عام

هل نستطيع أن نحرر أفكارنا من عواطفنا ومشاعرنا؟

يُحكى في قصةٍ صينيَّة قديمة، أنَّ وجيهًا من وجهاء الصين طَلَبَ في أحد الأيام من أحد الرَّسَّامين المَهَرَة أن يرسم له شلالاً جميلاً على جدارِ قصرهِ الكبير. وبالفعل رَسَمَ الرجل شلالاً رائعًا يشبه الشلالات الحقيقيَّة في الطبيعة. ولكن بعد بضعة أيام، قام هذا الوجيه الصيني باستدعاء الرَّسَّام، وقد علا قَسَمَات وجهه الاجهاد والتعب، وطَلَبَ من الرَّسَّام محو الشلال الذي رسمه على اللوحة الجداريَّة؛ وكان السبب -كما يقول ذلك الوجيه الصيني- هو أنَّ خرير الماء في ذلك الشلال المرسوم على الجدار كان يمنعه من النوم!

معك حقٌّ في الاستغراب! فلم يكن هناك شَلال أصلاً، فهو مجرد رسمة جداريَّة ليس إلا، وعليه فلن يَصْدُر عن تلك الرَّسمة صوتُ خريرِ ماء. فمن أين جاء إذن ذلك الصوت يا تُرى؟! في الحقيقة، يجب الانتباه إلى أنَّ أكثر منغصات الحياة هي أفكار تسكن في أذهاننا، وصور قابعة في خيالاتنا، وليس لها في كثيرٍ من الأحيان أي رصيد يدعمها من الواقع. ولهذا فهي ليست بحاجة إلى أن تُمسح من الواقع، بقدر الحاجة إلى أن تُمسح من العقول، فهناك في زوايا وجدران العقل تقبع شلالاتٌ وهميَّةٌ كثيرةٌ.

فمعظم المشاعر السلبيَّة التي يقع الإنسان أسيرًا لها، هي مجرد أفكار سلبيَّة سمح لها أن تدخل إلى رأسه، ثم تطورت وتمكنت منه، فأصبحت مهيمنة على تصوراته عن نفسه وعن الآخرين. فمثلاً: الحزن ليس بالضرورة مشاعر سلبيَّة أتت هكذا من نفسها، بل هي أفكار سلبيَّة تنشأ في العقل مصادر مختلفة: السماع أو التفكير أو الوهم، ومن ثم تتحول الى مشاعر سلبيَّة نسميها حزنًا. والشيطان والنفس والأعداء يوهمون الإنسان بمخاوف قريبة غير مبررة على وشك أن تصيبه، أو نقائص فيه…إلى آخره. ولهذا، كان الموفق هو ذلك الذي وفقه الله فَقَدِرَ على التحكم بالأفكار الواردة اليه، ومراقبتها، ومن ثَمَّ قَدِرَ على التحكم بمشاعره. ومن أجل ذلك فإنك تجد أنَّ أكثر المنجزين هم السعداء، وأكثر السعداء هم من ضبطوا وراقبوا ورود الأفكار إلى عقلهم بحسب الطاقة البشريَّة. وللأسف، في مقابل هؤلاء هناك بعض النَّاس قد جَعَلَ من عقله سلة مهملات، مفتوحة لكل من هبَّ ودبَّ يلقي فيها سمومه وأفكاره الهدَّامة، فكان من الطبيعي أن يسمم عقله ثم مشاعره، وهكذا يكون في حالة مزاجية متقلبة، يغلب عليها الحزنُ والهمُّ والحالةُ الارتيابيَّة، والشعور بالمظلومية، وكونه دائماً الضحية المسكينة للأشرار.

إنَّ ما يرسمه الرَّسَّام من مناظر طبيعيَّة خلَّابة رائعة لا يعني بالضرورة أنَّه كان يعيش فيها يومًا ما. إنَّه الخيال، تلك القوة المتدفقة بصور الحياة الخلَّاقة التي تنقلك حيث تشاء، أو تجسد أمامك وبين يديك كل ما ومن تحب. إنَّها قوة تصنع عالمًا تصممه في عقلك كما تشاء، ثم تنتجه ميلادًا جديدًا في كلماتٍ أو في لوحةٍ فنيَّة بديعة، لينظر النَّاس إلى هذا المولود الجديد حقيقة شعريَّة وشعوريَّة، يشاركونك ويشاطرونك مشاعرك، سعادة كانت أو حزنًا، فتندمج المشاعر معًا، فتتشارك تجربة واحدة يخوضها الجميع معًا في الخيال. وبدون خيال أنت غير موجود أو وجودك ناقص جدًا.

هذا الخيال، أو التفكير، كما أنَّه يخضع لحالتك النفسيَّة فإنَّ حالتك النفسيَّة أيضًا تخضع له، وهكذا هي العلاقة المتبادلة بين الأفكار والعواطف والمشاعر، تأثير وتأثر، بناء وهدم، تعاون وصراع. ففي كثيرٍ من الأحيان، تقودُ الأفكارُ العاطفةَ، ويصنعُ الخيالُ المشاعرَ، فتتمكن الفكرةُ من واقع صاحبها، وتُمَكّن لها مكانًا في عقله، فتصبح العاطفة والمشاعر خادمة للأفكار، تنصاع لها، وتنقاد لسلطانها. وفي المقابل، فإنَّه أحيانًا تقود العاطفةُ والمشاعرُ الأفكارَ والخيالَ بعيدًا عن الواقع، فتزيد من نفسها قوة وسطوة، وتمكن لنفسها هيمنة داخل أفكار الإنسان وخيالاته، فيصبح يرى نفسه والنَّاس والعالم من خلال عواطفه ومشاعره، فهي النافذة الضيقة التي تُتِيح له عبرها رؤية الأشياء.

وطبيعة الأشياء هكذا تبدأ: فكرة تأتي من موقفٍ أو وهمٍ، ثم تنتج عاطفة، ثم العاطفة تنتج المزيد من الأفكار التي تتماها مع تلك العواطف الناتجة عن الفكرة الأولى، في تسلسلٍ مستمرٍ تغذي الأفكار والعواطف نفسها بنفسها بدون انقطاع، حتى يستيقظ ذلك الشخص من غفلته الفكريَّة واللاشعوريَّة، فيقطع سلسلة الأفكار السلبيَّة، ويوقف تسلسل العواطف والمشاعر السلبيَّة الذي لا نهاية له. ولهذا فإنَّه يحسن من الإنسان التمييز بين عمليات التفكير التي تتم في العقل، الناجمة عن أدلة وقرائن ومحسوسات، وبين عمليات التفكير التي تتغذى من مجرد العواطف والمشاعر، التي لا تستند إلى حقائق ولا إلى أفكار قويمة. إنَّ هذا النوع الأخير من التفكير، وهو ربما يُمَثّل معظم حالتنا الفكريَّة، ليس خاضعًا للأفكار المجردة، حتى وإن توهمنا خلاف ذلك، بل غالبًا هو خاضع لسياق الحالة النفسيَّة والمزاجيَّة وما يحتف بها من عواطف ومشاعر مختلفة، ويشير آلان ليفين إلى أنَّ الشخص يفكر ويتصرف بصورة مختلفة في مواجهة المواقف نفسها عندما يكون مريضًا جسديًا أو مكتئبًا عاطفيًا، وبالتالي، فهذه العوامل الداخليَّة للنفس تجعل العقل البشري أكثر عرضة للخطأ والزلل في تفكيره. ولهذا يقول ميشيل دي مونتين: “عندما يحركنا الغضب نعجز عن سماع الأصوات كما هي، وإذا أحببتَ امرأة فستبدو لك أجمل مما هي عليه، وإذا أبغضت شخصًا فسيبدو لك أكثر قبحًا”.

إنَّ اتخاذ المواقف والقرارات أثناء موجات العواطف المضطربة تجعل قرارات الإنسان ومواقفه مضطربة، وتعكس صورة خاطئة عنه، وأنَّ شخصيته هي كذلك في الحقيقة، وهذا تزييف في الواقع، فشخصية الإنسان الطبيعي ليست هي فقط شخصيته في لحظات اضطراب عواطفه ومشاعره أو لحظات تشوه أفكاره. إنَّ التصرف وفق المشاعر السلبيَّة ليس فقط تغيرك من الداخل وتشوه أفكارك والمزيد من عواطفك، بل تغير عواطف وتصورات الذين حولك، وقد يترتب على ذلك أن تقل ثقتهم فيك، بل أن يفقدوا الثقة فيك إلى الأبد، بناءً على كلمة أو فعل اتخذته أثناء لحظة انفعال سريعة لم تُقَدّر مآلاتها وآثارها على نفسك وعلى الآخرين.

ربما يقول بعضهم: “إنَّ الغضب يخرج كمائن النفوس، ولن تعرف صدق المحبة إلا إذا جَرَّبتَ من تحب في حالة اضطرابه؛ في حالة الطمع أو الغضب أو الحاجة“. وفي ظني أنَّ ذلك غير لازم، بل قد يكون ظلمًا له، فإنَّ الإنسان الطيب النبيل حينما يغضب قد يأتي بكلماتٍ أو أفعالٍ لا تصدر من إنسان مثله من النبل، فأظهرته بمظهر إنسانٍ مختلفٍ ليس هو ذلك الذي يعرفه من حوله، ولا يعني هذا أنَّ جوهره تغير، وإنَّما الإنسان في حالات الغضب والحزن الشديد يبدو منه من هو خلاف حقيقته. وهكذا هي جناية العواطف السلبيَّة، تفسد العلاقات وتصنع صورًا زائف عن الأشخاص. إنَّ حالة الغضب -كمثال- لا تبدي صدق المشاعر الموجودة في صميم النفس، بل تبدي حالةً أخرى، وربما تكون حالة على خلاف الحالة المستقرة في نفس المرء. وهكذا الحزن والاكتئاب والقلق والخوف مثل الغضب، ربما في لحظاته العالية يخرج من الإنسان إنسانٌ مختلفٌ أمام نفسه وأمام الآخرين.

يقول الشريف الرَّضِيّ:

‏وللحـــلـم أوقــــاتٌ والجــــهل مثـــــلــها
ولكـنَّ أوقـــاتـــي إلــى الحــــلم أقــرب

‏ولا أعرف الفحشاء إلا بوصفها
‏ولا أنطق العوراء والقلب مغضب

‫فقوله: “ولا أنطق العوراء والقلب مغضب“، صفةٌ عظيمةٌ يتحلى بها الرجل الموفق المسدد، إذ يمسك لسانه عن الكلمة القبيحة عند الغضب، ‫وإنَّما تنفصم عُرى الصداقات، ويبطل أمر الزواجات، ويذبل الحب في القلوب؛ وتزهق الأنفس، من الكلمات القبيحة ساعة الغضب، لأنَّها تخرج صورة قبيحة ليست بالضرورة هي صورة صادقة عن ذلك الشخص، فالعواطف لحظة اضطرابها هي في الحقيقة لحظة عدم توازن وعدم وضوح بل ربما عدم صدق في إظهار المشاعر الحقيقيَّة. ولهذا يُقال إنَّ الفيلسوف فيثاغورس قال: “عند الغضب يجب أن نمتنع عن أربعة أشياء: الحكم على الآخرين، واتخاذ القرارات، والحديث مع الآخرين، واتخاذ الأفعال”.

ويحسن أن تُدْرِكَ أنَّه عندما تضيق النفس بعواطفها ومشاعرها، تضيق إثرها عباراتها وكلماته وأفعالها، فالكلمة القاسية والفعل العنيف والنظرات الازدرائيَّة والوجه غير المرحب، كل ذلك هو نتاج مشاعر اختمرت في القلب، وسيطرت على العقل والتفكير، فأنتجت تلك الأفعال السلوكيَّات. ومن المؤسف أننا لا نعرف ظروف ولا مشاعر بعضنا إلا من خلال الكلمات، فهي الجسور التي تعبر بنا نحن الآخرين، فإذا كان سفيرها: كلمات جارحة أو سلوكيات عنيفة، صنعت في قلوب الآخرين عواطف سلبيَّة تجاهك، وهكذا صارت دوامة المشاعر والعواطف السلبية ليس فقط على أفكارك، بل على أفكار وعواطف الآخرين.

كثيرًا ما تكون طبيعتك هي المسؤولة عن تحديد طبيعة تعامل النَّاس معك، فمشاعرك وكلماتك وأفعالك هي التي تُلْقِي بظلالها وتأثيرها على الآخرين، فتنتج ردودهم تجاهك: مشاعرهم وكلماتهم وأفعالهم. وما أشد طمع الإنسان! يطمع في أن يمتلك مشاعر غيره ويكسب قلوبهم، وهو لا يقدر أن يمتلك مشاعره ولا أن يتحكم في قلبه!

فإذا كانت عواطفك ومشاعرك سلبيَّة، ثم سمحت لنفسك أن تتعامل وفقها مع الآخرين، أدخلتَ نفسك وحياتك في دوامة سوداويَّة ستزيد عواطفك ومشاعرك إحباطًا وعدوانيَّة، وربما يصعب الخروج منها ما لم تغير أساس الخلل داخلك: عواطفك وأفكارك السلبيَّة. وإذا عَرَفْتَ ذلك، فسوف تعرف خطورة المشاعر والعواطف في حياتك اليوميَّة، مع نفسك تجاه ذاتك أو مع النَّاس. والنفس إذا كانت كدرة ومجمعًا للأكدار؛ أثارها أدنى طارقٍ يطرقها: من كلمة أو نظرة، أما إذا كانت فرحة بطبعها كانت روضة للأفراح، فيسعدها أدنى ما يلوح لها من كلمة أو نظرة. وهكذا فعظم الأشياء المحزنة أو المفرحة لا تؤثر في النفوس بعمق ما لم تكن مستودعًا لها وقابلة لها. وكثيرٌ من الحوادث ليست هي التي تصنع المواقف، بل المشاعر هي التي تصنعها، فالذي يحبك بعواطفه ومشاعره سيجد في أيّ حَدَثٍ -مهما كان صغيرًا وتافهًا- مناسبة جميلة ليكرمك فيها، أما الذي يكرهك ويبغضك، فيستغلها من أجل إهانتك وانتقاصك. ولهذا كان من الضروري وضع نقد وتقييم النَّاس في سياقه الصحيح، في إطار عواطفهم ومشاعرهم سواء أثناء ذلك التقييم أو كحالة عامة لشخصيتهم، من أجل أن تعرف قيمته وحقيقته، وهل هو بالفعل حقيقة تنطبق عليك أو هي أوهام صنعتها عواطفهم ومشاعرهم المضطربة والمنحازة.

والوقوع في أسر العواطف والمشاعر يختلف من إنسانٍ إلى آخر، فربما تكون من أمور يرثها الإنسان من محيطه القريب الذي يعيش فيه، كفرط الحساسية أو اعتدالها، وضعف النفس أو قوتها، والغضب أو السكون، والتوتر أو الاتزان، ونحو ذلك. لكن هذا الضرب من التأثير ربما ليس هو الأساس في تفاوت النفوس. وربما يعود الشأن إلى أمورٍ تأتي بالدربة والعادة والاكتساب والتكيف في الحياة، وحياة الإنسان ليست إلا مسيرة تتراكم فيها الطبائع والعادات: الجيدة الحسنة أو الرديئة القبيحة، وذلك من خلال اليقظة أو الغفلة عن مراقبة المشاعر والخواطر السلبيَّة التي يتسبب بها فرط الخوف من المجهول، أو شدة الاهتمام بآراء الآخرين، أو بالتشاؤم والسوداوية من المستقبل، ثم مدى القدرة بعد المراقبة على التحكم بها وعدم تركها تتسلل وتتراكم. فمثل تلك المشاعر والعواطف والأفكار مثل كرة الثلج تبدأ صغيرة ثم تكبر بالتدرج والتدحرج، أو مثل النقاط السوداء الصغيرة، التي تتجمع في النفس، حتى تحيط بها من كل جانب، لتصبغها بلونها، وتصير النفس محكومة بها، تعجز عن الخروج منها، وتفقد السيطرة على مشاعرها فيما تراه أو تسمعه، يؤثر فيها أدنى نداء، وتخفق بقلبها أقل الكلمات تأثيرًا، الصورة العابرة ربما تدفعها إلى البكاء، والذكرى الحزينة تلازمها، وفي كل لحظة يمتلكها هوسُ ترقُّبِ فاجعةٍ تنزل بساحتها، كأنَّها مثل الريشة في مهب الريح، تتقاذفها أمواج الهواء، وتلقيها في وادٍ سحيق!

ولعل من أهم الوسائل التي تساعد الإنسان على مراقبة مشاعره وعواطفه وأفكار وخواطره:

أولاً: الإيمان واليقين.

ليست هناك قوة تؤثر في النفوس وتغيرها مثل قوة الإيمان بالله واليقين به سبحانه، فالإنسان المؤمن بالله يجد في قلبه استغناء عظيمًا بالله، بحيث إنَّه يجد في الله كل شيءٍ. قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ). إنَّه الإيمان الصادق الذي يضع الأشياء التي تلمس الإنسان، خيرًا وشرًا ضرًا ونفعًا، في موضعها اللائق بها وفي ومكانها الصحيح؛ لأنَّ أي مبالغة في الاستقبال النفسي لهذا الأشياء العابرة يعود بالفساد والضرر والتلف على روح الإنسان، فَيُجْهِدها ويشقيها.

ثانيًا: الأخلاق ومحاولة التخلق.

الإنسان ليست له صيغة واحدة في الحياة، فهو يستطيع -بإرادة الله- أن يتغير من إنسان حسَّاسٍ إلى آخر أقل حساسيَّة، ومن إنسانٍ غضوب إلى إنسان حليم، ومن إنسان عنيفٍ إلى إنسان لطيف. فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أنَّ رجلًا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: (أوصني، قال: لا تغضب، فردد مرارًا، قال: لا تغضب). فدلَّ هذا الحديث على أنَّ لدى الإنسان قادرة على أن يغير نفسه -بإذن الله- وأنَّه بإمكانه أن يتطور إلى الأحسن بالتدريج، بأن يمتنع عن الفعل أو القول حالة الاضطراب، وكلما تعود على الامتناع ضبط نفسه وأحكم قبضتها عليها، ومن ثَمَّ يطور أفكاره ومشاعره من السلبيَّة إلى الإيجابيَّة.

قال أحدهم مرة لحكيمٍ: كلما أتكلم في مجلس أندفع بحماسة ثم أقول ما أندم عليه!

فقال الحكيم: عود نفسك على اختيار كلامك بعناية.

قال الرجل: حاولتُ مرارًا وعزمتُ على ذلك، لكن في كل مرة تعود حليمة لعادتها القديمة!

قال الحكيم: عدم التركيز على الهدف بوضوح وعدم حضور الإدارة هي السبب.

فقال الرجل: ما الحل؟

قال الحكيم: اجعل الصمت لك عادة في المجالس مدة، ثم تحدث بعدها بأقل مقدار، تتعود.

بالفعل، بداية كل تصحيح في السلوك هو الامتناع، التوقف، فكل الذي نحتاجه إليه، في كثيرٍ من مواقف الحياة المختلفة، الامساك عن الكلام والتزام الصمت، ومنح الانصات معظم الوقت والاهتمام، ففي معظم الأوقات نحن بحاجة أن نعرف الآخرين، أكثر من أن نُعَرّفَ الآخرين على أنفسنا، والسبيل إلى ذلك منح الانصات والصمت معظم الوقت. فقه الامتناع يجعل تعيش لحظة كاملة، تدرك حضورك، ترى الصورة بتمامها وجميع أجزائها، تعرف لماذا كنت غافلاً عن أخطائك لأنك كنتَ لا تراها لغارقك فيها. إنَّ التوقف والصمت يمنح الإنسان بداية فطريَّة لاستئناف حياته من جديد بهدوء وسكينة وتدرج، حتى يصير إنسانًا جديدًا واعيًا بسلوكه وأفعاله ومن ثَمَّ بمشاعره وعواطفه وأفكاره.

ثالثًا: العلم والثقافة.

العلم والثقافة ربما لا تؤثر مباشرة في المشاعر والعواطف، لكنَّها بصورةٍ غير مباشرة تزود الإنسان بنورٍ يكشف له طبيعة النفس، وكيف تعمل العواطف، وكيف تتحرك المشاعر، وما هو المَرَضِيُّ منها الذي يحتاج إلى علاجِ مختصٍ، وما هو العَرضيٌّ الذي يحتاج إلى إرادةٍ شخصيَّةٍ وتطويرٍ ذاتيّ لتحسينه والارتقاء به. وإذا كان العلم يرتقي بالعقل أولاً، فإنَّه ولا بُدَّ يُؤثر لاحقًا في قوى النفس وعواطفها، وأقل فوائده انشغال الإنسان بالمفيد عن سفاسف الأمور ومشغلات الحياة التافهة، واهتمامات الناس الهامشيَّة، فالعلم من جهة انشغالٌ بالمفيد، ومن جهة أخرى توقفٌ عن الضار، وتأمل ذلك.

رابعًا: إدراك حقيقة الواقع وحقيقة النَّاس.

أكثر الذين يحبطون وتتأثر عواطفهم ومشاعرهم، هم الذين يعولون على النَّاس أكثر مما يتيحه الواقع، فعواطفهم ومشاعرهم وأفكارهم متعلقة بالآخرين، وجودًا وعدمًا، سلبًا وإيجابًا. وهذا الإنسان لا يُدرك أنَّ ذاته تتشوَّهُ غالبًا عند رؤيتها لنفسها في مرايا الآخرين، وتفقد بذلك ملامحها الذاتيَّة ورؤيتها الخاصَّة. وإنَّ مما يحسن أن تدركه جيدًا في حياتك، أنَّ فرحك ليس بالضرورة فرحًا لكل النَّاس الذين تعرفهم أو تقابلهم حديثًا، وأنَّ حزنك ليس بالضرورة حزنًا لهم، وأن اهتماماتك وشغفك ليس محلاً لاهتماماتهم وشغفهم، ووطّن نفسك على ألا تحبط إذا ما قابلوك بالبرود والفتور وعدم المبالاة إذا شاركتهم في أخص مشاعرك. وحاول بدلاً عن ذلك أن تكون واقعيًّا، فتدرك أنَّ الخطأ ليس بالضرورة خطأ أولئك الأشخاص، فكم من مناسبة لم تشاركهم في أفراحهم واهتماماتهم، واعلم أنَّه إنَّما يفرح لفرحك ويحزن لحزنك ويهتم باهتمامكم من يحبك، من يرى مصيره مصيرك، ومستقبله مستقبلك، من تعني له شيئًا مهمًا في حياته، أو أنت بالأحرى حياته، وهؤلاء قلة في الحياة. عود نفسك ألا تجعل ذاتك في بؤرة الاهتمام، وألا تُسكن في عقلك صورة الضحية والمظلوم والبطل المفرط به، وأنَّ النَّاس هم كذا وكذا من الصفات القبيحة، وكأنك عاجزٌ عن نفع نفسك وتنظر من الخلق أن ينفعوك.

خامسًا: الوعي بأثر وسائل التواصل في الهشاشة النفسيَّة.

تُشير كثيرٌ من الدراسات الحديثة إلى الأثر العميق الذي تصنعه وسائل التواصل في نفوس النَّاس وعلى مشاعرهم وعواطفهم فضلاً عن أثرها في أفكارهم وتصوراتهم عن أنفسهم وعن الآخرين، وكأنَّها بمثابة عبوديَّة جديدة تختارها الذات طواعيَّة، فتتلذذ بآلامها وحسدها، وتدمن على عزلتها، سرابٌ تعرف أنَّه سراب، لكنَّها تُمنّي نفسها أن تجده شيئًا!

وقد تحدَّثَتْ إلزا غودار، أستاذة الفلسفة الفرنسيَّة، والمحللة نفسانيَّة التي تعمل باحثة جامعيَّة في باريس كريتاي، عن العزلة في العالم الافتراضي، وتعلق النَّاس -أو تعليق أنفسهم- باستجابات النَّاس لهم أو بالفُتات الذي يلقيه النَّاس إليهم من إعجابٍ أو إعادة نشر أو نحو ذلك. وكيف أنَّ هذه الوسائل صنعت سعادة زائفة نتصورها في حياة الآخرين، الذين يتصنعونها ويصورنها للآخرين؛ ليحظوا بإعجابهم وانبهارهم، بل وحسدهم، وأنَّ هؤلاء -الجمهور المتفرج الذي يفتح عيونه وأفواهه- في نهاية المطاف لن يجدوا “سوى الصمت والفراغ…أملٌ مهددٌ بالخيبة في كل لحظة…وتمر الحياة كما تتآكل الأحلام، وتمر الحياة في صمت…إنَّ العزلة هي غرق، إنَّها منفى…إنَّها تفاوت بين الواقعي والافتراضي في استيهاماتنا وآمالنا”.

إنَّ الهواتف الذكية جعلت حياة الإنسان أشد ضعفًا ورداءة من المنامات والأحلام، بسببها فَقَدَ الإنسان رؤية العالم والخروج إليه بنفسه، وفَقَدَ ملامسة الأشياء الجميلة في الطبيعة مباشرة، وفَقَدَ الصداقات الحقيقيَّة، والعلاقات الحميميَّة الواقعيَّة، وأصبح يرى معظم ذلك عبر شاشة هاتفة، صورة ضبابيَّة بعيدة كأحلامٍ نائمٍ يرى حياته شاشة كبيرة مشوشة، يبتسم تارة في نومه لوحده، ويبكي أحيان كثيرة في عزلته!

وأخيرًا، إنَّ حياتك ليست إلا قصة تكتبها، وموادها الرئيسة مشاعرك ومواقفك وأحداث حياتك الماضية والحاضرة وتخيلاتك عن حياتك المستقبلية، وتلك قصص منها ما هو حقيقي ومنها ما هو وهم واختلاق وتخيل. إنَّ حياتك ستكون مَدِينة لطريقتك في تكوين قصتك الخاصَّة عنها وعن الآخرين، والتي ستعيش في ظلها بقية عمرك، وتَذَكَّر فأنت لست إلا قصة، فإياك أن تكتبها بطريقة مشوهةٍ بائسة، وذلك بإضاعتها في أفكارٍ سلبيَّة بسبب مواقف عابرة من النَّاس أو خيالات وهميَّة تطوف بعقلك، فتصنع في قلبك عواطف ومشاعر كريهة سوداء، ستظل سجينًا لها ورهينًا لمرارتها وعذاباتها، وستظل هي تستعبدك، وتستبعد عنك أجمل لحظات حياتك وعمرك، وأجمل النَّاس من حولك!

يجب أن تتذكر جيدًا، أنَّه لن يعيش هانئًا مرتاح البال ذلك الذي كلما اختلط بالآخرين تعود أن يحتفظ عقله بالمواقف الصغيرة، ويحمل في قلبه الأخطاء العَرَضِيَّة والكلمات الهامشيَّة، فذلك شخصٌ قرَّر إراديًّا أن يحبس نفسه في قعر وادٍ موحشٍ أو كهفٍ مظلمٍ؛ لأنَّه يتصور أنَّ معظم النَّاس أعداء له، يتصرفون تجاهه بحقد وكراهية وغل!

تحرر بإيمانٍ وصبرٍ وتدريبٍ منهجي من ذلك، ولا تخجل من طلب المساعدة، وتَذَكَّر حقيقة جميلة وواقعيَّة، وهي أنَّه لا يوجد شيءٌ في الدنيا يفوت نهائيًا، كل شيءٍ يمكن أن تستدركه، كل شيءٍ يمكن أن تستأنفه، ومهما كانت حالتك، ومهما كان عمرك، ومهما كانت محاولاتك السابقة، فقط ابدأ، وبمشيئة الله سترى الأشياء تختلف، وأنك أنت أيضًا تختلف عما كنتَ عليه. تقول لورا شيسينجر: “إنَّ استبدال العادات السيئة أمرٌ مُحَرّرٌ“. ولهذا تذكر: كل شيءٍ قابل للتغير: الأفكار، والعواطف، والمشاعر، والحياة كلها، وبداية الطريق الصحيح هو التحرر من عاداتك السيئة واستبدالك عواطفك ومشاعرك وأفكرك السلبيَّة، وذلك بدوره يحرر بمشيئة الله حياتك وعلاقاتك ونظرة للعالم. قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ).

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى