فكر وثقافة

هل أصبحت الرأسمالية ديننا؟

حوار مع المؤرخ يوجين ماكاراهر عن خرافات وطقوس السوق، والراديكالية المفقودة منذ أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وصعود النيوليبرالية.

  • المحاور: دانييل شتاينميتز-جينكينز
  • ترجمة: إدريس نجي
  • مراجعة: مصطفى هندي
  • تحرير: فاطمة إنفيص

قد يصعب على المرء أن يجد شكلاً من أشكال العقلانية الحديثة أكثر تطرفًا من الرأسمالية. إن قوانين العرض والطلب وتسليع الحاجيات مثل الصحة والتعليم يمحوان الغموض والإحساس بالقدسية اللذين كانا في يوم من الأيام جزءا حيويا من حياة الإنسان. لاحظ ماركس أن الرأسمالية تكسر “جميع العلاقات الثابتة والجامدة”، وأنها “تُغرق أكثر المشاعر السماوية حماسة دينية… في زمهرير الطموحات الأنانية”. إنها تعصر كل قطرة من الرهبة والسحر من حياة الإنسان وتترك مكانها عالما متصلّبا من المصالح والكَنْز المادي، أو هكذا يقال. يقدم كتاب يوجين ماكاراهر الجديد The Enchantments of Mammon: How Capitalism Became the Religion of Modernity (سحر الجشع: كيف أصبحت الرأسمالية دين الحداثة)، عرضًا مختلفًا لعصرنا الحديث، حيث تحولت الأسرار والطقوس من الدين إلى الطريقة التي ندرك بها قوى السوق والتنمية الاقتصادية. يرى ماكاراهر أن العالم الجديد الذي أوجدته الرأسمالية لا يتّسم بـفك السحر أو تفنيد الخرافة، بل بـ “هجرة المقدّس” إلى عالم الإنتاج والاستهلاك، والربح والفائدة، والتجارة والأزمات الاقتصادية. بعبارة أخرى، الرأسمالية وهي الدين الجديد؛ نظام مليء بالخرافات الخاطئة والمعتقدات التي لا أساس لها، وسدنة هذا الدين هم رجال الاقتصاد والمدراء، وأيقوناته هي صناع الإعلانات والعلاقات العامة، ولاهوته السياسي هو رؤية للتاريخ والسياسة تقوم على حتمية انتشار النظام الرأسمالي في جميع أنحاء العالم. تحدّث ماكاراهر مع صحيفة The Nation عن ماضي الرأسمالية وحاضرها، وعن الراديكالية المفقودة منذ أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وترشح بيرني ساندرز، وصعود جيل جديد من الاشتراكيين.

دانييل شتاينميتز-جينكينز

 

– دانييل: يرفض كتابك النظر إلى الرأسمالية باعتبارها محررة للعالم من أسر السحر، ما هي تلك النظرة؟ ولماذا افترضنا أن هذه النظرة للرأسمالية كانت سائدة طوال هذه الفترة؟

– يوجين: “تحرير العالم من السحر” كما أطلق عليه ماكس فيبر(والذي استعار عبارة الشاعر فريدريك شيلر)، هي واحدة من الافتراضات الأساسية للحياة الثقافية والفكرية الحديثة. وتشير إلى الاعتقاد بأن السمة المميزة للحداثة هي فقدان الإيمان بالسحر -تلك القوى الغامضة التي لا حدّ لها ولا يمكن قياسها والتي تهيمن على الكون وتتغلغل فيه وتحركه. جسّدت المسيحية الكاثوليكية خلال العصور الوسطى هذه النظرة للواقع في خيالها وطقوسها المقدسة. ووفقا لفيبر، دمر اللاهوت الكالفيني والنظام الرأسمالي تدريجيا هذا المنظور المقدس القائم على “السر” والسحر، وردَّهُ إلى مادية محضة. إنّ السعي الرأسمالي من أجل الربح لم يكسر قيود العصور الوسطى ضد الجشع والربا فقط، بل إنه أوجب أيضا تجريد الواقع المادي من كل بعد روحي.

إنها قصة عجيبة؛ توحّد بين رجال مصارف وول ستريت، ومؤيدي التقنية في وادي السليكون، والاشتراكيين في مجلة جاكوبين، وربما معظم قراء The Nation. وهي أيضا قصة مقنعة جدًا لدرجة أنها يمكن أن تُقنع حتى المثقفين المتدينين، ففي كتابه الضخم (عصر علماني) الذي نشر عام 2007، أعاد الفيلسوف الكاثوليكي تشارلز تايلور سرد هذه الحكاية التقليدية إلى حد كبير، على الرغم من وجود سيناريو يقضي بإمكانية العودة إلى أسر السحر في النهاية. ومن المؤكد أن لها ظاهرا من المعقولية. إذا ما وضعنا جانبا حقيقة أن المعتقد الديني قد انحسر في العالم الرأسمالي على مدى القرنين الماضيين، نجد أن هذا هو الحال كذلك في نشاطات الحياة اليومية للفرد. فباستثناء طائفة البروتستانت الإنجيليين، نجد أن رجال الأعمال لا يؤدّون الصلوات أثناء اجتماعات مجلس الإدارة؛ ولا يستشيرون العرافين حول الربع القادم من العام أويبنون قراراتهم الاستثمارية على الأبراج الفلكية. وحتى إن كانوا يؤمنون بهذه الأمور، فلا يدخل أي منها في حساباتهم.

 

– دانييل: وهكذا يبدأ كتابك في سرد قصة مختلفة؟

– يوجين: يمكنك أن ترى بصيص قصة مختلفة للغاية حتى بين أكثر النقاد علمانية و”إيمانا بالتخلص من السحر” من الرأسماليين. اعتقد فيبر أن أرواح السحر القديمة لم تضمحل ولا أُنست ببساطة، وإنما تسربت بسلاسة إلى قوانين السوق. وكما يمكن أن تقرأ في عريضة ماركس عام 1844 “جرندريسه/أسس نقد الاقتصاد السياسي”([1]) وفي الفصل المتعلق بتقديس السلعة في كتابه “رأس المال”= فقد أدرك ماركس استمرار السحر في الميكانيكا العلمانية المزعومة للرأسمالية. رأى ماركس أن المال أصبح لاهوتا، وخالقًا ومشرعًا للواقع الأخلاقي في الحضارة الرأسمالية. كذلك في “رأس المال” يصبح تقديس السلعة هو البديل الرأسمالي عن الأسرار الكاثوليكية؛ وإذا كان سر النعمة الإلهية يتجلى في الأشياء المادية أوالطقوس الدينية، فإن القوة الخفية “السحرية” للمال تتجلى من خلال تقديس السلعة. لذا فإن إحدى طرق قراءة التاريخ الحديث هو أن تقرأه بوصفه قصة السحر الرأسمالي وعلم اللاهوت المالي، كما كان كذلك.

هذا التاريخ هو موضوع كتابي، وعنوانه الفرعي مشتق من كتاب Capitalism as Religion (الرأسمالية بوصفها دينًا) لوالتر بنيامين والذي تم نشره عام1921، وهو واحد من أكثر التقارير الماركسية صرامة وإيجازا عن السحر الرأسمالي. وأريد أن أفحص كيف أن الرأسمالية ما هي إلا شكل جديد ومشوه من أشكال السحر الذي زعمت كسره، وتوجيه خاطئ لرغباتنا نحو معتقدات وأسرار مقدسة وراء الوجود في العالم. إن هذه الأسرار المُحرفة ظاهرة بشكل واضح عبر الحضارة الرأسمالية، في نظرية الإدارة، والتصميم الصناعي، والإعلان، والاقتصاد.

 

– دانييل: هل تستطيع أن تخبرنا أكثر عن فهمك لطبيعة الاقتصاد؟ تذكر في كتابك “بدءًا من خرافاته عن المقايضة تاريخياً النابعة عن جهل وانتهاءً بادعاءاته المتهافتة والمهينة حول الطبيعة البشرية= فإن الاقتصاد ليس علمًا بائسًا فحسب، بل هو علم احتيالي بشكل أيضًا” ماذا تقصد ب “العلم الاحتيالي”؟

– يوجين: لأكون صادقًا، فلست متأكدًا حتى من أن الاقتصاد علم، مهما كان “كئيبًا وبائسًا” كما أطلق عليه توماس كارلايل مرة. أعتقد أن جون راسكين كان أقرب إلى الحقيقة في كتابه Unto This Last (حتى هذا الأخير) الذي نشر عام 1862 عندما قارن ما كان يسمى آنذاك “الاقتصاد السياسي” بـ “الخيمياء وعلم التنجيم والسحر”. وبصفتي مسيحياً، فإنني أرفض الافتراضين الموجودين في الاقتصاد التقليدي: الندرة، فعلى العكس من ذلك قد خلق الله عالماً من الوفرة؛ و’الهيومانية’ العقلانية المتمركزة حول الذات وتعظيم المنفعة، وهو مفهوم مصادم للطبيعة البشرية، وأعتقد أنه إهانة لخلقتنا على صورة وشبه الله.[2] أعتقد أن واحدة من أهم المهام الفكرية في عصرنا هي بناء اقتصاد بافتراضات مختلفة للغاية حول طبيعة الإنسانية والعالم.

 

– دانييل: كيف يرتبط هذا المفهوم للاقتصاد بفهمك لماهية النيوليبرالية؟

– يوجين: تمثل النيوليبرالية بمُثلها العليا -أي تحويل كل شيء إلى سوق- ذروة السحر الرأسمالي، أو بالأحرى حضيض السحر الرأسمالي. وكما حاججت في كتابي الجديد، يتمثل في النيوليبرالية مفهوم تسليعي تماما لشخص الإنسان أو”الذات الريادية” على حد تعبير فيليب ميروفسكي.

يمكنك أن ترى كوزمولوجيا السحر النيوليبرالي بشكل أكثر وضوحا في عمل فريدريك هايك، وهو أحد أكثر الشخصيات ازدواجية في التاريخ الفكري الحديث. ويمكن أن ترى لاهوتها الأدبي لدى آين راند، التي اعتقدت حقا وبشكل جازم أن المال هو مقياس كل شيء. بالنسبة لهايك، فإن السوق هو نوع من اللوغوس، التي لا تعرف مراسيمها سوى لغة عد المال. من وجهة نظره يجب علينا الانحناء أمام حكمته الغامضة. كانت كوين سلوبوديان محقة لوصف هذا الرأي بأنه “لاهوت سلبي”. من جانبها، أكدت راند أن الرأسمالية ذات طابع ديني، وشددت ذات مرة على أن “هناك حاجة إلى إيمان جديد…وإلى مجموعة محددة وإيجابية من القيم الجديدة وتفسير جديد للحياة”.

 

– دانييل: كان هناك اهتمام أكاديمي كبير بالاقتصاد السياسي في أعقاب الأزمة المالية لعام 2008 وتحديداً تاريخ الاقتصاد السياسي، كوسيلة لشرح عدم التكافؤ المادي المتزايد، ولعل الكتاب الأبرز في هذا السياق هو Capitalism in the 21st Century (الرأسمالية في القرن الواحد والعشرين) لتوماس بيكيتي؛ بالنظر إلى حجتك، هل ترى أن العودة إلى الاقتصاد السياسي ليست كافية لفهم أسباب الأزمة الاقتصادية وتزايد اللامساواة المادي؟

– يوجين: نعم، إن ذلك يتيح لنا فهم جزء من القصة فقط، لكني سأضيف ملاحظة فورية بأن دراسة الاقتصاد السياسي لا غنى عنها. هناك نزعة بين النقاد الدينيين للرأسمالية يميلون فيها لتركيز حنقهم على النزعة الاستهلاكية، بحيث لا تصبح إلا انحدارا أخلاقيا ويصبح التقصد في العيش والتوفير هو الفضيلة الشافية. حسنًا، لا نريد أن ندخل في الأمر هنا، ولكن أعتقد أن التقصد هو فضيلة زائفة في أفضل الأحوال، وكما يمكن لمجموعة من المؤرخين أن يخبروك، فإن النزعة الاستهلاكية لا تتعلق حقا بإشباع احتياجات الناس ورغباتهم بقدر ما تتعلق بزيادة حجم الربح والإنتاج. إن الرأسمالية بحاجة إلى أن يكون الناس غير راضين. لذا فإن الثرثرة عن النزعة الاستهلاكية هو أسلوب غير جدّي لفهم الرأسمالية. إضافة إلى إن الكثير من الذّم المعادي للنزعة الاستهلاكية لا يرقى لأن يكون إلا أخلاقية مملة، كما أنه يضمن اعتراضًا مملًا بنفس القدر على المادية. كم أتمنى فعلا أن يكون الناس أكثر مادية بمعنى أن يمتنوا ويظهروا المزيد من التقدير لبهجة العالم المادي.

 

– دانييل: عندما نفكر في الشعبوية اليوم نجد أن التفسيرات النموذجية لها إما اقتصادية أوسياسية بطبيعتها. طبقا لهذه الحجة، إذا كان هناك نظام أفضل لتوزيع الثروة أو نظام أفضل للتمثيل السياسي، فإن الشعبويين الأقوياء من أمثال دونالد ترامب أو جايير بولسونارو لن يكونوا بنفس الجاذبية. هل ترى أن كتابك ينظر إلى صعود الشعبويين اليمينيين على أنه يشكل نوعًا من الأزمة الروحية أو الأخلاقية؟ العديد من الأسماء التي تتعامل معها، مثل لويس مومفورد، وجاكسون ليرز، وراسيل دافنبورت، رأوا إمكانية اختزال الحياة الإنسانية في بعدها الاقتصادي من هذه الناحية.

– يوجين: أنا بالتأكيد أوافق على أن توزيع الثروة بشكل أكثر إنصافًا سيقطع شوطًا كبيرًا نحو جعل شخصيات مثل ترامب أقل جاذبية، لكنني أريد أن أدلي بملاحظتين هنا: الأولى هي أنني لا أحب الطريقة التي يتم بها استخدام كلمة “الشعبوية” هذه الأيام، فبالنسبة لأناس مثل ياشا مونك، “الشعبوية” هي صراع الحشد ضد من هم أفضل منهم من النيوليبراليين. إن ما يعارضونه حقا هو كيف استفادت النخب التكنوقراطية والإدارية بشكل كبير من “الاضطرابات” و”الابتكار” وما إلى ذلك. علينا أن نتذكر أن -كما يذكرنا مايكل كازين- هناك نسخا يمينية ويسارية من الشعبوية، وأن الشعبوية لم تكن مرتبطة دائمًا بالعنصرية وكره الأجانب.

أود أيضا أن أقول أنه، في حين يجب أن يكون لدينا توزيع أكثر عدالة للثروة، يجب أن نسأل أنفسنا عما نعنيه بـ “الثروة” في المقام الأول. إحدى المشاكل العديدة في التفكير الاقتصادي التقليدي هي أن “الثروة” ببساطة مجموع كل السلع والخدمات التي ننتجها كل عام، أي الناتج المحلي الإجمالي، وهب بهذا تكون مفهوما كميا بحتا، وليس هنالك أي اهتمام فيما إذا كانت هذه السلع والخدمات جيدة بالنسبة لنا أم لا، أو ما هي الظروف التي أُنْتجت فيها، أوحتى مدى التأثير البيئي لتقنيات الإنتاج أو طرق الاستهلاك. (إن مفهوم العوامل الخارجية هو مجرد وسيلة لتجنب المشكلة). يميز راسكين بين الثروة وبين ما يسميه “البؤس”، وهذا التمييز يعطينا فرقا نوعيا: فالثروة أو البؤس هي علاقة بين السلعة وشخصية الإنسان. بقدر ما نحتاج إلى نوع الاقتصاد السياسي الذي يقدمه بيكيتي، نحن بحاجة لتطويره بطريقة تجعل المناقشة الأخلاقية مركزية وليست تابعة للفرع المعرفي. مرة أخرى، الاقتصاد نفسه بحاجة إلى إصلاح فكري كبير، أخلاقيا وأنطولوجيا.

كل هذا يعني أنني أعتقد أن الأزمة الأخلاقية والروحية حقيقية وأنها أعمق بكثير مما ندرك في كثير من الأحيان. أتفق مع ديفيد جرابر في قوله أننا ربما نقترب من نهاية الحقبة الرأسمالية، لكننا لسنا متأكدين على الإطلاق من أن ما سيأتي بعد ذلك سيكون أفضل. من المحتمل أننا نعيش في فترة حرجة كئيبة كما وصفها فولفجانج شتريك بأنها نهاية العالم المستمرة التي تضعف فيها الرأسمالية، ولكن نظرا لعدم وجود معارضة متماسكة كما يبدو، فإنها تنجح في الانتقال من أزمة إلى أخرى دون أن تنهار في النهاية. نحن بحاجة حقا إلى “نموذج حضاري جديد”، بحسب كلمات نعومي كلاين، نموذج لا يُنظر فيه للعالم- وخاصة البشر الذين يقطنون فيه ويشكلون جزءا منه- على أنهم ليسوا أكثر من أعمدة من الأعداد الصحيحة في ورقة التوازن. هذا هو السبب في أنني أحاجج في الكتاب بأن تقاليد الرومانسية المعادية للرأسمالية تحتوي على واحد من أكثر التنوعات إنسانية وسخاء.

 

– دانييل: هذا ينقلنا إلى السؤال عما يبدو أنك تقدمه كحل: رومانسية يسارية. هل يمكن أن تشرح ما تعنيه بهذا وكيف يرتبط بالموضوع الرئيسي الآخر لكتابك، أعني ما تصفه بالحاجة إلى رؤية مقدسة للعالم؟

– يوجين: إننا غالبًا ما نفكر في الرومانسية كحركة أدبية وفنية ازدهرت في أواخر القرن الثامن عشر إلى منتصف القرن التاسع عشر. أنا أتبع مايكل لوي وروبرت ساير في رؤية الرومانسية كعنصر من عناصر الثقافة الحديثة، عنصر يمتد حتى يومنا هذا، والذي استمد منه ممثلو قيم ومؤسسات ما قبل الحداثة والرأسمالية ضد هيمنة العقلانية المالية والذرائعية. على عكس ماركس، الذي دعا إلى ما أسماها قصيدة المستقبل، يستحضر الرومانسيون قصيدة الماضي، أي العصور الكلاسيكية القديمة، العصور الوسطى، عصر النهضة، مجتمعات الفلاحين والحرفيين. في حين أراد بعض الرومانسيين بالفعل العودة إلى الماضي، فإن معظمهم لم يقصدوا هذا، لقد أرادوا الحفاظ على ما اعتقدوه بالقيمة في مجتمعات ما قبل الحداثة وإعادة صياغتها في شكل حديث. لهذا السبب، يؤكد العديد من الرومانسيين على الإرث العلمي والديمقراطي لعصر التنوير والثورة الفرنسية، ويشغلون مناصب في جميع أنحاء طيف اليسار، من ويليام موريس (الذي أشار بلا خجل إلى راسكين باسم “أستاذي”) وحتى هربرت ماركوز ونورمان أو براون.

في الوقت نفسه، في حين لم يكن جميع الرومانسيين متدينين (على سبيل المثال لا الحصر بيرسي شيلي وموريس)، كانت الرومانسية غالبًا نوعًا من الحس الديني، ووريثًا وشكلًا حديثًا للخيال السري المقدس للمسيحية في العصور الوسطى. على سبيل المثال تشير بعض أشهر المقاطع الشعرية الرومانسية إلى واقع يتجاوز العالم المرئي ويخضعه: بيتُ “الجنة في زهرة برية” للشاعر وليام بليك، وبيتُ “إحساس رفيع لشيء متداخل بعمق” للشاعر وليام ووردزوورث. كان “الخيال” هو الاسم الذي أطلقه الرومانسيون على هذه الحساسية السرية الحديثة، ولم يقصدوا بها “الفنتازيا” وإنما مَلَكة الرؤية/بصيرة، أي القدرة على “رؤية” ما يدور حولنا حقا. هذا هو ما تعنيه كلمة visionary “ذو بصيرة” بشكل صحيح، وهي التي حققت العقلانية ولم تلغها.

 

– دانييل: هل يمكن أن توضح ما ستكون عليه السياسة الفعلية للرومانسية اليسارية حينها؟ وما هي الشخصيات التي تجسّد هذا؟

– يوجين: اتخذت الرومانسية اليسارية عددا من الأشكال السياسية أحدها هي المعايرة الاشتراكية/الاجتماعية الديمقراطية، خاصة في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. مقدمة راسكين في كتابه “حتى هذا الأخير” هي بمثابة رسم مبكر لما أصبح يمثل دولة الرفاهية. صرّح العديد من أعضاء حزب العمال الأوائل، وكذلك العديد من أعضاء الحركة النقابية بأن كثيرا من انجذابهم إلى الاشتراكية كان نابعا من قراءتهم نسخا غير مكلفة الثمن من كتاب “حتى هذا الأخير”. وكانت شخصيات في العالم الأنغلوفوني مثل آر أتش تاوني (في طوره الاشتراكي النقابي على الأقل) والإنجيليون الاجتماعيون مثل جورج هيرون وفيدا دوتون سكودر من أتباع راسكين وويليام موريس.

ظهرت الرومانسية اليسارية أيضا في العديد من مجتمعات الفنون والحرف التي ظهرت في بريطانيا والولايات المتحدة في نفس الوقت، وظهرت أيضا بين الأناركيين. كان أحد الشواغل المستمرة للرومانسيين اليساريين هو استرداد المهارة الحرفية والبراعة الجمالية من التدمير بالميكنة (التي تسمى الآن الأتمتة). كان هناك أيضا تحديا بين الرومانسيين اليساريين للفهم التقليدي لمعنى التقدم. غالبا ما تشارك الرأسماليون والعديد من خصومهم من الرومانسيين اليساريين مفهوما بروميثيا “للتقدم” بوصفه نموا اقتصاديا لا نهاية له. يفضل الرومانسيون اليساريون بشكل أكبر معاييرا نوعية للنمو، على نطاق أصغر، وتقنيات أكثر حساسية من الناحية البيئية، وتحكمًا مباشرًا من قبل العمال. لهذا فإن الانقسام ليس كما وصف كريستوفر لاش قبل جيل من الآن، بين “التقدم ونقاده”؛ وإنما تضارب بين مفهومين للتقدم.

 

– دانييل: يبدو لي أن الصفقة الجديدة الخضراءGreen New Deal قد تكون مثالاً رائعا على الرومانسية اليسارية. هل تتفق؟

– يوجين: يتوافق الكثير مما ورد في الصفقة الجديدة الخضراء بالتأكيد مع المخاوف الرومانسية اليسارية حول العدالة الاقتصادية والحساسية البيئية. مع قولي هذا، أنا أضم صوتي- وإن كان بشكل أقل حدة- للانتقادات اليسارية للصفقة الجديدة الخضراء بأنها لا تذهب إلى حد كاف في مواجهة الضرورات الرأسمالية التي تدفع النمو غير المحدود والخراب البيئي. إضافة إلى أن صفقة أكثر طموحا ستعكس التمييز بين الثروة والبؤس الذي ذكرته سابقا. على سبيل المثال أنا قلق بالفعل حول الحماس الذي يظهره الكثيرون من اليسار نحو الأتمتة، ونحو عبارة “الشيوعية الفاخرة المؤتمتة بالكامل”. أخشى أن اليساريين المولعين بالتقنية يستعينون في تخيلاتهم السياسية بوادي السليكون؛ يبدو أنهم يعتقدون بأنّ إيلون ماسك ومن معه سيحققون كل الاختراقات التقنية وأنّ الاشتراكية ستتمحور حول الاستيلاء على هذه التقنيات بعيدا عنهم.

 

– دانييل: دعني هنا أنتقل إلى موضوع مختلف. هل يمكن أن تصبح الاشتراكية المسيحية محل اهتمام اليوم، بالنظر إلى الاهتمام المتزايد بالاشتراكية بين جيل الشباب، والحاجة إلى كسب الناخبين المتدينين؟ بعبارة أخرى، بالنظر إلى تفكيرك النقدي حول العلمانية، ما رأيك في الاشتراكية العلمانية لبيرني ساندرز؟

– يوجين: مشكلة الاشتراكية المسيحية أنها عنَت جميع الأشياء على مدى القرن والنصف الماضي، من الأبوية الإصلاحية الفاترة إلى الاشتراكية النقابية من الراديكاليين الأنجليكان وحتى انضمام مسيحيين على أجندات الأحزاب الاشتراكية الموجودة أو الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية. إضافة إلى أن العديد من الشباب سوف يكونون، لأسباب مختلفة، غير مرتاحين للاشتراكية المسيحية، بالنظر إلى أن كلمة “مسيحي” تتعلق بالعديد من الارتباطات التاريخية والمعاصرة المبغضة مثل الاضطهاد والإمبريالية والظلامية ورهاب المثلية الإنجيلي. ولهذا لست متأكدا من أن “الاشتراكية المسيحية” هي مصطلح صالح- أنا لا أقرّه في كتابي- ولهذا السبب أفضّل مصطلحا أكثر رحابة وفوضوية “الرومانسية اليسارية”.

إن النقد الذي سأقدمه حول “اشتراكية” ساندرز هو رومانسي يساري: إن اشتراكيته ليست اشتراكية ولا ترقى إلى نموذج حضاري جديد لا يتم فيه اختزال البشر وبقية الطبيعة إلى شروط العقلانية الوسائلية. لست أول شخص يشير إلى أن ما يدعمه ساندرز هو ديمقراطية اجتماعية “خضراء”- دولة رفاهية كبيرة وسخية ورأسمالية منظمة بشكل أكثر إحكاما، مع إيلاء اهتمام أكبر من أي وقت مضى للمخاوف البيئية. أنا بلا شك لا أعارض أيا من هذا ولهذا أنا من مؤيدي ساندرز. ولكن كما قلت سابقا، يجب علينا معالجة علاقات الملكية الأكثر جوهرية للرأسمالية إذا أردنا حقا تحقيق العدالة وإنقاذ الكوكب من المزيد من الضرر.


  • دانيال شتاينميتز-جنكينز: هو مدير تحرير التاريخ الفكري الحديث وزميل ما بعد الدكتوراه في قسم التاريخ في كلية دارتموث. يكتب حاليا كتابا لصحافة جامعة كولومبيا بعنوان: Raymond Aron and Cold War Liberalism (ريمون آرون وليبرالية الحرب الباردة).

[1] المشهور أن جرندريسه كتب عام 1857، وأما الذي كتب عام 1844 هو البيان الشيوعي ومخطوطات باريس. (المراجع)

[2] في المسيحية: ورد في سفر التكوين منسوبا إلى الله (نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا) [تك 1: 26] وللنصارى تأويلات كثيرة لهذه الكلمة، وحديث “خلق الله آدم على صورته” عند البخاري وللعلماء كلام وتوجيهات لهذا الحديث في كتب العقيدة والحديق فلتراجع في مظانها. (المراجع)

المصدر
thenation

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق