الدين

التوفيق والخذلان في الخطاب القرآني

الحمدلله وبعد: تأملتُ يوماً -وكنت أفكر في جوامع الأدعية- حديث مُعَاذِ بن جَبَلٍ، قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ بِيَدِي يَوْمًا، ثُمَّ قَالَ:(يَا مُعَاذُ، إِنِّي لأُحِبُّكَ)، فَقَالَ لَهُ مُعَاذٌ: بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَنَا وَاللَّهِ أُحِبُّكَ، فَقَالَ: “أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ” [رواه البخاري في الأدب المفرد وصححه الألباني]، ثم نظرت إلى قول ابن تيمية – الذي نقله ابن القيم-: (تأملت أنفع الدعاء فإذا هو سؤال العون على مرضاته ثم رأيته في الفاتحة في “إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) [مدارج السالكين]، فوجدت أن الخيط الرفيع الذي ينتظم هذه المعاني هو (مركزية التوفيق) في تحقيق الخير في الدنيا والآخرة، وهذا ابن القيم يقرر هذا المعنى بقوله: (وقد أجمع العارفون على أن كل خير فأصله بتوفيق الله للعبد‏.‏ وكل شر فأصله خذلانه لعبده) [الفوائد]، وعلى العبد أن (يعرف حاجته إلى حفظه الله له ومعونته وصيانته، وانه كالوليد الطفل في حاجته إلى من يحفظه ويصونه ؛ فإن لم يحفظه مولاه الحق ويصونه ويعينه فهو هالك ولا بد، وقد مدّت الشياطين أيديها إليه من كل جانب تريد تمزيق حاله كله و إفساد شأنه كله، وإن مولاه وسيده إن وكله إلى نفسه وكله إلى ضيعة وعجز وذنب وخطيئة وتفريط فهلاكه أدنى إليه من شراك نعله) [ابن القيم-طريق الهجرتين]، ويقول الفقيه الجليل ابن رجب رحمه الله: (لا يقوى العبد على نفسه إلا بتوفيق الله إياه وتوليه له فمن عصمه الله وحفظه تولاه ووقاه شح نفسه وشرها وقواه على مجاهدتها فلهذا كان من أهم الأمور سؤال العبد ربه أن لا يكله إلى نفسه طرفة عين) [رسائل ابن رجب].

 

– مفهوم التوفيق والخذلان: ابن القيم رحمه الله يكرر كثيراً في كتبه هذا القول: (وقد أجمع العارفون بالله: أن “التوفيق” هو أن لا يكلك الله إلى نفسك وأن “الخذلان” هو أن يخلى بينك وبين نفسك فالعبيد متقلبون بين توفيقه وخذلانه بل العبد في الساعة الواحدة ينال نصيبه من هذا وهذا، فيطيعه ويرضيه ويذكره ويشكره بتوفيقه له، ثم يعصيه ويخالفه ويسخطه ويغفل عنه بخذلانه له، فهو دائر بين توفيقه وخذلانه) [مدارج السالكين]، والتوفيق والخذلان هو -في الأصل- مبحث عقدي، يندرج في مباحث القضاء والقدر، وهذا ابن قدامة رحمه الله يشير إلى ما نحن بصدده مبيّنًا عن عقيدة السلف الناصعة: (أراد الله ما العالم فاعلوه، ولو عصمهم لما خالفوه، ولو شاء أن يطيعوه جميعا لأطاعوه، خلق الخلق وأفعالهم، وقدر أرزاقهم وآجالهم، يضل من يشاء بحكمته، ويهدي من يشاء برحمته). [لمعة الاعتقاد]، و(التوفيق عندنا يشمل شيئين:

الأول: إعانة خاصة على الإرادة أو القدرة.

والثاني إضعاف أو إبطال أو تعطيل الأسباب المثبطة عن العمل. هذا هو التوفيق عند أهل السنة.

أما الخذلان فإن الخذلان ترك العبد ونفسه؛ أن تُتْرَكَ أنت، تُعامَل بالعدل، لا تُعان بإرادة ولا قُدرة ولا تُثَبَّطْ عنك الأسباب، أو تُضْعَف، أو تُبطَل، أو تُعَطَّل -الأسباب المانعة-؛ فإذا خُذِل العبد تسلطت عليه الشياطين -شياطين الإنس والجن- وتسلطت عليه الشهوات وخُذِلَ فوُكِلَ إلى نفسه) [صالح آل الشيخ- شرح العقيدة الواسطية]، وليس في مباحثة هذا الموضوع دعوة للقعود والتعلل بالقدر، يقول ابن الجوزي رحمه الله: (رأيت جماعة من الخلق يتعللون بالأقدار، فيقول قائلهم: إن وفّقْتُ فعلت، و هذا تعلل بارد، و دفع للأمر بالراح و هو يشير إلى رد أقوال الأنبياء والشرائع جميعها فإنه لو قال كافر للرسول: إن وفقتني أسلمت. لم يجبه إلا بضرب العنق، و كذلك قول الممتنعين عن الصدقة “أنطعم من لو يشاء الله أطعمه؟!”، و لعمري إن التوفيق أصل الفعل، و لكن التوفيق أمر خفي، و الخطاب بالفعل أمر جلي فلا ينبغي أن يتشاغل عن الجلي بذكر الخفي) [صيد الخاطر]، وهذه إشارة بديعة، على أنه قد يفهم من حديث ابن الجوزي أنه يذهب إلى عدم الحديث في سر التوفيق والخذلان، والحقيقة أن المقصود بنهيه عن التشاغل بذلك إنما ينصب على ما كان قدراً خالصاً لا تُعلم علته، أما الاستفادة مما ورد في النصوص من الأمور التي يستجلب بها التوفيق، ويستدفع بها الخذلان فليس من ذلك القبيل، بل هو من التفقه المأمور به شرعاً إن شاء الله.

 

– هل التوفيق والخذلان محض مشيئة أم له أسباب؟

في كلام الله عز وجل ما يؤكد أن التوفيق للطاعة بإقدار العبد على فعلها وصرف ما يمنعه من إقامتها إنما هو بأسباب وعلل أطلعنا الله في كتابه على بعضها، وليس ذلك محض مشيئة، ولا قدراً مجرداً ؛ قال تعالى “وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا: أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا؟؛ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ” فترتيب الكلام في الآية يفيد أن منّة الله على أولئك وتوفيقهم للهداية إنما كان لتحققهم بالشكر، واعترافهم بالفضل، وقد أبان ابن القيم عن ذلك فقال أن التوفيق والخذلان إنما يكون على (وجه الحكمة والعدل لا بالاتفاق، ولا بمحض المشيئة المجردة عن وضع الأشياء مواضعها، وتنزيلها منازلها، بل بحكمة اقتضت هُدى من عَلِم الله أنه يزكو على الهدى، ويقبله، ويشكره عليه، ويثمر عنده؛ فالله أعلم حيث يجعل رسالاته أصلاً وميراثاً!) [مدارج السالكين].

 

– أسباب التوفيق للطاعة والحق والخير:

باستقراء مجمل لإشارات الخطاب القرآني حاولت استخراج علل توفيق الله للعبد، وأذكر ما وفّقتُ لاستنباطه كما يلي:

1– الافتقار والانكسار والتضرع وإظهار الحاجة والمسكنة، وهو من أعظم ما يستجلب به التوفيق للعبد، وهو لب العبودية، وحقيقة العبادة فالعبادة كمال الحب مع كمال الذل، تأمل هذه المعاني العظيمة فيقول يوسف عليه السلام: (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ)، ويقرر الفخر الرازي رحمه الله يقول في كلامه عن الاستعاذة: (إن قوله:” أعوذ بالله ” اعتراف بعجز النفس وبقدرة الرب، وهذا يدل على أنه لا وسيلة إلى القرب من حضرة الله إلا بالعجز والانكسار) [مفاتيح الغيب]، ويؤكد ابن القيم هذا المعنى بقوله: (إذا كان كل خير فأصله التوفيق،وهو بيد العبد فمفتاحه الدعاء والافتقار وصدق اللجئ والرغبة والرهبة إليه، فمتى أعطي العبد هذا المفتاح فقد أراد أن يفتح له، ومتى أضله عن المفتاح بقي باب الخير مُرْتَجًا دونه!‏، وما أُتي من أُتي إلا من قِبَل إضاعة الشكر وإهمال الافتقار والدعاء، ولا ظفر من ظفر بمشيئة الله وعونه إلا بقيامه بالشكر وصدق الافتقار والدعاء‏) [الفوائد]، ولابد للعبد حتى يحقق في نفسه الخضوع التام والانكسار الكامل لمقام الرب تعالى أن يملأ قلبه من تأمُل (مشهد العجز والضعف وأنه أعجز شيء عن حفظ نفسه وأضعفه، وأنه لا قوة له ولا قدرة ولا حول إلا بربه؛ فيشهد قلبه كريشة ملقاة بأرض فلاة تقلبها الرياح يميناً وشمالاً، ويشهد نفسه كراكب سفينة في البحر تهيج بها الرياح وتتلاعب بها الأمواج ترفعها تارة وتخفضها تارة أخرى تجري عليه أحكام القدر، وهو كالآلة طريحًا بين يدي وليه ملقى ببابه واضعاً خده على ثرى أعتابه، لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، ليس له من نفسه إلا الجهل والظلم، وآثارهما ومقتضياتهما، فالهلاك أدنى إليه من شراك نعله، كشاة ملقاة بين الذئاب والسباع لا يردها عنها إلا الراعي، فلو تخلى عنها طرفة عين لتقاسموها أعضاء، وهكذا حال العبد ملقى بين الله وبين أعدائه من شياطين الإنس والجن؛ فإن حماه منهم وكفّهم عنه لم يجدوا إليه سبيلاً، وإن تخلى عنه، ووكله إلى نفسه طرفة عين كان نصيب من ظفر به منهم) [ابن القيم-مدارج السالكين]، وفي السياق نفسه يلخص لنا ابن بدران الحنبلي رحمه الله هذا المعنى بعبارة جميلة فيقول: (من طرح نفسه بباب رب الأرباب لم يحتج إلى زمن طويل في فتح الأبواب) [نزهة الخاطر العاطر]، ويزيد ذلك ويشرحه العلامة الكبير الشيخ عبدالرحمن السعدي عند تفسيره لقوله تعالى”يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ“: (يخاطب تعالى جميع الناس، ويخبرهم بحالهم ووصفهم، وأنهم فقراء إلى اللّه من جميع الوجوه فهم فقراء بالذات إليه، بكل معنى، وبكل اعتبار، سواء شعروا ببعض أنواع الفقر أم لم يشعروا، ولكن الموفق منهم، الذي لا يزال يشاهد فقره في كل حال من أمور دينه ودنياه، ويتضرع له، ويسأله أن لا يكله إلى نفسه طرفة عين، وأن يعينه على جميع أموره، ويستصحب هذا المعنى في كل وقت، فهذا أحرى بالإعانة التامة من ربه وإلهه، الذي هو أرحم به من الوالدة بولدها) [تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان]، (ويحكى عن بعض العارفين أنه قال: دخلت على الله من أبواب الطاعات كلها، فما دخلت من باب إلا رأيت عليه الزحام فلم أتمكن من الدخول، حتى جئت باب الذل والافتقار ؛ فإذا هو أقرب باب إليه وأوسعه، ولا مزاحم فيه ولا معوق!) [ابن القيم-مدارج السالكين].

2– من أسباب توفيق الله شكره على جميع الأحوال: قال تعالى: (وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولواْ أَهَـؤُلاء مَنَّ اللّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ)، وقد سبق ذكر معناها، (وما أُتي من أُتي إلا من قِبَل إضاعة الشكر وإهمال الافتقار والدعاء، ولا ظفر من ظفر بمشيئة الله وعونه إلا بقيامه بالشكر وصدق الافتقار والدعاء‏) [ابن القيم-الفوائد].

3– الإيمان الصادق بالله تعالى: يقول سبحانه (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ) والباء في قوله” بِإِيمَانِهِم” للسببية، أي أن الله تعالى يوفق ويهدي عباده المؤمنين(فيعلمهم ما ينفعهم، ويمن عليهم بالأعمال الناشئة عن الهداية، ويهديهم للنظر في آياته، ويهديهم في هذه الدار إلى الصراط المستقيم وفي الصراط المستقيم، وفي دار الجزاء إلى الصراط الموصل إلى جنات النعيم) [تفسير السعدي] بسبب إيمانهم بالله تعالى، ويقول عزوجل: (إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللّهِ لاَ يَهْدِيهِمُ اللّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) فنفى عنهم الهداية وهي التوفيق للحق لعدم إيمانهم، ومن الآيات التي تقرر هذا السبب الجليل من أسباب التوفيق للهداية والحق والخير قول الحق سبحانه: (وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ).

4– ومن أسباب التوفيق: الإخلاص: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلِصِينَ) بكسر اللام من الإخلاص، وهي قراءة سبعية ثابتة، ومعنى الآية أن توفيق الله لعبده ونبيه بتجنب المعصية كان بسبب إخلاصه العبادة لله تعالى.

 

– أسباب الخذلان عن الطاعة والحق والخير:

1– أعظم تلك الأسباب كفر النعمة، وإنكار فضل الله وجحد عظيم منّته تعالى، و(عدم صلاحية المحل وأهليته وقبوله للنعمة بحيث لو وافته النعم لقال هذا لي، وإنما أوتيته لأني أهله ومستحقه كما قال تعالى “قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي” أي على علم علمه الله عندي أستحق به ذلك وأستوجبه وأستأهله.‏ وذكر عبد الله بن الحارث بن نوفل‏‏ سليمان بن داود ‏ فيما أوتي من الملك، ثم قرأ قوله تعالى: “‏هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر”‏‏ ولم يقل هذا من كرامتي، ثم ذكر قارون وقولهإنما أوتيته على علم عندي‏” يعني أن سليمان رأى ما أوتيه من فضل الله عليه ومنته وأنه ابتلي به ‏‏فشكره، وقارون رأى ذلك من نفسه واستحقاقه، وكذلك قوله سبحانه”وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَٰذَا لِي‏” أي أنا أهله وحقيق به فاختصاصي به كاختصاص المالك بملكه‏.‏

فإذا علم الله سبحانه هذا من قلب عبد فذلك من أعظم أسباب خذلانه وتخليه عنه، فإن محله لا تناسبه النعمة المطلقة التامة كما قال تعالى”إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون“‏ فأخبر سبحانه أن محلهم غير قابل لنعمته، ومع عدم القبول ففيهم مانع يمنع آخر يمنع وصولها إليهم وهو توليهم وإعراضهم إذا عرفوها وتحققوها)‏ [ابن القيم-الفوائد].

2-ومن أسباب الخذلان الكِبر: (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ)، يقول العلامة السعدي رحمه الله في تفسيره: (يتكبرون على عباد اللّه وعلى الحق، وعلى من جاء به، فمن كان بهذه الصفة، حرمه اللّه خيرا كثيرا وخذله، ولم يفقه من آيات اللّه ما ينتفع به، بل ربما انقلبت عليه الحقائق، واستحسن القبيح).

3– (ومما ينبغي أن يعلم أن أسباب الخذلان من بقاء النفس على ما خلقت عليه في الأصل وإهمالها وتخليتها) [ابن القيم-الفوائد]، فالقرآن جاء ببيان سمات الإنسان الجهول الظلوم، فمتى ترك نفسه على طبيعتها، وأهمل إصلاحها أوردته المهالك، وأمسى مستحقاً للخذلان.

4– ومن أسباب الخذلان المعاصي: (إِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم  بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ)، وهذا السعدي رحمه الله في إلماحة رائعة يختم تفسيره بدعاء رائق: (ونسأله تعالى أن يتم نعمته، وأن يعفو عنا ذنوبًا لنا حالت بيننا وبين كثير من بركاته، وخطايا وشهوات ذهبت بقلوبنا عن تدبر آياته!)، (فلوطهرت منا القلوب وصفت الأذهان وزكت النفوس وخلصت الأعمال وتجردت الهمم للتلقي عن الله ورسوله لشاهدنا من معاني كلام الله وأسراره وحكمه ما تضمحل عنده العلوم وتتلاشى عنده معارف الخلق) [ابن القيم-إعلام الموقعين]، وذكر ابن القيم أثناء كلامه عن بعض الحكم والغايات المحمودة التي كانت في وقعة أحد فذكر منها: (تَعْرِيفُهُمْ-أي الصحابة رضوان الله عليهم-سُوءَ عَاقِبَةِ الْمَعْصِيَةِ وَالْفَشَلِ وَالتّنَازُعِ وَأَنّ الّذِي أَصَابَهُمْ إنّمَا هُوَ بِشُؤْمِ ذَلِكَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: (ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ) لَمّا ذَاقُوا عَاقِبَةَ مَعْصِيَتِهِمْ لِلرّسُولِ وَتَنَازُعِهِمْ وَفَشَلِهِمْ كَانُوا بَعْدَ ذَلِكَ أَشَدّ حَذَرًا وَيَقَظَةً وَتَحَرّزًا مِنْ أَسْبَابِ الْخِذْلَانِ) [زاد المعاد].

5– ومن أسباب الخذلان رفض الحق أول وروده على القلب: قال تعالى: (وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) (أي: ونعاقبهم، إذا لم يؤمنوا أول مرة يأتيهم فيها الداعي، وتقوم عليهم الحجة، بتقليب القلوب، والحيلولة بينهم وبين الإيمان، وعدم التوفيق لسلوك الصراط المستقيم) [السعدي-تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان]، وهذا الرفض وإن كان من جملة المعاصي إلا أنه أفرد لكونه يدل على فساد الطوية، وخبث النفس، ورداءة الطبع.

6– ومن أسباب الخذلان الكفر بالحق بعد اعتناقه: قال تعالى: (كَيْفَ يَهْدِي اللّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُواْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ؟!، وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ).

– الحكمة من التوفيق أو الخذلان:

يقول ابن القيم رحمه الله شارحاً ما ذكر صاحب المنازل في”شهود العدل في هداية الله وفي إضلاله”: (يريد رحمه الله بذلك أمرين:

أحدهما: تفرده بالخلق والهدى والضلال.

والثاني: وقوع ذلك منه على وجه الحكمة والعدل لا بالاتفاق ولا بمحض المشيئة المجردة عن وضع الأشياء مواضعها وتنزيلها منازلها بل بحكمة اقتضت هدى من علم أنه يزكو على الهدى ويقبله ويشكره عليه ويثمر عنده ؛ فهو سبحانه ما عدل عن موجب العدل والإحسان في هداية من هدى وإضلال من أضل ولم يطرد عن بابه ولم يبعد عن جنابه من يليق به التقريب والهدى والإكرام بل طرد من لا يليق به إلا الطرد والإبعاد وحكمته وحمده تأبى تقريبه وإكرامه وجعله من أهله وخاصته وأوليائه) [مدارج السالكين].ويقول أيضاً: (ومن أراد به شراً أمسكه عنه وخلاه ودواعي نفسه وطبعه وموجبها فصدر منه موجب الجهل والظلم من كل شر وقبيح، وليس منعه لذلك ظلماً منه [تعالى]، فإنه فضله، وليس من منع فضله ظالماً، لا سيما إذا منعه عن محل لا يستحقه ولا يليق به. وأيضا فإن هذا الفضل هو توفيقه وإرادته من نفسه أن يلطف بعبده ويوفقه ويعينه ولا يخلى بينه وبين نفسه، وهذا محض فعله وفضله، وهو سبحانه أعلم بالمحل الذي يصلح لهذا الفضل ويليق به ويثمر [فيه] ويزكو به. وقد أشار الله تعالى إلى هذا المعنى بقوله: “وَكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لّيَقُولوَاْ أهؤلاء مَنّ اللّهُ عَلَيْهِم مّن بيننا أَلَيْسَ اللّهُ بِأَعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ“؛ فأخبر سبحانه أنه أعلم بمن يعرف قدر هذه النعمة ويشكره عليها) [طريق الهجرتين].

يا رب هيئ لنا من أمرنا رشداواجعل معونتك الحسنى لنا مددا
ولاتكلنا إلى تدبير أنفسنافالعبد يعجز عن إصلاح ما فسدا!

والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

+7

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى