الفلسفة

دردشة في بيت فيلسوف

  • محمد كزو

الصورة : واجهة المنزل الذي وُلد فيه رونيه ديكارت

في صيف سنة 2017م، ووسط اهتمامي بالفلسفة والفكر الإنساني، أُتيحت لي زيارة المنزل الذي وُلد فيه رونيه ديكارت الفيلسوف العقلانيّ الفرنسيّ؛ فدار حوار شيِّق، بيني والموظّفة المسؤولة، في بلدة اسمها حاليًّا “ديكارت”، وكانت تسمّى “لاهاي إن تورين”، القرية التي قضى فيها طفولته كاملة، مذ ولادته “1596م” حتّى “1606م”، قبل الانتقال لمدرسة “لافليش” المَلَكيّة، بيْن “1607م” و”1615م”، التي تحوّلت بداية القرن التّاسع عشر مدرسة عسكريّة، ومازالت كذلك.

فكيف كانت الرّحلة؟ وما النّقاط الأساسيّة في الحوار؟ ما أهمّ الأحداث في حياة “ديكارت“؟ وما دوره في التّأسيس للحداثة الغربيّة؟ وكيف سَيُوفِّق بين الدّين والعِلم لإكمال منهجه؟

وصلتُ العاشرة صباحاً المنزل، كانت اللّحظة ماطرة والجوّ باردًا عادة فرنسا فصل الصّيف، وقفت قُربه حيث لوحة جداريّة معلّقة، كُتب عليها [منزل متحف رونيه ديكارت]، وفي الباب أخرى تحمل لمحة حياته، قرأتها بتمعّن: [منازل المشهورين، “رونيه ديكارت” (1596-1650م)، فيلسوف، رياضي، مؤلِّف “مقال في المنهج”، وُلد بهذا المنزل، تحت تصرّف وزارة الثّقافة والاتّصال الفرنسيّة]؛ تقدّمت خطوات قليلة لأجد مكتب الاستقبال فيه سيدة تُمسك كتابًا تقرؤه، بعد التّحيّة، شرحت لي طريقة الزّيارة وأخبرتني ثمن التّذكرة، وبينما أتحدّث معها دخل سيّاح؛ رجُل صُحبة ثلاثة مِن أبنائه يتحدّثون الإنجليزيّة، صنيع بعض الكلمات عرفتُ أنّهم مِن السّويد، وبالمناسبة فـــ”ديكارت” توفّي في “ستوكهولم” العاصمة، فربّما استهوتهم الزّيارة لهذا السّبب. وقفنا جميعًا، وكنت مَن يتحدّث الفرنسيّة لذا جرى الكلام معي، لكون الموظّفة لا تتحدّث الإنجليزيّة كما لاحظتُ، فتمّ هذا الحوار:

قلت: «مرحبا أريد تذكرة دخول».

قالت: «مرحبا تفضّل، كيف عرفت هذا المكان؟».

قلت: «بواسطة الإنترنت، إذ قطعت آلاف الكيلومترات، لأزور منزل ولادة ديكارت»، بيد أنّها دوّنت قولي باستمارة، ربّما لأجْل إحصائيّات للزّوار، كما أعطت سمّاعة للآخرين فدخلوا المنزل ليبدؤوا الزّيارة.

قالت: «شيء رائع لم أره سابقًا»، واستطردت: «مرحبا بك، وهل تحتاج سمّاعة صوتيّة تشرح لك حيثيات الزّيارة».

قلت: «لا، شكرًا، أعلم أنّ “ديكارت” وُلد هنا نهاية القرن السّادس عشر، والملقَّب بأبي الفلسفة الحديثة، إذ قرأت كتبه كلّها تقريبًا المترجمة للعربيّة، فأبهرني كتابه [تأمّلات ميتافيزيقيّة في الفلسفة الأولى]».

قالت: «ماذا تعرف أيضًا؟».

قلت: «أعرف أنّه غادر هذا المكان للدّراسة في “لافليش”، ثمّ عاد لمدينة “بواتييه” حيث درس الإجازة شعبة القانون، فسافر نحو “باريس”، ليبدأ رحلته العالميّة الذّائعة الصّيت حينما استقرّ “بهولندا”، ووفاته “بالسّويد”، وحاليًّا رفاته وسط باريس».

قالت: «معلوماتك دقيقة، أتعرف أنّ جمجمته توجد بمتحف يسمّى “الإنسان” بمحاذاة “برج إيفل”، ورفاته الذي تحدّثتَ عنه في الجانب الآخر للمدينة، يفصل بينهما نهر “السّين”، بمعنى عاش حياة صعبة عنوانها التّرحال والخوف مِن المُعرضين والكنيسة، ونهايته حزينة بفصْل جثّته رأسًا عن جسد».

قلت: «للأسف ذاك ما وقع لعظماء على مرّ التّاريخ، إلّا أنّ الدّيكارتيّة ستبقى مدرسة رائدة لقرون عديدة، فمَن ينكر أنّه ديكارتيّ وإن لم يشعر!».

قالت: «ممتاز، فديكارتيّة القرن السّابع عشر، كانت انطلاقة الفلسفة الحديثة خاصة عَبْرَ [جاليليو جاليلي] وقبله [نيكولا كوبيرنيك]».

قلت: «بالضّبط، فلمْ يُخْفِ أنّه كوبيرنيكيّ حتّى النّخاع، وجعل طباعة كتابه “العالَم أو النّور” وشيكة، لو لم يَبْلُغه خبر محاكمة “جاليليو” حول فكرة مركزيّة الشّمس، والشّيء نفسه أَعلنه وفْقَ ثنايا أوراقه».

قالت: «أحسنت، أتعلم أنّ “ديكارت” معروف بأسلوبه الفلسفيّ الواضح، ولكن غير المتخصّصين يصعب عليهم فَهْم أفكاره العِلميّة عندما أدرَجها بِلَبوس فلسفيّ».

قلت: «أعلم أنّه غيّر الفهم القديم للفلسفة، وأعطاها بُعدًا آخر، بتطبيق المنهج الرّياضيّ المضبوط على الأمور الميتافيزيقيّة».

قالت: «هنا بالضّبط تكمن النّقطة الأساسيّة في فكره».

قلت: «بلى، ربط مهمّ جدًّا، أعطى الفكر الدّيكارتيّ ومنهجه إشعاعًا كبيرًا مازال يُنير طريق الحداثة».

قالت: «الحداثة نِتاج فِكْرِ مجموعة مِن الفلاسفة وإسهامهم».

قلت: «طبعًا، أستحضر معكِ مِن القرن السّادس عشر “نيكولا كوبيرنيك” (1473-1543م)، والقرن السّابع عشر، “فرانسيس بيكون” (1561-1626م)، “جاليليو جاليلي” (1564-1642م)، “باروخ اسبينوزا” (1633-1677م)، “توماس هوبز” (1588-1679م)، “بليز باسكال” (1623-1662م)، “لايبنز” (1646-1716م)، “جون لوك” (1632-1704م)، ولا ننسى مفكّري عصر الأنوار صَوْب “إيمانويل كانط” (1724-1804م)، القرن الثّامن عشر تحديدًا، ولكن يبقى “ديكارت” رائدهم لأنّه وضع الأساسات».

قالت: «يظهر لي أنّك مولع بدراسة الفلسفة، فأنت تعرف أمورًا غاية في الدّقّة».

قلت: «بل متخصّص في الدّراسات الإسلاميّة، أمّا الفلسفة درستها سنة واحدة بمجهود شخصيّ، قرأت فيها ما يفوق ثلاثين كتابًا فلسفيًّا لِعمالقة القرنين السّابع عشر والثّامن عشر».

قالت: «لأوّل مرّة، في عملي أستقبل الزّوار، أرى شخصًا مثلك».

قلت: «أنا مسلم ومرجعيّتي إسلاميّة، ولشدّة فضولي أردت معرفة ما يُفكِّر فيه الآخرون، باعتبارنا إنسانًا تجمعنا مسلّمات كونيّة قبل أن تفرّقنا أشياء أخرى، وبالفعل اتّضح لي بحَسَبَ تجربتي المتواضعة أنّ الله للجميع، ولكلّ فرد صلة بينه وبين ربّه، لا أملك أو أيّ شخص آخر السّلطة للتّحكّم في هذا التّواصل، فكلّنا نعيش والله فينا بتعبير فلاسفة الحداثة أنفسهم».

قالت: «كلامك أدهشني لم أسمعه مِن مسلم بهذه الطّريقة».

قلت: «أعيش بمعتقداتي والآخر كذلك، ولن أُجبر شخصًا كيفما كان على الإيمان بما أؤمن، أو فِعْل ما أفعل والعكس طبعاً، طالما الإنسان يملك حرّيّته الشّخصيّة وقراره».

قالت منبهرة: «ليت النّاس مثلك»، فهمت مغزى جوابها، الذي قالته بنبرة الآسفة، “ليت المسلمين جميعهم يملِكون تفكيرًا إيجابيًّا بخصوص الدّيانات الأخرى”.

نتيجةً لهذا الحوار السّريع، الذي أُثيرت فيه عناوين فلسفيّة مهمّة، وإنْ بعُجالة شديدة، سأحاول صياغتها مُجدَّدًا وتفصيلها قدر الإمكان، لكون “ديكارت” مدرسة مازالت تُدرَّس.

فكانت بداية الحوار حول حقبته التّاريخيّة، وهي أوّل نصف القرن السّابع عشر، حيث رأى النّور في قرية ذات طبيعة خلابّة بالغرب الفرنسيّ سنة 1596م، بمنزل جدّته لأمّه في “شاتيلرو”، يقول ديكارت عن هذه الفترة: «منذ حداثة سنّي تلقّيتُ طائفة مِن الآراء الباطلة، وكنت أحسبها صحيحة»(1)، مكث فيه طيلة طفولته حتّى العاشرة، حين انتقل للمدرسة الابتدائيّة “لافليش” البعيدة عن سكناه بمسافة طويلة حوالي مائة وثلاثين كيلومترًا، يقول عن دراسته فيها: «غير أنّني ما كدت أنهي تلك الفترة مِن الدّراسة التي تخوّل عادة الارتقاء إلى صفّ المتضلّعين، حتى غيّرت رأيي تمامًا. إذ وجدت نفسي مكبّلًا بالشّكوك والأخطاء إلى حدّ بدا لي معه أنّني لم أغنم مِن سعيي إلى تثقيف نفسي سوى أنّني اكتشفت جهلي أكثر فأكثر. ذلك على الرّغم مِن أنّني كنت في أشهر مدارس أوروبا، حيث كان مِن المفترض في اعتقادي أنّه يوجد رجال علماء، إذا انعدموا في كافّة أنحاء الأرض»(2)، ثمّ عاد نحو مدينة “بواتييه” فدرس القانون، ونال إجازة الحقوق مِن جامعتها.

بعدها سافر صَوْب “باريس”، متّجهًا نحو “ألمانيا”، “فهولندا” مكان استقراره حوالي عقدين، منذ 1628م، كَتب فيها فلسفته كلّها، وحيثما اتُّهم بالإلحاد وخاف الخصوم والمكائد، سافر اضطرارًا خريف 1649م لدولة “السّويد”، دعوة مِن “الأميرة كريستينا”، أنَّى وافته المنيّة بالعاصمة “ستوكهولم” شتاء 1650م، يقول عن أسفاره هاته: «ولذلك، ما كاد يسمح لي العمر بالخروج مِن التّبعيّة إزاء معلّميّ، حتّى انصرفت كلّـيًّا عن دراسة الآداب. ولعزمي على أن لا أطلب عِلمًا آخر غير الذي يمكن أن يوجد عندي أو في كتاب العالَم الكبير، فقد أنفقت باقي شبابي في التّرحال، وفي رؤية بلاطات وجيوش، ومعاشرة أناس مِن ذوي الطّبائع المختلفة والمراتب، وجمع شتّى التّجارب، وامتحان نفسي خلال اللّقاءات التي كانت تسوقها إليّ الصّدفة، والتّفكّر أينما كنت في الأشياء التي كانت تعترض طريقي، بحيث أغنم مِن ذلك بعض الغُنم»(3).

هذا السّفر الطّويل صادف محنة أخرى، مفادها أنّ السّلطات الفرنسيّة طالبت باسترجاع رفاته، ممّا دفع نظيرتها السّويديّة بعد محاولات عديدة استخراجه أخيرًا، ودُفن في فرنسا سنة 1667م، داخل كنيسة “سان جونفييف” في باريس، ولكن عندما تقرّر نَقْلُهُ، سنة 1819م لكنيسة “سان جرمان دي بري” وسط باريس مُجدَّدًا لتداعي الأولى، لوحظ غياب الجمجمة، وبعد إعادة البحث تمّ رصدها سنة 1821 في مزاد علنيّ، وسلّمها الكيميائيّ “جون جاكوب برزيليوس” (1779-1848م)، حيث يظهر عليها نقش معناه: سُرِقَت مِن قائد الحرس الذين ترأّسوا عمليّة استخراج الجثّة، بالإضافة إلى أسماء مالكيها التّسعة المتعاقبين، فلم تُدفن قُرب الرّفات، بل وُضعت ضمن معروضات متحف “الإنسان” قُرْبَ “برج إيفل”(4). الطّريف هنا والمؤلم علاوة، أنّ موقع الكنيسة والمتحف يفصل بينهما نهر “السّين”، ما حدا بعضهم قولًا: كُتب على “ديكارت” عيش صعب، بالنّظر لظروف حياته وأسفاره، حقّا سيبقى موته صعبًا بتفريق جسده عن رأسه.

بينما، تكمن قوّة “ديكارت” الفكريّة باعتباره أوّل مَن طرح الإشكالات؛ فالكوجيطو [أنا أفكّر إذًا أنا موجود]، معناه: تبدأ المعرفة مِن الذّات وتُبنى، أي أنا أفكّر إذاً أنا حرّ، لكن أَحسّ أنّ الإنسان مُهدَّد في حرّيته تهديدًا نابعًا مِن وجود عالَم ميكانيكيّ، أو بتعبير آخر، آلة صمّاء شديدة الضّخامة تعصف به، فتحتّم عليه سبر أغوارها، وتفكيك أجزائها لتسهيل فهمها والتّعامل معها بحذر، بالتّالي أين نحن إذاً؟ أين حرّيتنا؟ فبدأت الأجوبة تتناسل، وأوّلهم طبعًا “ديكارت” الذي أوضح أنّ الحرّية مُحرّكها التّفكير، شَرْط وجود إله ضامن للحقيقة، كما قدرتنا ممارسة الشّكّ والتّخمين والرّفض وغيرها عنوان حرّيّتنا.

بالإضافة لِمَا سبق، تنبعِث جملة مِن الأسئلة: مَن منّا لا يستعمل الآن العزل المنهجي؟! وهو عنصر رئيسيّ يعتمد عليه منهج “ديكارت” الشّكّي، ومَن منّا لا ينظر للأمور مِن الأسهل حتّى المركَّب ربحًا للوقت والمجهود؟ وهي مِن قواعده الأساسيّة، ومَن منّا لا يقوم بالتّحليل ثمّ التّركيب في مناقشة مواضيعه بشكل علميّ مُتقن؟! لذلك فمنهج “ديكارت” مازال يسري فينا، وإن بدا للبعض أنّه مُتجاوز، ولِنتأكّد حضوره في طريقة تفكيرنا نُلقي نظرة على قواعد منهجه، «فكانت الأولى ألا أقبل أبدًا أيّ شيء كحقيقة دون أن أعرف معرفة جليّة أنّه كذلك(…)، وتمثّلت الثّانية في تقسيم كلّ مِن الصّعوبات التي أفحصها إلى ما يمكن مِن الأجزاء، أو إلى ما يلزم لحلّها على أحسن وجه. وتمثّلت الثّالثة في تسيير أفكاري حسب نظام، مبتدئًا بأبسط المواضيع وأسهلها على المعرفة للارتقاء شيئًا فشيئًا، وحسب التّدرّج إلى معرفة أكثر تركيبًا(…)، وكانت الأخيرة أن أقوم في كلّ المواطن بتعدادات على درجة مِن الاكتمال، ومراجعات على درجة مِن الشّمول، بحيث أكون واثقًا مِن أنّني لم أهمل شيئًا»(5).

نلاحظ إذاً، أنّ “ديكارت” حاول إعادة هيبة الذّات الإنسانيّة، وإعطاءها المركز ضِمن الكون الشّاسع، ونزع الهالة الكبيرة عن باقي الأشياء، وبدأ بثنائيّة النّفس والجسد في ارتباطهما إزاء الله الخالق، وإن كانت المسألة الميتافيزيقيّة تمويهًا لتمرير اكتشافاته العِلميّة التي غيّرت مجرى العالَم، آنذاك، بظهور بوادر الحداثة الغربيّة.

هذه الحداثة، سيبدؤها، مِن جهة، “كوبيرنيك” بِدوَران الشّمس مُخالفًا نصوص الكتاب المقدّس، هذا الإنجاز الصّارخ يُختصر في كونه طبّق مقاييس كانت تتمّ سابقًا، حول كوكب الأرض نَقَلَهَا للشّمس، فوجد النِّسَب مضبوطة والكون منظَّمًا؛ ومِن جهة أخرى، سيقتبس “جاليليو جاليلي” هذا الاكتشاف الفلكيّ، ويطبّقه على الفيزياء فيما سُمّي مبدأ العطالة، وأثبته بتجارب أهمّها: الدّفع بكُرات فوق أسطح مختلفة الانحناء؛ إذ عند دفع كرة على سطحٍ أفقيّ مصقول تنزلق فوقه في اتّجاه واحد وبسرعة ثابتة، لولا أنّ مقاومة الهواء واحتكاكها بالسّطح يجبرانها على التّوقّف، فلو أَزَلْنَا هذين العامِلَيْن لَمَا توقّفت الكرة عن حركتها أبداً في اتّجاه واحد وسرعة واحدة. كما زاد أبحاث الفَلك والكون، فطوّر منظارًا ليراقب النّجوم، وهكذا لاحظ أقمارًا جديدة ونجومًا أخرى، وأعلن أنّ القمر تتخلّله نتوءات وليس أملس كما نلاحظ، وبه أخاديد وليس ناعمًا كما نشاهد. بمعنى آخر، فالفيزياء الكلاسيكيّة قامت على الثّبات بينما مع كوبيرنيك تتحرّك الأرض، فيجب تحريك الأشياء بطريقة مختلفة أيضًا وبناء الأمور على الحركة، فكون الأرض تدور لا يعني تبعثر الأشياء، حيث أثبت “جاليليو” أنّ الدّوران يتركها ثابتة، لأنّ هناك مبدأ القصور الذّاتي.

ونتيجة عَظَمة “ديكارت” -بَعْدَهُمَا –”كوبيرنيك” و”جاليليو”-، صياغته مبدأ قصور العالَم بوضوح علميّ، بمعنى سيعلِّل المبدأ صياغةً بقوله: «إنّ كلّ جزء مِن المادّة، بمفرده، يستمّر دائمًا على الحالة نفسها، ما دام التقاؤه بغيره لا يجبره على تغييرها»(6)، وعظمته الأكبر أنّه سيبحث عن فلسفة تتلاءم والدّوران، لتتشكّل الفيزياء المبنيّة على القصور؛ بينما يمكن القول: إنّ المرحلة الحداثيّة بدأت بثلاثة محرّكات كُبرى هي: الدّوران لأجل أهداف فلكيّة [كوبيرنيك]، الدّوران والصّياغة الفيزيائيّة له [جاليليو]، ثمّ الدّوران والصّياغة الفلسفيّة له [ديكارت]؛ فإذا كانت المادّة قاصرة فالجسم قاصر فمَن أكون أنا البشر؟ فظهر “الكوجيطو”؛ أنا أشّكّ أنا أفكر إذاً أنا موجود بشيء يتجاوز جسدي، لأنّه مفعول به، وهكذا كانت بداية المسيرة الحداثيّة؛ مسيرة حرّيّة في خضمّ حتميّة يخضع لها العالَم بما فيها أجسادنا.

وكما يعرف الجميع، اتّسمت كتابات ديكارت بمهادنة الكنيسة، فمصير محاكمة “جاليليو” مازال أمامه ماثلًا، وإحراق “جيوردانو برونو” (1548-1600م) حيًّا ليس بعيدًا يسكن ذاكرتَهُ(7)، ولكي يكمل مشروعه العِلميّ استدعى اللّاهوت بشكل مُحْكم، وبِحيلة انطوت على رجال الدِّين، عندما أقرّ بخلود النّفس وفناء الجسد، وبأنّ الإيمان بالله مُلهم اليقين والمعرفة؛ يقول في إهدائه لرجال الدّين وكليّة اللّاهوت المقدّسة في كتابه “التّأمّلات”: «فلا شكّ عندي أنّكم إذا تعطّفتم فشملتم هذا الكتاب بعنايتكم، وتفضّلتم أوّلًا بتصحيحه (لأنّي لا أزعم أنّه خال مِن الغلط، ويمنعني مِن ذلك شعوري بقصوري بل بجهلي) ثمّ بإضافة ما ينقصه، وإتمام ما لم يتمّ منه، والتّكرّم بإيراد شرح أوفى إذا اقتضى الأمر ذلك، أو تنبيهي على الأقلّ إلى ما قد يكون فيه مِن عيوب حتّى أعمل على إصلاحها»(8)؛ هنا بالذّات يُلام “ديكارت” ويُنتقد لخنوعه وخوفه، مِن جهة، إذ تشكّلت لديه نيّة طباعة كتابه “العالَم” الذي ضمّ دراساته العِلميّة كأبحاث “جاليليو” نفسها، وكاد إحراق أوراقه، عندما أدانت الكنيسة العالِم الإيطاليّ بالإقامة الجبريّة حتّى وفاته. لذا يقول في رسالةٍ لصديق طفولته الأب “مرسن” (1588-1648م): «أدهشني هذا إلى حدّ كدت معه أن أصمّم على إحراق أوراقي، أو على ألّا أظهرها لأحد على الأقلّ (…)، وإنّي لأعترف أنّه إذا كانت حركة الأرض باطلة، فإنّ كلّ أصول فلسفتي باطلة كذلك، إذ إنّ هذه الأصول تثبتها إثباتًا واضحًا، ولكن لمّا كنت لا أريد أن يصدر عنّي قول يمكن أن توجد فيه كلمة واحدة لا تقرّها الكنيسة، فإنّني أفضّل أن ألغي هذا القول على أن أظهره مشوّها»(9)، لكن مِن جهة أخرى، نجد مؤيّدين له في الالتفاف على الدّين ورجالاته لاستكمال مشروعه الفلسفيّ وخصوصًا العِلميّ، ولو لم يسلك الطّريق عيْنَه لأصبح مُدْرَجًا بَيْنَ قائمة ضحايا الكنيسة، ولمَا وصلَنا عِلْم الرّجُل؛ إذ فَصْله الواضح بين الجسد والنّفس، يفهمه المتديّن حينها ردًّا ضدّ الملحدين الرّافضين خلود الرّوح، بينما أتى هاجس “ديكارت” فيزيائيًّا محضًا، وقد أَسَرّه للأب “مرسن” أيضًا، بقوله: «ويسعني القول، بيني وبينك، إنّ هذه “التّأمّلات” السّتّة تحتوي على جميع أسس الفيزياء الخاصّة بي، ولكن رجاء ألّا تخبر أحدًا، لأنّ ذلك مِن شأنه أن يصعّب على أنصار أرسطو قبولها. آمل أن يألف القرّاء تدريجيًّا مبادئي ويدركوا حقيقتها قبل أن يلحظوا أنّها تهدم مبادئ أرسطو»(10).

ولذلك، انطلقت الحداثة بعبقريّة ثلاثة أسماء، ثمّ كبُرت اللّائحة بأخرى، مثلًا: “باروخ اسبينوزا” (1633-1677م)، “لايبنز” (1646-1716م)، “جون لوك” (1632-1704م)، ولا ننسى مفكّري عصر الأنوار في القرن الثّامن عشر مع “إيمانويل كانط” (1724-1804م).

وفي سياق آخر، ضِمن حوارنا، انبهرت الموظّفة، ونظرت إليّ نظرة تعجّب، عندما قلت لها أحترم الآخرين لأنّ كلمة “إنسان” تجمعنا رغم تعدّد مرجعيّاتنا؛ فهذه إشكاليّة كبيرة أرّقت البشر على مرّ العصور، أسرتي عشيرتي قبيلتي دولتي ديانتي… والباقي للجحيم؛ فالإنسان خلق واحد قبل أن تُفرّق بينه أشياء كيفما كان نوعها، لاسيما أنّني أعيش والآخر يعيش في نسق حياة يحكم الجميع، ولا سلطة دينيّة لإنسان على إنسان.

وأخيرًا كان إعجابها شديدًا بكلامي اتّجاه باقي الدّيانات، عندما قلت لها: أحترم الجميع، ولن أُرْغِمَ شخصًا ليؤمن بما أؤمن أو ليقتنع بما أقتنع. لكن نقطة ضعف الإنسان عامّة، إن صحّ التّعبير، أنّه يعيش بمعتقدات صعبة المسّ والخلخلة، وهي إقصاء الجميع، لكوني وأبناء جلدتي على حقّ دون أدنى اهتمام بباقي الإنسانيّة.

كانت هذه آخر نقطة في حواري الشّيّق، وإن وَرَدَ سريعًا موجزًا، مع الموظّفة بمنزل ديكارت، فاستمتعت بالزّيارة، وبالحوار التّلقائيّ العفويّ، وإجمالًا بالرّحلة كاملة.


الإحالات والهوامش

(1) تأملات ميتافيزيقية في الفلسفة الأولى، رونيه ديكارت، ترجمة وتقديم وتعليق عثمان أمين، تصدير مصطفى لبيب، المركز القومي للترجمة، العدد 1297، ط1/2009م، ص:71.

(2) حديث الطريقة، رونيه ديكارت، ترجمة عمر الشارني، دار المعرفة للنشر 1987م، تونس، ص:30-31.

(3) نفسه، ص:41-42.

(4) ينظر موقع متحف “الإنسان” الرسمي على الأنترنت لتفاصيل أكثر. Musée de l’homme à Paris

(5) حديث الطريقة، رونيه ديكارت، ترجمة عمر الشارني، دار المعرفة للنشر 1987م، تونس، ص:63-69.

(6) العالم أو كتاب النور، رونيه ديكارت، ترجمة إميل خوري، دار المنتخب العربي، ط1/1999، ص:82.

(7) سنّ ديكارت، أربع سنوات وقتئذ، بمنزل ولادته الذي تحدثنا عنه أوّل المقال.

(8) تأمّلات ميتافيزيقية في الفلسفة الأولى، رونيه ديكارت، ترجمة وتقديم وتعليق عثمان أمين، تصدير مصطفى لبيب، المركز القومي للترجمة، العدد 1297، ط1/2009م، ص:45.

(9) رسالة ديكارت لصديقه الأب مرسن صيف 1633م، نقلا من: مقال عن المنهج، رونيه ديكارت، ترجمة محمد محمود الخضيري، مراجعة وتقديم محمد مصطفى حلمي، دار الكتاب العربي القاهرة، ط2/1968، ص:66.

(10) ديكارت، توم سوريل، ترجمة أحمد محمد الروبي، سلسلة مقدمة قصيرة جدا، مؤسسة هنداوي، القاهرة، ط1/2014م، ص:60-61.

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى