عام

اعترافات ساعية في رضى الناس

  • أليسيا مونيوز
  • ترجمة: أشواق الزيد

إنها الساعة العاشرة ليلاً، هل تعلم ما هي حدودك؟

اعتدت على تصور الحدود بطريقة خيالية، متمثلةً بالرفض وانعدام الكفاءة والأنانية. فعندما اعتذر زوجي عن قبول دعوةٍ لمقابلتي في مطعمٍ ما للغداء، أو أن صديقاً اختار إقلالي بقطار الأنفاق بدلاً من إقلالي بالسيارة طوال طريق العودة للمنزل، رأيت أن هذه الاختيارات محاولات قاسية ومُضللة عن عمد من قبل أحدهم وذلك لتدمير أهليّتي ووضع العقبات في طريقي واعتراض مسار حاجاتي بتصرفاتهم المزعجة في الاهتمام بالنفس، والتي لا معنى لها.  وباعتباري شخصاً مُتعافياً[1]، فقد كان ينتابني هلعٌ مفاجئ كلما أُجبرت على وضع حدٍ كاختيار أخير؛ وفي لحظة من الهلع أو الإنهاك يكون قراري مخيباً لآمال صديق ما أو فردٍ من أفراد العائلة أو شريكي الخاص، كان إحساس اتخاذ حدٍ ما مُشعراً بالخطر وممهِّداً لخسارة فادحة.

بدا لي أن الذين يضعون حدوداً بينهم وبين الآخرين يضحّون بالحب والتواصل دون أسباب مقنعة، فما الفائدة من تقديم نفسك إذا كان ذلك قد يؤدي إلى بقائك وحيداً بعد أن تهدأ العاصفة؟ كان من السهل أن أتنازل عن رغباتي، أو أن أتحصّل عليها بطريقة أكثر سلميّة من خلال تقليل أهمية الطرف المقابل وإشعاره بالذنب، أو أن أبحث عن متعة بديلة كالتسوق عبر الإنترنت وأكل الحلوى وشرب القهوة، بالإضافة إلى سلسلة متقطعة من المشروبات الكحولية في نهاية أسبوع العمل الطويل. وفي حالِ كنتُ محبطة فإن لومَ الآخرين كان الملاذ الأخير والجيد عندما تفشل خططي الأخرى.

وبعد عشر سنواتٍ من العمل مستشارة زوجية، أقوم ببناء نفسي في عُش الزوجية لإحدى عشرة سنة، أحاول أن أرى النور في نهاية نفق “إرضاء الناس”، تبين لي أنه أقرب للشرنقةٍ من النفق، وفي معظم الأيام أخرج منه لعالمٍ جديدٍ مشرق. إن الحدود تؤمّن العلاقات، وتدعم التواصل المباشر بدلاً من وقوع الافتراضات والتهرب والسلوك العدواني السلبي، وظهور الدوافع الكامنة والتوقعات المضمرة. وليست الحدود مجرد نهاية شيء وبداية شيء غيره إما ربحاً أو خسارة، وإنما هي حارس لقوة حياتنا وحاضن لطاقاتنا وحامٍ للمنابع العاطفية العزيزة[2]، وهي وقودٌ لاحترام النفس ووقادة لها. وعلى الرغم من إدراك الحدود يحتاج وقتاً، فهي المحور في تمكين النفس ولافتات مرشدةٌ لنا لا غنى عنها. إن زرع الشجاعة للحديث عما نكتشفه حول حدودنا بصوتٍ مرتفع في علاقاتنا قد يُحدث توتراً في حالة مؤقتة، ولكن ممارسة هذا السلوك على المدى البعيد سيُنظم حياتنا يوماً بعد يوم مع أسمى قيمنا.

فليس من المريح دائماً أن أُسأل أسئلة معيّنة لأقول: “أفضّل ألّا أتحدث بشأن ذلك”، أو أن أعتذر عن قبول الدعوات عندما يتوقعُ الناس حضوري لمناسباتٍ هامة. إن مقاومة تيّار التوقعات الدقيقة والمتدفقة عبر مياه حياتي الشخصية: العائلية والوظيفية والاجتماعية يتطلب جهداً، إلا أنها ممكنة.

أين هي “كنيسة” الحدود الصحية للعلاقات الشخصية؟[3] من المُمكن أن أبني واحدة، وذلك بتصورها متمثلة في صخرة جميلة وهيكل زجاجي في أعلى التّل مع تلألؤ المحيط إلى حدٍ بعيد حتى مسافة ما وراءه. وأن يضع المصلون هواتفهم النّقالة على وضع الطيران أثناء سيرهم من خلال الأبواب، وبدلاً من ترتيل الصلوات يصنعون علامات التوقف الأوريغامية[4] من أوراق الإيصال الخاصة بالعشاء دون أن يحمّلوا أحداً آخر مسؤولية مشاعرهم. إنني أتصور نفسي أقفز على العشب ناثرة قُصاصات الأوراق المصنوعة من الرسائل المُمزقة والتي لن أردّ عليها أبداَ.

لا يزال يصيبني تشنج في عضلات الفك في اللحظة التي تسبق قولي بالرفض بعد عُمر من تجنب قول “لا” لصالح القول بـ “نعم” و”بالتأكيد” و”عظيم” و”ممكن”، لذلك يجب أن أقوم بعملية الزفير وأن أبتلع ريقي بشدّة وأفكر، إنه أمر مُربك. إن حاجات الآخرين ورغباتهم لن تذهب بعيداً في أي وقت قريب، ولا حتى حاجاتي ورغباتي. وفي حيّز ما -في مستوى بين الصرامة والتهاون حتى الانهيار- تنتظر حدودنا أن يُعترف بها وأن تُقدر وأن يُعترف بها بالكامل ضمن عملية اتخاذ القرار. إنها اليقظة -أو الوعي، إذا لم تكن أنت من فئة “أ” تماماً كما أنا[5]– التي تدلنا على مكان وقوع المِخيَط. ما هي حدودنا المادية والعقلية والجسدية والعاطفية في هذه اللحظة ضمن مشكال[6] أولوياتنا وحاجاتنا وعلاقاتنا المتقلِّبة؟ كيف تتغيّر حدودنا بينما نكبر وننمو؟ حينما نمرر المِخْيَط بعد اكتشاف موضع الخياطة أكثر من ملّ متر هنا أو هناك حتى مكانٍ أعظم صدقاً، نصبح أبطال رحلة حياتنا، معاودين تعلّم الفن العتيق والمنسي في كوننا أنفسنا. يمكننا أن نُظهر أنفسنا كما هي بتدرج، فوضع حدّ ما هو انتصار صغير في كل مرة.

إن العادات القديمة المتمثلة في مراعاة الناس ومساعدتهم وإنقاذهم لا تنقطع بسهولة[7]، خصوصاً لمن كان في حالة سعيٍ وراء رضى الناس سابقاً. وعندما تشتدّ الأمور فإنني –شخصياً- أغيّر هاتفي النقال إلى وضع الطيران وأقفز على العشب تحت مطر من قصاصات الورق، ولكن هذه طريقتي التي تخصني.

عِش حياتك كما أنت.


[1] التعافي من سلوك غير طبيعي متمثل في تقديم الآخرين على النفس بصورة متكررة ومبالغة، وأصحاب هذا السلوك يخافون من عدم تقبل الآخرين ومن ثم لا يعبرون عن آرائهم، ولا يرفضون طلبات الآخرين حتى لا يقعوا في الأنانية في ظنهم، وأن قيمتهم تأتي من تلبية احتياجات غيرهم. وهناك بعض منهم فيما اطلعت يُصابون بنوبة هلع مصاحبة لهذه الحالة كما الحال مع صاحبة المقالة. (المترجمة)

[2] قد لا يتفق رأي المترجم أو القارئ مع رأي الكاتب في كل أجزاء المقالة بالضرورة، فنحن لا نعول على “الحدود” ذاتها بالحماية والحراسة والقوة، وإنما نعلق الكفاية بالله ومشيئته ثم بأخذ الأسباب الموصلة للسوية النفسية، وإلا فإن من الحالات المرضية المعرفية السلوكية من تتماثل للعلاج ثم تصحبها حالة انتكاس. (المترجمة)

[3] أرادت الكاتبة من استعارة مفهوم الكنيسة هو إضفاء حس قداسي للحدود، وهي استعارة مبالغ فيها، وكما ذكرنا من أنه لا تلزمنا كل أجزاء المقالة. (المترجمة)

[4] هو فن ياباني في تشكيل الورق في هيئات متعددة. (المترجمة)

[5] لعل الكاتبة تقصد بالفئة “أ” مرحلتها الأولى المتمثلة في سعيها وراء رضى الناس، حيث إن مرحلة الوعي –وقد يشار إليها بالمرحلة “ب” في مثل هذه الحالة- فإن من شأنها أن تضع حدوداً لذلك. (المترجمة)

[6] هي لعبة عبارة عن أنبوب فيه مرايا وألوان، وحال تدوير الأنبوب تحدث المرايا انعكاسات ينتج عنها أشكال متغيرة. (المترجمة)

[7] لا تقصد الكاتبة ذم مراعاة الناس ومساعدتهم في الصورة المعروفة من الاعتدال لأن مساعدة الغير أمر محمود عادة، وإنما تقصد ذلك المعنى في محاولة مراعاة الناس بصورة مبالغة والتي تصل إلى سلوك غير طبيعي يؤثر على الشخص نفسه. (المترجمة)

أعجبني المقال

المصدر
psychotherapynetworker

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى