فكر وثقافة

الفَردانِيّة الواعية والذّات الفاعِلة

  • سمية بنت منيف العتيبي
  • تحرير: أسامة خالد العمرات

يبدو قول ابن خلدون الشهير في مقدّمته “إنّ الاجتماع للبشر ضروري” عبارةٌ اِبْتَذَلَ استخدامها، خصوصاً في مجتمعاتنا المحافظة؛ حيث إنّ الاجتماعي أو الجماعاتي يحوّط الفرد من كلّ جانب، لكنها حقيقة ثابتة اليوم؛ فالأمر -كما يرى إريك أريكسون- بأنّ حياة الفرد الاجتماعية تبدأ منذ ولادته ، فالفرد يولد في وسط اجتماعي ينتمي له منذ أن يفتح عينيه على هذه البسيطة، يتكون من أبٍ وأمٍّ أو من يقوم مقامهما، فهو لا بدَّ له من الآخر الراعي في سِنِيِّ عُمره الأولى، ومن بعد ذلك لا بدّ له من الرّفيق، أيًّا كانت صلة قرابته به، لذلك لا ريب أن يتَّجِه الخطاب الدِّينيُّ للحثِّ على الجماعة ،لِاعتبارات عدة؛ منها كونُهُ ردَّة فِعل طبيعية ضدَّ التّيّارات الأخرى التي تخالِف الاتّجاه السّائد.

فالفرد اُختزل في هذا الخطاب لكائن جماعاتي، فلا يزال يُردّد هذا الخطاب، قوله صلّى الله عليه وسلم “يد الله مع الجماعة” حتى أصبح سِمَةً عامّة له يُعْرَفُ به وفيه يُختزل، وأضحى الوعي الجَمْعِيُّ يُعيد قوله عند أدنى اختلاف، بل أصبحت تُشكل هذه العبارة سُلطةً رمزيّة على ذهن أي فرد يحاول أن يَشُقَّ له طريقًا فرعيًّا عن طريق الجماعة، مهما صَغُرَ الموضوع  أو كَبُرَ من حيث الأهمية، وهذا نتيجة لتكريس هذا الخطاب دون غيره من الخطابات، ودون الأخذ بعين الاعتبار مقاصدَ الإسلام الأخرى التي حين يتأمّلُها الفرد؛ يعلم أنّ هذا الخطاب لا يقتصر عليها رغم شيوعه.

ففي حين، تؤكّد شرائع الدِّين على الجماعة في أكثر من موضع بدأً بصلة القربى وانتهاءً بجماعة المسلمين، إنّما هو تأكيد في محلّه من تشريع إلهيٍّ لا يَغيب عنه حاجات النفس الأوليّة للاجتماع، إلّا أنّه لا يغيب عنه الفرد أيضاً مُمَثَّلاً بفِعْلِه الفرديّ، بل هو الأساس، فالفكرة النّهائيّة للدِّين هي محاسبة الأفراد فرادى بناءً على أفعالهم الذّاتيّة كما في الآية الكريمة {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ}، وفي هذه الفَردانيّة يجب الأخذ بعين الاعتبار أنّ الفرد لا يتماهى ولا يذوب في البناء المجتمعي في التشريع الإسلامي، بل هو لَبِنَةٌ من اللبِنَات التي يقوم عليها هذا البناء، مشكّلًا كيانًا خاصًّا له ولوظائفه واعتباراته، على الرغم من غياب هذا في الخطاب الدّينيّ العام.

ففي حين غابت هذه اللبِنَة -الفرد- عن النّظرة العامّة في بدايات علم الاجتماع الغربي -كما هو معلوم- حيث كان المجتمع هو الرّكيزة التي تنشغل الدّراسات بها دون أخذ الاعتبار بالنّظر إلى الفعل الفردي، ففي حين يرى ريمون بودون أنّ الفردانيّة المنهجيّة الطريقة التي ابتدعها للنّظر للوقائع الاجتماعية  في كتابه “الطرائق في علم الاجتماع”– تمتدُّ جذورها إلى ماكس فيبر أحد مؤسسي علم الاجتماع الغربي[i]، هي في الحقيقة  تتمثل في التشريع الإسلامي بأكمله قبل ذلك، وهو ما تَمثّله أيضاً بعد ذلك ابن خلدون، حيث تتجلّى في النّظر للعلاقة بين الفرد والمجتمع ومكان كلٍّ منهما للآخر، وهذا ما  يمكن أن نُطلق عليها في مجتمعاتنا الإسلامية بالفردانية الواعية.

فهي ليست طريقةً للنظر للوقائع الاجتماعية كما لدى بودون، بل تيّارٌ فكريٌ ينبع من الإدراك الذّاتي بفردانيّة الذّات داخل المجتمع دون ذوبان لها فيه، حيث الأمر كما يقول آلن تورين عن الذات الفاعلة التي لا تحلق فوق المجتمع لكنها لا تسقط في شرك أنظمته وتراتُبيَّاته[ii]، فالذات في التشريع الإسلامي لها فاعليتها الفردية بدأً من حقيقة أنّ لها حقوقًا خاصةً تُغذّي فرديّتها، ففكرة الحقّ التي أتى بها هوبز والتي كانت شرارة اللبرالية الغربية [iii]، كانت قبل ذلك في التشريع الإسلامي، لكنّ الذّات في حين أنّ لها حقوقًا، فهي محاسبةٌ على اختياراتها، كما أنّ عليها في الوقت ذاته واجباتٍ جماعاتيّة اتجاه الجماعة، فهو خليط من الفردي والجماعاتي، يُتيح للذّات عَيْشَ فرادتها ويمهّد لها الطريق لعيش فاعليّتها الذّاتيّة، لكن لا يسلبها من مجتمعها الذي بِعيشِها فيه تحيا حياةً صحيّةً.

الفردانيّة الواعية في التّشريع الإسلامي تتّضح جليًّا في حديث تغيير المنكر الشهير الذي لازمه شرط القدرة، فالفردانيّة مُتمَثّلةٌ في الفعل الفرديّ هي فاعليّة واعية تتبنّى التّغيير، لكن تكون واعية بمحيطها الاجتماعي، فالفعاليّة الذّاتية لا يَحُدُّها عرف اجتماعي، وإنّما وعيٌ ذاتيٌّ بالقدرة الذاتيّة، وهذه نقطة ارتكاز في الفردانيّة الواعية وما تُنْتِجُه من فاعليّة الذاتيّة التي لا يُكبِّلُها سوى الإرادة الذاتيّة والوعي الذّاتي التي يكون فيها الفرد هو الفاعل الأول قبل كل شيء.

يُعَرِّفُ دوركايم التفريد بأنه “عملية تحرير أعضاء المجتمع من القيود التراثيّة والأنماط الجاهزة والسّماح لهم بالحصول على استقلالية وحرية أكثر في الاختيار”[iv] وفي الفردانيّة الواعية يقوم الفرد بذلك انطلاقًا من فاعليّته الذاتيّة في عمليّة يُدرك فيها الفرد أبعاد قراراته، ومقدار خطواته التي يخطوها بعيدًا عن مجتمعه، يُوازن فيها مصالحه الذاتيّة أولًا، أن يكون ذاتًا فاعلة تُغيّر في مجتمعها، وفردًا ينتمي لجماعة تُشبع حاجاته الأولى على اختلافها من اعتراف وغيره، فالفاعليّة الذاتيّة للفرد هي المُحرّكُ الأوّلِيُّ للفردانيّة الواعية.

وهذه الفاعليّة تختلف حسب اختلاف الأفراد وقدراتهم، فحجم تغيير كل فرد يختلف باختلاف الأفراد، فهناك تغييرات محدودة كما أنّ هناك تغييرات قد تطال التاريخ فتؤثر فيه، وغالبًا هذا النوع من التغيير أعداده قليلة، فعلى مرِّ العُصور نرى الذّوات الفاعلة من قادةٍ ومفكرين وعلماء، أعدادهم محدودة في كل المجتمعات، لكنّ هذه الحقيقة لا يمكن أن تجعلنا نُلغي الفاعليّة الذّاتية النّابعة من إرادة الفرد الواحد، والتي وعى بفاعليتها علماء الاجتماع المتأخرون، خصوصًا في زمن وسائل التواصل الاجتماعي التي أنتجت ما يمكن أن يُسمّى الفردَ العُضويَّ، أو ما يُشاعُ بتسميتهم بالمؤثّرين، فهم أفرادٌ عضويّون رغم أنّ غالب تأثيرهم  ليس في الثقافة بل في قطاع الأعمال، ولا ريب أن يكونوا كذلك، فهم منتجات رأسمالية، أتت في سياق تجاريّ بَحت، رغم أنّها قد لا تقتصر عليه كما تُبيِّن الشّواهد.

فبعد موت ما يُسمى المثقّف العضوي[v]، أضحَتْ وسائل التواصل الاجتماعي أداة للفاعليّة الذاتيّة من كافة أفراد المجتمعات على السواء، فالأمر لا يحتاج لمهارة ذاتيّة خاصّة لاستخدام هذه الوسائل، فوسائل المثقّف العضوي التقليديّة قد قُدّمَت في منتجات أصبحت في متناول الجميع، وهذا ما تنبّأ به دريدا الذي رأى في الشبكة العنكبوتية وأدوات التواصل الجديدة كقنوات تمنح مزيدًا من الأفراد للمشاركة في الفاعلية المجتمعية[vi]، لذلك برزت ما تُسمى الشعبويّة، وهذا كُله  أولًا و أخيرًا برز بفعل الفاعلية الذاتيّة الكامنة في كل فرد منا، لكنّ القليل منّا مَن يُفعّل هذه الفاعليّة بشكل فعّال لتأخذ لها مكانًا في التاريخ.


[i]  جان بيير دوران، روبرت ويل، علم الاجتماع المعاصر، ترجمة: طواهري ميلود، ابن النديم للنشر و التوزيع، دار الروافد الثقافية -ناشرون،٢٠١٩،ص.٢٥٦

[ii]  آلان تورين، براديغما جديدة لفهم عالم اليوم، ترجمة: جورج سليمان، بيروت: المنظمة العربية للترجمة،٢٠١١،ص.٢٣٥

[iii]  بيير مانن، التاريخ الفكري لليبرالية، ت: هاشم صالح، الرياض: مركز الملك فيصل للبحوث و الدراسات الإسلامية،١٤٣٩،ص.٩٥

[iv] Axel Honneth, The I In WE Studies in The Theory of Recognision, Translated by: Joseph Ganahl, Polity Press,2012, p153

[v]  علي حرب، أوهام النخبة أو نقد المثقف، الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،٢٠٠٤

[vi] Jacques Derrida Key Concepts, Editor: Claire Colebrook, Routlegue,2015, p.67

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى