عام

العلاقات الإنسانيَّة المعاصرة بين الحب والغرائز!

“كما نعلم، الحبُّ يحتاج إلى إعادة اختراع”.

آرثر رامبو

“يجب أن نعيد اختراع الحب، ولكن -أيضًا- بكل بساطة ندافع عنه؛ لأنَّه يواجه تهديدات من جميع الجهات”.

الفيلسوف الفرنسي آلان باديو

“ثمة مشهد جعلني أعلن عن فكرتي في إعادة اختراع الحب، كان الشاب يعانق صديقته وهي تتشبث به بكلتا يديها وتُقبله بحرارة، بينما هو أبقى يده اليسرى خلف ظهرها ورفع اليمنى أعلى رأسها حاملاً هاتفه الذكي في محاولة لقراءة رسالة ما أو خبر مستعجل أو صورة أو…بأيّ حالٍ من الأحوال. أيُّ طعمٍ لمثل تلك القُبلة السَّاخنة فيما عين الشاب تركز على الهاتف! مثل هذا المشهد كنت شاهدًا عليه من بين عشرات الشهود في أحد شوارع لندن”. هذا ما سَطَّره كاتبٌ عربيُّ يقيم في لندن.

ليست تلك الحالة إلا صورة واحدة من ظاهرة واسعة الانتشار في المجتمعات الغربية، إن لم تكن صورة مهيمنة اليوم على الإنسان المعاصر. هذه الصورة التي ينقلها هذا الكاتب ليست إلا رسمة صغيرة على جدارٍ عريضٍ جدًا، جدارٌ مهترئٌ ومفككٌ رُسِمَت فيه العلاقات الإنسانيَّة المعاصرة في المجتمع الحديث بطريقة معقدة وشائكة، ونشأ فيه -ضمن ما نشأ- (الحب الملتبس) و(المشاعر الملتبسة)، التي هي مجرد ظاهرة مؤقتة، وليست إلا جسرًا سيتم العبور عليه إلى علاقات أكثر وضوحًا وأبعد عن الخجل في الإفصاح عن نواياها ورغباتها المادية البحتة، فالوقت في المجتمع الحديث لا يسعف الإنسان المعاصر كي يبذل المجاملات ليحصل على رغباته الطارئة والمتجددة، فضلاً أن يتحمل المسؤوليات، ويبذل الالتزامات والوقت، ويترك نرجسيته؛ ليعيش حياة حقيقيَّة تمثل بالفعل الحبَّ الحقيقيَّ.

سُلَّم التنازلات في أولويات الإنسان المعاصر في سياق المجتمع المادي الرأسمالي، يعكس -منذ أول خطوة في هبوطه- أنَّه كان يحمل معه مفاهيم راسخة تطوف به حول التمركز حول ذاته، وهي بدورها طَبَعَت سلوكه في علاقاته مع الآخرين، فصار كل إنسان في ذلك المجتمع مجرد زاوية رؤية أحادية ونافذة صغيرة أنانية للأخذ الذي لا عطاء فيها، تبحث العقول عن الإشباع الذاتي الفردي. فبعد أن هَرَبَ الإنسان المعاصر من الارتباط الحقيقي، من الزواج ومسؤولياته والتزاماته، آخذًا معه منه فقط الرغبات والشهوات، لتتحول العلاقات الجنسيَّة التي تهمه فقط -تحت مسميات متنوعة وبرَّاقة- إلى غاية بذاتها في تلك العلاقات، ولا يهم حينئذ الطرف الآخر، بل لا يهم أي فرد آخر في المجتمع.

ويُشير المستشار السياسي الأمريكي باتريك بوكانان Pat Buchanan إلى أنَّ الأجيال الناشئة -كالأطفال والمراهقين- في المجتمع المعاصر تواجه حربًا ثقافيَّة فيها “يصعب هروبهم، فمبدأ اللذة الفرديَّة ينتشر في الموسيقى التي يسمعونها، وفي السينما التي يشاهدونها، وساعات البث الرئيسية. والمبدأ نفسه في المجلات وفي الكتب التي يقرؤونها، ليس هناك من طريق للخروج من هذه الأجواء”. وهذه اللذَّة تُقدَّم إليهم -في المجتمع المعاصر- على أنَّها الغاية الحقيقيَّة من علاقاتهم الحميميَّة، وأنَّه هي الحب الرومانسي الذي ينشده الفرد، لكنَّ الرأسماليَّة الماديَّة في الحقيقة إنَّما تغذي جانب الذاتيَّة فيهم وهو الجانب المحبب لديهم: السريع والمحقق للذَّة، وكما يقول الكاتب الألماني مارتن فالزر Martin Walser: “الرأسماليَّة تريد من الإنسان أن يكون وحشيًا أنانيًا، وهذا يجعل الرأسمالية ناجحة، إنها تتجه إلى الغرائز البدائية”. وكثير من هؤلاء الذين يقعون ضحايا لمثل تلك المفاهيم الرأسماليَّة المغلوطة عن الحب والعلاقات، هم في الحقيقة أشخاص لديهم استعداد رغائبي ومفاهيمي لإغراء المادية؛ لأنَّهم فقدوا المعنى الحقيقي للحياة، وتاه عنهم مفهم الحب والعلاقات الصحيحة، ولذا صار من السهل خِدَاعهم والتلبيس عليهم، ولبس المفاهيم وخلطها، فـ”هنالك نوع من الناس الذين يميلون إلى التصريح بأنَّ الحياة لا معنى لها، وغالبًا ما يكون ذلك تبريرًا لفلسفة اللذة التي يؤمنون بها، أو لفراغ عقولهم”، كما يقول الكاتب البريطاني كولن ولسن Colin Wilson.

ومنذ اللحظات الأولى التي حطمَّت فيها الماديَّة والرأسماليَّة بالفعل مؤسسة الأسرة وبنية العائلة؛ والإنسان المعاصر يعرف ماذا يريد بالتحديد، إنه لا يريد مسؤولية ولا التزام، يريد رغبات وشهوات سريعة وفردية يتم إشباعها ثم يمضي، ولم يكن الإنسان المعاصر بفردانيته ليهرب من الزواج ليقع في مسؤوليات والتزامات علاقات ’رمانسيَّة‘ أكثر هشاشة وعَرضيَّة من الزواج المعاصر، يسمونها الحب والعشق والصحبة والأخدان. صحيح، العناوين برَّاقة وخلابة ومُغرية، لكنَّ الشيطان يكمن في التفاصيل، فالحب والورود الحمراء والفراش الأحمر والعطور…إلخ، كلها مجرد أدوات في تلك العلاقات للإشباع الذاتي، ولتشبع حاجة فرديَّة طارئة، ولهذا فإنَّ أتفه الأشياء حين تعترضها قد توقفها وتبطلها وتفسدها. فالإنسان المعاصر له أولويات أهم من تلك الرغبات الطارئة التي إن اعترض طريقها أيُّ شيء، فإنَّها المؤخرة، والبدائل كثيرة، والفرد سيجد ما يريده في صورة من الصور الكثيرة المعروضة والقابلة للحصول بطريقة أو بأخرى. وحين يُقَال: أحبك! وتعالي كي نمارس الحب…إلخ، فهي مجرد كلمات لا تقابل المعاني العميقة النبيلة التي تنشأ عن علاقات الحب الحقيقيَّة، وإنما هي كلمات تعبر حقيقة عن سُعَر الرغبات، ونار الشهوات التي تطلب تقديم المساعدة لـ (=الأنا) من أجل الوصول إلى ذروة متعتها الطارئة من خلال وبواسطة (=الموضوع) الشخص الآخر، الذي ليس في الحقيقة إلا وسيلة أو أداة لإتمام عملية التمتع الجنسي الصرفة، ثم بعدها لا يهم من يكون ولا ماذا يمثل ولا مشاعره ولا ما سيحصل له.

والإنسان المعاصر، الذي خضع رهينة للماديَّة والرأسماليَّة والبرغماتيَّة، أوقاته ومشاعره مزدحمة ومتناقضة، فهو يريد علاقات سريعة، كالوجبات السريعة، رخيصة ومباشرة ومشبعة وتحقق له إرضاءً عميقًا، لكنَّ استعجالَ الشيء قبل أوانه يعود عادة بخسرانه. فالعلاقات التي نَشَأَتْ في المجتمعات المادية المعاصرة، حقَّقَت بالفعل السرعة والمباشرة، لكنَّها أخفقت إخفاقًا رهيبًا في تحقيق الإرضاء والإشباع، بل انقلبت إلى ضدها، وسبَّبَت اقفرارًا روحيَّا وعاطفيًّا ووجدانيًّا يصعب وصفه، وصارت بنفسها سببًا للتعاسة، والهموم، والغموم، والكآبة. يقول الحكيم السمرقندي: “الشهوة تزرع الهموم”. وهذا حقيقيٌّ وواقعيٌّ، فالشهوة بطبيعتها غريزة تنزع بالجسم إلى الدونيَّة، وتورث النَّفسَ الهمَّ والغمَّ قبل قضائها حلالاً كانت أم حرامًا، وبعد قضائها إن كانت حرامًا، وإنَّما هي لذة عابرة أثناء ممارستها، لكن يعقبها ما ينسي تلك اللذة. ولهذا يقول ابن قيم الجوزيَّة: “وهكذا حال الذين يتبعون الشهوات فيلتذون بها ابتداءً ثم تعقبها الآلام بحسب ما نالوه منها، والذين يصبرون عنها يتألمون بفقدها ابتداءً ثم يعقب ذلك الألم من اللذة والسرور بحسب ما صبروا عنها وتركوه منها”. ويقول الفيلسوف البريطاني ولتر ستيس Walter Stace: “لا نستطيع تصور لذة خاصة، أو غبطة معينة لا تكون في يوم ما مثارًا للتقزُّز، ولا تفضي في خاتمة المطاف إلى الملل أو السأم”. وخطورة الشهوات واللذات المحرمة، أنَّها كالمخدرات تصيب صاحبها بالإدمان الذي يتألم منها ولكنه لا يقدر على الخلاص منها. يقول ابن قيم الجوزيَّة: “وليعلم اللبيب أن مدمني الشهوات يصيرون إلى حالة لا يلتذون بها، وهم مع ذلك لا يستطيعون تركها؛ لأنها قد صارت عندهم بمنزلة العيش الذي لا بد لهم منه، ولو زال عنه رين الهوى لعلم أنه قد شقي من حيث قدر السعادة، واغتم من حيث ظن الفرح، وألم من حيث أراد اللذة”. إنَّ الإنسان يبحث بشكلٍ دؤوب ومُلِحٍ عن السعادة والفرح، وهو إذا كان قصير نظر وضعيف همة، فإنه يطلب الفرح السريع فيرتكس في ملذات الجسد، ليكتشف أنها مجرد لذة عابرة يعقبها عادة الحسرات. إنَّه لا يعلم أنَّ الفرح الخالد والحقيقي هو ذلك الذي يتعلق بالجزء الخالد فينا!

وإذا انغمس الإنسان في جانب اللذات والشهوات والغرائز طلبًا للفرح والسعادة والبهجة، انغمس من حيث لا يدري في تعاسته ونكدره وحزنه وخسرانه، وتخلى عن إنسانيته التي تميزه عن سائر الحيوانات، وصار بأنانيته وفردانيته أسير عبوديَّة اختياريَّة، وكما يقول مسكويه: “من رضي لنفسه بتحصيل اللذات البدنية، وجعلها غايته وأقصى سعادته، فقد رضي بأخس العبوديَّة لأخس الموالي، لأنَّه يُصَيِّرُ نفسه الكريمة عبدًا للنفس الدنيئة، التي يناسب بها الخنازير”. ويقول كولن ولسن: “يولد الإنسان مقيدًا بقيود تؤدي إلى الانحطاط والضعة، وهي تتمثل في السأم والتفاهة، وبدون حياة فيها هدف فإن الإنسان لا شيء. ومعظم البشر يتخلصون من معنى التفاهة عن طريق المتطلبات الجسدية. لم تكن الرغبات الجنسية التي عرفتها في ذلك الحين غير دوافع جسدية وحسب، ولم أكن ميالاً أو محتاجًا إلى أية صلةٍ إنسانيَّةٍ أو حديث ودي. اعتقد أن الجنس قد لعب في حياتي دورًا لا يقل خطورة عن شكوكي بخصوص مصير البشرية النهائي، وأدى إلى مضاعفة شعوري بالتعاسة. كنت أشعر بالتفاهة، لقد شعرت بأن التفاهة هي أول ما يمكن أن توصف به الحياة الإنسانيَّة، وكانت تلك أسوأ وأشد فترة في حياتي الماضية. انظرُ إلى حضارتِنا نظرتي إلى شَيْءٍ رخيصٍ تافهٍ، باعتبار أنها تمثلُ انحطاطَ جميعِ المقاييسِ العقليةِ، وفي هذه الحضارة يبدأ الناس بفقدان الشعور الداخلي، وبمعنى الهدف الذي يمكن أن يجعل منهم أكثر من مجرد خنازير كفؤة جدًا، هذا هو الرعب”.

وليست تلك حالة تخيلية افتراضية، بل هي حقيقة واقعية يعيشها الإنسان المعاصر بفردانيته وأنانيته التي يريد بها أن يحقق وجوده الفردي. فهذا -مثلاً- الأديب والفيلسوف الوجودي الفرنسي ألبير كامو Albert Camus، الحاصل على جائزة نوبل للأدب: “كانت شهوانيتي حقيقيَّة، بحيث أنني كنتُ مستعدًا للتخلي عن أبي وأمي من أجل لذَّة عشر دقائق”. وهكذا صار الحب، ذلك المعنى السامي الرائع، مجرد قضاء شهوة عابرة يحقق فيها الفرد متعته بأسرع وقت وأرخص ثمن وأضعف علاقة.

ويؤكد الفيلسوف الفرنسي آلان باديو Alain Badiou، أنَّ هناك فرقًا رئيسًا بين الحب وبين الرغبات الجنسية (التي يعبر عنها في المجتمعات المادية المستهلكة بكلمة الحب). فالحبُّ الحقيقيُّ [الذي لا يتجسد في الحقيقة إلا في الزواج] في جوهره علاقة حقيقيَّة تتطلب وجود طرفين، يلتزمان بتلك العلاقة، وكل واحدٍ منهما يَعِي تمامًا وجود الطرف المقابل، ويحس به، ويتنازل طواعية له، ويتفهمه ويراعيه، حتى في اللحظات الحميميَّة فإنَّهما يتواكبان معًا أو يتألقان سوية في الاقتراب وتحقيق الالتقاء والتسامي الروحي قبل اللقاء الجسدي، ليستقرا معًا في أجواء حنان ورحمة وألفة وازداد في المحبة وتعمقها. أما الرغبة الجنسية، كما يشير إلى ذلك آلان باديو، فهي بطبيعتها عَرَضِيَّة وليست جوهريَّة ولا أصيلة، فهي تتجنب الخوض في تجارب عميقة تلمس بحبٍ ورحمةٍ الطرف الآخر وتطلب معرفته، فالآخر والعملية برمتها في الرغبة الجنسية الصرفة مجرد وسيلة إشباع طارئة لاحتياجات وإفرازات الجسد!

وكان مما صدم آلان باديو، انتشار مواقع المواعدة في الغرب وتهافت النَّاس عليها، وإقامة علاقاتهم وتعارفهم وتواصلهم من خلالها، حيث عَبَّرَ عن انزعاجه الشديد من ظاهرة الملصقات الخاصة بمواقع المواعدة عبر الإنترنت المليئة بها شوارع باريس، والتي تحمل شعارات مثيرة، مثل: “احصل على الحب بدون فرصة“، “كن في الحب دون الوقوع في الحب“، “احصل على الحب المثالي دون معاناة“! وسوف تحصل على الموضوع، (=الجسد وليس الشخص كشخص، الذي تصب فيه لذَّاتك ورغباتك) من خلال البحث عبر الإنترنت، وستجد فيه: صورتها/صورته، وتفاصيل أذواقها/ذوقه، وتاريخ ميلادها/ميلاده، وبرجها/برجه، إلخ، حتى تصل إلى نتيجة مطمئنة، وتقول لنفسك: “هذا خيارٌ خالٍ من المخاطر!“، وحقيقة “الحب هو متعة يبحث عنها الجميع تقريبًا“.

تلك الرغبات السريعة التي تهرب من المخاطر في العلاقات (=أي الالتزامات والمسؤوليات)، وتريد ممارسة الحب (=أي العملية الجنسية) تبحث في الواقع عن: “صفر مخاطر”، وهي الطريقة نفسها التي يرى علماء الاجتماع، كريتشارد سينيت Richard Seenet وزيجمونت باومان Zygmunt Bauman، أنها تناظر طريقة الرأسماليَّة التي تقول للعامل الفرد: “لا يوجد التزام تجاهك“، والحبيب الذي يخبر حبيبته بأنه: “لا التزام من جهتي“، وكل ذلك يسبح في نهر واحدٍ جارفٍ، “في عالمٍ تُصْنَعُ فيه العلاقات وتفكك باسم الترخيص/التساهل الاستهلاكي المريح“. ولهذا يقول الفيلسوف الفرنسي آلان باديو: ” أول تهديدٍ أراه للحب، هو ما أسميه: تهديد المخاطر”. أي التخلي عن وجود علاقات حقيقيَّة خوفًا من تبعاته ومخاطره (=الالتزامات والمسؤوليات)، فهذا النوع من “الحب ليس إلا بديلاً عن مذهب المتعة الهائج ومجموعة واسعة من التمتع الممكن. فالهدف هو تجنب أي تحدٍ مباشر، وتجنب أي تجربة عميقة وحقيقيَّة مع الآخرين“. إنَّ هذا النوع من الحب (=الاتصال الجنسي للمتعة)، الذي يسعى إلى القضاء على عامل المخاطرة تمامًا، -كما يقول آلان باديو– يصبح مثل الدعاية للتجنيد والدخول في حرب، فالجيش الإمبراطوري يعدك بأنَّه لا توجد مخاطر عليك من الدخول في الحرب، ولسوف تعود سالماً غانمًا، وإنَّما المخاطر في الحقيقة ستكون على الآخر: العدو! ولهذا، فإنَّ الإنسان المعاصر الفرداني يتم “تدريبه جيدًا على هذا النوع من الحب، وباتباعه شرائع السلامة الحديثة، فلن تجد صعوبة في إبعاد الشخص الآخر إذا كان لا يناسبك، أما إذا كان يعاني، فهذه مشكلته وليست مشكلتك، فهو ليس جزءًا من الحداثة“. ويؤكد آلان باديو أنَّ هذه الممارسات الحديثة لهذا النوع من ممارسة الحب، هو في الحقيقة شبيه بنفس الطريقة التي تنطبق فقط على الجيش الغربي، الذي يعلن لجنوده عبارة (صفر قتلى)، أما القنابل التي يلقونها من أجل قتل كثير من الأشخاص في البلدان الفقيرة، فاللوم إنَّما يقع عليهم لأنهم يعيشون تحتها، وهم في النهاية لا ينتمون إلى الحداثة.

وهكذا، فإنَّ الحب في العلاقات الحديثة تكون السلامة فيه للذات هي الأولى، مثل كل شيء يحكمه معيار الأمان، وبوليصة التأمين الجيدة، لتحقيق مذهب المتعة الشخصية، أما جميع المخاطر التي يتعرض لها من هم على الجانب الآخر فلا يهم، ففي حب الحداثة كل شيءٍ للذات “من أجل راحتك وسلامتك“! يقول آلان باديو: “أعتقد حقًا أن الحب -في عالم اليوم- عالقٌ في هذا المأزق، في هذه الحلقة المفرغة، وبالتالي يتعرض للتهديد…يجب إعادة اختراع المخاطرة والمغامرة ضد السلامة والراحة“.

ما الذي يفعله الإنسان حقيقةً مع تلك العلاقات العَرَضِيَّة المرَضِيَّة التي يسمونها حبًّا؟ إنه يريدها أو تريده دون مشقة ودون أي التزامات أو اشتراطات أو مسؤوليات، يريدونها سريعة ومباشرة ودون كلفة ولا بناء مؤسسي يوجد فيه طرفان ملتزمان ببعضهما بحبٍ ووفاءٍ واحترامٍ. وماذا يريد الشخص من بائعة الهوى في الشارع؟ أو من الدمية التجارية المصنوعة؟ أو مع الحيوانات التي شَرَّعَ الغرب علاقة الإنسان المعاصر الجنسية معها؟ إلا قضاء حاجته الجسديَّة العابرة، وأي ارتباطٍ عاطفيٍّ وحبٍّ حقيقيٍّ يمكن أن يكون في مثل تلك العلاقات الشهوانيَّة الأنانيَّة؟!

ويُلْمِحُ المحللُ النفسيُّ الفرنسيُّ جاك لاكان Jacques Lacan (1981م) إلى أمرٍ جديرٍ بالانتباه، وهو أنَّه في مثل هذه العملية الجنسيَّة لا يوجد فيها شيءٌ اسمه (علاقة) ليصح أن تكون (علاقة جنسيَّة مُرْضيَة أو صحيَّة)، فالعلاقة الحقيقة تفترض وجود طرفين، وهذا هو أساس العلاقات الإنسانيَّة، في حين أن العملية الجنسيَّة هي عملية تهدف إلى تحقيق المتعة، متعة فرد واحد فقط، ورغبة جسد واحد فقط بإفرازاته، أما الطرف الآخر فهو مجرد موضوع (موضع/جسد) لسكب اللذة والرغبة الفردانيَّة، إنه شيءٌ أو سيلةٌ كالدمية الحديثة التي تباع للممارسات الجنسية وتحقيق الرغبات، فالجنس في الواقع يفرق بين الشخصين ولا يوحد بينهما مثلما يفعل الحب الحقيقي، ففي الممارسة الجنسيَّة “ما هو حقيقيٌّ نرجسي، وما يربط هو خياليٌّ“، أما “في الحب فيحاول الآخر الاقتراب من وجود الآخر. في الحب يتجاوز الفرد نفسه، ويتجاوز النرجسي [الذي بداخله]. أما في الجنس، فأنت حقًا في علاقة مع نفسك من خلال وساطة الآخر، فالآخر يساعدك على اكتشاف حقيقة المتعة“.

ويتجسد الفرقُ الجذريُّ بين الحب الحقيقي بين روحين وبين الممارسة الجنسيَّة التي يحضر فيها واحدٌ فقط هو أنَّ الآخر مضمر أو متخيل، له دور وظيفي فقط هو الإشباع والمتعة. ولهذا حين تذهب سكرة الامتاع يستفيق العقل ويرى الجسد في أقبح صوره، وربما قاده ذلك في أحيان كثيرة إلى الاعتداء على “الشريك/الوسيلة”، وإهانته والانتقام منه. وفي هذا السياق، يتحدث آلان باديو أنَّه عندما كان شابًا صغيرًا، شعر بالذهول والاشمئزاز حين قَرَأَ مقطعًا كتبته سيمون دي بوفوار Simone de Beauvoir [=رائدة النِسْويَّة والوجوديَّة، والصديقة الجنسيَّة لجان بول سارتر Jean-Paul Sartre، وكانت صاحبة علاقات متعددة وشاذة مع فتيات قاصرات]، حين وصفت كيف أنَّه بعد ممارسة الجنس، يشعر الرجل بجسد المرأة مترهلًا، وكيف تشعر المرأة بالتوازي أنَّ جسد الرجل غير جذابٍ وسخيفٍ.

وهكذا، حين تختلط أقرب المشاعر الروحية النبيلة بالدوافع الغريزية في الإنسان، ولا يعود يقدر أن يميز بينهما ولا يفرزهما عن بعضهما، فإن ذلك يدل على سقوط تلك الحدود الفاصلة الوضحة بين الأشياء وبين المعاني، الأشياء القائمة على الرغبة سريعة الزوال والمعاني العميقة في النفوس والتي يجب أن تبقى ثابتة وراسخة، وهذا الخلط في حقيقته إعلانٌ عن سقوط الإنسان، ويشير إلى أزمة عميقة جدًا يواجهها الإنسانُ المعاصرُ في حياته الفرديَّة والاجتماعيَّة على هامش برامج وتوسعات المؤسسات الماديَّة البرغماتيَّة الرأسماليَّة العظيمة العابرة للقارات التي ترى جميع الأشخاص والأشياء والمعاني مجرد مُنتَجَات يجب أن تصطبغ بخصائص السلع: البيع، والعرض والطلب، وسرعة التجدد والتغير، والعَرَضِيَّة. وقد ساهمت كثيرٌ من الفلسفات الوضعيَّة الغربيَّة، وأدوات المتعة كالأفلام والمسلسلات والدعايات، ووسائل التواصل الاجتماعية والمشاهير، في تعميق مفاهيم سيكون لها أعظم الأثر في علاقة الإنسان بنفسه وغيره: كالفردانية، البرغماتيَّة، والماديَّة، بإنتاج علاقات إنسانية عَرَضِيَّة قائمة أساسيًا على الرغبات عوضًا عن الحب أو أواصر أخرى أكثر عمقًا. والرغبة بطبيعتها: مؤقتة، وسريعة الزوال، ومتجددة تطلب التنوع والتغير، ومن ثَمَّ فإنَّها ستلقي بظلالها على العلاقات بين النَّاس، وستصبح تلك العلاقات: مؤقتة، وسريعة الزوال، ومتجددة تطلب التنوع والتغير.

إنَّ أخطر ما في تلك العلاقات العَرَضِيَّة أنَّها صارت مَرَضِيَّة وكالرمال الصحراويَّة المتحركة، تزحف نحو كل ما هو ثابت وجميل في علاقات البشر: العلاقة بالوالدين، وعلاقة الزوجين، وعلاقة الإخوة، وعلاقة الأصدقاء. فهذه العلاقات لا تحكمها الرغبة، أو على الأقل في بعضها لا تحكمها الرغبة المجردة، بل تحكمها القيم والمبادئ الدينيَّة والفطريَّة الضاربة في جذور روح الإنسان، ومن ثَمَّ هي ثابتة وراسخة وقويَّة، وأي تبدل فيها أو ضعف سينعكس حتمًا على تلك العلاقة، مع الوالدين والزوجين والإخوة والأصدقاء، وسيدب إليها داء الأنانية والتمركز حول الذات ورغباتها، وستظهر عليها الهشاشة وعلى المجتمع ككل، وسريعًا ما تتهشم العلاقات كالزجاج الذي سيتناثر في كل مكان، مفترقًا عن بعضه إلى الأبد، وكل قطة ستبتعد عن الأخرى، ولن تكون هناك جاذبية تجمع بين بعض أفرادها إلا الانجذاب نحو المصالح والرغبات الفرديَّة. وحينما يتحول الإنسان، بعواطفه ومشاعره وغرائزه ومبادئه، إلى مُنْتَج، فإنه سيصعب عليه أن يعود إلى ذلك الإنسان الذي كان عليه من قبل؛ لأنه الآن صار مجرد سلعة، ولو استطاع أن يقنع الآخرين بصدق رجوعه؛ فإنه سيجد صعوبة في أن يقنع نفسه أنه بالفعل لم يعد مجرد سلعة، ثم لن يهتم كثيرون بذلك في وسطٍ مشبعٍ بالفردانيَّة والماديَّة، إذا أشبعت الرغبات وحققت المصالح، وافترق الرفقاء وقد حصَّل كل وطرفٍ على مراده وعاد إلى سرب الفردية، ليُبْعَث مرة أخرى حين تتجدد الرغبات ويبحث عن فرد آخر يشبع رغباته الفردية ويحقق مصالحه العَرَضِيَّة، بلا قيم ولا أهداف حقيقيَّة ولا علاقات دائمة ومستمرة ونامية.

يقول الأديب البرتغالي فرناندو بيسوا Fernando Pessoa: “من واجب الذكاء ألا يستسلم أمام الغريزة”.

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى