العلم

بحث منشور مؤخرًا في مجلة علم الأحياء النظري يدعم صراحة التصميم الذكي

  • ايفولوشن نيوز
  • ترجمة: الجراح القويز
  • مراجعة: خالد الشايع
  • تحرير: إيثار الجاسر

كما ذكر جون ويست (John West) الأسبوع الماضي فإنَّ مجلة علم الأحياء النَّظريِّ (Journal of Theoretical Biology) نشرت بحثًا يؤيد بصراحة التَّصميم الذَّكيَّ.[1] دعونا نمعن النَّظر في محتويات البحث. هذه الورقة مثقلة بالجانب الرِّياضيِّ، وتناقش النَّماذج الإحصائيَّة للتَّوصُّل إلى الاستدلالات، ولكنَّها تعدُّ رائدة لهذا السبب أيضًا: فهي تقترح وتتناول التَّصميم الذَّكيَّ تحديدًا، كتفسير مجد لأصل “الضبط الدقيق fine-tuning” في علم الأحياء. ويعدُّ هذا إنجازًا كبيرًا للعلم الطَّبيعيِّ، وأيضًا لحرية التَّعبير. إذا كان هذا البحث يشير إلى شيء، فهو يظهر أنَّ البحث كونه قد نُشِر في مجلة موثوقة ومراجعة؛ فإنَّ القيود الشَّديدة على مناصري التَّصميم الذَّكيِّ ستختفي.

الباحثان هما ستينر ثورفالدسن (Steinar Thorvaldsen)، أستاذ علم المعلومات بجامعة ترومسو (Tromsø) في النَّرويج، والباحث أولا هوسجر (Ola Hössjer)، أستاذ الإحصاء الرِّياضيِّ في جامعة ستوكهولم. هذا البحث -وهو متاح للجميع- يبدأ بالإشارة إلى أنَّ الضَّبط الدَّقيق وإن كان يُناقش بشكل واسع في الفيزياء، يحتاج النَّظر في سياقات علم الأحياء:

حظيت فكرة الضَّبط الدَّقيق على اهتمام كبير في الفيزياء، بل وتنصُّ على أنَّ الثَّوابت الأساسيَّة للفيزياء مضبوطة بشكل دقيق بقيم محدَّدة تتيح وجود الحياة وكيمياء غنيَّة. ولم تُطبَّق حتى الآن على علم الأحياء الجزيئيِّ بشكل كافٍ.

يشرح الباحثون اتِّجاه الورقة البحثيَّة الرَّئيس بقولهم:

ومع ذلك، في هذا البحث، نحن نزعم بأنَّ الأنظمة الحيويَّة تقدِّم ضبطًا دقيقًا على مستويات مختلفة، ومن أمثلة ذلك: البروتينات الوظيفيَّة، الآلات الكيميائيَّة الحيويَّة المعقَّدة في الخلايا الحيَّة، والشَّبكات الخلويَّة. وهذه الورقة تصف هذا الضَّبط الدَّقيق الجزيئيَّ، وكيف يُستعمَل في علم الأحياء، وكيف يتحدَّى التَّفكير الدَّاروينيَّ التَّقليديَّ. نحن أيضًا نناقش الطرائق الإحصائيَّة التي تدعم الضَّبط الدَّقيق وتقدِّم نطاق لمثل هذ التَّحليل.

 

وقد شرحا كيف يعرَّف مصطلح الضَّبط الدَّقيق. وأنَّ التَّعريف بالأساس مماثل لتعريف (التَّعقيد المخصَّص specified complexity):

نعرف الضَّبط الدَّقيق كشيء معين بخاصيَّتين:

  • يجب ألَّا يكون قد حدث بالصُّدفة، في ظلِّ التَّوزيع الاحتماليِّ المتعلِّق به(المعقد).
  • أن يكون متماشيًا مع مواصفات مستقلَّة أو منفصلة (بمعنى: محدَّد)

ثم يقدمان مفهوم (التَّصميم design)، وبيَّنا كيف يمكن للبشر التَّعرف عليه فطريًّا:

التَّصميم هو مواصفات أو مخطَّط لبنية شيء أو نظام معيَّن أو نتيجة ذلك النَّظام أو التَّصميم على هيئة منتج. المصطلحتصميم designمشتَّق من كلمةdesignareوالتي تعود للَّغة اللَّاتينيَّة القروسطيَّة (ومعناهاحدَّد، خصَّص، اختار)؛ منde(خارج) وSignum(علامة تعريفيَّة، لافتة). وهكذا الأمرمع أي إشعار عام لإعلان شيء أو توضيح معلومات. يجب أن يحقِّق التَّصميم قيود وأهداف معيَّنة. ومن المتوقَّع أن يتفاعل هذه التَّصميم مع بيئة معيَّنة أن يكون له تحقق في العالم الماديِّ. والبشر يمتلكون حدسًا قويًّا لفهم التَّصميم وهو سابق للعلوم الحديثة. حدسنا العامُّ دائمًا يبدأ بمعرفة النَّمط كعلامة على التَّصميم. والمشكلة تكمن في أنَّ حدسنا حول التَّصميم يعدُّ خامًا وما قبله نظريُّ. ولهذا السَّبب فمن المناسب أن نسأل أنفسنا حول إمكانيَّة قلب الطَّاولة على هذا التَّفاوت الحاصل وأن نضع بدله هذا الحدس قبل النَّظريِّ الخام على أساسٍ علميٍّ.

الجملة الأخيرة مفتاح: إنَّ الغرض من البحث هو بحث إمكانيَّة وجود طريقة علميَّة يستنبط منها التَّصميم. وهم يقترحون بأنَّ التَّصميم يمكن تعريفه عن طريق كشفهم للضَّبط الدَّقيق. هذا البحث يشرح الطرائق الإحصائيَّة لفهم الضَّبط الدَّقيق، وكما زعم الباحثون أنَّه يعكس التَّصميم:

الضَّبط الدَّقيق والتَّصميم هما كيانان متَّصلان. فالضَّبط الدَّقيق هو منهجيَّة تصاعديَّة بينما التَّصميم يمكن اعتباره نهجًا تنازليًّا. ولذلك فإنَّنا نركِّز على موضوع الضَّبط الدَّقيق في هذه الورقة ونطرح فيها الأسئلة التَّالية: هل من الممكن التَّعرُّف على الضَّبط الدَّقيق في الأنظمة الحيويَّة على مستوى البروتينات الوظيفيَّة، مجموعات البروتين، والشَّبكة الخلويَّة؟ هل من الممكن أن يُصاغ الضَّبط الدَّقيق في علم الأحياء الجزيئيِّ بواسطة الأساليب الإحصائيَّة المتقنة، أم أنَّها لا تعدُّ حجةً إلَّا بنظر صاحبها فقط؟

وقد استشهدوا بأعمال عدة منظرين بارزين في مجتمع التَّصميم الذَّكيِّ البحثيِّ.

الضَّبط الدَّقيق كإجابة على مبدأ كوبرنيكوس

 لجأ الباحثان إلى الفيزياء وإلى المبدأ الإنسانيِّ anthropic principle، وهي فكرة أنَّ قوانين الطَّبيعة ملائمة جدًّا للحياة:

لنفترض أنَّ قوانين الفيزياء مختلفة قليلًا عمَّا هي عليه، كيف ستكون العواقب؟[2]. الاحتمالات بأن يكون العالم ذو قابليَّة للعيش متناهية في الصِّغر بحيث لا يمكن حسابها وليست بمفهومة

هذا الكون المضبوط بدقَّة يمكن تشبيهه بلوحة تحكُّم للكون يوجد بها 100 مقبض يمكن وضعها على قيم معيَّنة…. وإذا أدرت أيَّ مقبض قليلًا لليمين أو لليسار، سيؤدِّي إلى أنَّ هذا الكون غير قابل للحياة أو قد يؤدِّي إلى انعدامه مطلقًا. فلو كان الانفجار العظيم أقوى أو أضعف قليلًا، فإنَّ المادَّة لن تتكثف ومن ثُمَّ فإنَّ الحياة لن توجد

إنَّ الاحتمالات ضدّ تطوُّر الكون كانتضخمة؛ والآن نحن ها هنا، في مرحلة تساويها مع التَّضمينات الدِّينيَّة

ومع ذلك، دون أن يقحموا أنفسهم في الدِّين، قد طبَّقوا الإحصاءات التي تعبِّر عن احتماليَّة التَّصميم كتفسير للضَّبط الدَّقيق في هذا الكون. وقد استشهدوا بالمنظر المنتمي لحركة التَّصميم الذَّكيِّ وليام ديمبسكي William Dembski:

وليام ديمبسكي يعدُّ بحجَّة الضَّبط الدَّقيقة، أنَّها توصل وتشير إلى تصميمٍ ضمنيٍّ. وقد نعدُّ هذا الاستنباط كنتيجة منطقيَّة أو أنَّه نتيجة لأفضل تفسير. وهذا الاستدلال يقودنا إلى استنتاج مرجَّح ومعقول بأنَّه حقيقة، مقارنة بالفرضيَّات المنافسة، نظرًا لخلفيَّتنا المعرفيَّة. ففي حالة الضَّبط الدَّقيق في كوننا، فإنَّ التَّصميم يعدُّ تفسيرًا أفضل من حزمة الأكوان المتعدِّدة التي تفتقر للأدلة التَّجريبيَّة أو التَّاريخيَّة.

وتُقدِّم هذه المقالة أسبابًا إضافيَّةً لعدم اعتبارنا الأكوان المتعدِّدة تفسيرًا مرضيًا للضَّبط الدَّقيق، وتحديدًا بأنَّ “فرضيَّة الأكوان المتعدِّدة لا تتنبَّأ بالضَّبط الدَّقيق في كون معيَّن أفضل من فرضيَّة الكون الواحد” وعلينا أن نرجِّح هذه النَّظريات حسب أفضل تنبُّؤ -لهذا الكون أو أيِّ كون- للظَّواهر التي نلاحظها في كوننا.

الضَّبط الدَّقيق في علم الأحياء

تستعرض هذا الورقة البحثيَّة حزمة الأدلة على الضَّبط الدَّقيق في علم الأحياء متضمِّنًا: المعلومات، التَّعقيد غير القابل للاختزال، تطوُّر البروتين، مشكلة وقت الانتظار. وخلال البحث تتناول حجج العديد من منظري حركة التَّصميم الذَّكيِّ، بدايةً من مراجعة قصيرة تظهر كيف أنَّ الأبحاث تستخدم كلمات “شفرة التَّسلسل” و”المعلومات” و”الآلة” لوصف تعقيد الحياة:

أحد الاكتشافات المذهلة في علم الأحياء الحديث أنَّ الخلية تعمل على نحو مشابه للتِّكنولوجيا الحديثة، بينما المعلومات الحيويَّة مرتَّبة على نحو مشابه للنَّص العاديِّ. اثبتت الكلمات والمصطلحات مثل:شفرة التسلسلوالمعلوماتوالآلةكونها مفيدة جدًّا لوصف وفهم علم الأحياء الجزيئيِّ[3]. تعد البروتينات هي اللَّبنات الأساسيَّة للحياة، وهي سلسة طويلة من الجزيئات التي تحتوي على مجموعات متنوعة من 20 حمض أميني مختلف. تتكون الآلات الكيميائيَّة الحيويَّة المعقَّدة غالبًا من العديد من البروتينات التي تنطوي على بعضها حتَّى تصبح شكلًا ثلاثيَّ الأبعاد يعتمد التَّسلسل الدَّقيق للأحماض الأمينيَّة في السِّلسلة. تستخدم البروتينات طيَّات متنوعة وظيفتها الحيويَّة، وكل بروتين له شكل محدَّد للغاية مع بعض الاختلافات البسيطة.

هذا البحث يستشهد ويراجع أعمال مايكل بيهي (Michael Behe)، دوغلاس اكس (Douglas Axe)، ستيفن ماير (Stephen Meyer)، غونتر بيكلي (Günter Bechly). وبعض هذه النِّقاشات يعدُّ مطوَّلًا ومستفيضًا. في البداية المقالة تحتوي على تفسير واضح للتَّعقيد غير القابل للاختزال من اعمال مايكل بيهي:

قدَّم مايكل بيهي وآخرون أفكار عن التَّصميم في علم الأحياء الجزيئيِّ، وقد نشروا أدلَّة عنآلات كيميائية حيويَّة معقَّدة بشكل غير قابل للاختزالفي الخلايا الحيَّة. ويحتجُّ بأنَّ بعض أجزاء الأنظمة المعقَّدة الموجود في علم الأحياء يعدُّ مهمًّا جدًّا ويؤثِّر على الوظيفة الكلِّيَّة لآليَّتها. ويمكن تحديد الضَّبط الدَّقيق في الأجزاء الحيويَّة والتَّفاعليَّة في الكائنات الحيَّة. في كتاب بيهي المعنون بـصندوق داروين الأسود[4]  حاول بيهي ضرب مثال لبعض الأنظمة مثل: (سوط البكتيريا flagellum) الذي تستخدمه للسِّباحة وفي عمليَّة تخثُّر الدَّم، الذي سمَّاه بالتَّعقيد غير القابل للاختزال، ناتجًا عن عملٍ جماعيٍّ استثنائيٍّ من العديد من البروتينات المتفاعلة تصل وربما تزيد على دزينة. هل يمكن في إطار نموذج تزايديٍّ أن يتطوَّر مثل هذا النِّظام إلى شيء لم يوجد بعد؟ العديد من الأنظمة الحيويَّة لا يظهر أنَّها تملك سلفًا وظيفيًّا من خلال تطوُّره تدريجيًّا، وحدوث ذلك خلال قفزة واحدة بالصُّدفة يعدِّ ضئيلًا جدًّا. لإعادة صياغة ما قاله أوَّل رجل على القمر:هذه ليست خطوات صغيرة للبروتينات وليست قفزة كبيرة لعلم الأحياء

[…]

تم ذكر نظام بيهي للتَّعقيد غير القابل للاختزال في القسم 3. وهو يتكون من العديد من الوحدات المتوائمة والمتفاعلة وهي تساهم في الوظيفة الأساسيَّة، حيث أن إزالة أيِّ وحدة من هذه الوحدات يسبِّب توقف هذا النِّظام عن العمل. بيهي لا يتجاهل دور قوانين الطبيعة. فعلم الأحياء يسمح بالتَّغيُّرات والتَّعديلات التَّطوريَّة. فالتَّطوُّر موجود، والتَّصميم غير القابل للاختزال موجود، وكلاهما ملاحظ. القوانين الطبيعيَّة يمكنها تنظيم المادَّة وإجبارها على التَّغيُّر. وقد أشار بيهي إلى أنَّ هناك بعض الأنظمة المعقَّدة وغير قابلة للاختزال التي لا يمكن أن تنتج عبر قوانين الطبيعة:

إذا استطعنا تفسير البنية الحيويَّة تحت ظلِّ هذه القوانين الطبيعية [التناسل، الطفرات، الانتقاء الطبيعي] بذلك لا يمكننا استنتاج انها مصمَّمة، ومع ذلك بيَّنت لماذا العديد من الأنظمة الكيميائيَّة الحيويَّة لا يمكن بناؤها عبر الانتقاء الطبيعيِّ المبنيِّ على الطَّفرات، فلا يوجد طريق مباشر وتدريجيٌّ إلى هذه الأنظمة المعقَّدة وغير قابلة للاختزال، وقوانين الكيمياء تعمل بقوة ضدّ التَّطور غير الموجَّه للأنظمة الكيمائيَّة الحيويَّة التي تنتج جزيئات مثل AMP1[5]

ثمَّ، حتَّى لو كانت القوانين الطبيعيَّة تعمل ضدّ تطوُّر هذهالتَّعقيدات غير القابلة للاختزالفإنِّها ما زالت موجودة. فالتَّوافق الشَّديد والتَّناغم في البروتين المركَّب يجعله غير قابل أن يختزل في عملية تراكميَّة. بل لا بدَّ من التَّسليم بأنَّها ظروف أصليَّة مضبوطة بدقَّة لتسلسل البروتين الأساس. هذه التَّراكيب هي أمثلة حيويَّة على الهندسة النَّانويَّة التي تفوق أيَّ شيء صنعه مهندسو البشر. مثل هذه الأنظمة تشكِّل تحديًّا خطيرًا للرواية التَّطوريَّة الدَّاروينيَّة، فما دامت الأنظمة المعقَّدة وغير القابلة للاختزال لا تملك سلسلة مباشرة من الأوساط القابلة للتَّحديد، بل علاوة على ذلك كما رأينا في القسم 4.1 كل وحدة (بروتين) لديها احتمال ضئيل بحدِّ ذاتها.

تستعرض هذه المقالة أيضًا بحثًا مراجعًا من قبل الأقران للباحث دوغلاس أكس كما في كتابه “غير قابل للإنكار” في إمكانيَّة تطوُّر طيات البروتين:

الهدف المهمُّ هو الحصول على تقدير لأجمالي انتشار طيَّات البروتين الوظيفيَّة المتسلسلة، على سبيل المثال فإنَّ الهيكل المنطوي الأيمن يتحرَّك بشكل مناسب في منطقة نشاطه المعينة؛ ليؤدي وظيفته المحدَّدة. وقد عمل دوجلاس أكس على هذا السُّؤال في مركز مجلس البحوث الطبِّيَّة في كامبريدج. وقد أظهرت التَّجارب بأنَّ الانتشار ما بين 1 في 1050 إلى 1 في 1074 من متسلسلات البروتين يشكِّل طيَّة تحوي نطاق عمل متكوِّن من 150 حمض أمينيٍّ[6] ومع ذلك فإنَّ البروتينات الوظيفيَّة تحتاج متسلسلات مرتَّبة جدًّا، كما هو موضَّح في الشَّكل 2. وعلى الرَّغم من أنَّ البروتينات تتحمَّل مدى معيَّن من الأحماض الأمينيَّة في بعض مناطق التَّسلسل، إلى أنَّ العمليَّة العشوائيَّة لإنتاج سلسلة من الاحماض الأمينيَّة في مثل هذا الطُّول في أيِّ بروتين وظيفيٍّ لن يحدث إلا مرة واحدة فقط في كل 1050-1074 محاولة بسبب التَّنوُّع الجينيِّ. هذه النَّتائج التَّجريبيَّة تضاهي تماما استنتاجات الضَّبط الدَّقيق الفيزيائيِّ.

[…]

مساحة البحث هذه بيَّنت استحالة وجود فرصة لنجاح الاختيار الأعمى (العشوائيّ) ولو كانت ضئيلة. والرأي المناقض هو أنَّ الابتكارات قائمة على الأبداع والذَّكاء والبراعة. وأحد العناصر هذه هو ما يسميه أكس بـالتَّماسك الوظيفيِّالمتضمِّن لمخططٍ هرميٍّ دائمًا لذلك هو نتاج للضَّبط الدَّقيق. ويخلص أكس إلى أنَّ:التَّماسك الوظيفيَّ يجعل حدوثه عن طريق الصُّدفة خياليًّا غير محتمل ومستحيل فيزيائيًّا[7]

وخلص الباحثون بأنَّ الأبحاث تظهر: “التَّفاوت الكبير في احتماليَّة وجود بروتين وظيفيٍّ في الفضاء التَّسلسليِّ، ولكنها تبقى بعيدة جدًّا عن نطاق العمليَّة الدَّاروينيَّة”[8]

استشهادا بعمل غونتر باكلي وستيفن ماير، فأن البحث أيضا يستعرض سؤالًا عمَّا إن كان للسِّجل الأحفوريِّ وقت كافٍ لنشوء الأنظمة المعقَّدة عبر الآليَّات الدَّاروينيَّة. وهو ما يعرف بـ “مشكلة وقت الانتظار”

مشكلة وقت الانتظار وتحقيق الضَّبط الدَّقيق في النَّموذج الدَّاروينيِّ التَّقليديِّ

في هذا القسم من البحث سنفصِّل الصِّلة بين احتماليَّة حدوث شيء وبين الوقت المتاح لحدوثه. ففي سياق الأنظمة الحيَّة، علينا أن نلقي الضَّوء على سؤال: هل آليَّات الدَّاروينيَّة التَّقليديَّة لديها المقدرة على تحقيق الضَّبط الدَّقيق في فترة زمنيَّة محدَّدة. يعدُّ هذا الأمر مهما من أجل تفسير سجل الأحافير بشكل صحيح، التي غالبا تفسَّر على أنَّها كانت في حالة ركود لفترة طويلة ثم حصل لها تغيُّر مفاجئ[9] (Bechly and Meyer، 2017). وهناك أمثلة عدَّة للتَّغيُّرات المفاجئة كـ: أصل التَّمثيل الضَّوئيِّ، الانفجار الكامبري، تطوُّر العيون المعقَّدة وتطوُّر طيران الحيوانات. هذه التَّغيرات الجينيَّة المصاحبة يعتقدون أنَّها حدث بسرعة كبيرة، على الأقل بمقياس وقت التَّطور الكبرويِّ، خلال فترة طولها t. ومن أجل اختبار إمكانيَّة ذلك فإنَّ النَّموذج الرِّياضيَّ الذي نحتاجه لتقدير الانتشار P للحدث A يتطلَّب تغييرات جينيَّة في الأنواع حتَّى يأخذ محله في النَّافذة الزَّمنيَّة للطُّول T.

خلال المناقشات هذه هناك استشهادات عدة من مجلَّة “التَّعقيد الحيويِّ BIO-complexity” وهي مجلة مسخَّرة لتقصِّي الأدلة العلميَّة للتَّصميم الذَّكيِّ.

اعتبار التصميم الذكي كتفسير علمي

في الختام، الباحثون عدُّوا التَّصميم الذَّكيَّ تفسيرًا محتملًا للضَّبط الدَّقيق في علم الأحياء، وقد استشهدوا كثير بأعمال وليام ديمبسكي وينستون ايورت، روبرت جي مارك وآخرون من منظِّري التَّصميم الذَّكيِّ:

قد حاز التَّصميم الذَّكيُّ على اهتمامٍ كبيرٍ في السَّنوات القريبة، خصوصًا في أمريكا، عن طريق خلق اهتمام جماهيريٍّ، وكذلك تحفيز المناقشات الحيَّة في العالم العلميِّ والعامِّيِّ. تهدف حركة التَّصميم الذَّكيِّ إلى الالتزام بنفس معايير الاستقصاء العقلانيِّ كباقي المؤسَّسات العلميَّة والفلسفيَّة، فهي تخضع لنفس أساليب التِّقييم والنَّقد. فالحركة قد تعرَّضت للنَّقد بسبب منطقها وأيضًا بسبب صياغاتها المختلفة.[10]

اقترح وليام ديمبسكي ما يسمى بـفلتر التوضيح؛ للتَّفريق بين حدوث سببه الصُّدفة وانتظام القوانين أو التَّصميم.[11] بالنَّظر إلى مستواها المجرَّد الكافي، فإنَّ منطقها مبنيٌّ على مبادئ وتقنيات راسخة من اختبارات الفرضيَّات الإحصائيَّة. ومع ذلك من الصِّعب تطبيقها على العديد من التَّطبيقات أو السِّياقات الحيويَّة المثيرة للاهتمام، بسبب العدد الهائل من السيناريوهات غير المعروفة والتي من المحتمل وجودها، مما يصعب صياغتها في فرضيَّة فارغة للاختبار الإحصائيِّ.[12]

نسخة قياس التَّعقيد المعاد صياغتها والتي نشرها ديمبسكي وزملاؤه تسمى بخوارزميَّة التَّعقيد المخصَّص ويُرمَز لها باختصار (ASC).[13] هذه الخوارزميَّة تجمع كلًّا من مقياسي التَّعقيد الخاصَّة بشانون وكلومغروف، وهي تقيس درجة كون الحدث غير محتمل أو أنَّه يتبع نمطًا معيَّنًا. وتعقيد كلومغروف مرتبط بضغط (تركيز) البيانات (كذلك الأنماط)، ولكنَّه يعاني من اختصاصه بكيان غير معروف كما أنَّه لا توجد طريقة عامَّة لحسابه. ومع ذلك فإنَّه يمكن وضع حدود عليا له وبناءً على ذلك نستطيع أن نحدَّه بخوارزميَّة التَّعقيد المخصَّص دون حسابه بدقَّة. تعتمد الخوارزميَّة على سياق معيَّن وتقاس بوحدة البت (bits). وقد طبق الباحثون هذه الطَّريقة على اللُّغة الطَّبيعيَّة، الضَّجيج العشوائيِّ، طيَّات البروتين، الصُّور.. إلخ.[14]

[…]

القوانين والثَّوابت والظُّروف الأوليَّة الأساسيَّة للطَّبيعة هي ما تجعل الطَّبيعة تأخذ مجراها. فهذه الأشياء الطَّبيعيَّة المحضة التي اُكتشِفت مؤخرًا هي ما تظهر لنا الضَّبط القصديَّ الدَّقيق. فمع النَّموذج الاحتماليِّ المختص (ذو انتشار P صغير للحدث A) فإنَّه من غير المحتمل أن تكون البروتينات الوظيفيَّة والآلات الجزيئيَّة والشَّبكات الخلويَّة نتيجة لنموذجٍ عشوائيٍّ، وفي نفس الوقت هي تتماشى مع مواصفات مستقلَّة أو منفصلة (فالحزمة A تُعرَّف من ناحية التَّخصيص). فهذه النَّتائج مهمَّة وقد اُستنبِطت من الظَّواهر المركزيَّة في العلوم الأساسيَّة. ففي كلٍّ من الفيزياء وعلم الأحياء الجزيئيِّ فإنَّ الضَّبط الدَّقيق يُستخلَص كموحِّدٍ للقاعدة والتَّركيب، وهذه ملاحظة مثيرة للاهتمام بحدِّ ذاتها!

وقد ناقشنا في هذه الورقة أنَّ التَّحليل الإحصائيَّ مفيد ومتَّسق لنمذجة بعض أصناف التَّصميم كـ:التَّعقيد غير القابل للاختزال(مايكل بيهي)، والتَّعقيد المحدد(ويليام ديمبسكي). وكما هو مذكور في القسم 1، فإن هذا النهج يتطلب: أ) تقديم توزيعٍ احتماليٍّ لمجموعة النَّتائج المحتملة، و ب) تعريف مجموعة أ للأحداث المضبوطة بدقَّة أو بشكلٍ عامّ تحديد وظيفتها الدَّقيقة. ولهذا فإن ب) يتطلَّب الفهم الصَّحيح لمعنى الضَّبط الدَّقيق، في كلِّ تطبيقاته. بينما يتطلب أ) أنموذجًا طبيعيًا لكيفيَّة ملاحظة أنَّ هذه التَّراكيب نشأت بالصُّدفة. الخصائص الرِّياضيَّة كنموذج تعتمد على نوع البيانات التي تُحلَّل. وفي العادة فإنَّ علينا أن نستخدم عملية عشوائيَّة لوضع نماذج متَّصفة بالدِّيناميكيَّة كالنَّماذج النَّجميَّة، الكيميائيَّة أو التَّطوُّر البيولوجيِّ (الدَّاروينيِّ). وفي أبسط الحالات، فإنَّ المساحة المتاحة لمثل هذه العمليَّة العشوائيَّة ستكون قياسيَّة (نيوكلتيد أو حمض أمينيٍّ واحدٍ)، وناقلة (سلسلة الحمض النوويِّ أو الحمض الأمينيِّ) أو مخطط (مركبات البروتين أو الشبكات الخلوية).

الاستنتاج الرَّئيس في بحثنا هذا أنَّ الضَّبط الدَّقيق واضح المعالم في الأنظمة الحيويَّة. بل في الواقع، الضَّبط الدَّقيق في الأنظمة الحيويَّة أشدُّ وضوحًا منه في الأنظمة غير الحيويَّة. وعلم الأحياء بطبيعته يعدُّ أكثر تعقيدًا من هذ الكون الواسع ولذلك فإنَّ الضَّبط الدَّقيق فيه يعدُّ ميزة رئيسة. وإنَّ كان لا يزال هناك عمل كثير من ناحية تحليل البنى البيانيَّة الأكثر تعقيدًا، عن طريق استعمال طرائق تجريبيَّة متطوُّرة أكثر. وبشكل نموذجيٍّ، فإنَّ هذه المعايير متطابقة مع وظيفة الخصوصيَّة التي لا تعدُّ هي الوسيلة التَّجريديَّة المساعدة لهذا النَّمط، كاللَّياقة البيولوجيَّة. فالمرء بالأحرى يحتاج إلى وظيفة خصوصيَّة يمكن قياسها كميًّا وقياسها تجريبيًّا من حيث الخصائص الفيزيائيَّة مثل: الفعاليَّة، على الرَّغم من كونها ذات أصل غير ماديٍّ. فإنَّه على المدى الطَّويل، هذه المعايير ضروريَّة لجعل التَّفسيرات مقبولة علميًّا وفلسفيًّا. ومع ذلك، لدينا ما يكفي من الأدلَّة التي تثبت أنَّ الضَّبط الدَّقيق والتَّصميم يحتاج اهتمامًا أكبر في المجتمع العلميِّ بصفته أداة مفاهيميَّة لتقصِّي وفهم العالم الطَّبيعيِّ. والهدف الرَّئيس من ذلك هو استكشاف بعض الاحتمالات العلميَّة المذهلة وخلق مساحة لأفكار جديدة حتَّى تكتشف. فعلماء الأحياء يحتاجون مصادر مفاهيميَّة إثرائيَّة أكثر من علماء الفيزياء الذين استطاعواحتَّى الآنالبدء على وضع مدخلات معلوماتيَّة غير فيزيائيَّة لمركبات معقَّدة.[15] وحتَّى الآن فالباحثون أمامهم عمل كثير في سبيل وضع الضَّبط الدَّقيق كفرضيَّة علميَّة مستدامة وقابلة للاختبار بشكل كامل، حتَّى يصلوا في نهاية المطاف إلى علم التَّصميم.

هذا البحث المنشور تطوُّرٌ هامٌّ، فهو يعطي حجج منظري التَّصميم الذي جلسة استماع مهمَّة في مجلَّة علميَّة سائدة. وعلينا ألَّا نغفل عن الغرض من هذا البحث، كما وضَّح الباحثون في الجملة الأخيرة أنَّه” وضع الضَّبط الدَّقيق كفرضيَّة علميَّة مستدامة وقابلة للاختبار بشكل كامل، حتَّى يصلوا في نهاية المطاف إلى علم التَّصميم”. فالباحثون قدَّموا حججًا مفادها أنَّ الضَّبط البيولوجيَّ الدَّقيق لا يمكن أن ينشأ من خلال آليَّات التَّطوُّر الدَّاروينيِّ غير الموجه. فهناك حاجة إلى بعض التَّفسيرات لتوضيح لماذا الأجهزة الحيويَّة “أظهرت كون الضَّبط الدَّقيق فيها بشكل متعمَّد”. على الرَّغم من الضَّجة التي تحيط هذا الجدال، فإنَّه بالنِّسبة لحجج التَّصميم الذَّكيِّ فحصولها على معاملة إيجابيَّة ومدروسة من قبل مجلَّة بارزة، يدلُّ بحدِّ ذاته أنَّ التَّصميم الذَّكيَّ يتمتَّع بميزة فكريَّة. وعلى الرَّغم من ادِّعاءات نقَّاد التَّصميم الذَّكيِّ، إلَّا أنَّ العلماء أصبحوا يأخذون التَّصميم الذَّكيَّ على محمل الجدِّ.


[1] https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S0022519320302071

[2] (Davies,2006)

[3] (Wills, 2016)

[4] (Behe, 1996)

[5]  (Behe, 1996, p. 203)

[6] (Axe, 2004)

[7] (Axe, 2016, p. 160)

[8] (Axe, 2010a)

[9] (Bechly and Meyer, 2017)

[10] (Olofsson, 2008; Sarkar, 2011)

[11] (Dembski, 1998)

[12] (Wilkins and Elsberry, 2001; Olofsson, 2008)

[13] (Ewert et al., 2013; 2014)

[14] (Marks et al., 2017)

[15] (Ratzsch, 2010)

أعجبني المقال

المصدر
evolutionnews

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى