عام

أحاديث عن طارق البشري، القاضي المفكر

  • عبدالرحمن بن سامي الجندل

بسم الله الرحمن الرحيم

“عشت القانون عيشًا، وأمكن بذلك أن تلين مادته معي وتطوع، ألا ما أقوى الشباب”[1]

“ولد طارق البشري ليكون قاضيًا إداريًا؛ لأنه المجال الذي يمكنه أن يحدث فيه هذا التغيير ويؤتى فيه أكله وأثره وثماره”[2]

يتجدد المرابطون على ثغور الفكر، وثغور العدل وإحقاق الحق، فمنذ فجر التاريخ الإسلامي حتى يومنا تعددت الشخصيات المؤثرة على الواقع الحاضر والمستقبل، كما تعددت أشكال التأثير من حيث إظهار الحقائق كما هي، أو من حيث تثوير الأفكار وإبداعها، أو من حيث التجديد في طرق التفكير وأساليبه.

ومن تلك الشخصيات التي شهد لها من حولها من علماء ومفكرين وسياسيين بالمرابطة على ثغور الفكر والحق، والتي لا أجد لها حضورًا في المشهد الثقافي والقانوني لدينا، فإذا ذكرت ثقافة مصر في القرن العشرين، تظهر أمامنا شخصيات لا زالت تتكرر بتكرر المواضيع والأحداث، فإذا ذكر القانون تبدى لنا أ.د. عبد الرزاق السنهوري الفقيه القانوني المبدع الذي شارك في صياغات العديد من تشريعات الدول وغيرها من إبداعات ليس هذا مجال ذكرها، وإذا ذكر الأدب تبدى لنا العقاد والرافعي ونجيب محفوظ وأحمد أمين وطه حسين ..الخ، وإذا ذُكرت السياسة فالأحزاب المختلفة والجماعات المتعددة هي من تكون في المشهد، وإذا ذكر الفكر يظهر عبدالرحمن بدوي ومحمد عمارة وعلي سامي النشار وزكي مبارك ..الخ، ولكن ندَر ما تذكر شخصية جمعت بين عدة مشارب، وعدة فنون علمية، أثنى عليها معاصروها من شتى الاتجاهات الفكرية فأثنوا على رصانة أسلوبها واستقلالية تفكيرها وبراعة إنتاجها، تلك هي شخصية القاضي الفقيه المفكر: طارق عبد الفتاح سليم البشري.

ولأنه أولى أهميةً كبيرة لمعرفة الزمان والمكان في معرض الحديث عن شخصية فكرية أو فكرة من الأفكار، وأثر ذلك على تجلية الفكر والواقع والبعد عن الالتباس والخطأ؛ فقال: “إن أول ما يُبدأ به في حديثٍ يستعرض فكرًا أو كتابات لمفكر، هو أن يُعيّن المجال الزمني والتاريخي الذي ظهر فيه هذا المفكر؛ لأننا جميعًا أبناء زمان ومكان، وفكرنا غير العقائدي نتج عن هذا السياق، ثم هو فكر أيضًا توجه في خطابه إلى أهل زمان وأهل مكان، ولا تظهر الدلالة الواقعية لأي خطاب يظهر من بشر إلا من خلال نظر في السياق الذي نتج عنه والسياق الذي توجه إليه، وهذا يساعدنا على فهم دلالته الواقعية…”، وهذا يبين أهمية موضوع السياق الزماني والمكاني في فكر المستشار، الذي يقول في موضع آخر بأن الدلالة الفكرية الواقعية لا تظهر إلا من السياق، ونحن في معرض الحديث عن القاضي المفكر طارق البشري لابد أن نستصحب زمانه ومكانه.

النشأة

مسلمٌ عربيٌ مصريٌ عاش في مصر في الثلثين الأخيرين من القرن العشرين، ولد عام: 1933م، وأمضى سنوات طفولته وصباه ومطلع شبابه في البيت القديم لجده الشيخ سليم -بحلمية الزيتون- إلى أن قارب العشرين من عمره؛ وحين بلغ السابعة التحق بالتعليم الرسمي في المدارس المصرية الأميرية، بدءًا من مدرسة الزيتونة الابتدائية، ومرورًا بمدرسة مصر الثانوية، وانتهاءً بكلية الحقوق بجامعة فؤاد -القاهرة حاليًا-[3]، والتي تخرج منها عام: 1953م، وفي تلك المرحلة كانت تحيط به العمائم والطرابيش، ولم تكن العمائم والطرابيش مجرد أغطية للرؤوس خلال الثلاثينيات والأربعينات من القرن العشرين، إنما كنات رموزًا لتكوينات ثقافية، وعلامة على اتجاهات فكرية.

بطريقة غير مباشرة تأثر طارق بجده الشيخ سليم البشري المتوفى سنة: 1336هـ الموافق: 1917م، والذي كان شيخًا للمالكية بمصر، وشيخًا للجامع الأزهر الشريف[4]، فقد يتأثر المرء بمن لم يعايشه فكيف بمن يتصل به دمًا ومكانة، كما تأثر بعمه عبد العزيز البشري أحد أعلام الأدب في مصر خلال النصف الأول من القرن العشرين وقد كان كما يذكر عنه جمال الدين الرمادي: “أرق الأدباء أسلوبًا، وأحلاهم دعابة، وأعذبهم حديثًا، وكان يمتاز بذكاء لماح، وسرعة خاطرة..”، أما عن والد طارق: عبد الفتاح البشري فلا شك في تأثيره عليه حيث انتقل والده مبكرًا إلى المدارس الحديثة، وتخرج من كلية الحقوق، ومن كلية الحقوق تعمق في معرفة الفقه والشريعة، ثم اشتغل بالقضاء الأهلي إلى وفاته وهو رئيس محكمة الاستئناف[5].

هذه البيئة التي عاش فيها طارق البشري الزاخرة بالعلم والمناصب الإدارية والقضائية والوجاهة العلمية، أثرت على تكوينه الفكري والعلمي فخَلَف والدَه وجده وأعمامه، واستكمل مشوار العلم والتعلم، بالإضافة إلى حقبته الزاخرة بالأحداث السياسية والفكرية والاجتماعية في العالم العربي خاصة وأن بوابة الشرق مصر كانت زاخرة بالحراك الثقافي والسياسي والعلمي، كل ذلك أثّر في تكوينه وإنتاجه المعرفي، فكما أولى طارق البشري أهمية الزمان والمكان، فهو كذلك متأثرٌ بالزمان والمكان ويصدّق ذلك تحليله لأسباب توجهاته الفكرية الأولى وتحوله الفكري اللاحق، وهذا -باطبع- لا يلغي حرية الاختيار ولا يوجب الحتمية التاريخية المتطرفة.

درس الحقوق وتخرج منها سنة: 1953م، وأثناء دراسته في كلية الحقوق أحب القانون، وتأثر بعدد من أعلام الفقه والشريعة، ومن أبرزهم الشيخ: عبدالوهاب خلاف، والشيخ علي الخفيف والشيخ محمد أبو زهرة وعن ذلك يقول: (أحببت القانون واخترته دون تفكير في غيره، فكان كالقدر ليس له بديل، ولقد لقيني ولقيته، وأحببته وأحبني، وما من أستاذ درست عليه إلا نفعني الله بعلمه، ولكن يظل للشيخ عبدالوهاب خلّاف أثر خاص، أثّرٌ تغلغل في نسيج الدماغ، وفي عضلة المخ، ولا يزال .. كان جادًا دائمًا، فيه صرامة منهج وفقه، وفيه دقة موازين الذهب في اختيار اللفظ، وفيه اقتصاد هائل في استخدام الألفاظ، ومقاصد كالشمس واضحة)[6].

طارق البشري: الإنسان

يحكي من عاشر المستشار طارق البشري عن شخصيته المحببة للجميع، عن وقاره وسمته وعفافه ونبالته، فيحكي زميله المفكر الكبير: محمد عمارة عنه فيقول: “إن كل من اقترب من طارق يحس بأنه سعيد أيما سعادة؛ لأنه قد أتيحت له فرصة الاقتراب من طارق البشري، فهذا الرجل امتلك خلق النبلاء، وامتلك حكمة الحكماء، وامتلك علم العلماء، وفوق ذلك فهو يحسن اختيار أصدقائه، والصداقات الحقة سعادة ولذة في الحياة، لكنه في تحولاته وتطوراته الفكرية كان يضع أمته فوق العلاقات والصداقات، فقد تطور في علاقاته، وصداقاته، رغن انتقائه الدقيق لها وسعاته بها؛ لأنه تجرد لله سبحانه وتعالى وأصبحت قبلته هي أمته وهويته..”، كما يذكرُ عنه د. إبراهيم البيومي فيقول: “تعرفه فتجده موطأ الأكتاف، يألف ويؤلف، كثير الوقار، جميل اللقاء، ذا صمتٍ وسمتٍ، وتجمّل وزهدٍ، وعفافٍ وصيانةٍ؛ أرقّ من النسمة، بسيطٌ متواضع إلى حد الدهشة! نحسبه والله تعالى حسبيه ولا نزكيه على الله عز وجل أنه كثير علم وكبير ديانة، ممتلئ بالصدق والأمانة، على محياه أمارة التقوى وإضاءة الحكمة يذكرنا بقول الشعراني في ميزانه (العاقل من عرف زمانه، واستقامت طريقته)”[7]، وهذا بعضٌ من طبيعته الإنسانية، جلاها لنا بعض أقرانه.

طارق البشري: القاضي

وعن تولي المستشار طارق للقضاء، فذلك مما أبدع وتخصص فيه، تولى القضاء بعد تخرجه من كلية الحقوق، وخدم ما يزيد عن أربعين سنة في القضاء وخلالها أنتج معرفة وعلمًا ضخمًا فأربعين سنة في القضاء تعني أنه قد يكون في كل أسبوع منها ما يتضمن عملًا فقهيًا ذا بال!، وإذا استبعدنا أحكامه القضائية فإن المادة الباقية من تقاريره عضوًا بهيئة المفوّضين ورئيسًا لها لا تحصى عددًا، ويستطيع الباحث الجاد أن يستخرج منها مجلدًا كبيرًا يخصصه للجهد الفقهي لطارق البشري.

كان قاضيًا فقهيًا مفكرًا مزج فقهه بمعرفة الواقع والتاريخ والفكر والقانون، وخرج بحصيلة متكاملة أثرت في إصدار أحكامه القضائية، ويحكي عن نفسه في هذا الامتزاج الذي كوّن حصيلته المعرفية فيقول: “الذي حدث معي أنني عملت في القضاء والفكر، وكنت بهما كالجامع بين زوجتين، ونادرًا ما كنت أعدل بينهما، كانت تجذبني واحدة ثم تجذبني الأخرى، ومرت بحياتي كلها بضعة هنا وبضعة هنا، وولّد لدي ذلك قدرًا من الإحساس بأنني دائمًا مقصر، إن وفيت هذا العمل فأنا قصرت في غيره، وإن وفيت ذلك فأنا قصرت في غيره..”[8].

هذا النموذج القضائي الجامع بين عدد من المشارب والتراتيب الفكرية والسياسية والفقهية والتاريخية، ليس ببدع من الأمر في تاريخ الأمة، فبالرجوع إلى سير القضاة في الأزمنة الماضية نجد قضاة كبارًا لهم وزن في التاريخ ولهم ثقافة موسوعية، بدءً من الصحابة الكرام -رضوان الله عليهم- الذين ساسوا الدنيا وقضوا بين الناس، ثم توسع العلم وظهر لنا قضاة جمعوا ثقافة عالية وعلمًا رصينًا كالقاضي عبدالجبار، والقاضي عياض،  وابن دقيق العيد، والسبكي، والماوردي، بل ظهر قضاة جمعوا بين القضاء وعلوم طبيعية وفلسفية كابن رشد الحفيد القاضي الفقيه الفيلسوف، وغير تلك النماذج الكثير من القضاة على مر التاريخ الإسلامي.

عرف كثيرًا بأسلوبه القضائي في الأحكام والتسبيب ويُميّز حكمه عن حكم غيره دون النظر في اسم مصدر الحكم، وفي ذلك ما حصل لدكتور القانون: حسام عيسى، مع أحد زملائه إذ يقول: “أعطاني أحد الزملاء حكمًا لأقرأه، وبينما أنا أقرؤه قلت هذا حكم طارق البشري؛ فأسلوبه مميز في كتابة الأحكام، والأسلوب هنا لا يعني كتابة اللغة، وإنما يعني التوجه؛ هذا التوجه والربط العميق بين أنواع الفقه أمر بديع عند طارق البشري، هذا المسمى بفقه الواقع؛ فعندما يتصدى طارق البشري لقضية فهو يتصدى لها من كافة جوانبها، هو يضع القاعدة القانونية في سياقها التاريخي، وفي سياقها الاجتماعي ثم يعطي حكمه، وبالتالي فالحرية عند طارق البشري مرتبطة بالعدل، وهذه هي شيمة القضاة العظام ومنهم طارق البشري”.[9]

كما أشاد بأسلوبه الرصين القاضي المستشار مصطفى حنفي فيقول: “بعد ذلك هناك أسلوب طارق البشري، ولا أتكلم عن أسلوبه في أحكام، فتمكنه من اللغة العربية، وجزالة عباراته ودقته كل هذا يستحق أن يفرض له بحث مستقل”. [10]

كما يذكر القاضي مصطفى حنفي عن أحكام طارق البشري فيقول في معرض حديثه عنه: “الأمر الأخير الذي تميز قضاء البشري عن غيره، هو البشري في أحكامه، فقد كنا في مدارس الحقوق نتشدق بالرجوع للمراجع الفرنسية؛ خاصة في القضاء الإداري على أساس أن هذا يعطيك تميزًا، لكن طارق البشري عدل عن هذا في نفوس الشباب، وشباب مجلس الدولة بصفة خاصة، وطالبهم -وطبق على نفسه- بالرجوع في كل قاعدة إلى قواعد الفقه، فكل قاعدة كان يرجعها لأصل فقهي، وهذه هي العظمة والقوة..”[11]

وألقى الدكتور: فاروق عبد البر نائب رئيس مجلس الدولة كلمة توديعية بعد الاجتماع الذي عقب نهاية خدمة طارق البشري واستقالته عام: 1998م، فقال: “أما عن طارق البشري القانوني والقاضي، فهو في هذا متفرد ومتميز، هو صاحب العقل القانوني الصافي، والمنطق السليم، والذهن المرتب، والأسلوب الرفيع، واللغة الرصينة، والتقدير الحسن، والصبر في الحوار، والجلد على العمل، والثقافة العميقة والباع العريض في فهم القانون وتفسيره وتأويله.. وهو صاحب الموقف الشجاع والصلب في القضايا المهمة التي يمكن أن تعرض فيها رأيه أو يقضي فيها بحكمه.. إنه يبدي رأيه أو يصدر  حكمه ملتزمًا بالقانون، مستوعبًا للواقع، مستشرفًا المستقبل، إنه يقول ما يعتقده حقًا وعدلًا ويمضي غير مبال برضى أو غضب أصحاب السلطان، وليس بيده سوى الإيمان بالله، وبأن الحق أحق أن يُتّبع، ويكفي في ذلك أن نلقي نظرة سريعة على إنجاز الجمعية العمومية في فترة رئاسته لها لندرك الثروة القانونية العظيمة التي خلفها لنا”.

ومما يميز طارق البشري في قضائه ما ذكره عنه المستشار القاضي مصطفى حنفي إذ قال: “القضاء عند طارق البشري هو رسالة، وهذا الذي يميزه عن بقية القضاة، إنه رسالة يتهيأ لها بالعلم والفكر والقراءة والدراسة الموضوعية، هو لا يعتبر العمل وظيفة، أو وجاهة اجتماعية، فالرجل لم ينل من هذه الوظيفة أية وجاهة، وإنما نالها من علمه وقدره وأحكامه وآرائه؛ ولذلك قلّما نجد المتقاضين والمحامين يطمئنون لرجل جلس على كرسي القضاء مثل اطمئنانهم لطارق البشري، ولم أعمل معه، لكني عملت في ذات الدائرة التي عمل بها طارق البشري، ولم أعمل معه لكني عملت في هذه الدائرة بعد أن تركها لرئاسة الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع، وكانت هناك خشية من المتقاضين والمحامين ألا نكون على ذات المستوى، كنت أشعر ذلك لديهم، وكانوا يحرصون على أن نثبت في مرافعتهم قولهم لنا كلكم (طارق البشري)”.

ويظهر لنا أن للبشري اهتمام واضح وصريح لاتباع الحق من خلال الوصف الذي يوصف به، ويذكر لنا الدكتور فاروق عبد البر أحد صور هذا الاتباع للحق والعدل فيقول: “لا ننسى أن نذكر له -أي طارق البشري- على سبيل المثال وقت أن كان رئيسًا لمحكمة القضاء الإداري، حكمًا عظيمًا أصدره عام 1992م، كان خاصًا بالفقرة الثانية من المدة السادسة من قانون الأحكام العسكرية، ضاق به -أي بحكمه- أحد أصحاب السلطان، فقامت جوقة من الصحفيين تهاجمه على الجرائد بشراسة، ولكنه لم يأبه ومضى واثق الخطوة في الطريق الذي اختار أن يسير فيه..”.[12]

إن للقاضي المفكر رؤية مهمة تبين سعة فهم البشري لكيفية قراءة النص، فهو يولي قراءة النصوص بشتى مجالاتها الفقهية والقانونية والفكرية وغيرها أهمية كبرى، ولذا كتب عن العلاقة بين النص والواقع في الفقه الإسلامي، ووازن القول الحق في ذلك فهو كما ذكرنا سابقًا في هذه المقالة يعطي الزمان والمكان والسياق أهمية في فهم النص، ويوضح البشري في أحد كتابته عن جانب مهم في العلاقة بين النصوص والوقائع في الفقه الإسلامي، فيقول: “ونفيُ العلمانية يعني في تصوري الأخذ بالشريعة الإسلامية … وقد قرأت في الشريعة وتعلمت القوانين الوضعية الآخذة عن الغرب، والشريعة بناء تشريعي فقهي عظيم … ونحن نعلم ما يقال فيها عن اختلاف الزمان والمكان واختلاف الحجة والبرهان، وتفسير النصوص، في صميمه تحريك للنص على الوقائع المتغيرة، وعلى الحالات المتنوعة، والمرونة سمة أصلية من سمات الفقه الإسلامي”.[13] وهو يشير بذلك إلى تنقيح المناط المعروف في أصول الفقه من حيث تحديد المناطات المؤثرة في النص من خلال تجريد النص عن عوارضه.

وفي الحديث عن بناء الشريعة الإسلامية للتشريع الفقهي العظيم، ينقل البشري تجربة السنهوري التشريعية بين التقنين الغربي والتقنين الفقهي الشرعي، فبالرغم من اعتراف السنهوري سنة 1934م بما ينطوي عليه فقه الشريعة من إمكانات كبيرة ومن مرونة وقابلية للتطور، إلا أنه عندما أعد القانون المصري لم يستغل الإمكانات المتاحة كلها، وأنتج قانونًا غربيًا خالصًا، وكان تفسيره لهذا الموقف أن الدراسات لم تنضج في حقل الشريعة بعد؛ ولذا يقول البشري: “إن السنهوري -الذي ظلت كتبه وأبحاثه في المرحلة الأولى من تدور في نطاق الثقافة القانونية الغربية- كانت الشريعة لا تزال لديه مجالًا للدعوة، ولم تشارف عنده مرحلة الممارسة العملية أو التشريعية… فليس من قرأ كمن صنع، ثم جاءت الفرصة بعد ذلك أمام السنهوري للصناعة، ولكن بالمزاوجة أولًا مع أحكام المجلة [مجلة الأحكام العدلية] وفقه الشريعة، ولقد خرج السنهوري من هذه المرحلة الثانية شديد الاعتراف بعراقة الفقه الإسلامي، وقال معبرًا عن مدى تأثره بخبرة ممارسته (هذه هي عقيدتي في الفقه الإسلامي، تكونت لا من العاطفة والشعور فحسب، بل تضافر في تكوينها الشعور والعقل، ومكن لها شيء من الدرس، فأتاح لي اطلاعي على نصوص هذا الفقه الإسلامي أن ألحظ مكانة هذا الفقه وحظه من الأصالة والإبداع، وما يكن فيه من حيوية وقابلية للتطور)”.[14]

وفي نص السنهوري أعلاه أسف شديد على تأخر التحريرات الشرعية المتوائمة مع متطلبات العصر مما أظهر لدى السنهوري فراغًا قانونيًا لا يتعارض مع الشريعة الإسلامية، مما قاده لكتابة القانون المصري بالحمولة الأجنبية، ولا أظنه إلا معتمدًا على فقه الضرورة وأنه إذا ضاق الأمر اتسع، وكان ذلك طريقًا لإبداع وإظهار عراقة الفقه الإسلامي بعد أن مزج السنهوري القانون بالفقه، واعتماده على المنطلقات الشرعية في الكتابة، ويظهر من ذكر البشري لفعل السنهوري إعجابه بهذا المنطق وهذا الصنيع، وموافقة له على براعة الفقه الإسلامي الذي فصل في العلاقات المدنية والسياسية والتجارية والأحوال الشخصية وغيرها من فروع الفقه التي صيغت لها قوانين في شتى الدول، وهي لدى أمتنا منذ قرون عديدة، ودعوة منه للمزيد من التنقيب والترتيب في الفقه شرعي، ومواءمة الفقه للواقع، لا من حيث التبعية وتطويع النص، إنما من حيث التحاكم وتحقيق المناطات.

في تقرير قدمه طارق البشري إلى الجمعية العمومية للفتوى والتشريع بيّن البشري كيفية تفسير النص فقال: “إن هدف التفسير هو معرفة معاني الألفاظ المفردة، والجمع بين أحكامها في نسق قانوني واحد بما يقتضيه ذلك من مقارنة جزئيات المادة القانونية بعضها ببعض، لرفع ما عسى أن يظهر من تعارض بينها، ولإدراك المعنى الأصيل المقصود من إعمالها معًا”، أي ما يعرف بالتفسير السياقي الذي يبرز أدق المعاني للأحكام الجزئية، وهو الروح العام الذي يخضع له تفسير كل عبارة من النص باعتباره جزء من كل، وهو قصد المشرع الذي يذكره القضاة والمفسرون فالمقاصد مستفادة من الأحكام كلها لا من حكم دون حكم، ولهذا يقول طارق البشري: “التحليل والتركيب أصلان لا يقوم التفسير بأحدهما فقط، فبِساق نامية وساق ضامرة يدور المرء على نفسه ولا يتقدم أبدًا”.

ويذكر الدكتور محمد سليم العوّا موقفًا من مواقف البشري في تعاطيه مع واقعة قضائية استعمل فيها ملكته التحليلية والتفسيرية للنص وغاص في روح القانون حتى انتهى إلى نتيجة حفظت الحقوق، يقول عنه: “حين كان بيان الرأي في كيفية إعمال أحكام القانون رقم: (50) لسنة: 1969م، يقتضي تحديد الموقف من الأحكام الواردة في عقد بيع عرفي ولكنها أغفلت عند تسجيله فم ترد في العقد النهائي المسجل، كان انحياز طارق البشري إلى حرية الإرادة التعاقدية وإعمال أثرها انحيازًا واضحًا؛ فخلافًا لما يقوله كثير من الشراح، رأى طارق البشري أن العقد المسجل لا يُسقط ما استقل بذكره العقد العرفي من أحكام؛ وأن العقد المسجل ينطوي على إعادة بناء العلاقة التعاقدية بين طرفيه، وفي هذا الصدد فإن استخلاص الإرادة المشتركة للمتعاقدين هو أساس الرأي في بقاء ما أغفله العقد المسجل أو سقوطه؛ لأن إعادة البناء وحدها لا تفيد حتمًا سقوط ما أغفله العقد المسجل من أحكام، وإذا كان عبء الإثبات يقع على المدعي فإن العبرة هي باستصحاب الحال الثابت أصلًا أو عرَضًا، حتى يقوم ما ينافيه.”[15] فهنا صاغ طارق البشري رؤيته لصنيع الفكر القانوني في التوفيق بين الحقيقة القانونية والحقيقة الواقعية في هذه الواقعة سالفة الذكر، وهي صياغة تدل على التحرر من سلطان التقليد، والتوجه نحو الاجتهاد الذي يحقق المصلحة ويدرأ المفسدة، وتقديمه على ما قد يبدو في القراءة الأولى أنه ظاهر النص أو النص نفسه.

كان طارق البشري يولي للقواعد الفقهية أهمية بالغة ونراه دائمًا يستدل بها لبناء حكم أو رأي أو فتوى، مما يوضح مدى عقليته الفقهية التي وإن تغيرت الأحداث فإن ذلك لا يعميه عن إرجاع الواقعة إلى أصل فقهي كلي يبني عليه نتيجته وحكمه، ويوضح الدكتور العوّا مدى استخدام البشري للقواعد الفقهية في تفسير القانون الوضعي فيقول: “وحين تشتد قبضة الدولة على حريات المواطنين وأموالهم لا يتردد الفقيه البشري في أن يصل بالنص إلى التوسعة على المرّضين لوطأة هذا التشدد الحكومي مستهديًا في ذلك -دون أن يذكره صراحة- بالقاعدة الفقهية التي تقرر أن الأمر إذا ضاق اتسع، وبما قرره القرافي رحمه الله من أن الذرائع كما تُسد تُفتح، ويذكر مثالًا على ذلك بأن طارق البشري في تقريره المعروض على الجمعية العمومية للفتوى والتشريع بشأن ملكية أحد المواطنين وأثر الحراسة والوفاة في تطبيق أحكام الإصلاح الزراعي في ظل قانون كان يحدد الملكية الزراعية بحد أقصى، ويصادر ما زاد عليه ،ويجعله مملوكًا للدولة لا من تاريخ استيلائها الفعلي عليه، بل من تاريخ العمل بالقانون المذكور، أيًّا ما كان تاريخ الاستيلاء الفعلي، وفي ظل قانون ثان كان يخضع الأفراد للحراسة بأوضاع ولأسباب أقل ما يقال فيها أنها شديدة التعسف؛ في ظل هذه القوانين، انتهى طارق البشري إلى قواعد الترجيح والتوفيق بين النصوص، وقواعد الإعمال الزمني لها، وتدرج القواعد بين عام يشمل حكمه جميع أفراده، وخاص يقتصر على محل وروده، فلا ينسخه العام اللاحق له، فانتهى إلى أن العبرة بالمركز الفعلي في الحالة المعروضة لا بصحيح الاستنباط القانوني، وخالف لذلك فتوى الجمعية العمومية للفتوى والتشريع فيما قررته من ارتفاع الحراسة بالوفاة؛ إذ كان ثابتًا في حالة المواطن أن رفع الحراسة لم يتم إلا بعد وفاته بزمن، فرأى طارق البشري أن إعمال الفتوى ليس له محل إذ خالف الاستنباط القانوني الصحيح المركز القانوني القائم فعلًا؛ فعدل المفسر هنا عن حكم النص الصريح إلى حكم آخر، مستخدمًا قاعدة الاستحسان الأصولية، ومستفيدًا في عدم جواز تكليف المواطن لما لا يستطيعه بالقاعدة الأصولية أنه لا تكليف بمستحيل، ولا تكليف إلا بمقدور، وبالقاعدة الفقهية الأخرى التي رددها طارق البشري كثيرًا في أعماله الفقهية بأن الشخص الواحد في الوقت الواحد بالشيء الواحد لا يؤمر وينهى”[16]

وفي بيان عذبٍ لطارق البشري نختم به هذه الفقرة يقول فيه: “إن مهمة المفسر حين يحرك النص ويُعمله أن يضع في الاعتبار جميع ما قد يترتب عليه من آثار، وأن يكشف عما بداخله من عناصر نمت وتطورت بحكم نمو المجتمع وتطوره، فلا ينسى أن التشريع كلمة المجتمع الملزمة التي لا يجوز أن تقف فتحكم في جمودها علاقاته المتطورة، والأمثلة في ذلك من الفقه والقضاء والشريعة الإسلامية لا يتعلق بها الحصر.

 ومن هذه النقطة تظهر مسؤولية المفسر باعتبار عمله فنًا مستقلًا خلاقًا لا يتتبع فيه عمل المشرع ولا مسؤوليته، بل لكل منهما دائرته التي يعمل فيها، وعلى كل تبعة ما يقرر! فإن كان فعل المشرع أن يستخرج مادة الأحكام من بين حاجات الناس وأحوالهم، ويصوغها قوالب تقبل أن تتطاوع على وفق المرجو منها؛ فإن المفسر يتلقى هذه المادة قالبًا جامدًا، كما استخرج، فيعمل فيها فنه وصناعته، وكشف عما بداخلها من عناصر باقية، ويشيع فيها ما يجعلها حركة حية تعالج أحوال الناس في اضطرابهم وتتمشى بينهم في كل أمورهم باسم العدل والضمير، وعلى مقتضى مصالحهم التي أخرجت لتحقيقها؛ فليس يجوز للمفسر أن يقف بظره على صريح ألفاظ النص فلا يتعداها إلى إدراك روح العدل المستترة بداخله، ولا إلى التوغل الذي يوصله إلى غاية المأمول منها، بل الواجب أن يقوم منها بدور الصائغ فيستخلص خلاصتها، وأن يعي لأي سبب وجدت وأي مصلحة تتحقق، ويتولى أمر ذلك حتى تتحرك بين الناس بالعدل والحق، وعليه أن يدرك أن اله ما من نص شرع إلا لمصلحة تتمثل في في جلب النفع والفائدة، أو دفع الضرر عن أكثر الناس، ومصالح الناس في تطور مستمر كعيشتهم وسائر أمورهم، والنص باعتباره سبيل تحققها -مع جمود مظهره- لا يصل إلى مبتغاه إلا بجهد المجتهد الذي ينقب عما عساه يكون قصد المشرع من الحكم عند تطبيقه، لا حال نشأته فحسب؛ فيأخذ بقصد الشارع المنظور الذي لا يجمد من دون الناس ما دام حكمه ساريًا فيهم، ويدرك عناصر النمو التي تعتمل فيه باعتباره أمرًا موجهًا إلى مكلفين أحوالهم وأمورهم في تغير دائب على سنة الحياة.

فإن بعُدت مسافة الخلف بين حكم النص ومصالح الناس في هذه الساعة، حتى لم يمكن التوفيق بينهما، ولا أن يتعلق هذا بتلك، وجب تقديم صوالح الناس فيلغى النص بالطريق المعتبرة.”[17]

طارق البشري: المفكر

بعد تخرجه من الكلية وبداية حياته العملية كان البشري متأثرًا بالأطروحة العلمانية، فكان يجعل الدين محصورًا في العلاقة الذاتية بين العبد وخالقه، ويعزل كل ما عدا ذلك، وقد تعمق توجهه العلماني مع تعمقه في قراءة الفكر السياسي والفلسفي الغربي، ومع توسعه أيضًا في الاطلاع على تاريخ الحركات السياسية الغربية، والثورات الاشتراكية في العالم، وما ارتبط بها من تجارب ثورية وحركات تحررية في البلاد المستعمرة، وظل على هذا الفكر قرابة عشر سنوات بعد تخرجه من كلية الحقوق، والغريب أن البشري كان يذكر عن نفسه ويقول: “كان لدي فكر إسلامي وديني في أمور ثلاثة هي:

1-معرفتي بالفقه. 2- الرزق، وهو ظل في عقلي وقلبي يتعلق بقدر الله سبحانه وتعالى. 3- الصحة والموت وهما أمرنان مرهونان بقدر الله”[18]

والمرء يعجب من توجه البشري اللاعقلاني فكيف يجمع بين الفقه والعلمنة؛ إذ الفقه متغول في تفصيلات تتجاوز العلاقة الشخصية بين الخالق والمخلوق، فبالإضافة إليها ينظم الفقه العلاقة بين المخلوق والمخلوق الآخر، لكن سطوة الأفكار العلمانية والأدلجة الشرسة تصنع ذلك وأكثر، هذا كان توجه البشري في بدايات شبابه، ولكن وبعد نكسة 1967م ؛ انتكست كثير من الأفكار، وتراجعت كثير من التيارات، وكان التحول من الإطار العلماني، إلى إطار الإسلام الأصيل.

يتحدث البشري عن الآثار العميقة التي أحدثتها له نكسة 67 فيقول: “إن هذه الهزيمة التي تمثلنا ليس لليد السياسية، ولا للفهم الاقتصادي فقط، ولكنه للفكر؛ أي استقلال العضو الذي تتخلق في أحشائه الإرادة قبل أن يكتبها الفم، أو تضغط عليها اليد”.[19]

ومن صدق طارق البشري في تحوله، يحكي عن الصعوبة التي واجهته في نقد الذات وصعوبة مثل هذه القرارات فيقول: “وصعوبة هذا الأمر[أي التحول من العلمانية إلى رحابة فكر الإسلام] هو أن تصير حكمًا موضوعًا للحكم، وتصير مغيرًا ومتغيرًا معًا، والأصعب من ذلك أنك عندما تبدأ مناقشة مشكلتك، إنما تجري هذه الأمور، ولم تستقر لديك بعد مسلماتك الجديدة”.[20]

ويقول: “في مرحلة الانتقال هذه تجد نفسك كالسائر بين الكواكب، تضعف جاذبية المسلمات الأولى، وتقوى الأخرى؛ ولكن في مرحلة معينة ترى نفسك كالتائه بين جاذبين ضعيفين، هنا لن يأخذ بيدك إلا هداية الله جل شأنه، وفي هذه المرحلة بالضبط، توقفتُ عن الكتابة العلنية، وعدت أقرأ وأكتب لنفسي أحيانًا؛ لأضبط أفكاري ثم أعيد اكتشاف نفسي مما كتبت، وبدلًا من آمال الشباب، ظل الشعور بالواجب، وبدلًا من حماس الشباب حلت مسؤولية التصويب واستكمال النقص، وقمت بذلك بصحةِ كهْلٍ لم يحتمل قلبه الضغط فانجرح”[21]

أما كتاباته الدالة على المرحلة الفكرية الأولى فيمكن الإشارة إلى الدراسات المختلفة التي كتبها في مجلتي الطليعة والكتاب، ابتداءً من المنتصف الستينيات، بالإضافة إلى كتابي الحركة السياسية في مصر، وسعد زغلول يفاوض الاستعمار، أما الكتابات الدالة على المرحلة الجديدة فيمثلها معظم كتاباته اللاحقة، وكان أول مكتوباته بعد التحول سنة 1979م في مقال له بعنوان: (رحلة التجديد في التشريع الإسلامي) حيث نشر المقال في مجلة (العربي) الكويتية في مارس سنة 1979م، وأعيد نشره ضمن كتاب طارق البشري: (في المسألة الإسلامية المعاصرة)، وفيها حاول إثبات صلاحية الشريعة لمعالجة مشكلات الواقع المعيشي.

ثم تتابعت المقالات التي كتبها طارق في المجال الفكري، لغلبة التحولات الفكرية والسياسية التي خاضتها مصر والعرب آنذاك، ولن تعرض لمقالته فإن الأمر في ذلك يطول، لكن سنتعرض الطريقة والمنهج والهموم لدى البشري في المسائل الفكرية؛ حيث يولي المستشار طارق البشري منهج التحليل في الكتابة أهمية كبيرة، وفي غالب كتاباته يوضح أهمية المنهج، وفي ضوء ذلك يوضح الإطار الكلي عند تناول أي قضية أو فكرة معينة فيقول: “إن عملية الكتابة -أو الإنتاج الفكري-، هي ذات بعدين: بعد موضوعي يتعلق بالمادة المبحوثة، أو المجال الموضوعي الذي يرد عليه التفكير؛ وبُعدٌ ذاتي يتعلق بالباحث أو الدارس وذلك بقدرته الذاتية على التلقي، وبخبراته المتراكمة، وزاوية نظره إلى الأمور، وهمومه وشواغله.

وهذا يصدق على كل مجالات النشاط الفكرية الاجتماعي بين المادة التاريخية/الحدث، ونظرة المؤرخ/الكاتب لما ثبت لديه من وقائع..”[22]، ويطرد هذا المنهج في تعامله مع كافة النصوص وكافة الوقائع، ويظهر تأثير التعاطي القانوني عليه، فيعرف في كتابة اللوائح والمذكرات التفريق بين سرد الوقائع كما هي، ثم إضفاء رؤية المترافع على تلك الوقائع، ولذلك يجعل البشري هذه الفكرة معيارًا يقيس بها الأفكار ويقيمها من خلال استعراضها كما هي، ثم توجيه النقد والتقويم عليها.

ويحكي فاروق عبد البر عن مجالات تفكير طارق البشري واهتماماته فيقول: “إنه يتكلم بتفصيل عن الشعب المصري وكفاحه، ويتكلم عن عنصري الأمة من المسلمين والأقباط والعلاقة بينهما، ويتكلم عن الديمقراطية باعتبارها طريقًا ضروريًا لتقدم بلده، إنه يتناول بعمق الاشتباك القائم بين العروبة والإسلام، وبين الإسلام والعلمانية، وبين الأصيل والوافد، ويحاول فض الاشتباك بين هذه الثنائيات..”[23]، وهذا يوضح لنا أن طارق البشري اهتم أيما اهتمام بواقعه المعاصر وكان فاعلًا اجتماعيًا صاحب رسالة عليا.

عرف البشري بنظرته المقاصدية واهتمامه الكبير بموافقات الشاطبي، وكان لذلك تأثير كبير في فقهه وفكره وقضائه، يذكر عن منهجه المقاصدي الدكتور سيف الدين عبدالفتاح فيقول: “يتحرك الحكيم البشري صوب أجندة بحثية تتمثل قواعد النموذج المقاصدي، كما انتهت صياغته لدى الشاطبي في موافقاته، ولو تفحصت أصول أجندته لوجدتها من غير عناء كبير تتحرك صوب حفظ كيان الأمة وأصول بقائها، وشروط استمرارها، وسنن ترقيها وعمرانها؛ ضمن الاهتمام بمنهج التفكير والتدبير والتسيير والتأثير والتغير، والأمة وفق عناصر اختصاصها وتمايزها تحمل ذلك وتحفظه بالحفاظ على دينها وشرعتها، وعلى أصول مرجعيتها وسنن فاعليتها، وحفظ نفوس الأفراد وكيانات الأمة وشخصيتها، وحفظ نسلها الذي يشكل أصول مادتها العمرانية وتنميتها البشرية، البشر في أجندة البشري أهم عناصر المعادلة الحضارية ، ثم ترد عناصر حفظ العقل الفردي والجمعي… فيخاطب كل عناصر الرشد على مستوى الفرد والأمة لبناء الأمة على أسس فكرية وحضارية وثقافية، وبنيان عقل سوي وفعال، ثم ترد في النهاية عناصر الحفظ المادي (حفظ المال) كرمز لأصول العمران المادي بكل تجلياته وتكويناته، والتي تعتبر في في النهاية من أهم محصلات تفاعل عناصر الحفظ الأخرى وتكاملها، وتكامل الفعاليات المتنوعة للأمة وتكافل عناصرها”.

 ثم يختم حديثه عن البشري بعد أن استوضح أهمية مقاصد الشريعة في فكر البشري فيقول: “إن أهم ما نريد الإشارة إليه هو ذلك الاهتمام الرصين بقضية المنهج لدى البشري ومدرسته الفكرية التي يمثلها، إن البشري من فرط اهتمامه بالمنهج، يُعتبر منهاجًا يمشي على الأرض فكرًا وسلوكًا، يمشي سويًا على صراط مستقيم، والمنهج بالنسبة له رؤية متكاملة تستند إلى إطار المرجع والتأسيس وتشتق منه منهاج النظر بما تعبر عنه من قدرة البحث في أصول النظر لموضوع بعينه أو قضية بذاتها، ومنهاج النظر ولدت لديه ملكة في التعامل مع مراجع التأسيس (القرآن والسنة الصحيحة)، والتراث الممتد من خاصة التراث الفقهي والتاريخي، فضلًا عن الواقع المعاش ومنهاج التعامل معه، والتراث الإنساني وإمكانات الإفادة منه، فشكلت تلك الرؤية زاوي حادة في النظر ومنفرجة في الأفق، قائمة على عدل وصراط مستقيم”[24]

كان التزام البشري بالمنهج ذا أثر بليغ في تعاطيه مع الملفات الفكرية، فهو ناقد فاحص يضع المعرفة في ميزان المنهج، وينطلق منها ليخرج بنتيجة يلتزم بها، تذكر د. نادية مصطفى موقف المستشار طارق من الفكرة المشتهرة عن محمد علي وأنه كان بوابة التحديث والتغريب وتقول: “أما عن قراءة البشري لتاريخ مصر -دولة محمد علي- فنجد أن من أهم ما أعاد مناقشته من مقولات شائعة مقولتين مرتبطتين وغير منفصلتين وهما تمثلان وجهي عملة واحدة، تلك المتصلة بطبيعة الدولة إسهامًا في العلمنة من ناحية وعلاقتها بالدولة العثمانية (الوطنية المصرية في مواجهة العثماني الإسلامية)، وهما مقولتان مرتبطتان.

فمن ناحة يبين أنه إذا كانت تجربة محمد علي في الاستقلال بمصر شروعًا في إحياء الإمبراطورية العثمانية على يديه قد أدت به إلى تشكيل نخبة حكم من عناصر منفصلة نسبيًا عن الجماهير، وإذا كانت صلة هذه التجربة بالغرب مبكرًا في إطار السعي للتحديث قد تولد عنها تدريجيًا طوال القرن التاسع عشر ظاهرتا الازدواج والانفصال بين الوافد والقديم في ظل تسرب النفوذ السياسي والاجتماعي والثقافي، إلا أنه يشرح في موضع آخر كيف أن محمد علي -وهو في ذلك يورد ما ذكره د. شفيق غربال في كتابه “محمد علي الكبير”، بدأ وانتهى عثمانيًا مسلمًا… لم يخلق محمد علي ثنائية في معاهد التعليم .. ولم تُعرف أيام محمد علي ثقافة عربية إسلامية في كل مكان .. كانت بعثات محمد علي إلى أوروبا تتجه أساسًا إلى ما يمكن تسميته بعلوم الصنائع وفنونها… اهتم الوالي في تدريب جنده بالجانب الديني والتأكيد على فكرة الجهاد في الدعوة بينهم… لذلك نجد أنه من غير الصواب الزعم أن محمد علي أقام نظامًا علمانيًا أو أن تاريخ النظم العلمانية يبدأ بهذه الفترة”؛ ولذا يقول البشري: “كان الإسلام هو الجامع الذي يربط دولة محمد علي بدولة الخلافة، وأن عملية التمصير التي بدأت في الجيش ثم الوظائف العامة كانت تجري في إطار من مفهوم الجامعة الإسلامية العثمانية.. وأن المصرية -على مدى القرن التاسع عشر- لا يبدو أنها ظهرت كانفصال عن الجامعة الأشمل؛ إنما ضربت عليها العزلة ضربًا من قبل الدول الكبرى وقتها مما ظهر في معهادة لندن 1840م”.[25]

وهذا يوضح أن البشري اهتم بالتاريخ وقرأه قراءة تحليلية لا قراءة قصصية، جاعلًا من التاريخ محاولة لفهم الواقع.

ومن المفاهيم التي تعرض لها البشري بالنقد: مفهوم المعاصرة، حيث يقول في دراسته (الإسلام والعصر: ملامح فكرية وتاريخية) : “إن الخلافات بين الاتجاهات الفكرية المختلفة التي ظهرت في هذه المرحلة، إنما هي في أساسها خلافات بين مواقف تفتقت عنها الحاجة التاريخية والاجتماعية فهي خلاف فكري أساسه خلاف الزمان والمكان، أو خلاف الرؤية السياسية والاجتماعية لجماعة الحركة.. إن الحاسم في الحكم لا يتعلق باستخلاص الأحكام من النصوص واستنباطها من مصادرها الأولية، ولكنه يتعلق أيضًا بكيفية النظر للواقع الذي تحياه الأمة)”؛ فهنا يوضح البشري أن تنزيل الأفكار الأجنبية على واقع الأمة لا يفيد التقدم لأن الخلاف ليس خلافًا يرجع لعدم تقبل هذه الأفكار فحسب، بل لأن الأفكار لا تتناسب مع حال الأمة زمانًا ومكانًا.

وفي معرض الحديث عن الأفكار الوافدة يضيء البشري الطريق في مسألة أرّقت القرن العشرين كثيرًا فيقول: “إن الفكر -كشأن أي كائن حي- لن نحميه بأن نضعه في المعازل، ولكن السبيل الأمثل للدفاع عن الوجود هو بالتجديد وبالتفاعل مع أوضاع الواقع المعيش، وهناك تصوّر خاطئ لفكرة التجديد وهو أنها تعني بذلك الجهود لإسباغ بردة الإسلام على ما نشاهد ونمارس من أوضاع المعيشة في حياتنا الراهنة، وبخاصة ما طرأ عليها من أنماط السلوك والنظم الوافدة، حتى وإن كانت تخالف أصلًا من أصول الإسلام؛ وهذا موقف خاطئ لأنه يحيل الفكر الإسلامي إلى مجرد أنه تبرير وتسويغ للواقع المعيش وليس حاكمًا له.. إن التجديد في الحقيقة يتأتى من وجهة أخرى، إنه يرد من كيفية استجابة الأحكام الشرعية ونظم الإسلام ودعوته للتحديات التي تواجه عقيدة المسلمين وديارهم”.[26] ونفهم من هذا السرد أن طارق البشري يقول بالتقسيم المشهور لأحكام الشريعة لأصول ثابتة لا تتغير بتغير الزمان والمكان، وفروع تتغير حسب تغير الزمان والمكان، فصلاحية الشريعة لكل زمان ومكان تستلزم -واقعًا- هذه المرونة في تطبيقها، والشريعة ثابتة ثباتًا يجعلها حاكمة على غيرها، ومرنة مرونة تجعلها صالحة حتى قيام الساعة.

وفي هذا السياق، يقول البشري: “إن التغيّر لا يعني تغيرًا لأصل الحكم المرجوع إليه، إنما يعني تغييرًا لدلالة الحكم مطبقًا على حالات متغيرة أو في ظروف مختلفة؛ لذلك فإن النص وهو ثابت لا تتناهى تفسيراته لأنه ينطبق على واقع غير متناه، والاجتهاد هو  سبيل التفسير المتجدد للنص الثابت على الوقائع المتغيرة، هذا الفارق بين الشريعة والفقه، يتعين أن يكون واضحًا لدى من يذودون عن الشريعة، فلا يسبغون وضعها الإلهي الثابت على آراء للفقهاء جرت في ظرف مغاير؛ كما يتعين أن يكون واضحًا لدى من ينقد آراء قديمة في الفقه، ألا يبسط نقده على ما يسمى الأصل المرجعي الثابت في القرآن والسنة أي الشريعة”.

وهذا لا يعني سيولة فهم النص وتاريخيته، بل كما قال البشري سابقًا من ثبات الأصول -حتى الدلالات- وتغير الفروع، وهنا لا تتغير نصوص الفروع بل هي ثابتة ثبات الجبال، والذي يتغيّر اجتهادات الفقهاء لظنية في الدلالة أو ظنية في النص، فالنص إما قطعي أو ظني، والدلالة إمام قطعية أو ظنية، ويطرأ على الظني في الفهم الدلالي والتغيّر النصي -من حيث الثبوت وعدمه-، ما لا يطرأ على الدلالة القطعية والنص القطعي.

الوفاة

توفي القاضي المفكر: طارق عبد الفتاح سليم البشري، في يوم الجمعة، وتاريخ: 14/07/1442هـ الموافق: 26/02/2021م، عن عمر يناهز 88 عامًا متأثرًا بفايروس كورونا.


[1] طارق البشري في حديث له مع د إبراهيم البيومي.

[2] من كلمة القاضي المستشار مصطفى حنفي في ندوة طارق البشري، القاضي المفكرصـ220

[3] من بحث البيومي / القاضي المفكر طارق البشري / صـ 80

[4] من بحث للدكتور إبراهيم البيومي غانم صـ64

[5] نفس المرجع والمصدر السابق

[6] طارق البشري .. التكوين صـ38

[7] القاضي المفكر طارق البشري صـ 64

[8] القاضي المفكر طارق البشري صـ59

[9] القاضي المفكر طارق البشري صـ 31

[10] القاضي المفكر صـ 220

[11] القاضي المفكر صـ 220

[12] القاضي المفكر طارق البشري صـ44

[13] نقلت هذا النص الدكتورة نادية مصطفى في كتاب القاضي المفكر طارق البشري صـ 206

[14] هذا النص والتحليل ضمن بحث الدكتورة نادية مصطفى في كتاب القاضي المفكر طارق البشري صـ-207

[15] تقرير للعرض على الجمعية العمومية للفتوى والتشريع في شأن القدر الذي يستولى عليه للدى السيدتين عزيزة ونرجس عبدالله فايق بالتطبيق لأحكام القانون رقم 50 لسنة 1969 ص8-9

[16] الدكتور محمد سليم العوّا – القاضي المفكر طارق البشري صـ 235 – 139

[17] القاضي المفكر صـ247

[18] من بحث د إبراهيم البيومي – طارق البشري القاضي المفكر صـ88

[19] دراسات في الديموقراطية المصرية – طارق البشري صـ6

[20] طارق البشري التكوين صـ50

[21] طارق البشري التكوين صـ50

[22] دراسة تحليلية لكتاب الحكومة الدستورية في الولايات المتحدة

[23] المرجع نفسه صـ46

[24] الدكتور سيف الدين عبدالفتاح، من كتاب القاضي المفكر طارق البشري صـ 164-166

[25] من بحث قدمته الدكتورة نادية مصطفى في كتاب القاضي المفكر طارق البشري صـ 199-201

[26] هذا النص والتحليل ضمن بحث الدكتورة نادية مصطفى في كتاب القاضي المفكر طارق البشري صـ206-207

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى