الدين

مقارنة السياق الفكري الإسلامي بالعلم التجريبي

  • ترجمة: محمد سالم بحيري
  • مراجعة: إبراهيم الشحات
  • تحرير: محمد عبيدة

عادة ما أتلقى معارضة من المسلمين المتشككين – لسبب أو لآخرَ – في إمكانية وجود نقدٍ راديكالي للعلم، عند مناقشة آرائي حول التطور والعلم التجريبي بشكل عام. ومن ضمن مثارات النقاش التي يسلكها المعارضون أن النقد الراديكالي للعلم التجريبي سيكون قابلًا للتطبيقِ تمامًا على العلوم الإسلامية، وبالتالي يُوهن العلوم التقليدية كالعقيدة والفقه والتفسير والتصوف وأصول الفقه والحديث وعلم الكلام وما إلى ذلك؛ فهل هذا صحيح؟ فيما يلي جزء من محاورة محررة أجريتُها حول هذا الموضوع، حيث حاولت أولاً التفرقة بين الخطاب الفكري الإسلامي من جهة، والخطاب الفكري العلمي أو الطبيعي من جهة أخرى، والتصورات العقلية المعيارية لهذه الخطابات.

أتفق بالتأكيد مع القول بكون الاتساق الخطابي المبدئي يتطلب منا أن نكون حذرين من نشر الحجج ضد العلوم التجريبية، التي ستقوض في الوقت نفسه العلوم الإسلامية التي نلتزم بها على المستويين الديني والفكري. وبالرغم من ذلك، فأنا أعتقد أن أوجه التشابه بين العلوم التجريبية والعلوم الإسلامية سطحية، وأننا عندما ننظر عن كثب إلى كلا الخطابين سنجد أن الاختلافات المعرفية والأنطولوجية والمنهجية على كثرتها جوهرية بشكل كبير. وقبل الخوضِ في هذه التفاصيل يجب أن أذكر أني لستُ ملتزمًا بالواقعية أو مناهضًا لها.

عدم حَدّية العلوم الإسلامية

في الواقع، أعتقد أن العلوم الإسلامية تتشابه من حيث وجود التنوع مع بعض جوانب اللاواقعية البسيطة. ومن هذه الجوانب: عدم الحدية.

لنركز على الفقه، حيث لا أعتقد أن غالبية علماء المسلمين يعتقدون أن أدلة القرآن والسنة أدلة قطعية للأحكام الواردة في كافة أو معظم المسائل التي تناولها الفقه. فتجد تعدد الآراء في المذاهب الفقهية، لكنها جميعًا مقبولٌة ضمن حدود المذهب حتى وإن بدت متعارضة. وفي بعض المسائل نُظِرَ إلى هذه التعددية على أنها تعكس حقيقة أن هناك أحكامًا متعدّدة صحيحة عند الله، كما تدل على ذلك وقائعُ السيرة: «لا يُصلّين أحدكم العصر إلا في بني قريظة».[البخاري (946)]

حتى في الظروف التي يفترض أنَّ فيها موقفًا واحدًا صحيحًا فقط، فإن إمكانية الخلاف يتم استيعابها وقَبُولها بشكل صريح، لأسباب منها قول النبي عليه السلام: «إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر، وإذا اجتهد فأصاب فله أجران» [النسائي (5381)]. وهذا بالتأكيد ليس من قبيل عدم الحدية المفرطة التي تجدها على سبيل المثال في تحليلات الفيلسوف كواين؛ لأنه بالطبع لا يعني أن جميع الأحكام محتمَلة بصورة متساوية. فالمجتهد، باعتبار لقبه، مكلف بواجب أخلاقي في الاجتهاد مع النص. ونحن نعتقد أن هناك شيئًا فريدًا ومقدسًا وقيِّمًا في اجتهاد العالم الصادق في الوصول إلى حكمٍ يتوافق مع الشريعة، شيءٌ لا يشترك مع الاستنتاج البارد لعالمٍ ينظرُ في مختبره، فيقول: «النموذج القياسي».

وبشكلٍ عام، فحتى نضمن أن نقدنا للعلم التجريبي لا يعرض تراثنا للخطر، يجبُ أن نكون حذرين بشأن الذهاب بعيدًا في الاتجاه الآخر، أي: التهوين غير المتعمد من حقيقة أن هناك شيئًا مختلفًا في السعي المقدس نحو العلم من المنظور الإسلامي، مقابل بعض الاهتمامات الدنيوية، وتأمل أحاديث بحث الملائكة عن المجتمعين للذكر والحيتان الداعين لطالب العلم…إلخ.

مخيلة الحقيقة والتقدم

أنا حريصٌ -بشكل شخصيّ- على تحجيم المفهوم الواسع للحقيقة في العلم، أي: أن العلم تقدميٌّ بحيث إن النظريات العلمية – من حيث هي تصوير للواقع – تحتشد تدريجيًّا للوصول إلى هذا الواقع. ومع ذلك، فيمكن أن يدعي امرؤٌ أن مثل هذا النقد من شأنه أن يقوِّض في نفس الوقت العلومَ الإسلامية التي يبدو للوهلة الأولى أنها تسعى جاهدة للتقارب نحو الحقيقة.

وللإجابة على هذا الادعاء أقول إني لستُ مقتنعًا ابتداءً أن المدارس الفكرية في الفقه وعلم الكلام والتفسير وغيره أصبحت أكثر تقاربًا عبر الزمن بشكل عام، أو كانت تسعى نحو التقارب على النحو الذي يعمل به العلم الحديث؛ بالطبع سيأتلف المذهب حول التقارب في مسائل محددة، مثل مسألة: عدم خلق القرآن، لكن هذا لا يعني أن هذه المدارس المختلفة تقاربت بشكل عام، أو حتى أنها تميل إلى التقارب. وهذا ما يجعلنا نشهد ذيوع اختلاف الآراء داخل نسق المذهب الواحد، والتي أصحبت أكثر تعقيدًا في تصنيف هذه الاختلافات على مراتب (مشهور، معتمد … إلى آخره).

هذه التعددية ليست مفاجأة بالنظر إلى الموقف العام من تنوع الآراء في الفكر الإسلامي بشكل عام كما ذكرتُ أعلاه، أي إنه لا يبدو أن العلماء التقليديين في الماضي أو الحاضر ينظرون إلى أنفسهم كمشاركين في مشروع تقدميّ لتحديد تفسير موحد وإقصائيّ للشريعة أو تفسير القرآن الذي حازه السلف؛ ومعلومٌ أن السلف أنفسهم اختلفوا في أمورٍ كثيرة. ومرة أخرى، كانت العلوم الإسلامية تعددية بطبيعتها، ويمثل هذا الأمر تناقضًا صارخًا مع العلم التجريبي بنمطه الغربي، الذي يبذل قصارى جهده لإهمالِ – لا لترتيب أو استيعاب – نظريات الماضي. ومرة أخرى بالتركيز على الفقه، فإنه ينظر إلى آراء الفقهاء السابقين على أنها تحمل وزنًا معياريًّا حتى لو اتخذت المدرسة رأيًا رسميًّا مختلفًا.

ما نظيرُ ذلك في العلم التجريبي؟ في ذهن العالم أو المهندس الحديث هل رأي نيوتن أو جاليليو بشأن الحركة النقطية لها أي تأثير على الاستقراءات أو التقنيات المعملية الحديثة؟ حسنًا، نظرًا لطبيعة التدريب العملي، فإن العالم الحديث بالكاد يكون على دراية بتفاصيل عمل نيوتن أو جاليليو، ناهيك عن الإلمام بها. أعتقد بأن الاختلافَ الأساسي هنا هو أن العلوم الإسلامية غير متزامنة حتمًا، في حين أن التاريخية مستبعدة -عمدًا- في العلوم التجريبية، فتعتبر النظريات السابقة ذات صلةٍ فقط بقدر توافقها مع النظرية الحالية أو اندراجها ضمنها.

منطق الاكتشاف الإسلامي

هذا يقودني إلى انفصام آخر مؤثر بين العلوم الإسلامية والعلوم التجريبية، وهو أن العلوم الإسلامية لا تحاول اكتشاف الحقائق على النحو الذي يفعله العلم التجريبي. فعلى سبيل المثال، يمكن للمرء أن يدعي أن ما يفعله المجتهد في القرن الثامن هو جمع الأدلة من القرآن والسنة، في محاولةٍ لاكتشاف أو استنباط أو تنظيم الرأي الصحيح المُنقّح، أليس هذا مشابهًا لما يفعله العالم، إلا أنه بدلًا من قراءة كتاب الوحي يقرأ كتاب الطبيعة؟

حسنًا، هنا قياس مع الفارق[1]، فنحن المسلمين لا نعتقد أن حقيقة الإسلام قد ضاعت، وأن علماءنا الآن يسعون جاهدين لاستعادتها. والطريقة البديلة والأفضل لفهم معظم العمل الفكري الذي تم عبر التاريخ في الفقه وأصول الفقه هي محاولة لإعادة صياغة الفهم السليقيّ للأجيال السابقة. لا أحد يزعم أن الإمام النوويّ – على سبيل المثال – كان أعلم من الصحابي أبي ذر، رغم أن الأول كان عالمًا غزير الإنتاج من الدرجة الأولى، فالإمام النووي لم يكتشف الحقائق الأساسية في الفقه والتفسير والعقيدة التي كانت الأجيال السابقة تجهلها. ولا يوجد نظير واضحٌ لأيّ من ذلك في العلوم التجريبية، لا أحد يعتقد أن نيوتن أو آينشتاين أو بور كان لديهم فهم سليقي للواقع الأساسي للفيزياء، وأن المهمة المطروحة لعلماء الفيزياء المعاصرين مجرد صياغة للمعرفة الضمنية التي نم تناقلها جيلًا بعد جيل. لا أحد يعتقد أن داروين يعرف حقيقة الانتواعِ والوراثة أكثر مما يعرفه علماء الأحياء التطورية الحديثة.

إن الفكرة المتكاملة للتقدم في العلم ومعالجة الحقيقة تكمن تحديدًا في أن هناك معرفة جديدة قد اكتسبت، وهذه المعرفة تختلف عن تلك المتوفرة حاليًا والتي يمكن الوصول إليها. أما المعرفة التقريرية فإنه يتم إيضاحُها وإعادة صياغتها وتنظيمها على غرار العلوم الإسلامية.

استيعاب التعددية

من الواضح أن هذا النقاش برمته مبنيٌّ على دعوى أننا لا يمكننا تقويض “مخيلة الحقيقة” في العلوم التجريبية؛ لأن هذا سيقوض الفكر الإسلامي التقليدي. لكن هل لدينا مفهوم واضح عن التقدم في العلوم الإسلامية؟ وهل هذا المفهوم مشابه لما يفهمه العلماء فعليًّا حول “التقدم” في مجالهم؟

قد يجادل المرء بأنه في العلوم الإسلامية – تاريخيًّا – حاول العلماءُ استيعاب الآراء والمنهجيات السابقة في فكرهم، ترى هذا في الكلام والفقه، حيث تنطوي الآراء تحت مدرسة فكرية واحدة. ويبدو أن ثمّ شيئًا مماثلًا لذلك يحدث في العلوم التجريبية، فعلى سبيل المثال يبدو أن النسبية تستوعبُ النتائج التجريبية لديناميكا نيوتن، ينظر إلى هذا على أنه مظهر من مظاهر “مخيلة الحقيقة” في العلم، أي: النظريات التقدمية التي تقترب بشكل متزايد من الحقيقة. ومع ذلك فإن ملاءمة النظريات السابقة ليست سوى واحدة من الخصائص العديدة التي يربطها العلماء وفلاسفة العلوم بالتقدم العلمي، في حين تشمل الخصائص الأخرى قوة التفسير والتبسيط – والأهم من ذلك – التوقع والاكتشاف والتفسير للظواهر التجريبية الجديدة.

وبعبارة أخرى، حتى لو أقررتُ تنزلًا أن العلوم الإسلامية والتجريبية تشترط في بعض سمات التقدمية والواقعية، فلا يزال بإمكاني إطلاق نقدٍ لمختلف المزيات غير المشتركة، والتي لا تقتضي شيئًا في الجبهة الداخلية.

ويكمن الانفصال هنا في أن للمرء أن يميز العلوم الإسلامية من خلال التأكيد على الخطاب المتمحور حول استيعاب التعددية، وإدراج الخلاف تحت مظلة مدرسة، وما إلى ذلك. لكن أود أن أعارض ذلك بالتأكيد على الطبيعة النقلية للعلوم الإسلامية، في أن معظم العمل الفكري في الحديث تاريخيًّا كان مكرّسًا للحفاظ على فهم المصادر الأساسية، وبالتالي نشر المعيارية عبر الزمان والمكان. فمن الصعب بالنسبة لي على الأقل أن أرى علاقة ذات معنى مع الفيزياء أو الأحياء أو حتى الفلسفة الطبيعية التي سبقت العلم الحديث.

التصورات العقلية

يمكننا أن نرى من خلال ما سبق علاقة ضعيفة بين بعض السمات الجدلية للعلوم الإسلامية والعلوم التجريبية الغربية، فمثلاً كلاهما يستخدم الاستقراء والاستنباط والاستنتاج، ويمكن القول بأنه مقيد بالمنطق الأساسي … إلى آخره. ولا أرى اللاواقعية على أنها هجومٌ – بحسب الظاهر – على هذه العناصر العالمية للعقلانية البشرية، وإذا كان هناك ثمة هجوم فإن اللاواقعية ستكون حينئذ مهزومة بصورة ذاتية؛ إذ الخطاب الفلسفي الحديث – الذي تعتبر اللاواقعية جزءًا منه – يحتكم أيضًا إلى هذه الملكات المعرفية. وقد يعتقد البعض أن اللاواقعية تهزم نفسها في هذا الصدد بشكل مثير للشفقة، وأنا أعتقد أن هناك ما هو أكثر من ذلك.

هناك فكرة أخرى عن التقدم قد يبدو أنها تربط العلم الإسلامي بالعلم التجريبي، وهي أن كلا الخطابين يفترضان أن التطبيق المتسق للعقلانية يدفع المرء تدريجيًّا إلى الاقتراب من الحقيقة. إن الشخص الذي ينكر تقدم العلم عبر القرون من شأنه أن يقوض العلوم الإسلامية بالمثل. وعلى عكس ذلك، فهناك بالتأكيد العديد من التخصصات التي تعتمد على الاستخدام المتسق للحجة الاستنتاجية، وبالتالي يمكن وصفها بأنها تقدمية، لكن من الواضح أنها لا علاقة لها بالحقيقة.

على سبيل المثال: المجال الكبير والديناميكي لاستراتيجية الشطرنج، ربما أتاحت “قرون” من استراتيجيات الشطرنج لمنظري الشطرنج المعاصرين بالوقوف على أكتاف العمالقة والتعمق أكثر في حقائق الشطرنج الأساسية، لكن هذه ليست الحقائق التي نهتم بها. بالطبع، يدعى العلم النظري أنه يمثل الواقع بطريقة لا يفعلها الشطرنج، لذلك لا يزال يتعين عليّ تقديمُ قصة عن سبب ارتباط العلم التجريبي بالحقيقة؛ على سبيل المثال، الداروينية وعلم الأحياء التطوري ليست كذلك، وستتضمنُ – من بين أشياء أخرى – الفروق المذكورة أعلاه. لكن وجهة نظري بالتأكيد أنني لا أقوم بتقويض العلوم الإسلامية بإنكار صحة نظرية الشطرنج على الرغم من استخدامها للمنطق الاستنتاجي.

مثال آخر، أتصور أن وجهة النظر للتقدم ومخيلة الحقيقة في العلوم الإسلامية تنطبق تمامًا على مجال مثل الفلسفة الغربية التي تستخدم التفكير الاستنتاجي بكثرة. ومع ذلك فإني لستُ قلقًا بشأن رفض نظرية كورسجارد المعيارية، أو فكرة بارفيت عن الهوية الشخصية أو حتى فيزياء أرسطو، على الرغم من كونها تبدو متسقة منطقيًّا وموجهة بشكل واضح، ويمكن قياس أصول الفقه عليها.

وباختصار، إذا كانت العلاقة المزعومة بين العلم التجريبي والعلم الإسلامي تربط كنتيجة حتمية بين العلم التجريبي والفلسفة الغربية وأي خطاب عقلاني آخر في الماضي والحاضر– والذي آل كثير منه إلى مزبلة التاريخ الفكري –، فإنها ستكون نتيجة سيئة. فعلى المرء أن يميز كيف أن العلم التجريبي ونقده وثيق الصلة بالعلوم الإسلامية على نحو فريد مقارنة بالعلوم الأخرى قاطبة. ومرة أخرى، أنا لستُ ملتزمًا باستراتيجية جدلية معينة من قبل أنصار الواقعية أو ما بعد الوضعية، مثل فييرابند، كون، فان فراسن وآخرين على الرغم من أن لدي أسباب مستقلة لكوني متشككًا في المشروع العلمي ومفهوم التقدم العلمي تحديدًا. ولكن ربما يمكننا مناقشة ذلك في وقتٍ آخر.


[1] هذه الجملة مدرجة لإتمام المعنى

أعجبني المقال

المصدر
islamandevolution

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى