عام

التَّشوُّهُ المعرفِيُّ: كيف يُؤذينا التفكيرُ القُطبيُّ؟

  • سمر بيرتسكي
  • ترجمة: نورة الراضي
  • تحرير: عصام بن أحمد درويش

“كيف حالك؟”، سؤال طُرِح عليّ من قِبل إحدى الزميلات في العمل أثناء دخولي للمكتب هذا الصباح.

أجبتُ قائلًا: “اممم، في الواقع إنني مُرهق بعض الشيء، ماذا عنك؟”

في واقع الأمر، لا أتذكر بماذا أجابتني حينها وذلك؛ لأنني كنت مشغولَ البال بالتفكير في إجابة مُقنعة؛ أبررُ فيها عن حقيقة ما أصابني من إرهاق وتعب. وأيضًا عمّا إذا كنت مرهقًا بالفعل أم لا؟ ربما كنت كذلك لمعظم الوقت وبعدها غلبني النعاسُ قليلًا. ولكنني نِمت ثماني ساعات على الأقل! إذًا لماذا أخبرتها بأنني مرهق؟

أحضِرْ ورقةً وقلمًا، وقمْ بتجربة هذا التحدّي الصغير الآتي:

إليك عددًا من الأضداد، بعضها بسيط أشبه بالكلمات التي تعلمّتها أثناء دراستك في المرحلة الابتدائية أمّا البعض الآخر سيكون أكثر تعقيدًا. ولكن من المؤكد أنّ بعضًا من هذه الكلمات نقوم باستخدامها يوميًّا.

إليك هذا التحدي: اُكتب كلّ زوجٍ من الأضداد أدناه على ورقةٍ، ثمّ قمْ بكتابة كلمة واحدة فقط تصف فيها الكلمة أو الحل الوسيط بين زوجي الأضداد.

مثال: ساخن وبارد. الإجابة المناسبة هنا ستكون “دافئ” أو “فاتر” أو “معتدل”.

هل أنت مُستعد؟ جيّد، ها نحن أولاء:

1-أبيض وأسود

2-كبير وصغير

3-أعلى وأسفل

4-يسار ويمين

5-سريع وبطيء

6-سهل وصعب

7-صغير وكبير

8-مرتفع ومنخفض

9-جيّد وسيّئ

10- قريب وبعيد

11- نجاح وفشل

12-سعيد وحزين

13-نظيف ومتّسخ

14-خجول واجتماعي

15 – هدوء وقلق

هل أكملت قائمتك؟

جيّد، ألق نظرة فاحصة على جميع الكلمات، هل هناك أي عامل مشترك بينهم؟

إذا كانت قائمتك تشبه قائمتي، فإن كل الكلمات “الوسيطة” بين الأضداد متشابهة بطريقة ما. وإن كانت كلمات مُعقدة أو غير دقيقة بعض الشيء.

لنستعرض بعض الإجابات المحتملة: من الواضح أن اللون “الرمادي” يقع بين الأسود والأبيض، ومن البديهي أنك قمت بكتابة ذلك.

أين أنت إذا لم تكن يسارًا ولا يمينًا؟ بالطبع إذًا ستكون “وسطًا” بينهم.

وإن لم تكن صغيرًا أو كبيرًا، فستكون إذًا في “منتصف العمر”. وماذا لو كنت ستشتري قميصًا ولم يكن صغيرًا أو كبيرًا؟ إذًا سيكون هذا القميص متوسط الحجم.

هل واجهتك أي مشكلة قرب الانتهاء من هذا النشاط؟ لا تقلق، لست وحدك. لم أجد حتى الآن وصفًا مناسبًا يُطلق على الكلمة الوسطية التي تصف الشخصية بين “الخجول والاجتماعي” أو كلمة وسطية بين “الهدوء والقلق” أو حتى مع مجموعة من الكلمات. لا توجد كلمة أو عبارة ملائمة في اللغة الإنجليزية على ما يبدو لوصف “الوسطية” بين عدة مجموعات من الأضداد المذكورة أعلاه. من وجهة نظرك كيف يؤثر هذا النقص في اللغة الإنجليزية على أدائنا؟

ألقِ نظرةً أُخرى على قائمة الكلمات ودوّنْ كمْ عدد المرات التي تستخدم فيها كلمات وصفية مثل “سعيد وحزين”؟ من المتوقع أن تلفظ بها معظم اليوم دون أن تدرك ذلك. إذًا نستخلص أن تبسيط قصصنا للآخرين بكلمات حدّية مثل “حزين” و”سيّئ” و”بعيد” بأنه أمر وارد ليس بالخاطئ، بل إنه حل مناسب أحيانًا.

على سبيل المثال، من الأسهل على أحد الطلاب أن يبدأ بالتذمر؛ لأن ورقته البحثية “بعيدة” عن الاكتمال (خاصة إذا كان هدفه إثارة العاطفة) بدلاً من الخوض والسعي في تفاصيل ما تم إنجازه بالضبط والمقدار المتبقي للكتابة. جميعنا مذنبون خصوصًا عند قيامنا بمشاهدة فيلم أو قراءة الأخبار أو وصف شخص ما بـ “الرجل السيّئ”! إذْ يبدو الوصف أكثر حِدةً من تهذيب الكلمة وتحقيق التوازن بين الرجل وبين العديد من سماته الإيجابية! ومن جهة أخرى يمكن أن يؤديَ اللجوء إلى الكلمات الحدّية (في الحالات التي تؤدي فيها كلمة وسيطة المعنى بدقة أكبر) إلى تغيير حقيقة الموقف الذي نصفه.

يمكن لكل زوج من الأضداد المذكورة أعلاه -والعديد غيرها- تحفيز التفكير القطبي والذي يشار إليه عادة باسم التفكير بـ “الأبيض والأسود”، ويمكن أن يكون له آثار سلبية على الطريقة التي نرى بها أنفسنا أو المواقف التي نستخدم اللغة لوصفها.

 عودةً إلى الحديث الصباحي الذي دار بيني وبين زميلتي في العمل وما قلته لها بأنني مرهق، ولكن في الواقع لم يكن هذا الوصف بيانًا صادقًا! ليس الأمر كما لو كنت أقصد الكذب عليها، أعني لماذا أكذب بحقيقة ما أشعر به من تعب؟ ليس هناك سبب وجيه لذلك. ما فعلته هو استخدام لغة قطبية دون وعيٍ منّي. لقد بالغت في شعوري بالنعاس، ولكنّي أتقبّل الأمر بحكم أننّي شخص يُحب أن يكون وصفيًّا، وكلمة “مرهق” تحتوي على مرادفات عدة ومنها كلمة “نعسان”. ولكن استخدام اللغة القطبية يعزز التفكير الحدي وهذا الأخير هو نوع من التشوهات المعرفية التي يمكن أن تؤثر سلبًا على الطريقة التي تشعر بها تجاه نفسك.

دعنا ننتقل هنا إلى مشكلة شائعة جدًّا في هذا العصر وهي القلق، يعتبر القلق أحد أبرز الأمراض العصرية التي يعاني منها كل إنسان في مرحلة ما من حياته. فإذا كنت أحد الطرفين إما تتعامل أو تعاني من هذا المرض فإن الاستخدام غير الرسمي للكلمات الحدّية يمكن أن يقودك إلى تضخيم الأفكار والأحداث من خلال عدسة مشوهة يمكن أن تجعلك في النهاية أكثر قلقًا.

إليك هذا المثال الكلاسيكي، يقول أحدهم: “أعتقد أنني فشلت فشلًا ذريعًا في اختبار مادة الرياضيات”. وتقع كلمة “فشل” في النهاية المُناقضة لاستمرارية النجاح. فإذا وجدت نفسك تنطق أو تفكر في شيء مشابه، توقف. اُخرج من دماغك لثانية وانخرط في بعض الإدراك المعرفي أو التفكير في التفكير. كيف توصلت إلى الاستنتاج بأنك فشلت؟ ربما لم تنجح، لكن هل أنت متأكد بأنك فشلت؟ وهل من الممكن أن ينخفض ​​أداؤك في مكان ما في منتصف التمرينات ويفشل؟ لحسن الحظ في الأوساط الأكاديمية، هناك درجات تتوزع بالحروف من (أ إلى د) يمكن أن تكسر الاستمرارية قليلًا، وبالتالي ستساعدك على تجنب التفكير القطبي. لكن في سياقات أخرى، الأمر ليس بهذه السهولة، لنفترض أنك تخبر صديقًا لك بأنك تشعر بالقلق ربما تكون متأكدًا من أنك لست ساكنًا، ولكن إلى أي مدى أنت بعيد عن الهدوء؟ هل أنت قلق حقًّا؟ مع تسارع ضربات القلب، والتنفس السريع، وتعرق راحة اليد، أم أنك في مكان ما وسط الهدوء والقلق؟ كيف يمكنك تقليل تفكيرك بالأبيض والأسود؟ الإجابة بسيطة جدًّا، تذكر إضافة ظلال من اللون الرمادي.

لا توجد كلمة جيّدة لوصف الحل الوسط في السيناريو أعلاه بقلق لا يمكنني التفكير فيه، على الأقل ولكن إذا كان بإمكانك عمل واحدة، فاستخدمها أو حاولِ استخدام مقياس رقمي لوصف المكان الذي تقع فيه في سلسلة الهدوء أو القلق. إذا كان أسوأ مرحلة قلقة شعرت بها في المقياس برقم ١٠، فربما يكون التحدث أمام الجمهور هو ٧ فقط والتفكير في الموعد النهائي في العمل هو ٥. حاول أن تلتقط أنفاسك باستخدام هذا النوع من التفكير بالأبيض والأسود للأيام القليلة القادمة. قم بتدوين الموقف الذي استخدمت فيه كلمة مبالغ فيها. بعد ذلك، خذ خطوة إلى الوراء، وقيّم اختيارك للكلمات، وحسّن قصتك بكلمة رمادية اللون. تصوّر بأنك اليوم تبلغ من عمرك أربعين عامًا وقد قمت بوصف نفسك بالمُسن. ما مدى صحة قولك؟ هل يمكن أن تصف نفسك ببساطة أنك قد بلغت منتصف عمرك؟

وفي احتمال آخر قد تصف نفسك بأنك شخصٌ خجول لكن من المُحتمل أن تكون كذلك في حالات أو مواقف مُعينة فقط. إلى اي مدى تضع نفسك في مقياس الخجل من ١ إلى١٠؟

تمكّن عملية التحكم وتصحيح الذات باستمرار باستخدام التفكير القطبي بأن تحوّل التفكير غير الواقعي إلى فكر أكثر صدقًا وواقعية (وربما أقل تسببًا للتوتر). وفي النهاية المطاف، قد لا تربح السمات (الوسطية) غير الجذابة للمُتلقي مثل “منتصف العمر”. بالإضافة إلى عبارات منخفضة التأثير مثل “شبه خجول” أي جوائز أدبية كبيرة، لكنها تتمتع بفرصة جيدة لمساعدتك على رؤية العالم من خلال عدسة دقيقة وأقل تعقيدًا.

اقرأ ايضاً: أشهر التشوهات المعرفية

أعجبني المقال

المصدر
psychcentral

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى