عام

خطأ بوصلة الرجاء

يقف بعض القراء موقفًا متحفّظًا من شعر المديح، وهو غرض له آثاره البيّنة في حياة العرب لا في أدبهم وحسب، من إذكاء المكارم، وحفظ اللغة، وتدوين الأحداث، وتفتيق المعاني، والعبرة بكيفية ذاك المديح وحدوده.

وهذه الأسطر تتأمل المبالغة في الرجاء من المخاطب الممدوح، على أن تلك المبالغة تأتي في الغزل وفي الرثاء أيضًا، لكن توسلات المديح ورجاءاته أكثر وأوضح، مبالغات أخطأت وجهتها، فكان لا بدّ أن يخيب الرجاء، ويضيع الأمل؛ لأنه إلى مخاطب دونه، وخوطب بما يليق بمن هو الأعلى.

على سبيل المثال: أبو فراس الحمداني الشاعر المطبوع، الفارس النبيل، الذي تظهر في كثير من نصوصه نزعة التدين، وهو في الأسر وجّه رجاءات سخينة إلى سيف الدولة لفكّ أسره، وبالغ، بالغ كثيرًا، فخاب الرجاء، وطال الأسر، وكان مقتله على يدي أبناء من رجاه..

يقول في بائيته الشهيرة (أما لجميلٍ عندكنّ ثوابُ) في أبيات تُنسب له ولغيره:

فليتك تحلو والحياةُ مريرةٌ
وليتك ترضى.. والأنامُ غِضابُ

ليت الذي بيني وبينك عامرٌ
وبيني وبين العالمين خرابُ

إنْ صحّ منك الودُّ فالكلُّ هيّنٌ
وكلُّ الذي فوق الترابِ ترابُ

استشعر خطأ وجهة الرجاء متأخرًا، فقال  في إحدى رومياته، بعين منبجسة -كعينها-، وآهةٍ ممتدّة كامتداد الألف في وصلها-:

أما ليلةٌ تمضي ولا بعض ليلةٍ
أسرُّ بها هذا الفؤادَ المفجّعا

أما صاحبٌ فردٌ يدوم وفاؤه؟
فيُصفي لمن أصفى ويرعى لمن رعى

ولو قد رجوتُ اللهَ -لا شيءَ غيره- !
رجعتُ إلى أعلى وأمّلتُ أوسعا

وأرسل لاميّة قصيرة النفَس، مكسورة الرويّ والرجاء، على مجزوء الكامل، كأنّ الرجل الكامل يتجزأ، يبتهل أن يقرّبه الله من سيف الدولة، في رجاء أخطأ الوجهة:

هل تعطفانِ على العليلِ؟
لا بالأسير ولا القتيلِ

يا فارجَ الكرب العظيم
وكاشف الخطبِ الجليلِ

كن يا قويّ لذا الضعيفِ..
ويا عزيزُ لذا الذليلِ

قرّبه من “سيف الهدى”
في ظلّ دولته الظليلِ

يا عُدّتي في النائبات
وظُلّتي عند المقيلِ

لكنّ عُدّته تلك لم تسعفه، وظلّهم لم يظلّه، فأرسلَ داليّة متوجعةً كان مما قال فيها:

إذا كان غيرُ الله للمرء عُدّةً
أتته الرزايا من وجوه الفوائدِ

عسى الله أن يأتي بخيرٍ فإنّ لي
عوائد من نعماه غير بوائدِ

فكم شالني من قعر ظلماء لم يكن
لينقذني من قعرها حشد حاشدِ

يروي ابن خالويه أنّ أبا فراس قُتل على يد ابن أخته (أبو المعالي ابن سيف الدولة) فقال قبل موته:

ومن لم يُوقِّ الله فهو ممزّقٌ
ومن لم يُعزّ اللهُ فهو ذليلُ

إذا لم يُعِنْكَ اللهُ فيما تريدهُ
فليس لمخلوقٍ إليه سبيلُ

وإنْ هو لم يدلُلْك في كلّ مسلكٍ
ضللتَ ولو أن السِماك دليلُ

وإن هو لم ينصرك لم تلق ناصرًا
وإن جلَّ أنصارٌ وعزَّ قبيلُ

وإنّ رجائيهِ وظنّي بفضله..
على قُبحِ ما قدّمتُه لجميلُ

عرف الوجهة الصحيحة للرجاء، متأخرًا، لكن لعل النافع أنه عرف.

 

الزمخشري (صاحب الكشاف) قال مدائح كثيرة محمّلة بالرجاءات الكبرى، التي يرجو أن تُنزله منزلته، وأن تضعه في المكان الاجتماعي اللائق بعلمه وفهمه، فمما قال يمدح الوزير نظام الملك:

ثنائي لصدر الملك ما عشتُ دايمٌ
وإن دعائي مثله في دوامه

جعلتهما وِردي نهاري وليلتي
كفعل الفتى في صومه وقيامه

وقال يمدح وزيرًا آخر:

وزحزحتَ عني ريب دهرٍ شكوتُه
إليك ولولا أنت لم يتزحزحِ

(لولا أنت) هذه أخطأت وجهتها، فجعلت الامتناع ممتدًا بلا وجود، فخاب الرجاء، وندم واستغفر من مدائحه كلها، وهاجر إلى مكة وقال قصائد عديدة يستشعر فيها وجهة الرجاء الصحيحة:

سيري تماضرُ حيث شئتِ وحدّثي
إنّي إلى بطحاء مكة سائرُ

متعوّذٌ بالركنِ يدعو ربّه
يشكو جرائرَ بعدهنّ جرائرُ

والله أكبرُ رحمةً والله أكثرُ=
نعمةً وهو الكريم القادرُ

خرّبْتُ هذا العمرَ! غيرَ بقيةٍ
فلعلّني لك يا بقيةُ عامرُ

صحّح وجهة الرجاء في هجرة فكريةٍ ونفسيةٍ وجسدية، إلى الركن الشديد الوحيد.

 

ابن سنان الخفاجي (صاحب  سرّ الفصاحة) يقول في إحدى مدائحه:

لك الخير عنديَ داءٌ مرضتُ
فكُنتُ أكاتمه العُوّدا

وفنٌ من الوجد ما أستعينُ
بغيرك من جوده مُسعِدا

فهل عند رأيك من حيلةٍ
تعينُ بها هائمًا مفردا

فقد طالما أنقذتني يداك
وقد علِقتني حبالُ الردى

ووالله لا شِمْتُ غيثًا سواك
فإما نداك وإما الصدى

ضيّق على نفسه ابن سنان! وكان مدى العقل أوسع له، وربما اكتشف خطأ وجهة الرجاء عنده حين قال:

خَفْ من أمِنتَ ولا تركن إلى أحدٍ
فما نصحتُك إلا بعد تجريبِ

إلا أن بعض التجارِب تأتي دروسها متأخرة جدًا، فيروى  في وفاة ابن سنان أنه مات مسمومًا على يد أحبِّ مَن مدحهم، ولمّا شعر بالغدر والموت قال: “قتلني واللهِ أخي أبو نصر”, فخاب الرجاء وكان الصدى ولا ندى..

 

الرجاء تعلّقٌ قلبيّ بحصول أمرٍ محبوب مستقبليّ، وحين يكون مطلقًا متيقّنًا فهو عبادة صرفها الصحيح للمولى الذي يُرجّى في الشدائد كلّها، لذا يفطن أهل كتب المواعظ فيكتبون أبيات الرجاء في وجهتها الصحيحة، لعلّ الله سبحانه وبحمده ينفع بها في تلك المؤلفات، ويحقق الرجاء بفضله ومنّته لمن قالها وقرأها، فخطأ وجهة الرجاء من تلبيس الشيطان بأن يُطْمِعَ المحتاجَ المكروبَ في المخلوقين، وجرى هذا لسيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام، حين أنساه الشيطانُ ذكر ربّه، فلبث في السجن بضع سنين. ومن العقل والحصافة قبل انتظار تحقق الرجاء مراجعة التحقق من وِجهته.

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى