عام

إعادة تعريف الرأسمالية

ما الازدهار؟ ومن أين يأتي النمو؟ ولماذا تعمل الأسواق؟ وكيف نحل التعارض بين عالمٍ مزدهر وعالمٍ أخلاقي؟

  • نيك هانوير، إريك بينهوكر*
  • ترجمة: محمود مصطفى الحكيم
  • تحرير: ريمة بعث

فقط إذا استثنينا أعلى 1%  من أصحاب الدخل، فإن الاقتصاد الأمريكي محطم في نظر الجميع. منذ الثمانينيات وهناك انفصال يتزايد بين حياة الأمريكيين العادية وبين الإحصاءات التي تقول إن ازدهارنا آخذٌ في النمو. فعلى الرغم من انتكاسة الركود الكبير، فقد تضاعف حجم الاقتصاد الأمريكي خلال العقود الثلاثة السابقة، في الوقت ذاته الذي أصاب الركود دخولَ الطبقة المتوسطة وقوة الشراء.

لقد تم تحقيق ثرواتٍ كبيرةً بينما فقد العديد من جيل طفرة المواليد مدخراتهم التقاعدية. ووصلت أرباح الشركات لمستويات قياسية، في حين انحدر الحراك الاجتماعي إلى مستويات غير مسبوقة متخلفًا عن الدول المتقدمة الأخرى. وبالنسبة للعديد من العائلات، أصبح الحلم الأمريكي مجرد ذكرى تاريخية أكثر من كونه حقيقةً قابلة للتنفيذ.

هذه الحقائق لا تسلط الضوء على قضايا عدم المساواة والقوة المتزايدة لحكم الأثرياء فقط (البلوتوقراطية)؛ بل تجبرنا أيضاً على طرح مجموعة أعمق من الأسئلة بشأن الكيفية التي يعمل بها اقتصادنا؟ والأهم من ذلك: كيف نقيّم ونقيس فكرة التقدم الاقتصادي ذاتها؟

كيف يمكن أن تُنتَجَ هذه الثروة العظيمة في وول ستريت بمنتجات مثل سندات التخلف عن سداد القروض -التي دمرت ثروة الأمريكيين العاديين- ورغم ذلك ظللنا نعدّ هذا النشاط نموًا؟

وبالمثل، صُنعت ثرواتٌ من مجال تصنيع الأغذية التي تجعل الأمريكيين أكثر بدانةً، ومرضًا، وأقل عمرًا- والذي نعدّه نموًا أيضًا!- بما في ذلك من التكاليف الإضافية الهائلة للرعاية الصحية.

إن الاحتباس الحراري العالمي يسبب مزيدًا من الأعاصير المتكررة التي تدمر المدن والأرواح؛ ومع ذلك، ينتهي النشاط الاقتصادي بإصلاح الضرر باعتباره نموًا أيضًا.

مناقشاتنا السياسية الاقتصادية تكاد تركز دومًا على جعلنا أكثر ثراءً ، وعلى توليد النمو الاقتصادي لتحقيق ذلك.

تحتدم المناقشات الكبرى حول رفع أو خفض أسعار الفائدة، أو زيادة أو تقليل القواعد التنظيمية؛ وقد أصيب نظامنا السياسي بالشلل بسبب الصراع الأيديولوجي المرير حول الميزانية. ولكن هناك القليل من النقاش حول الغرض من كل ذلك، بالكاد يسأل أي شخص: ما نوع النمو الذي نريده؟ وماذا تعني كلمة (ثروة)؟ وماذا ستفعل لحياتنا؟

الهُوَّة السحيقة بين الثمن والقيمة

مقياسنا الأساسي للنمو الاقتصادي هو الناتج المحلي الإجمالي. تطور هذا المصطلح GDP في ثلاثينيات القرن الماضي من عمل الاقتصادي الأمريكي سيمون كوزنتس، وأصبح الوسيلة المعيارية لقياس الناتج الاقتصادي بعد مؤتمر بريتون وودز عام 1944.

لكن منذ البداية، أبرز كوزنتس والاقتصاديون الآخرون أن الناتج المحلي الإجمالي ليس مقياسًا للازدهار. وفي عام 1959 نبّه الاقتصادي الأمريكي موسى أبراموفيتز إلى أننا: “يجب أن نكون متشككين حيال وجهة النظر القائلة بأنه يمكن قياس التغيرات طويلة الأمد في معدل نمو الرفاهية، حتى ولو على وجه التقريب، من خلال معدلات النمو الناتج”.

في 2009 أفادت لجنةٌ من كبار الاقتصاديين عُقدت برئاسة الحائز على جائزة نوبل جوزيف ستجاليتز بدعوة من الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، أفادت بقصور الناتج المحلي الإجمالي. وأشاروا لقضايا معروفة مثل حقيقة أن الناتج المحلي الإجمالي لا يضع يده على التغيرات في جودة المنتجات (فكّر في الهواتف المحمولة على مدار العشرين سنة الماضية)، أو قيمة العمالة غير المدفوعة (رعاية أحد الوالدين المسنين في المنزل).

كما ذكرت اللجنة أدلة على أن نمو الناتج المحلي الإجمالي لا يرتبط دائمًا بالزيادات في التدابير الرامية للرفاهية مثل الصحة، أو السعادة التي يشعر بها المرء، وخلصت لنتيجة مفادها أن نمو الناتج المحلي الإجمالي يمكن أن يكون له آثار وخيمة على البيئة.

جربت بعض الدول تدابير أخرى لزيادة الناتج المحلي الإجمالي مثل (مؤشر السعادة القومي الإجمالي) لبوتان.

قضيتنا ليست مع الناتج المحلي الإجمالي ذاته، وكما يقول الإنجليز: “اسم الشيء وصف دقيق لصفاته”، فالناتج المحلي الإجمالي يقيس النشاط الاقتصادي أو الناتج، وهذا يتعلق بطبيعة النشاط ذاته. سؤالنا هو ما إذا كانت نشاطات اقتصادنا التي تشكل نسبة من الناتج المحلي الإجمالي تعمل حقًا على تعزيز ازدهار مجتمعنا؟

منذ بدايات هذا المجال وخبراء الاقتصاد مهتمون بالأسباب التي تجعل شيئًا أكثر أهميةً من غيره، والظروف التي تؤدي لقدرٍ أكبر من الازدهار- أو الرفاهية الاجتماعية، كما يسميها خبراء الاقتصاد.

ولقد أظهرت مفارقة آدم سميث الشهيرة لقيمة الماس والماء أن سعر شيء في السوق لا يعكس دومًا مفاهيم بديهية حول قيمته الجوهرية- الماس مع قيمته الجوهرية الصغيرة عادةً ما يكون أغلى بكثيرٍ من الماء الذي يشكل ضرورة أساسية للحياة- . وبالتأكيد من هنا تلعب الأسواق دورها، ففي معظم الأماكن يكون الماء أكثر وفرة من الماس إلا أن قانون العرض والطلب يحدد أن المياه أرخص.

بعد كثيرٍ من المناقشات الطويلة حول طبيعة القيمة الاقتصادية في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، اعتبر الاقتصاديون أن القضية تم تسويتها إلى حدٍ كبير بحلول منتصف القرن العشرين. جادل الاقتصادي الفرنسي العظيم جيرارد ديبريو في كتابه (نظرية القيمة) بأن الأسواق إذا كانت قادرة على المنافسة وكان الناس عقلانيين ولديهم معلومات جيدة؛ فستعمل الأسواق تلقائيًا على فرز كل شيء، مما يضمن أن الأسعار ستعكس العرض والطلب وتوزع كل شيء بطريقة تزيد من رفاهية كل شخص لأقصى حد، ولا يمكن جعل شخص أفضل حالًا بدون جعل شخص آخر أسوأ.

سعر السوق لشيء ما يعكس في جوهره حكمًا جماعيًا لقيمة هذا الشيء. ولطالما كانت فكرة القيمة الجوهرية مثيرة للمشاكل؛ لأنها كانت بطبيعتها نسبيةً وصعبةَ الملاحظة أو القياس. ولكن أسعار السوق حقائق مجردة.

ولو كانت أسعار السوق توفر حكمًا اجتماعيًا مشتركًا للقيمة، والسلع ترصد لتحقيق أكثر فاعلية ورفاهية من استخدامها؛ فحينها لن نضطر للقلق بشأن أفكار إسفنجية مثل القيمة الجوهرية، سنكون بحاجة فقط للنظر لسعر الشيء لمعرفة قيمته.

عندما قدّم ديبرو نظريته، لم يكن عابئًا بالسياسة؛ في الواقع كان ينظر إليها على أنها تمرين في الرياضيات المجردة، وحذر مرارًا من الإفراط في تفسير مطابقتها لاقتصادات العالم الحقيقي. ومع ذلك، فإن عمله المرتبط في ذلك العصر بشخصيات مثل كينيث أرو وبول سامويلسون وضع الأسس للاقتصاديين مثل ميلتون فريدمان وروبرت لوكاس الذين قدموا نقدًا مدمرًا للكينزية في الستينيات والسبعينيات، والحائز على جائزة نوبل مؤخرًا يوجين فاما الذي كان رائدًا في نظرية الأسواق الفعالة في السبعينيات والثمانينيات.

وطبقًا للنظرية الكلاسيكية الجديدة التي انبثقت من هذه الحقبة: لو كانت الأسواق تتسم بالكفاءة وبالتالي تحقق أقصى قدر من الرفاهية فسيتبع ذلك أنه يجب علينا أن نُبعِدَ أي تشوهات قد تحرك المجتمع بعيدًا عن هذه الدولة المثلى، سواء إذا ما كانت شركات تقوم بسلوكيات احتكارية أو نقابات تتدخل في أسواق العمل أو حكومات تعمل على خلق تشوهات من خلال الضرائب واللوائح.

وأصبحت هذه الأفكار هي المنبر الفكري لحركة محافظة انبعثت في الثمانينات وأدت لموجة من إلغاء القيود التنظيمية المفروضة على الأسواق المالية واستمرت طيلة التسعينيات وحتى انهيار 2008.

وفي ظل هذا المنطق، حتى لو كانت الأسواق المالية الأكثر تنافسية وكفاءة في العالم فلابد لها من حد أدنى من التنظيم، ولابد أن تكون التجديدات (مثل العقود الاشتقاقية المركبة) ذات قيمة، ليس فقط للمصرفيين الذين يكسبون رسومًا كبيرة من إنشائها، ولكن لمن يشترونها وللمجتمع ككل. وأي تدخل سيقلل من كفاءة السوق ويحد من رفاهية المجتمع.

 وبالمثل، يجب أن تعكس حزم الأجور الهائلة لمديري صناديق التمويل الاحتياطي الذين يتداولون تلك العقود الاشتقاقية القيمة التي يضيفونها للمجتمع، فهم يجعلون الأسواق أكثر كفاءة.

في الأسواق ذات الكفاءة، لو كان شخص ما مستعدًا لدفع ثمن شيء ما فيجب أن يكون هذا الثمن قيمة لهذا الشيء؛ فالسعر والقيمة هما نفس الشيء.

وحتى قبل الانهيار، بدأ بعض خبراء الاقتصاد التشكيك في هذه الأفكار. فقد أظهر روبرت شيلر من جامعة ييل الذي تقاسم جائزة نوبل هذا العام مع فاما أن أسعار سوق الأسهم (البورصة) في أوائل الثمانينيات لم تكن تعكس دومًا القيمة الجوهرية، وأحيانًا قد تظهر فجوات كبيرة بين الاثنين.

وبالمثل، بدأ علماء الاقتصاد السلوكي مثل دانيال كانيمان في إظهار أن الأشخاص الحقيقين لم يتصرفوا على النحو العقلاني الشديد الذي افترضته نظرية ديبرو. وبدأ باحثون آخرون في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي منهم المؤلف الشهير الذي شارك ديبرو (آرو) في التشكيك في المفهوم الكامل للاقتصاد وهو أنه ينتقل بشكلٍ طبيعي لنقطة راحة أو (توازن) حيث يُحَسَّن من رفاهية الجميع.

إن وجهة النظر الناشئة في القرن الحادي والعشرين للاقتصاد تراه نظامًا ديناميكيًا، ومتطورًا باستمرار، وعالي التعقيد، أي يشبه النظام البيئي أكثر من كونه آلة. وفي مثل هذا النظام، ربما تكون الأسواق شديدة الابتكار والفعالية، وقد تكون بعيدة عن الكفاءة في بعض الأحيان. وبالمثل، قد يكون الناس أذكياء ولكن في بعض الأحيان قد يكونوا بعيدين عن العقلانية. لذا، لو لم تكن الأسواق فعالة دائمًا وكان الناس دائمًا غير عقلانيين فشعار القرن الحادي والعشرين بأن (السعر يساوي القيمة) قد لا يكون على حقٍ أيضًا.

وإذا كان هذا هو الحال فماذا تعني مصطلحات مثل القيمة، الثروة، النمو، والازدهار؟

 

الازدهار ليس المال، بل الحلول

في كل مجتمع، يكون بعض الناس أفضل حالًا من البعض الآخر يكون تمييز الفروق بسيطاً. فعندما يمتلك شخصٌ ما مالًا أكثر من معظم الآخرين، نسميه غنيًا. ولكن يجب التمييز بين هذا النوع من الثروة النسبية والثروة المجتمعية التي نسميها (الازدهار). ما يلزم لجعل مجتمعٍ مزدهرًا أكثرُ تعقيدًا بكثير مما يتطلبه الأمر لجعل الفرد الواحد أفضل حالًا من غيره.

يعتقد معظمنا بشكلٍ بديهي أنه كلما زاد ما يتملكه الناس في المجتمع زاد هذا من رخاء المجتمع. كان متوسط ما يتاح للأسرة الأمريكية من دخل عام 2010  هو 38,001 دولار مقابل  28,194 دولار في كندا: لذلك أمريكا أكثر ازدهارًا من كندا.

لكن فكرة أن الرخاء ببساطة يعني “امتلاك المال” يمكن دحضها بسهولة من خلال تجربة ذهنية بسيطة (هذه التجربة وعناصر أخرى من هذا القسم مأخوذة من كتاب إيريك بينهوكر “أصول الثروة”)

تخيل أن دخلك 38,001 دولار كدخلٍ أي فرد أمريكي عادي، لكنك تعيش في قرية بين قبائل اليانومامي (وهي قبيلة معزولة من الصيادين وجامعي الثمار في عمق الغابات البرازيلية المطيرة).

من السهل أن تكون أغنى شخص في قبائل اليانومامي (لا يستخدمون المال، ولكن يقدر علماء الأنثروبولوجيا مستوى معيشتهم بما يعادل 90 دولار سنويًا). لكن ربما ستظل تشعر بأنك أفقر بكثير من المواطن الأمريكي العادي حتى بعد أن تصلح كوخك الطيني، وتشتري أفضل الأواني الفخارية في القرية وتتناول أرقى أطعمة يانومامي؛ لأن ثروتك لن تجعلك تحصل على المضادات الحيوية أو تكييف الهواء أو سرير مريح. ومع هذا، فحتى أفقر الأمريكيين يحصل عادةً على هذه العناصر الأساسية للرفاهية.

وهنا يكمن الفرق بين مجتمعٍ فقير وآخر مزدهر. إنه ليس مقدار المال الذي يتداوله المجتمع- سواء أكان دولاراً أو يورا أو خرزاً أو صدفاً، بل هو بتوافر الأشياء التي تخلق الرفاهية -مثل المضادات الحيوية وتكييف الهواء والطعام الآمن والقدرة على السفر وحتى الأشياء التافهة مثل ألعاب الفيديو-. إن توافر هذه (الحلول) للمشكلات البشرية- أي الأشياء التي تجعل الحياة أفضل على أساسٍ نسبي- هي ما تجعلنا مزدهرين.

ولهذا السبب فإن الازدهار في المجتمعات البشرية لا يمكن فهمه بشكلٍ صحيح بمجرد النظر للتدابير المالية للدخل أو الثروة. الرخاء في مجتمع ما هو نتاج تراكم الحلول للمشاكل البشرية.

هذه الحلول تمتد من الأشياء العادية مثل رقائق البطاطس المقرمشة للأمور العميقة مثل علاجات الأمراض الفتاكة. وفي نهاية المطاف، فمقياس ثروة المجتمع هو مجموع المشاكل البشرية التي وجدت طرق لحلها ومدى إتاحة هذه الحلول للمواطنين.

يمكن اعتبار كل عنصر في متاجر البيع بالتجزئة الضخمة التي يتسوق فيها الأمريكيون بمثابة حل لأنواع مختلفة من المشاكل- أي: كيفية تناول الطعام، وارتداء الملابس، وجعل المنازل أكثر راحة، والتجول، والترفيه عن أنفسنا، وما إلى ذلك-. كلما زادت الحلول المتاحة لنا كان لدينا المزيد من الرخاء.

يمكن اعتبار المنحنى الطويل من التقدم البشري كتراكمٍ لهذه الحلول، المجسدة في منتجات الاقتصاد وخدماته.

إن اقتصاد يانومامي الذي يعد نموذجًا لأسلافنا الصيادين وجامعي الثمار منذ 15.000 عام لديه مجموعة متنوعة من المنتجات والخدمات التي تقاس بالمئات أو الآلاف على الأكثر.

يمكن قياس التنوع في الاقتصاد الأمريكي بعشرات أو حتى مئات الملايين. وإذا قيس بالدولار فالأمريكيين أكثر ثراءً من اليانوماميين بـ 500 مرة. وبالقياس إلى القدرة على الوصول للمنتجات والخدمات التي تقدم الحلول للمشكلات الإنسانية نحن أكثر ازدهارًا بملايين المرات.

النمو كمعدل لتقديم الحلول

لو كان المقياس الحقيقي لرخاء المجتمع هو مدى توافر الحلول للمشكلات البشرية، فلا يمكن قياس النمو ببساطة من خلال التغيرات في الناتج المحلي الإجمالي. وبدلًا من ذلك، يجب أن يكون النمو مقياسًا لمعدل توافر الحلول للمشكلات البشرية؛ ولأن المشاكل تختلف في أهميتها، فالنظرة الجديدة للنمو يجب أن تأخذ في الاعتبار أن: إيجاد لقاح عالمي للإنفلونزا أهم من إنتاج شريحة بطاطس ألذ. لكن بشكلٍ عام، النمو الاقتصادي هو الشاهد الفعلي على تحسن حياة المرء.

الانتقال من الخوف من الموت بالتهاب الجيوب الأنفية في يومٍ ما والوصول لمضادات حيوية تنقذ الأرواح يعد نموًا. الانتقال من التصبب عرقًا في يومٍ حار للحياة تحت مكيفٍ للهواء يعد نموًا. الانتقال من المشي لمسافاتٍ طويلة للقيادة نموًا. الانتقال من الاحتياج للذهاب للمكتبة بغرض البحث عن المعلومات الأساسية إلى توفير كل المعلومات في العالم على هاتفك يعد نموًا. (من الواضح، أن بعض الحلول مثل: تكييف الهواء، قد تسبب مشاكل أخرى مثل الاحترار العالمي. كيفية المفاضلة بين الحلول والمشاكل والوصول أحد التحديات الأساسية لأي مجتمع، وهي مسألة سنعود لها لاحقًا في هذا المقال).

كل هذا ضمنيًا يعني أنه يجب علينا إيجاد طرقٍ جديدة لقياس التقدم. وعلى نفس النحو الذي لا يستطيع به أي طبيبٍ جيد أن يقيس صحة أي شخصٍ بعاملٍ واحدٍ فقط -درجة حرارته على سبيل المثال- فلا ينبغي قياس الاقتصاد بالناتج المحلي الإجمالي وحسب.

لا يمكن لمقياسٍ واحد مثل الناتج المحلي الإجمالي أن يستخلص الطريقة التي يعمل بها النشاط الاقتصادي في الواقع لتحسين حياة معظم المواطنين والصحة العامة للاقتصاد.

لا يتضح بشكلٍ مباشر كيف يمكن قياس المعدل الذي قد يتمكن به المجتمع من حل مشاكل الناس بشكلٍ مباشر؟ ومع ذلك، قد تكون هناك طرق للقيام بذلك بشكلٍ غير مباشر. على سبيل المثال نقيس التضخم من خلال تتبع أسعار مجموعة من السلع.

لكن ماذا عن القيام بقياس القدرة على الوصول لـ(مجموعة من الحلول) للمشاكل البشرية؟

كم عدد الأشخاص الذين يتمتعون بإمكانية الحصول على تغذيةٍ جيدة، ورعاية صحية، وتعليم، وإسكان، ومواصلات، وبيئة نظيفة، ومعلومات، واتصالات، وغيرها من الأشياء التي تؤثر بشكلٍ ملموس على نوعية الحياة؟

يمكننا أيضًا أن نتساءل كيف أن مجموعات السلع ذاتها تتغير بمرور الوقت حيث ينتج الابتكار حلولًا جديدة- على سبيل المثال: حل مشكلة الحصول على معلومات تحسن بشكلٍ كبير مع تطوير الويب والهواتف الذكية-. ومن الممكن بعد ذلك قياس النمو والازدهار كمزيج من القدرة على الوصول للحلول الحالية وإضافة حلول جديدة من خلال الابتكارات.

تشكل أهداف الأمم المتحدة الإنمائية للألفية الجديدة والتي تتضمن عددًا من القياسات مثل المساواة بين الجنسين، ونسبة الوفيات بين الأطفال، والاستدامة البيئية، أمثلةً لمحاولة قياس الصحة الاقتصادية والازدهار الاجتماعي بطريقةٍ متعددة الأبعاد. يمكن توسيع مثل هذا النهج ليشمل مجموعة من الحلول.

وبمثل هذا، يعمل كلٌ من منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والبنك الدولي على وضع نهجٍ متعددٍ الأبعاد لتحديد صحة الاقتصادات المتطورة، ويقومان بالفعل بجمع قدرٍ كبيرٍ من البيانات اللازمة لتقييم إمكانية الوصول لمجموعة من الحلول والابتكار فيها. مثل هذه القياسات لن تكون بنفس القدر من الترتيب والبساطة مثل الناتج المحلي الإجمالي. ولكن إيجاد السبل اللازمة لقياس كلٍّ من المعدل الذي نحل عنده المشاكل الجديدة والدرجة التي تجعل هذه الحلول متاحة على نطاقٍ واسع تعتبر طريقة أكثر اكتمالًا لقياس صحة اقتصادنا.

 

الرأسمالية: نظام تطوري لحل المشاكل

لو نشأ الازدهار بحل المشاكل الإنسانية، فالسؤال الرئيسي الذي يطرح نفسه للمجتمع: ما هو النظام الاقتصادي الذي سيحل القدر الأكبر من المشاكل للأغلب الناس بأسرع وقت ممكن؟ الآن لدينا أدلة على مر العصور أن الاقتصادات الرأسمالية أفضل في تقديم مستويات معيشة عالية لمواطنيها من الاقتصادات التي تديرها أنظمة شيوعية أو استبدادية أو غير سوقية.

وتفسير هذا في الاقتصاد القياسي أن الرأسمالية تستخدم إشارات الأسعار لتقديم حوافز لإنتاج وتخصيص السلع بطريقة تزيد من رفاهية الناس لأقصى حد.

ولكن إذا لم تكن أسواق العالم الحقيقي هي الأنظمة الميكانيكية البسيطة التي تخيلها مفكرو القرون الماضية، وكانت على النقيض من ذلك معقدة وقابلة للتكيف وأكثر شبهًا بالنظم البيئية فربما تكون الفوائد المترتبة على الرأسمالية مختلفة وأكبر مما تخيلنا.

يبنى كل عمل على فكرة تتعلق بحل مشكلة من أبسط الأمور (كيف تجعل شريحة البطاطس مقرمشة؟) لأعمقها (كيف نصنع عقارًا جديدًا للسرطان ينقذ حياة إنسان؟). إن عملية تحويل الأفكار العظيمة لمنتجات وخدمات تلبي الاحتياجات البشرية السريعة التغير هي ما تُعَرِّف معظم الأعمال التجارية اليوم. ولكن البحث عن حلولٍ جيدة بشكلٍ فعالٍ يتطلب نظامًا يوفر الحوافز ويسمح بالإبداع والتجربة والخطأ.

أفضل وسيلة لفهم الاقتصاد الرأسمالي تكون باعتباره نظامًا تطوريًا يهيئ ويُوجد حلول جديدة باستمرار للمشاكل على نحوٍ مماثل للكيفية التي يعمل بها التطور في الطبيعة. بعض الحلول أكثر (ملائمة) من غيرها. الأنسب يبقى وينتشر، وغير الملائم يندثر.

وصف الاقتصادي الكبير جوزيف شومبيتر هذه العملية التطورية بـ (التدمير الخلاق). وسلط الضوء على أهمية أصحاب المشاريع المجازفين بجعل هذه المشاريع تنجح.

وبالتالي، فإن المساهمة الرئيسية التي يقدمها صاحب المشروع في ازدهار المجتمع هي فكرة تحل مشكلة. ثم تتحول هذه الأفكار لمنتجات وخدمات نستهلكها، ويمثل مجموع هذه الحلول في نهاية المطاف ازدهار ذلك المجتمع.

صنع جميع المنتجات (باستثناء أبسطها) وتلبية طلب العملاء عادةً ما يتطلب أكثر من شخص، لذا فأصحاب المشاريع الذين لديهم حلول جديدة يستأجرون عمالًا. توفر هذه الوظائف بدورها الوسائل التي يستطيع الناس بها شراء المنتجات والخدمات من أصحاب مشاريع آخرين، وهو ما يؤدي بالتالي لخلق الطلب الذي يولد المزيد من فرص التوظيف والوظائف. حلقة ردود الفعل هذه هي الديناميكية المركزية التي وجدت في الاقتصادات الرأسمالية. وكلما زادت قوتها زاد النمو والازدهار الذي يخلقه الاقتصاد.

القوة العظيمة التي تتمتع بها الرأسمالية في إيجاد الرخاء تنبع من الطريقة التطويرية التي تشجع بها الأفراد على استكشاف الحيز غير المحدود تقريبًا للحلول المحتملة للمشاكل البشرية، وتوسيع النطاق ونشر الأفكار التي تنجح أو تقليص ونبذ تلك التي لا تنجح. إن فهم الرخاء كحلول، والرأسمالية كنظام تطوري لحل المشاكل يوضح لنا سبب كونها التقنية الاجتماعية الأكثر فعالية التي تم ابتكارها على الإطلاق لإيجاد مستويات معيشية مرتفعة.

 

الخلط بين الكفاءة والفعالية

ترى وجهة النظر التقليدية أن الرأسمالية تعمل جيدا لأنها تتسم بالكفاءة. لكن النظر إلى الاقتصاد باعتباره نظامًا معقدًا يتطور يؤكد أن الرأسمالية تعمل جيدا لأنها فعالة.

في الحقيقة، قوة الرأسمالية العظمى هي إبداعها، ومن المثير للاهتمام أن هذا الإبداع هو الذي يجعلها عملية تطورية غير فعالة ومهدرة بشكلٍ كبير.

يوجد بالقرب من أحد منازلنا موقعٌ يأتيه شخصٌ كل عام لفتحه مطعمًا فقط لرؤيته يفشل بعد بضعة أشهر.

كل مرة يأتي عمال البناء ويزيلون الأثاث القديم والديكور، ويضعون شيئًا جديدًا. وفي النهاية اكتشف أحد رواد الأعمال المعادلة الصحيحة وأصبح المطعم ناجحًا للغاية، حتى يومنا هذا. التوصل لحل مشكلة (ما الذي يرغب السكان المحليون في تناوله؟) لم يكن سهلًا، بل قد استغرق الأمر عدة محاولات.

إن الرأسمالية تتسم بقدرٍ كبيرٍ من الفعالية في إيجاد الحلول وتنفيذها، لكنها بالضرورة تشتمل على التجربة والخطأ والذي نادرًا ما يكون فعالًا.

من العناصر الجوهرية في فهم الرأسمالية باعتبارها نظامًا تطوريًا قادر على حل المشاكل فكرة أنه ليس من الصعوبة بمكان أن نحاول حل مشكلة حرجة، إذ التنوع في الأفكار والمناهج هو الأكثر أهمية في فعالية حل المشكلة. كما أظهر سكوت بيج المنظر بجامعة ميتشجن. فمبدأ الاختلاف يساعد في توضيح سبب كون الأسواق المفتوحة، والعادلة، والمتنوعة، والمؤسسات الشاملة من السمات المميزة للاقتصادات الناجحة.

كما تسلّط هذه السمةُ الناجحة في الرأسمالية الضوءَ على السبب الذي يجعل الاستثمار في الطبقة المتوسطة من خلال نهج سياسات “المنصات المتوسطة” يخلق اقتصادًا أكثر صحة.

وحتى الأفضل منا لديه عدد قليل من الأفكار. ويمكن القول أن بل جيتس، رجل الأعمال الأكثر ثراءً في عصرنا، لم يكن لديه سوى فكرة واحدة كبرى. إن منح الأثرياء من أمثاله إعفاءات ضريبية لن يشجعهم فجأة على الحصول على المزيد من الأفكار.

من الأفضل كثيرًا لبلدنا أن تمكن كل مواطن من المشاركة في اقتصادنا الرأسمالي من خلال ضمان تحصيل التعليم اللازم والقدرة على الوصول لرأس المال والتدريب على تحويل الأفكار لمنتجات تحل مشاكل العالم.

يدرك النهج القائم على “المنصات المتوسطة” أن السياسة الفعالة تهدف لإيجاد أصحاب مشاريع جدد بأفكارٍ جديدة، والمزيد من العملاء لأصحاب المشاريع هؤلاء. ولو لم يكن لدى العمال مال؛ فلن يكون لدى الشركات زبائن. إن السياسات الرأسمالية الناجحة تدرك هذه الحلقة من ردود الفعل حول دائرة الحياة، وتحركها من خلال إيجاد التوازن بين العناصر المختلفة للاقتصاد، لخلق حلقة مثمرة من النمو والرخاء المشترك.

إن عبقرية الرأسمالية في الطريقة التي تكافئ بها الناس على حلهم لمشاكل الآخرين. فالأشخاص الذين يحلون فعليًا مشكلات ضخمة لعددٍ كبيرٍ من الناس يمكن مكافآتهم بصورة كبيرة. لقد جعل ستيف جوبز حياة العديد من الناس أفضل من خلال المنتجات التي أطلقتها شركته، وكُوفئ بشدة على ذلك. وكما لاحظ آدم سميث قبل 230 عامًا، فإن الاقتصاد الرأسمالي الخاضع للإدارة والتنظيم بشكلٍ مدروس، يعمل على تسخير المصلحة الذاتية للمصلحة العامة للمجتمع.

هذه الحرية والحوافز التي تدفع كل مواطن لحل المشاكل هي التي تفسر عمومًا لم البلدان الرأسمالية غنية، ولم تكون البلدان الاستبدادية والشيوعية فقيرة؟

في مثل هذه البلدان، يكون إبداع الناس في حل المشكلات محدودًا أو محظورًا، أو موجه لحل المشكلات التي تواجه النظام. إن الفارق غير العادي بين اقتصاد كوريا الشمالية الشيوعية وبين ازدهار كوريا الجنوبية الرأسمالية دليل على ذلك.

ومع هذا، فمن الأهمية بمكان أن نعترف أنه ليس كل الحلول للمشاكل الإنسانية أتت من قبل رجال الأعمال. إن الباحث في إحدى الجامعات الذي يجد طريقة جديدة لجعل أجهزة الكمبيوتر تعمل أسرع، من الممكن أن يحل مشكلة مهمة بنفس السهولة التي تحل بها مشكلة رأسمالية. (ولو أن الأمر قد يتطلب رأسمالي لإنتاج ونشر فكرة الباحث).

وبالمثل، فإن المعلم الذي يجد طريقة أفضل لتدريس الجبر هو أيضًا يحل مشكلة مهمة للمجتمع. وكذلك العامل الحكومي المجتهد الذي يجد طريقة لتقديم خدمات أفضل بتكلفة أقل للجمهور. لكن في بعض الأحيان يكافح القطاع العام لإنشاء ثقافة وحوافز تسمح بحيز للتجريب، وخوض المجازفات، والفشل (الذي ما يعتبر ضروريًا لحل المشاكل بشكل فعال).

يمكن للبيروقراطيات والقوى السياسية خنق أو تشويه الاستكشاف التطوري. ومع ذلك، هناك العديد من المشاكل التي تستطيع الحكومة فقط حلها، بدءًا من توفير المنافع العامة مثل الطرق والبنى الأساسية الأخرى، إلى التعامل مع العوامل الخارجية، مثل الحد من التلوث، وتطبيق حقوق الملكية، وتوفير الأمن، ومعالجة المظالم الاجتماعية.

ومن الناحية الواقعية، سيلعب القطاع العام دورًا كبيرًا في العديد من أجزاء الاقتصاد وفي الكثير من جوانب المجتمع. لذا، لابد أيضًا أن تكون الحكومات قادرة على حل المشكلات أيضًا. ومن الضروري أن نجلب العمليات التطويرية لحل المشاكل داخل أسوار الحكومة، وأن نبني مؤسساتٍ عامة لديها حوافز للابتكار ومساحة للتجربة.

وجهة النظر القائلة أن الرخاء هو الحل، والنمو هو المعدل الذي ننشئه به، تزيد أيضًا من الأهمية الحاسمة لاستثمارات الحكومة في التكنولوجيا، والإبداع، والتعليم. يشكل كلًا من التكنولوجيا والابتكار حجر الزاوية في قدرة أي مجتمع على توليد أفكار وحلول جديدة. في معظم الحالات، سيكون رجال الأعمال والشركات هم من يقدمون هذه الحلول للمواطنين.

ولكن تعليم القوى العاملة، والإبداع العلمي والتقني والاجتماعي المتاح للمجتمع هو ما من شأنه أن يمكن هذه الأعمال. وعلى هذا، فإن الاستثمار في البحث والتطوير والإبداع والتعليم ليست كماليات يمكن تحقيقها من خلال النمو والازدهار، كما يعتقد العديد من واضعي السياسات. بل إن هذه الاستثمارات ضرورية لخلق النمو والرخاء.

 

حدود عدم التدخل (حرية النشاط الاقتصادي)

ولكن الحقيقة المجردة هي أن فشل الشيوعية والاستبداد لا يعني نجاح الرأسمالية المطلقة. النظرية الاقتصادية التقليدية تجعل القاعدة الأسواق المثالية، وأي انحراف عنها يجعل الشخص أسوأ حالًا، مما يحد من رفاهية المجتمع. لكن مثل هذه الأسواق المثالية غير ممكنة الوجود في العالم الحقيقي. علاوة على هذا فوجهة النظر هذه تفشل في إدراك حقيقة مفادها أن العبقرية العظيمة للرأسمالية -المتمثلة في حل مشاكل الناس- تحمل بالضرورة جانبًا مظلمًا: وهو أن حل مشكلة شخص ما، من الممكن أن يؤدي بدوره لإيجاد مشكلة لشخص آخر- أو حتى للشخص نفسه.

هذه هي مشكلة الاقتصاد السياسي القديمة. كيف يمكن له حل النزاعات وتوزيع الفوائد؟ قد تساعد مشتقات مالية (سندات الاحتياط المالي) أمينةَ صندوقٍ في حل مشكلة إدارة المخاطر التي تواجهها شركتها، وقد تجعل مصرفيًا ثريًا، ولكنه أيضًا قد يخلق مشكلةً في ارتفاع المخاطر العامة بالنسبة للنظام المالي ككل. وبالمثل، فإن تناول شطيرة تشيز برجر قد يحل مشكلة شخص ما بإرضاء رغباته غير الواعية المبرمجة خلال آلاف السنين من التطور، ولكن قد تخلق مشاكل جديدة، تتمثل في انسداد الشرايين، ومجتمع مثقل بالأعباء المترتبة على التكاليف الصحية المستقبلية لهذا الشخص.

تُظهر لنا الأدلة الدامغة من حقول علم النفس الاجتماعي والاقتصاد السلوكي أن الناس ليسوا بارعين في إدارة هذه المضايقات، أو حل النزاعات، أو الاعتراف بأوجه اعتمادهم على أنفسهم. إذ نعتقد على نحوٍ متفائل أن أسعار المنازل ستستمر في الارتفاع، وأننا قادرون على إعادة التمويل عندما ينتهي سعر الفائدة المغري. ولا تستطيع أمينة الصندوق أن ترى حقًا كيف يؤدي قرارها بشراء مشتقات مالية (سندات الاحتياط المالي) بإعادتها إلى شركتها والمساهمة في انهيار النظام المالي.

يتيح لنا فهم النمو والازدهار بهذه الطريقة الجديدة تمييزاً هاماً بين أنواع مختلفة من النشاط الاقتصادي. وبوسعنا معرفة الفارق بين النشاط الاقتصادي (الفارغ) أو حتى (الضار) وبين النشاط الاقتصادي (المفيد). ويصبح من الواضح أنه من الرخاء ما يقوم به المهندس الذي يكسب 100.000 دولار سنويًا، من ابتكار لتقنية لازمة تضمن أن من يتعرضون لحوادث سيارات خطيرة يخرجون دون أي أذى. لكن من الصعب للغاية القيام بالشيء نفسه مع مدير صناديق التمويل الاحتياطي الذي يجني 500 مليون دولار سنويًا من تجارة متكررة بسبب الاستفادة من مزايا المعلومات مقارنةً بالمستثمرين العادين. وإذا كانت هذه التجارة المتكررة تجعل الاقتصاد العالمي أكثر هشاشة فهذا يعني أن في هذا النشاط شيء يدعو للقلق.

ومع ذلك، قد يكون من التحديات التمييزُ بين (حل المشاكل) و(النشاط الاقتصادي) المسبب للمشكلات. ومن له الحق الأخلاقي في أن يقرر؟

في الإطار التقليدي، كان الأمر بسيطًا- يصوّت الناس بدفاتر شيكاتهم- وإذا كان النشاط مقدرًا من قبل السوق فيجب أن يكون جيدًا. ولكن عندما يحل النشاط مشكلة للبعض ويخلق مشكلة للآخرين- أو حتى لنفس الشخص في وقتٍ لاحق، أو للأجيال القادمةى فمن الذي ينبغي أن يقرر ما هو النشاط الاقتصادي الجيد في مقابل السيء، وكيف؟

الإجابة المعتادة هي أن الهيئات التنظيمية الحكومة هي من تقرر، ولكن كالأسواق؛ تعمل الأجهزة التنظيمية على خلق المشاكل فضلًا عن حلها. لذا، نحتاج أيضًا إلى آليات لتنظيم الهيئات التنظيمية. الديمقراطية هي أفضل آلية توصّل لها البشر للتنقل بين المقايضات ونقاط الضعف المتأصلة في حل المشاكل الرأسمالية. إن النظم الديمقراطية تسمح بحل الصراعات الرأسمالية الحتمية على نحوٍ يزيد من العدالة والشرعية ويعكس وجهات النظر عمومًا.

ورغم أن القواعد التنظيمية في الاقتصادات أمر ضروري إلا أن التكاليف التي يتحملها المجتمع من حيث تقييد حرية الابتكار والمنافسة قد تكون باهظة في بعض الأحيان، كما يشير المحافظون بشكلٍ صحيح. ولكن يجب أيضًا إدراك حقيقة مفادها أن النشاط الاقتصادي الجديد في بعض الأحيان يسبب فعليًا عددًا من المشاكل أكبر مما يحل، ويتعين عليه أن يكون محدودًا. وفي أحيانٍ أخرى لا يفعل النشاط الاقتصادي الجديد سوى تهديد النظام القديم، ويجب تشجيعه.

إن إيجاد التوازن بين هذه الطلبات التنافسية أمرٌ صعب. الحكومات الديمقراطية هي المؤسسات الوحيدة التي تتمتع بالشرعية والخضوع لمبدأ المساءلة لتحقيق مثل هذه المفاضلات. وهذا هو السبب في كون تآكل مؤسساتنا الديمقراطية من خلال نمو رأسماليةٍ قائمةٍ على المحاباة يهدد ازدهارنا على المدى الطويل. وهذا يعني أيضًا أن أولئك الذين يهتمون للرأسمالية حقًا ينبغي أن يكونوا أكثر اهتمامًا بجودة وفعالية القواعد التنظيمية، بدلًا من كميتها.

ولكن مسؤولية إيجاد التوازن الصحيح لا تقع على عاتق الحكومات فحسب، بل والمواطنين أيضًا. النظر للازدهار باعتباره حلًا للمشاكل يساعد في تمكين المواطنين من استخدام الحس الأخلاقي العام لتحديد أنواع النشاط الاقتصادي التي تجعل مجتمعهم فعليًا أفضل حالًا في مقابل النشاط الذي يؤدي لإثراء بعض أعضائه وحسب. تمامًا كما أدت العقيدة الليبرالية الجديدة في أواخر القرن العشرين لتحولات هامة في الثقافة والمعتقدات الشعبية، فنحن نعتقد أن وجهات النظر الجديدة في الاقتصاد وتعريف جديد للازدهار قادرين أيضًا على تغيير ثقافتنا.

واليوم تحتفل ثقافتنا بالمال والثروة كمعايير للنجاح. وتخيل لو أننا احتفلنا بدلًا من ذلك بحلولٍ مبتكرة للمشاكل الإنسانية. هناك أماكن تسود فيها هذه الضرورة الحتمية، على سبيل المثال مختبر الوسائط المتعددة التابع لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، حيث يعمل الأشخاص الموهوبون جدًا من جميع أنحاء العالم بلا كلل لحل المشاكل الأكثر صعوبة التي يجدونها، مثل استخدام الروبوتات لمساعدة المعاقين أو استخدام تكنولوجيا المعلومات لزيادة مشاركة المجتمع المدني، أو تصميم مدن أكثر استدامة.

قد لا يجنون بالضرورة الكثير من الأموال من خلال هذا، لكنهم حددوا موقفهم فيما يتصل بحل المشاكل الكبرى لمساعدة الناس والمجتمع.

وعلى النقيض من ذلك، على بعد 200 ميل جنوب معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في وول ستريت، يقوم مجموعة من الأشخاص الموهوبين بالقدر نفسه بقياس أحوال الناس بناءً على حجم رواتبهم. وقد يقوم العديد من هؤلاء الأشخاص بأشياء عظيمة للمجتمع أيضًا- بما في ذلك مساعدة محترفي MIT على تسويق اختراعاتهم- لكن الثقافة والقيم مختلفة بشكلٍ ملحوظ.

العقيدة الاقتصادية القديمة تجعل من في ماساتشوستس للتكنولوجيا يبدون وكأنهم غير عقلانيين، ومن في وول ستريت عقلانيين. كما أن تعريفنا للثروة والرخاء يعكس هذا. ولكن الهدف هو ما يعود على الناس من نفعٍ جراء حل مشاكلهم، لا كسب المال.

قد يكون كسب المال شرطًا ضروريًا لحل العديد من المشاكل- تحتاج الشركات لتحقيق الأرباح اللازمة للاستمرار والنمو- ولكن القول بأن الأرباح هي الهدف يخلط ما بين الوسائل والغايات. التعامل مع الأرباح باعتبارها الهدف مثل القول بأن الهدف من الحياة تناول الطعام. أجسامنا تحتاج إلى الغذاء، ولكن هذه وسيلة لتحقيق غايات أخرى، وليست هدفًا في ذاتها.

وهناك آثار أخلاقية تنعكس من إعادة تعريف الازدهار. لكن بصراحة ليس لدينا الحيز أو القدرة على التعامل مع كل هذه الأسئلة هنا. لكننا نعتقد أن الآثار الأخلاقية الواضحة المترتبة على الحكم على النشاط الاقتصادي بالقيمة الاجتماعية للمشكلة التي يحلها، وليس الأموال التي يجنيها أفرادٌ معينين؛ قد تؤدي لتحولات ثقافية وسلوكية تتجاوز تأثير أي قاعدة تنظيمية.

الازدهار والتفاوت 

قد تكون الرأسمالية أعظم نظام لحل المشاكل البشرية، ولكن هذه النظرة لا تذكر إلا القليل عن الكيفية التي قد يتم بها توزيع الفوائد المترتبة على حل هذه المشاكل. في أي مجتمع معقد، تكثر المزايا والعيوب الأولية: أين ولدت؟ من هم والديك؟ ما التعليم الذي حصلت عليه؟ وما الفرص والعوائق التي تواجهك؟ وما إلى ذلك. ومن بين أعظم عوامل الجذب في الرأسمالية أنها لا تبالي بوالديك- فلو نجحت في حل مشكلة كبيرة لجمعٍ من الناس، من الممكن أن تكافئ بدرجة عالية.

للمجتمعات الرأسمالية قصص واقعية عن هوارشيو ألجر. ولكن في الوقت نفسه، قد تعزز ديناميكيات الرأسمالية واعتمادها على الدرب مزايا وعيوب النقطة التي تبدأ من عندها.

إن عمل جيمس هيكمان الحائز على جائزة نوبل ومعهد الفكر الاقتصادي الجديد ومبادرة رأس المال البشري والفرص الاقتصادية التي أطلقتها مؤسسة بيكر فريدمان بجامعة شيكاغو يبين لنا كيف أن عوامل مثل التغذية والتعليم في مرحلة الطفولة المبكرة قد يكون لها عواقب اقتصادية معقدة تستمر طيلة حياة البالغين.

ينظر الاقتصاد التقليدي للتفاوت من خلال عدسة نقدية، على سبيل المثال ما مقدار الدخل الإجمالي الذي يتمتع به أعلى 1%؟، ولكن يمكننا النظر لهذا باعتباره مسألة تتعلق بالوصول لحلول للمشاكل البشرية. ما هي النسبة المئوية للسكان الذين يمكنهم الحصول على سكن جيد، ونقل، ورعاية صحية، وترفيه، وما إلى ذلك؟ وكيف تختلف جودة هذا الوصول بين الفقراء والأغنياء؟

مات ريدلي في كتابه (The Rational Optimist) يسوق الحجة القوية التي ينظر لها من هذا المنظور- لقد أصبحت الأشياء أفضل بشكل ملحوظ، وأكثر مساواة بكثير، وخاصة عندما ينظر إليها على امتداد التاريخ.

كانت الفجوة في الغذاء بين السيد والعبد في العصور الوسطى هائلة. وفي الوقت نفسه، من غير المرجح أن تكون الكمية الغذائية التي يحصل عليها وارين بوفيت أفضل كثيرًا من مثيلاتها لدى الطبقة المتوسطة من الأمريكيين (في الحقيقة، قد تكون أسوأ- حيث أن بوفيت اعترف بنفسه بحبه للتشيز برغر والكولا). وبالمثل، فقد يمتلك دونالد ترامب عددًا من أجهزة التلفزيون اللطيفة بينما أكثر من نصف المنازل في الولايات المتحدة لديها ثلاث أجهزة تلفزيونية أو أكثر.

وواقعيًا، هذا التضييق في فجوة الازدهار المادي لم يحدث في أميركا وحسب، بل وفي البلدان النامية أيضًا، حيث يدخل أكثر من مليار مواطن صيني وهندي إلى الطبقة المتوسطة العالمية، ويمتلكون القدرة على الوصول لحلول مهمة، مثل السباكة الداخلية، والهواتف المحمولة، ووسائل النقل الميكانيكية الآلية.

كما أن التفاوت كنتيجة أقل شدة مقارنةً بالمقاييس التقليدية القائمة على المال. ولكن لو نظرنا له باعتباره مدخلًا للنظام الرأسمالي لا كنتيجة فقط؛ فستبدو الأمور أكثر إشكالية، خصوصًا لو كانت تلك النتيجة تحد من القدرة على الوصول للفرص. وكما سبق؛ فالرأسمالية الفعالة تعتمد على مجموعة من أصحاب الحلول التنافسية والمتنوعة للمشكلات.

لو لم يكن المجتمع يقوم باستثمارات كافية في ذلك المجموع، ويوفر التكافؤ في الوصول للفرص، فحلقة ردود الفعل في دائرة الحياة التي تشهد ازدهارًا متزايدًا ستنكسر. وفي مسحٍ دولي أجري مؤخرًا على مهارات البالغين من السكان من قبل منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية -وهي الأولى من نوعها- احتلت الولايات المتحدة المرتبة 21 من أصل 23 دولة في تعلم الحساب، والمرتبة الرابعة عشر من أصل 19 دولة في (حل المشاكل في بيئة غنية بالتكنولوجيا).

وأكثر ما يلفت النظر هو مدى تغير نتائج الولايات المتحدة، والتي كانت على نقيض بقية الدول في الاستطلاع، إذ كان لديها عدد أكبر من الأشخاص في أعلى التصنيفات وقاعها في كثيرٍ من الفئات. وعلى نحوٍ مماثل، شهدت الكثير من الدول مستويات مهارية عالية في الشباب مقابل المجيبين على الاستطلاع الأقدم. في مقابل أداء الجيل الأحدث سنًا في الولايات المتحدة والذي كان مماثل تقريبًا لنظيره من الأمريكيين الأكبر سنًا. إن عقودًا من نقص الاستثمار في مهارات الطبقة المتوسطة تهدد بإعاقة محرك الرخاء الرأسمالي في أمريكا.

إن تركيز الأموال بين يدي عددٍ قليل من الناس يخلف تأثيرات ضارة، فهو يسمح للأغنياء برفع أسعار الأشياء التي تحدد الحياة الطيبة في المجتمع ، مثل السكن والتعليم والرعاية الصحية. كما يعمل تركيز المال والثروة على إبطاء سرعة حلقة ردود الفعل بين المستهلكين والشركات، والحد من ديناميكيات الإبداع، وحل المشاكل، ونمو الازدهار. وأخيرًا يعمل هذا على تقويض الشرعية السياسية للرأسمالية ذاتها.

 

الرخاء، والنمو، والحلم الأمريكي

إن الأمريكيين على حق في اعتقادهم أن الرأسمالية هي مصدر ازدهارنا التاريخي. لكن معرفة هذا يختلف عن فهم الكيفية التي تعمل بها، وأسباب ذلك. أدرك أسلافنا القدماء أن النجوم والكواكب تتحرك في السماء. لكن منظور كوبرنيكوس الثوري الذي استبدل الأرض بالشمس في مركز النظام الشمسي وقوانين الجاذبية لنيوتن هي التي مكنت الناس من فهم الكيفية التي يتحركون بها وسبب ذلك.

تفترض العقيدة الاقتصادية التقليدية أن الأسواق تتسم بالكفاءة، وأن الناس عقلانيون، وأن الاقتصاد ينتقل بشكلٍ طبيعي إلى النقطة المثلى. ولكن نفهم الآن أن الأسواق قد تكون بعيدة عن الكفاءة، وأن الناس ليسوا عقلانيين دومًا، وأن الاقتصاد نظام معقد وديناميكي ومتطور لحل المشاكل- أشبه بنظام بيئي مترابط أكثر من كونه آلة فعالة. هذا التحول الحديث الذي يشبه وجهة نظر كوبرنيكوس يوفر إطارًا جديدًا قويًا لفهم الكيفية التي تعمل بها الرأسمالية، ولماذا، وما هي الثروة حقًا؟ ومن أين يأتي النمو؟

هذه الطريقة التي نتبعها في القرن الحادي والعشرين لفهم الاقتصاد تسمح لنا بفهم الرأسمالية باعتبارها نظامًا تطوريًا لحل المشاكل. إنها تتيح لنا أن نرى أن الحلول التي تنتجها الرأسمالية هي التي تخلق الرخاء الحقيقي في حياة الناس، وأن معدل إيجاد الحلول هو النمو الاقتصادي الحقيقي. يسمح لنا هذا المنظور أيضًا برؤية أن الخيارات الأخلاقية الجيدة هي التي ستخلق الرخاء الحقيقي. ويوضح هذا المنظور أيضًا السببَ وراء فشل سياسات (عدم التدخل) التي ينتهجها من في أقصى اليمين، وهيمنة الدولة التي تذهب لأقصى اليسار.

إن السياسات التي توفر الفرص لكل المواطنين لتحقيق إمكانياتهم، والاستثمارات التي تمكّنهم من توسيع طاقاتهم، هي أكثر السبل ضمانًا لتحقيق الازدهار والنمو.

لابد أن نتحلى بالشجاعة لسن سياسات جيدة للرأسمالية على نطاق واسع، لا سياساتٍ يستفيد منها بالكاد قلة من الرأسماليين. وقد يكون هناك فارق هائل، لذا ينبغي إدراك أن انتعاش الطبقة الوسطى ليس نتيجة النمو، لكنه مسبب له وللازدهار.

إن قياس عدد وجودة ومدى إتاحة الحلول للمشاكل الإنسانية بدلًا من الناتج المحلي الإجمالي وحده قد يخلف تأثيرًا إيجابيًا جذريًا على اقتصادنا، وحياة مواطنينا. وبإنشاء حوافز لحل المشكلات وروادع لإنشائها؛ سنركّز إبداع الدولة المذهل وطاقتها على الأشياء التي تجعل حياتنا أفضل حقًا، وسيتم الحد من إخفاقات السوق، والفشل الأخلاقي، ومشكلات العمل الجماعي، والعوامل الخارجية التي ابتلي بها اقتصادنا، وحياتنا اليوم. مع إعادة التركيز على جودة النمو، ليس الكمية وحسب.

إن حل التعارض الذي يخلقه التفكير الاقتصادي القديم بين عالمٍ أخلاقي وعالم مزدهر من شأنه أن يوّحدنا حول مجموعة من المبادئ الاقتصادية والاجتماعية الجديدة. كما أن النظر للرخاء كمساهمة نقدمها لمجتمعنا يكشف عن مخالفاتٍ اقتصادية وإيجارات تسعى بشكلٍ أوضح مما هي عليه، بينما نؤكد مجددًا دروسنا العقدية القديمة وتقاليدنا الأخلاقية.

إن بلدنا العظيمة متماسكة بسبب الحلم الأمريكي، وبالفكرة القائلة أننا لو عملنا بجد واتبعنا القواعد سنحيا حياة أفضل من آبائنا، وسيعيش أطفالنا حياة أفضل من حياتنا. والواقع، أن العصر الذهبي للرأسمالية الأمريكية في الخمسينيات والستينيات لم يكن متصفًا بهذا بسبب التكديس الكبير للثروات، بل كان بسبب الانتشار الهائل للحلول الجديدة للمشاكل الإنسانية التي تمتعت بها كل أسرة أمريكية تقريبًا- المنازل والسيارات وأجهزة التلفاز وغسالات الأطباق والمدارس الجيدة.

كما كانت فترة استثمار كبير في مجال البحث والبنية التحتية، ومرحلة أتيحت فيها الفرص أمام الأقليات والنساء مما زاد من تنوع المجتمع بشكلٍ كبير، وقوة حل المشاكل فيه. نحن نؤمن إيمانًا عميقًا بالفكرة الأساسية للحلم الأمريكي- ليس لأنه واجب أخلاقي، ولكن لأنه أيضًا أضمن وسيلة لبناء الرخاء لكل أمريكي.


  • نيك هانوير: رجل أعمال، ورأسمالي مغامر يقيم في سياتل، ومؤسس شركة المشاريع الوطنية، حاضنة السياسة العامة.
  • إريك بينهوكر: أستاذ في كلية بلافاتنيك الحكومية بجامعة أكسفورد والمدير التنفيذي لمعهد التفكير الاقتصادي الجديد في أكسفورد.
المصدر
democracyjournal

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق