عام

ميزة الابتكار الجديدة للصين

تتصدر الصين القدرة التنافسية العالمية ويعود الفضل لقدرة تكيف سكانها العالية

  • زاك ديشتوالد
  • ترجمة: ندى الهذلول

يعتمد مستقبل الصين على الابتكار وهذا ما تدركه الصين جيدًا، إلا أنه ليس بالضرورة أمر صحيح فلم تحصل معجزة الصين بالتصنيع في نصف القرن الماضي والتي أنقذت حوالي 700 مليون مواطن من الفقر المدقع نتيجة الابتكار بل من القوة العاملة الهائلة. بالاعتماد على توفير غير محدود للعمالة الرخيصة من مئات الملايين من العمال الطموحين من جيل طفرة المواليد. وقد كرست الصين جهودها المذهلة لإنتاج ابتكارات البلدان الأخرى، حيث مكّنتها هذه الجهود من تطوير دولتها التي لم تشهد الثورة الصناعية واستيعاب أحدث التطورات الصناعية في العالم خلال عقد أو عقدين فقط، وبهذا اكتسبت الصين سمعتها بكونها الدولة المقلِّدة عالميًا في مجال الصناعة.

 

إلا أن الوضع قد تغير الآن. قامت الصين باستبدال جيل طفرة المواليد بجيل الألفية الذين ولدوا في ظل سياسة الطفل الواحد والتي بدأ تطبيقها عام 1979 بهدف خفض معدلات الإنجاب لتصبح أقل من مستوى الإحلال. أتت هذه السياسة بالنفع لكنها خلقت واقعًا سُكّانيًا جديدًا: وهو أن الصين اليوم لا تمتلك العدد الكافي من الأشخاص في قوتها العاملة من جيل الألفية والجيل الشاب لتسد نقص عمالة جيل طفرة المواليد. ووفقًا للمركز الوطني للإحصاء في الصين فإن عدد السكان في سن العمل سيقل بمقدار 81 مليون شخص في عام 2030 عن عام 2015، ومن المتوقع أن ينخفض العدد بعد عام 2030 بمتوسط 7.6 مليون شخص سنويًا مما يؤثر على مستقبل الصين. ومع تقلص العمالة الشباب لا يمكن للصين أن تعتمد على تقليد الصناعات بعد الآن وسيتعين عليها أن تبدأ بالاعتماد على الابتكار بدلًا من ذلك إن أرادت تنمية بلدها ودعم شيخوختها السكانية.

 

لكن هل بإمكان الصين أن تبتكر؟ هل بإمكانها المنافسة على المستوى العالمي مع الدول المتقدمة التي بنت اقتصادها على الابتكار منذ عقود؟ يشك المراقبون بقدرتها على ذلك وقد لاحظوا في السنوات الأخيرة أن الغرب قد أنتجوا الكثير من الابتكارات والمبتكرين بينما لم تنتج الصين الكثير. عام 2014 ذكرت مقالة في مجلة هارفرد للأعمال بعنوان: “لما لا يمكن للصين أن تبتكر” للكتاب ريجينا إم أبرامي، وويليام سي كيربي، وإف وارن ماكفارلان تفسيرًا تقليديًا مُدعّمًا بحجج سليمة. لكن بعد سنتين فقط من نشر المقالة تصدرت الشركات الصينية ثمانية مراتب من أصل عشر في قائمة الشركات التي وصلت قيمتها إلى مليار دولار في وقت قصير جدًا، وستة من الثمانية شركات كن قد أنشئن بنفس السنة التي نُشرت بها المقالة.

 

تعود هذه الأرقام المذهلة للدولة التي احتلت المرتبة الرابعة عشرة في مؤشر الابتكار العالمي في عام 2020 ومن الجلي أن هناك ما دفع هذه الشركات الصينية لتصل للقمة لكن مقاييسنا لتقييم الابتكار غفلت عنها. حيث نميل عادةً للتركيز على الأشخاص والشركات الذين يبتكرون أفكارًا جديدة وعظيمة، ومن يتمتعون بتفكير حماسي ومتهور وفعّال. ويختلف النظام البيئي للابتكار في الولايات المتحدة الأمريكية عن هذا النوع من المقاييس. حققت الصين في السنوات الخمس الأخيرة مع ظهور “حرب الابتكار الباردة” بين القوى العالمية نوعًا من التكافؤ مع الولايات المتحدة، وقد لا يكون مبتكريها السبب وراء نجاحها.

 

ولنفهم سبب تزايد الشركات الصينية على الصعيد العالمي، نحتاج إلى أن ندرك أن الصين تملك موردًا لا يمتلكه أي بلد آخر: وهو عدد سكانها الهائل الذي عاش العديد من التغيرات الجديدة وبالتالي طور فيهم رغبةً قوية لتبني الابتكارات والتكيف معها بسرعة ومقياس لا مثيل لهما في العالم.

وهذا الجانب من النظام البيئي للابتكار في الصين -قدرتي التبني والتكيف الهائلتان لدى مئات الملايين من مستهلكيها- مايجعلها قادرةً على المنافسة عالميًا اليوم. بالنهاية يجب تقييم الابتكارات على رغبة الناس باستخدامها وليس هناك من ينافس الصين في هذا الأمر.

 

قصة العجوز يانغ ونمو تقنية الدفع عبر الهاتف

كان العجوز يانغ متسولًا في بكين وغالبًا ما يجلس في شارع جو لو مقابل محطة مترو لمنطقة سياحية وعاش لسنوات على هبات الناس من القطع النقدية والأموال الزهيدة. لكن حياته تغيرت جذريًا في عام 2015 بعد أن تخلى الناس فجأةً في بكين عن حمل الأوراق النقدية، وكأن جميع سكان الصين بين عشية وضحاها اكتشفوا تطبيقات الدفع عن طريق الهاتف مثل وي تشات باي وعلي باي واعتمدوا عليها في حياتهم اليومية.

 

كانت هذه الضجة التقنية بمثابة الكارثة للعجوز يانغ فرزقه يعتمد على الأوراق النقدية. إلا أنه واجه هذا التطور السريع وتكيف معه فاشترى هاتفًا ذكيًا بخيس الثمن وطبع على لوحة الباركود الخاص بحساباته في تطبيقات الدفع الإلكترونية وي تشات باي وعلي باي. عاد العجوز يانغ إلى موقعه المعتاد معلقًا اللوحة حول رقبته وقد قام بربط جهازه بشكبة انترنت المحطة ووقف منتظرًا رزق يومه.

 

استطاع العجوز يانغ النجاة في دولته التي بالكاد تجد فيها من يحمل الأوراق النقدية بل وازدهر كسبه بنباهته. لم يعد الناس هذه الأيام يبحثون في حقائبهم عن بعض القطع النقدية ليعطوها له، وأصبحوا عوضًا عن ذلك يستخدمون تطبيق الدفع عبر الهاتف لمسح باركود حسابه الموجود على اللوحة وتحويل المبلغ إليه. ارتفع متوسط التبرعات التي يتلقاها العجوز يانغ من يوان واحد أو يوانين اثنين، ليصبح من ثلاثة يوان إلى خمسة يوان -أي زيادة بنسبة تقارب 300%- وهذا يعد مثالًا عظيمًا لاستغلال التطور الرقمي.

 

تدعم التطبيقات الصينية للدفع عبر الهاتف الجميع. وعلى سبيل المثال زرت مدينة تشنغدو بالصين عام 2015 وقمت بالدفع عبر هاتفي لشراء جهاز حاسوب محمول من علامة تجارية عالمية، ثم خرجت من المحل لأشتري شطيرةً من بائعةٍ بسيطة تطبخ على الفحم في طرف الشارع ودفعت لها عبر هاتفي أيضًا.

 

العجوز يانغ، ومالك متجر الحواسيب، وبائعة الشارع ليسوا مبتكرين ولا نعتبرهم بتلك الأهمية في الأنظمة التي نستخدمها لتقييم مستوى ابتكار الاقتصادات العالمية. لكن التبني والتكيف السريع لأكثر من 900 مليون مستخدم للإنترنت من جميع الطبقات الاجتماعية يؤدي إلى الحصول على قوة اقتصادية كبيرة يمكنها تغيير شروط التنافسية العالمية.

 

قصة تقنية الدفع عبر الهاتف مفيدةٌ بالفعل، لأن التقنية التي مكنت من تفعيلها قد انتشرت في الولايات المتحدة والصين في الوقت ذاته، ولذلك أصبحت ابتكاراتهم المُنافِسة أو توقيتاتها غير مترابطة لتصبح محل جدل “من قلّد الآخر؟”. أُطلق تطبيق أبل باي عام 2014 في الولايات المتحدة وتبعه بعد سنة تطبيق سامسونق باي وأندرويد باي، وأُطلق بنفس العام تطبيق علي باي ووي تشات باي في الصين.

 

كانت الولايات المتحدة والصين متعادلتان تقريبًا في الابتكار من ناحية التوقيت ونوع التقنية إلا أن معدلات التبني كانت متفاوتة بشكل ملحوظ. أعلنت شركة أبل في بداية عام 2019 بأن 383 مليون هاتف حول العالم قد قاموا بتفعيل تقنية أبل باي مما سبب ضجة كبيرة لكن لم يستخدمها سوى 24% من حاملي هواتف أبل في الولايات المتحدة، وقد تمكنت تقنية أبل باي أخيرًا من التفوق على تطبيق ستاربكس لتصبح أكثر تطبيقات الدفع استخدامًا في الولايات المتحدة.

إلا أن الأمور كانت مختلفةً تمامًا في الصين. حيث كانت نفاذية تطبيق وي تشات باي للسوق بنسبة 84% بين مستخدمي الهواتف الذكية (يتوفر التطبيق لمستخدمي تطبيق وي تشات التابع لشركة تينسينت -ويعد من التطبيقات الكبرى- والذي يملك حوالي 1.2 مليار مستخدم نشط شهريًا). ويبين لنا هذا النوع من النفاذية سبب بلوغ عمليات الدفع في عام 2018  لـ1.2 مليار عملية في اليوم عبر تطبيق وي تشات باي، بينما بلغت عمليات دفع أبل باي مليار عملية في الشهر. ولهذا السبب أيضًا كان مجموع إجمالي الإنفاق في الصين في عام 2019 عبر تطبيقات الهاتف (والتي بلغت 347 تريليون يوان، أي ما يعادل 54 تريليون دولار) 551 أضعاف مجموع إنفاق الولايات المتحدة (والتي بلغت 98 مليار دولار).

 

إذن بالنسبة لتطبيقات الدفع عبر الهاتف، ما الدولة أو الشركة التي كانت أكثر ابتكارًا؟ وهل لهذا أي أهمية؟

 

الصين الحديثة

لا يمكن إنكار حقيقة أن البيئة التنظيمية في الصين قد لعبت دورًا كبيرًا في نجاح تطبيقات الدفع فيها. وقد ركزت هذه المقالة على رغبة المواطنين الصينيين في تجربة التقنية الجديدة والثقة بها. وهناك مجموعتان قد مهدتا الطريق لتبني تطبيقات الدفع بشكل واسع في الصين، وهما: المبتكرون الصينيون الذين يتعادلون أكثر فأكثر مع نظرائهم في سيليكون فالي، والحكومة الصينية. قام منظمون صينيون بفعل لا يصدق حين قاموا بمنح تراخيص مصرفية لشركتين غير حكومية من عمالقة التقنية شركة علي بابا وتينسينت على حساب المقرضين المملوكين للدولة. ولولا هذا الدعم الذي وفرته الدولة لم تكن تطبيقات الدفع عبر الهاتف ستصل إلى القمة.

ويظل السبب الرئيسي الذي جعل تطبيقات الدفع الصينية تحقق ما حققته وجعلها مميزة عالميًا هو شعبها. ومن الجدير بالذكر أن الحكومة الصينية كان لها دور واضح في ذلك بجعل مواطنيها يتوقعون خصوصية أقل في البيانات من الشعب الأمريكي، مما يمنحهم حقوق أقل أيضًا. ولفهم سبب كون العامة الصينيون متبنين بشدة علينا أن نفكر مليًا في الصين الحديثة، والتي أعني بها شيئين: أولًا الـ700 مليون من المواطنين دون سن الأربعين، وثانيًا الهوية الوطنية الجديدة التي ظهرت في العقد السابق على أنها مختلفة عن الهوية الصناعية التي كانت في أواخر التسعينات والقرن الحادي والعشرين.

أصبحت الصين تتمتع بسمعة فريدة في التبني في السنوات الأخيرة بعد التجربة التي خاضتها والتي لا شبيه لها في أي بلد آخر. ولمعرفة ما يميزها ضع في الاعتبار ما اسميه بمؤشر التغيير الحي والذي يستعمل نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي مدى الحياة لتتبع مدى التغير الاقتصادي الذي عاشه الشعب. كما يوضح “مؤشر التغيير الحي” أن الصين بشكل عام منذ عام 1990 تشهد تغيرات كثيرة وتتطور بسرعة أكثر من أي بلد آخر في العالم.

عند ذكر سرعة التغير الحاصل في الصين اليوم فإنا عادةً ما نركز على وضعها المادي سريع التغير والاختلافات الكبيرة فيه، لكننا بذلك نتجاهل التغيرات الفكرية للشعب الصيني. فبالنظر لما كانت عليها شنغهاي سابقًا في عام 1989 ومقارنتها بما هي عليه اليوم، قد تتساءل عن كيف سيغير الخوض في هذا النوع من التغيير من توقعاتك للتطور وشعورك نحو ما يمكن للحكومة، والتقنية، والتجارة فعله.

عاش مواليد الألفية الأمريكيون تغيرات وتقلبات مفاجئة منذ عام 1990، وهي السنة التي ولدت بها. وأولها كان الإنترنت ثم ظهر الهاتف النقال وظهرت بعده الهواتف الذكية ومواقع التواصل الاجتماعي، وتطبيقات المواعدة، والدفع عبر الهاتف، والسيارات الكهربائية، والبيانات الضخمة، والتعديل الوراثي والكثير الكثير. شهد المواطنون الأمريكيون عام 1990 نموًا في نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي بمقدار 2.7 ضعفًا ويعد أمرًا مذهلًا، حتى تعرف أن الصين قد شهدت في نفس العام نموًا بمقدار 32 ضعفًا في نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي والفرق شاسع بينهما. مثّل الناتج المحلي الإجمالي للصين في عام 1990 أقل من 2% من المجمل العالمي، ثم ارتفع بحلول عام 2019 ليصل لما يقارب 19%.

وضع في الاعتبار أن الصين في غضون 3 سنوات من عام 2011 إلى عام 2013 استطاعت بناء العديد من المباني أكثر مما بنته الولايات المتحدة في القرن العشرين. كان امتلاك ثلاجة في الريف الصيني عام 1990 نادرًا حيث كان بيتًا واحدًا من كل مئة بيت يملك ثلاجة، وارتفع الرقم اليوم ليصبح ستة وتسعين بيتًا من كل مئة بيت (يعد الحفاظ على الطعام معيارًا شائعًا للتطور). وفي عام 1990 كان عدد السيارات في الصين يبلغ 5.5 مليون سيارة فقط واليوم يصل عدد السيارات فيها إلى 270 مليون سيارة و3.4 مليون منها سيارة إلكترونية حيث تشكّل 47% من السيارات الإلكترونية في العالم. كان ثلاث أرباع الشعب في عام 1990 قرويين واليوم أصبح ثلثيهم تقريبًا متحضرين، بزيادة تصل إلى أكثر من نصف مليار شخص.

 

الهند، على نقيض الصين

قد يكون من الظالم المقارنة بين الولايات المتحدة والصين. وصف أغلب المراقبين معدلات الصين العالية لتبني تقنية الدفع عبر الهاتف بأنها نتيجة “قفزة نوعية”. أي التطور السريع والحديث للصين مكّنها من تخطي بعض المراحل المُعقدة للتطور التقني التي مرت بها الولايات المتحدة. وعلى ذكرها فكر فيما تسميه شركة جوجل “سوق المليار مستخدم” والقفزة النوعية التي حصلت حين انتقل مستخدمي الإنترنت من الحواسيب المكتبية أو المحمولة باهظة الثمن إلى الاتصال بالإنترنت للمرة الأولى باستخدام الهواتف الذكية الرخيصة. والهند جزء من هذا السوق وهي الصين الأخرى في آسيا لذا لابد من مقارنتها مع الصين.

حان الوقت للمقارنة بين الصين والهند. تأسست الدولتان كحكومة عصرية في نفس الوقت تقريبًا، حيث تأسست الهند في عام 1947 وجمهورية الصين الشعبية في عام 1949. ومؤخرًا في عام 1992 كان الناتج المحلي الإجمالي لكلا الدولتين نحو 350 دولار. كلاهما لديهما عدد هائل من السكان وسكان الهند أصغر عمرًا من سكان الصين مما يشير إلى وجود انفتاح أكثر للتقنيات الحديثة. وأولت كلٌ من دولتي الهند والصين اهتمامًا شديدًا بالتعليم، والعلوم، والتقنية، والهندسة، والرياضيات.

ظهرت فروقات كبيرة عند دراسة البيانات عن كثب. تبين أن نصف سكان الهند فقط يستخدمون الإنترنت والعديد من سكانها يرفضون فكرة تقنية مسح الباركود للدفع. ونتيجةً لذلك لا تُستخدم تطبيقات الدفع عبر الهاتف في الهند إلا من حوالي 100 مليون فقط من سكانها، ومقارنة مع الصين التي يستخدم 850 مليون من سكانها هذه التطبيقات. مع أن شركة قوقل قد استثمرت ضمن مبادرتها “المليار مستخدم المستقبلية” استثمارًا ضخمًا بجانب استثمار العديد من المنظمات الأخرى لتحسين البنية التحتية للهند، إلا أنه ما زال يوجد تباين واضح بين الهند والصين ولا يمكن تفسيره بالقفزة النوعية. تعمل تطبيقات الدفع عبر الهاتف وتقنية الباركود بشكل أسرع وأسهل، وآمن، وأرخص من الأوراق النقدية في كل من الهند والصين إلا أنه ما يزال هناك تفاوت شاسع في استخدامها بين الدولتين.

ما سبب هذا؟ ستجد الإجابة في مؤشر التغيير الحي. ارتفع الناتج المحلي الإجمالي للهند خلال العقود الثلاثة الماضية من 350 دولار إلى أكثر من 2000 دولار، بينما ارتفع في الصين من 350 دولار إلى أكثر من 10000 دولار. وهذا التفاوت يساعد في توضيح سبب استخدام الكثير من الصينيين لتقنية الباركود وقلة استخدامها لدى الهنديين. والمغزى هنا هو أن بعض الأنظمة البيئية التنموية تخلق بطبيعتها سلوكًا مختلفًا اتجاه التغير والتبني والتجدد وليس مدى ابتكارية البلد. ففي السنوات الأخيرة كان على الشعب الصيني التكيف مع التغيرات الجذرية الحاصلة له أكثر من أي شعب آخر وأدركوا أن التقنيات المبتكرة هي وسيلتهم للبقاء.

 

سد ثغرة الابتكار

تحتاج الدول والشركات لمنافسة الصين في المستقبل بالبدء بتحديد أولوياتها بشكل استراتيجي وعدم الاعتماد فقط على مدخلات الابتكار من أدوات وتقنيات جديدة، بل الاعتماد على مخرجات الابتكار أيضًا بحيث تكون نقطة تحول من خلال تبنيها السريع على نطاق واسع جدًا. تتمتع الصين على المدى القصير بالأفضلية من ناحية المخرجات، ويعود الفضل لعدد سكانها الضخم وقدراتهم الهائلة على التبني والتكيف لما هو جديد، ونتيجة لهذا فهي على استعداد لتولي زمام المبادرة في سباق الابتكار الحاصل. لكن إذا اتخذ رواد الأعمال خارج الصين الخطوات التالية فبإمكانهم تقليص هذه الثغرة.

 

كن متيقظًا

قال كاتب روايات الخيال العلمي ويليام قيبسون: “المستقبل موجود هاهنا لكنه لم يوزع بالتساوي”. وتنطبق هذه النظرية على الصين وخاصةً من ناحية التوجهات التقنية الرقمية والتجارة بالتجزئة، ففي بعض الحالات تكون الصين متقدمةً بسنوات على الأسواق العالمية مما يجعل لديها نظرة مستقبلية ثاقبة.

لنأخذ بالاعتبار الشركات العالمية الكبرى في مجال المدفوعات غير النقدية مثل فيزا وماستركارد وغيرهما والذين لم يشجعوا الدفع عبر الهاتف حتى الآن ليحافظوا على كيان بطاقاتهم الائتمانية. لو كانت الصين دليلًا قد تقع هذه الشركات بما يسمى بـ”لحظة كوداك”، كما حدث مع شركة كوداك والتي أصدرت كاميرات رقمية تواكبًا مع التقنية الدارجة إلا أنها لم تكن لديها نظرة مستقبلية صحيحة فاتخذت قرارًا كارثيًا بتعريف نفسها على أنها شركة أفلام بدلًا من شركة صور. وما يحدث الآن حول العالم مشابهٌ لحد كبير لما نراه في الصين حاليًا، حيث يثق الصينيون في هذه منصات مثل علي باي ووي تشات باي في جميع أمورهم المالية من المشتريات إلى القروض والاستثمارات. ما زالت شركات بطاقات الائتمان الكبرى تملك فرصة لريادة وتشجيع الدفع عبر الهاتف على مستوى العالم كما فعلت معظم البنوك في الصين عوضًا عن التنازل عن السوق لعمالقة التقنية.

أنظمة البيع بالتجزئة في الصين عبر الإنترنت وغيره تتحد بطرق تتقدم بسنوات على ما هي عليه في الولايات المتحدة الآن. فمحلات البقالة الصينية الآن مكان مألوف لتواجد الباركود في منتجاته. ومسح باركود المنتج عبر الهاتف الذكي سيظهر لك كل ما يتعلق بالمنتج قصته ومصدره، وعملية إنتاجه وشحنه وإلى آخره… ومسح باركود قنينة المشروب يظهر لك إعلانه وتقييمات المستخدمين له. وهذا ما تدعوه شركة علي بابا بالاستراتيجية الجديدة للبيع بالتجزئة وقد تصبح معيارًا عالميًا لأنها تسمح للعلامات التجارية بتقوية علاقتهم مع المستهلكين بشكل مباشر. اعتمدت العديد من الشركات الأجنبية العاملة في الصين هذه الاستراتيجية الجديدة (أطلقت الشركات الأمريكية العاملة في الصين إصدارات متقدمة لهذه الاستراتيجية أكثر من الاستراتيجيات التي يستخدمونها في الولايات المتحدة).

والمستفاد هنا هو أن المستهلكين الصينيين قد أصبحوا يتوقعون مثل هذه التجارب للعلامات التجارية عبر الإنترنت. الفشل في التأهب أو أن يُنظر للشركة على أنها فشلت في مواكبة الرائج سيؤدي إلى فشل الشركة في السوق. بإمكان الصينيين أن يبيّنوا للشركات التي تتطلع إلى اكتساب ميزة تنافسية في الأسواق الأمريكية كيفية تحسين نقاط التواصل مع المستهلكين.

 

حسِّن من تقليدك

إن كنت تؤمن بأن التقليد استراتيجية تتخذ لإعلان فشلك فعليك إعادة التفكير بذلك لأن الابتكار يتمحور دائمًا حول الاختراع والتقليد. فلا نقلل من شأن شركة أبل لأن ستيف جوبز قد استوحى فكرة الفأرة من زيروكس، حتى العباقرة يسرقون وليس بالأمر الجديد. ولمنافسة الصين فالتقليد سيكون سلاحًا فعلًا للشركات العالمية إن استخدموه.

استوعبت هذه الفكرة بعض الشركات الأجنبية الذكية وأصبحت على اطلاع دائم بأفكار الصينية المنافسة. وهذا ما فعلته شركة فيسبوك عام 2019 حيث أضافت خيار الدفع في محادثاتها، وقد كانت وي تشات قد أصدرت بالفعل خيارًا مشابهًا له قبل خمس سنوات على نطاق واسع. وهذا نموذج ريادي لإنتاج منتج من خلال دمج عوالم التقنية الاجتماعية والتجارية. كما قامت أمازون بإنشاء ما يدعى بـ(برايم داي) وهو حدث سنوي ناجحٌ جدًا حيث يتلقى أعضاء خدمة برايم العديد من عروض البيع والخصومات وكانت الفكرة تقليد لخدمة سنقلز داي التابعة لعلي بابا. كما استوحى انستقرام ميزة رييلز من تطبيق تيك توك، وتمتد هذه القائمة إلى ما لانهاية.

 

على الشركات التي تستوحي أفكارها من الصين أن تضع بعين الاعتبار الأمور التالية:

1- ترك القيادة لفريقك الصيني.

 وصينا من قبل بأن نركز على الصين ومن الأفضل أخذ هذه الخطوة لنطاق أبعد وترك الصين تقودنا ببعض الأمور على الأقل. مكّن قلة من الشركات أفرقتهم الصينية لمساعدتهم بوضع استراتيجيات عالمية، وهذه الفرصة التي فوتتها العديد من الشركات. فما هو طبيعي لفريقك الصيني قد يكون مصدر إلهام لأفرقتك الأخرى، وما تعلمته من الاستراتيجيات المحلية الصينية قد يساهم في تحول وتطوير استراتيجيتك العالمية.

2- أظهر أفضل ما لديك.

أرسل أفضل موظفيك للصين ودعهم يستكشفون ويتعرفون على الأفكار الجديدة هناك، ووسع من مداركهم لما هو ممكن. تحدثت سابقًا مع وفود يمثلون عدة شركات من مصانع السيارات الألمانية إلى تجار التجزئة الأمريكيين، وأخبروني أن جزءًا من مهمتهم في زيارة الصين كان التعلم من نظام بيئتهم التقني ونقل ما تعلموه لبلادهم.

3- كن مطلعًا على سرعة الصين.

وكما يقال: “إذا لم تزر الصين في الستة أشهر الماضية، فأنت لم تشهد الصين الحالية”. ابقَ مطلعًا باستمرار ومدركًا لسرعة تغيراتها، وابدأ بمتابعة التحديثات الفصلية من صانعي التوجهات ومستجدات الموارد المحلية الصينية. وتعد تحديثات الفيديو التوضيحية للتوجهات والتجارب الجديدة ذات نفع كبير بالنسبة للمدراء التنفيذيين العالميين بعد رحلات العمل.

 

قدّر واستخدم التكيّف

يجب على الشركات العالمية أن تضع معايير خاصة لتقدير التكيّف لدى فئات سكانية معينة. والقيام بمزيد من الاختبارات السلوكية على العديد من الدول وعلى مختلف الفئات العمرية لقياس موقفهم اتجاه التجدد والتغير والتكيّف سيخلق تقدمًا قويًا. والتركيز بشكل أكبر على السكان الذين أجبروا على التكيّف لمواكبة العصر، كما حدث في الصين. ويعد مؤشر التغيير الحي طريقة جيدة لتقدير القدرة على التكيف إلا أنه ليس دقيقًا كفاية.

يمكن أن تساعد هذه المعايير الشركات في توجيه منتجاتها من خلال استهداف السكان الأكثر تقبلًا للتغيير والأكثر رغبةً في الاستفادة من التقنيات الجديدة. بعض الدول والثقافات والجماعات متبنيين وتكيفيين بطبيعتهم أكثر من غيرهم. إن طرح وتكرار المنتجات في الدول المتقبلة للتغيير من شأنه أن يساعد الشركات على تطوير المنتجات حتى تصبح جاهزة لطرحها على نطاق أوسع، وقد تساعدهم أيضًا في تحديد المنتجات التي تناسب البيئات الأقل تبنيًا.

 

طوِّر من قواك التنافسية

سرعة التبني ليست كل شيء. الثقة العالمية مهمة أيضًا والعديد من الدول حول العالم لا تثق بالعلامة الصينية. أظهرت بيانات مركز بيو الأخيرة أن آراء العالم حول الصين كانت سلبية أكثر من أي وقت مضى، والعديد من الأجانب يعتقدون أن الشركات الصينية ليست مستقلة عن حكومتها من ناحية السياسات والممارسات، ويتبين هذا في قصة شركة هواوي. أنتجت شركة هواوي منتجات منافسة عالميًا واكتسبت حصة سوقية استثنائية ضد شركة أبل في الصين وذلك قبل تفعيل مبادرة دعم المستهلك، إلا أنها لم تتمكن من التوسع عالميًا كما كانت تأمل بسبب علاقتها الغامضة مع الحكومة الصينية.

ونظرًا لما حصل لشركة هواوي، قرر تطبيق تيك توك والذي يعد أحد عمالقة تطبيقات التواصل الاجتماعي اليوم قبل دخوله السوق الأمريكية ألا يكون له أي علاقة مع الحكومة الصينية. كان التطبيق قد جذب بالفعل ما يقارب 100 مليون مستخدم نشط شهريًا في الولايات المتحدة حينما قررت إدارة ترمب حظره في الولايات المتحدة لأسباب أمنية بعد ثلاث سنوات من دخوله السوق الأمريكية. كانت مشكلة تطبيق التيك توك مشكلة تمييز وليس مشكلة في منتجه، واستطاع التطبيق التغلب عليها. حيث تصدّرت بايت دانس الشركة الأم لتطبيق تيك توك قائمة أكبر الشركات الناشئة في العالم، وبلغت قيمتها ثلاثة أضعاف قيمة المركز الثاني والذي تتصدره شركة ديدي شوكينغ الصينية لخدمات النقل.

ما زال الغرب لهم الأفضلية عندما يتعلق الأمر بالثقة. نعيش في عالم من المنتجات والأسعار المتشابهة، إذ يرتاب المستهلكون العالميون من المنتجات الصينية مما يدفعهم للتوجه إلى العلامات التجارية الغربية. ويتعيّن على هذه العلامات التجارية الغربية إن كانت تنوي منافسة الصين أن تعترف بأن الصين قوة ابتكارية جديدة وجبارة عليهم التعلم منها.

…..

الصينيون مستعدون للعب دور مهم في السوق العالمية كمستهلكين ومتعاونين ومنافسين. المنافسة مع الصين لا تعد صفقةً خاسرة. وعلينا أن نعترف بأن أعظم أصولها في سباق الابتكار قد يكون شعبها المتبني والمتكيف على نحوٍ فريد. وقد نستطيع تطبيق ميزة الابتكار الجديدة في الصين لو تمكن بقية العالم من إدراك ما قامت به الصين والتعلم منها.

اقرأ ايضًا: الرقابة الصينية ومعاناة شعوب الأويغور

أعجبني المقال

المصدر
hbr

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى