صورة نمطية أخرى للمسلم وهو المسلم الذي كان مكبوتاً من قبل عاداته وتقاليده المتخلفة، ولكنه أصبح الآن منسلخاً من إسلامه، ذائباً في معطيات الحضارة الغالبة، مشككاً في دينه أحياناً، وفي أفضل الأحوال لا يعرف عن إسلامه إلّا كونه مسلماً، بل إنهم عندما أنهكوا أنفسهم للذهاب إلى أبعد من هذا المستوى ومحاولة إظهار شخص مسلم وهو يصلي، جاؤوا بالعجائب[6]، وقد كان لـNetflix دور كبير في ترسيخ هذه الصورة في العديد من أعمالها، وليس هذا مقام دراسة لحصر جميع الشخصيات المسلمة في أعمال Netflix، ولكننا سنذكر مثالين نستطيع أن نرى فيهما محاولة بث الصورة النمطية السابق ذكرها ومن ثم يمكننا أن نقيس على هذين المثالين التوجه العام لـNetflix في التعامل مع الشخصيات المسلمة. أول هذه الأمثلة: هو عمل من أشهر أعمال Netflix ومن أكثرها شعبية في السنوات القليلة المنصرمة، أترفع عن ذكر اسمه لشدة قبحه ولكي لا يعلمه من جهله، تظهر فيه محجبة فلسطينية والتي هاجرت حديثاً إلى أحد الدول الأوروبية، ترغمها مدرستها الجديدة على خلع حجابها فتخلعه في المدرسة حتى لا تُطرد وترتديه خارجها إرضاءً لرغبة والدها السلطوي، ومن ثم تنسلخ من دينها تدريجياً بعد وقوعها في علاقة حب مع أحد زملائها، ثم يظهر أخوها لاحقاً بصورة شاذ جنسي وتاجر مخدرات، ولأن ما مضى من مساوئ لم يكن كافياً لوصف حالة العائلة المسلمة، كان لا بد من استحضار الصورة النمطية القديمة، ليظهر والدها في نهاية المطاف على أنه إرهابي يخطط لأحد التفجيرات. مثال آخر لهذه الصورة هو الفيلم الشهير الذي قامت عليه مؤخراً ضجة انتقادات لـNetflix وخرج معها وسم #CancelNetflix وتسبب في خسارة الشركة مادياً، هو فيلم Cuties، والذي تحاول فيه الفتاة ذات الأحد عشر عاماً من أصول أفريقية إسلامية التملص من سلطة أسرتها المتشددة والتي بدورها تحاول منعها من حريتها في ممارسة رقص التعري ولكن الفتاة  كانت تنجح في الهرب منهم بين الفينة والأخرى. ومن المثير للسخرية أن السبب في  الهجوم على هذا الفيلم لم يكن ظهور الفتاة كمسلمة بهذه الأفعال أو كونها تمارس تلك القذارة المسمّاة برقص التعري، وإنما كونها تظهر بهذا المظهر قبل بلوغها سن الثمانية عشر، فإن انتفى السبب الأخير فلا تستغرب أن ترى ردود أفعال مشجعة لهذا الفعل على أنه انتصار لحرية الفرد ضد سلطة العائلة الرجعية المقيدة له. نعم، هذه هي صورة المسلم بأعين زرقاء. ومما يجب التنبيه عليه أننا لا ننكر وجود مثل هذه الحالات، وإنما الشأن في إبراز تلك الحالات الشاذة على أنها الصورة الوحيدة للمسلم في هذه المجتمعات والتغاضي مثلاً عن 150 متحول جديد للإسلام سنوياً[7] -في مسجد واحد فقط في البلد التي أنتجت الفيلم الأخير، (فرنسا)-، فهل بدل هؤلاء دينهم بمحض إرادتهم لهذا الدين المتسلّط الذي يكبت حرية الفرد والذي يهجره أتباعه؟.

وأخيراً، يجدر الإشارة إلى أن ما سلف ذُكره، هما شاهدان فقط من بين العديد من الشواهد على فساد غاية تلك الشبكة وفساد وسيلتها، وإلّا فما خفي كان أعظم. من بين استهزاء واستخفاف بالأديان وثوابتها، كمحاولتهم -قبحهم الله- تصوير المسيح عليه السلام على أنه شاذ جنسياً[8]، أو ترويج للأفكار الإلحادية، وعلى هذا ما لا يُعد ولا يُحصى من الأعمال والمشاهد وغير ذلك من الظلمات الكثير، فالله الحافظ والمستعان.

اقرأ ايضاً: الحلوى القاتلة


[1] In U.S., Estimate of LGBT Population Rises to 4.5%, (Newport, 2018)

[2] “Where We are on TV” report (Glaad, 2019), صـ(6)

[3] المرجع السابق، صـ(13)

[4] Americans Still Greatly Overestimate U.S. Gay Population (McCarthy, 2019)

[5] قد أوضح هذه الفكرة وثائقي للجزيرة بعنوان (العرب الأشرار)

[6] (9-1-1: Lone Star مشهد لشخصية مسلمة تصلي من مسلسل)

[7] More in France Are Turning to Islam, Challenging a Nation’s Idea of Itself, (la Baume, 2013)

[8] The First Temptation of Christ (2019)

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. وزيادة على ما ذكر _ والامانة والمصداقية تحتم أن نقول أن هذه الاخيرة ابتدأت منذ،ظهور السينما العربية_ وهي أنه أيما فكر أو نمط اخلاقي يُرغب في الترويج له يسلط عليه الضوء في السينما والدراما التلفزيونية وأمثلة ذلك : تجريم فكرة تعدد الزوجات وتصوير ابناء الارياف والفلاحين على أنهم أقل ذكاء وأدنى رقيا في السلوك الاجتماعي ومن ذلك أيضا الحط من تقدير بعض المهن ومن ذلك الترويج لتمرد الابناء على قيم الاسرة إلى غير ذلك ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى