التربية والتعليم

فصول دراسية بلا هواتف!

  • تيلر رابلين
  • ترجمة: عمر فريد 
  • تحرير: محمود سيّد

عند الحديث عن وجود الهواتف في الفصل الدراسي؛ فإنّ الخلاف يمكن أن يشتدّ، بعض المعلمين يرون أنّ بإمكاننا استخدامها أداةً للتعلم، وبعضهم يمنع تمامًا وجودها داخل الفصل.

من عامين مضيَا، طوّر مدرس آداب اللغة الإنجليزية تايلور رابلين استخدام الهواتف مشجّعًا بذلك وجودها في الفصل، لكنه عدَل عن رأيه، وفي العام القادم سيطلب من التلاميذ وضع هواتفهم على باب الفصل. 

شارك رابلين مؤخراً أفكاره في ثمانية تغريدات على تويتر، وقد طلبنا منه مشاركة المزيد. وإليكم ما قاله:

قبل عامين، كنت مؤيدًا بشدة لتواجد الهواتف في الفصول الدراسية، كنت داعمًا مخلصًا لفكرة أنّ “هذه الأجهزة مُذهلة، لِنُحضرْها في الفصل كي نستخدمها في التعلم”. 

لكن موقفي قد تغيّر مؤخرًا، وفي العام القادم، سيترك الطلاب هواتفهم خارج الفصل ولن يسترجعوها إلا حينما يخرجون، لماذا؟ لأنّ للتركيز مقدارًا محدودًا، ويستهلك الأطفال أغلبه مُشتّتين بهواتفهم، إنها معركة خاسرة للأطفال وعقولهم.  

عندما يُمسك الطلاب هواتفهم، تنهال عليهم الإشعارات والضوضاء، ومن خلال تجربتي؛ فإنّ هذا لا يُساعد على التعلم. لكن ألا يوجد العديد من التطبيقات والأدوات التي تُثري عملية التعلم؟ بالطبع يوجد، لكنها ليست مألوفةً لدى الطلاب. في المقابل، TikTok وInstagram والألعاب هي التي تسبّب التشتت؛ إنّ هواتفهم تعمل باستمرار ضد أهداف التعلم. 

عندما نسمح للطلاب استخدام هواتفهم -حتى وإن كان لأنشطة تعليمية- فنحن نضعهم أمام إغراء لا يُقاوَم، لقد عرفت ذلك بعد مُعاناة.

لقد بدأت تدريس آداب اللغة الإنجليزية لطلاب المرحلة الثانوية -أكثرهم من الصف التاسع- من تسع سنوات إلى الآن، عندما أدخلتُ التقنية إلى التدريس، تشاركت مع زملائي معملًا حاسوبيًّا واحدًا، وكنا نستخدم الأجهزة حسب الحاجة. في هذا الوقت، Chromebook كان قد انتشر وصار سهل الاستخدام، فكنا نطلب من الطلاب أن يجلبوا هواتفهم إلى الفصل كي يسجّلوا فيديوهات، ويقوموا بعمل لقاءات افتراضية علىflibgrid ، ويستخدموه في البحث كي لا نضطرّ إلى الذهاب إلى المعمل. بصراحة؛ كانت مفيدةً، كان الطلاب يلتقطون هواتفهم للقيام بمهام مُنفصلة ثم يتركونه بمجرد الانتهاء، كان هناك قدر من التحكم والتوازن.

بعدها بأعوام قليلة، تطوّر مجال تصميم التطبيقات الإلكترونية بسرعة ودرجة تُخِلّ بهذا التوازن. 

لو فتح طالب هاتفه، سيُقابَل بعدد لا حصر له من الإشعارات والتنبيهات التي تدعوه لتفحصّها. وتطبيقات اجتماعية تشعره أنه قد أُشير إليه في صورة أو فيديو، ألعاب الكترونية تعلّمه أنّ صديقًا طلب أن يتحدّاه. بعض الطلاب يستطيعون التحكم في استخدامهم للهاتف، لكن -ولأنّ هذه الأجهزة بدأت تقتحم كل ما نفعله- فإنّ هذا العدد في تناقص مستمر.

في السنوات القليلة الماضية، تعاملت مع سوء استخدام الهواتف بطريقة واعية واعتبرت أنّ أيّ تصفح لـ TikTok، أو محادثة بالشات، أو مشاهدة اليوتيوب؛ فعل نابع عن وعي وإرادة، لذلك حذّرت الطلاب وأمرتهم أن يتجنّبوا هواتفهم، كما قمت بمناقشات حول الاستخدام المبالغ فيه للتقنية، وأبدى العديد من الطلاب تفهّمًا وتوافقًا لحقيقة أنّ الهواتف مصدر للتشتّت وأنها تضرّ بعملية التعلم.

وفي اليوم التالي، غالبًا ما أجد نفسي لم أتقدم خطوةً، لا يزال الطلاب يُمسكون هواتفهم في الوقت الذي ينبغي أن يفعلوا فيه شيئًا آخر، الأمر الذي جعل الهواتف مُثيرةً للقلق في الفصل الدراسي. 

طوال سنوات، وضعت وشرحت العديد من التقنيات والاتفاقيات والتبعات؛ كي أساعد الطلاب في أخذ قرارات أفضل حيال هواتفهم.

وما لاحظته برغم هذا هو أنّ استخدام الهاتف صار واقعًا مفروضًا لا خيارًا، لقد صار عادةً، عادةً يفقد العديد من الطلاب التحكّم فيها. وللأمانة؛ ليس الطلاب وحدهم مَن عنده مشكله في تقليل استخدام الهاتف، جميعنا نُعاني كي نضع الهواتف جانبًا ونكون حاضرين فعليًّا. 

ثمّة العديد من الأبحاث التي تتعمّق في هذا الموضوع، وإذا نظرت إلى أيّ دراسة تتناول تأثير تطبيقات التواصل الاجتماعي واستخدام الهاتف وتلقّي إشعاراته على الصحة النفسية؛ ستجد أنّ العلاقة دائمًا ما تكون سلبيةً.

كيلي ماكجونيجال مختصة الصحة النفسية والمحاضرة بجامعة ستانفورد تناقش فكرة (قوة الإرادة الفطرية) 

ما نريده من الطلاب عندما نسمح لهم باصطحاب هواتفهم داخل الفصل هو أن يُظهروا قدرًا لا بأس به من الإرادة والتحكّم؛ يمنعهم من الاستمرار بعادات تفحّصهم للإشعارات، والتواصل مع أشخاص لا يجلسون بجوارهم. طلب التزامهم بهذا مرةً بعد مرة طوال اليوم هي مراهنة خاسرة، تسمي كيلي هذا “خَوَر الإرادة”. باختصار؛ تتضاءل قوة الإرادة مع استخدامنا المستمرّ لهذه الأجهزة، فكلما طلبنا من التلاميذ أن يستخدموا قوة إرادتهم؛ قلّت طاقتهم في المرة القادمة.

يناقش جيمس كلير، الذي يكتب عن العادات وصناعة القرارات، هذا الموضوع. في كتابه (العادات الذرية) تطرّق إلى أنّ العادة تمر بأربع مراحل: الإثارة، الرغبة، الاستجابة، المكافأة. 

بعدما قرأت الكتاب، قمت بالعديد من التجارب لإدراك هذه المراحل الأربع فعليًّا. بالنسبة لكثير من الطلاب، يشكل الملل مُثيرًا لاستخدام الهواتف، هذا الاستخدام يكون دون وعي، وغالبًا ما يكون دون تحكّم من قبل التلاميذ، حتى عندما أمرتهم أن يُغلقوا الهواتف ما داموا لا يستخدمونها لنشاط تعليمي، كانوا يلتقطونها ويحاولون فتحها ثم يُغلقونها، وهكذا يكرّرون فعل ذلك بعد وقت قصير، وقد استمروا في هذا التصرّف (الاستجابة) حتى بعدما علموا أنهم لن يحصلوا على مكافأة لأنّ الهواتف مُغلَقة، وعندما سألتهم عن شعورهم وصفوه بأنه “مُجهِد وشاقّ”، إنهم كانوا قلقين أنّ الأصدقاء ربما راسلوهم أو أنّ آباءهم حاولوا الاتصال بهم.

المرحلة الرابعة التي تحدّث عنها كلير وهي (المكافأة)، هي التي تتسبّب بضرر للطلاب، إذ إنّ إشعارات الهواتف تزيد من إفرازات الدوبامين التي يعتمد عليها التلاميذ؛ الأمر الذي يُبعدِهم عن عملية التعلم، والذي بوسعه تقديم مستويات أعلى من المتعة. 

إذا كان هدف طلابي أن يكونوا سعداء، أو أن يجربوا نشوة الدوبامين تلك، فإن السبيل لذلك إما أن يحصلوا عليها فورًا بواسطة هواتفهم، أو أن يبذلوا وقتًا وجهدًا في تعلّم ما هو جديد ومُجدٍ، فإنهم -على الأغلب- سيُفضّلون هواتفهم لأنها أسهل، هذا يُشير إلى حقيقة أنّ أولئك الذين لم يكونوا جيدين في المدرسة لا يؤمنون أنّ بإمكانهم تحسين تجربتهم مع التعليم. 

بصفتي مدرسًا قضى الجزء الأفضل من حياته (شبابه) بدون هاتف ذكي، أعلم تمامًا أنّ التجارب الأخرى قد تكون مُلهِمةً، لكم هو مُريح أن تكون متحرّرًا من الهاتف، لقد استغرقت وقتًا لتنمية هوايات حوارية/ تواصلية منحتني الرضا والمتعة، لكن الطلاب لم يستغرقوا هذا الوقت -خاصةً في المدة الماضية- حينما اضطرّ الكثير منهم لقضاء أوقات طويلة في البيت إثر وباء (كورونا). 

في كتابها (قوة الإرادة الفطرية)، تُناقش ماكجونيجال فكرة أنّ قوة الإرادة ليست في الإحجام عما لا نريده، بل في السعي وراء ما نريده والحياة التي نريدها. لذا -وبينما هدفي الحالي هو مساعدة الطلاب للتعلم بكسر عادة الاستخدام الزائد للهواتف- أجدني أيضًا أسأل: كيف يُمكنني مساعدتهم في معرفة واستيعاب ما يريدون حقًّا؟ 

حينما يلتقط أحد الطلاب هاتفه ليبدأ في اللعب، فإنه يبحث عن التحدي، شعور البطولة، الشعور بالنجاح. وحينما يتصفّح وسائل التواصل الاجتماعي، فإنه يبحث عن التواصل والارتباط، وعندما ينشر فيها ينشر سعيًا إلى القبول والشعور بالاستحقاق من قِبَل الآخرين، هذه المشاعر يسعى إليها كل أحد، ومن هنا ينبغي أن أكون واعيًا بهذا وأنا أمنع الطلاب من اصطحاب هواتفهم، كما أنني أحتاج أن أبذل جُهدًا في صُنع فرص وأنشطة تعليمية تساعد الطلاب في تلبية احتياجاتهم وتحديد مشاعرهم. 

من المُحزن أن أرى تعليقات مثل: “كل ما نحتاجه هو أن نجعل المقرّر أكثر حماسًا واندماجًا، كي نساعدهم في التقليل من استخدامهم للهواتف”، أقول لهؤلاء: إنّ فصلي الدراسي لا يمكن أن يُنافس آخر الألعاب التي صدرت حديثًا.

بما أننا مدرسين؛ فنحن نتعامل مع طلاب يسعون إلى حصول المكافأة فوريًّا. وحمل هذه المسئولية على عواتق المعلمين ليس عدلًا، فنحن لا نرى الطلاب إلا دقائق معدودة يوميًّا، فماذا عن وقتهم في المنزل؟ أيجب علينا فعل المزيد حتى نُوعي الآباء بأثر الهواتف -وتحديدًا وسائل التواصل الاجتماعي- في أبنائهم؟ وهل ينبغي للمدارس أن تُشرِك المعلمين في هذا الشأن؟ لا شكّ في ذلك، لكن هذا ليس من شأننا، نعم يمكنني بصفتي مدرسًا أن أزيد الوعي حول هذه الظاهرة، لكن في النهاية ما يحدث داخل الفصل الدراسي هو ما كل يمكنني السيطرة عليه. 

سيشتكي الطلاب من منعي استخدامهم للهواتف، وقد يشتكي بعض الآباء أيضًا، لكن هذا لا ينفي حقيقة أنّ التطوّر السريع للتقنية ووسائل التواصل الاجتماعي -والتي أساسها جذب انتباه الطالب واهتمامه- تضرّ بالتعلم والسواء النفسي للطلاب والعديد من الأشياء الأخرى التي نقيّمها كمجتمع. لهذا السبب، ولأنني جربت أساليب أخرى ولم تنفع، عندما يدخل طلابي الفصل الدراسي في العام القادم؛ سيتركون هواتفهم في الخارج ليمكثوا ساعةً في بيئة خالية من الهاتف. لم أعد أتحمّل المزيد!

إن أراد طلابي أن ينجحوا، فأنا مستعد لأساعدهم في التخلّص من هذه العادة، وفي تجربة طرق أفضل ليجدوا التواصل، والشعور بالاستحقاق، والنجاح.

أعجبني المقال

المصدر
edsurge.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى