عام

الكتب أطعمة

  • زبيدة فيصل

طالما سمعنا عن قراء يلتهمون الكتب، وقد يبدو لنا من الوهلة الأولى أنها صفة حسنة؛ كونه يدل على تقدير عميق من جهة القارئ للكتاب ويوحي أيضا بأن الكتب شهية ولذيذة.

عملاق الأدب العربي الراحل عباس محمود العقاد تحدث عن أنواع القراء والكتب منذ أكثر من نصف قرن في كتابه “الفصول” -والذي تضمن مجموعة من المقالات الأدبية والاجتماعية والخطرات والشذور- فقال فيه: “إن القارئ الذي لا يقرأ إلا الكتب المنتقاة كالمريض الذي لا يأكل إلا الأطعمة المنتقاة. يدل ذلك على ضعف المعدة أكثر مما يدل على جودة القابلية. واعلم أن من الكتب الغث والسمين، وأن السمين يفسد المعدة الضعيفة، وأنه ما من طعام غث إلا والمعدة القوية مستخرجة منه مادة غذاء، ودم حياة وفتاء. فإن كنت ضعيف المعدة فتحامَ السمين كما تتحامى الغث، وإن كنت من ذوي المعدات القوية، فاعلم أن لك من كل طعام غذاء صالحا”

أجد أنه هذا التشبيه قريب إلى النفس وسهل الفهم، كما ويدل على العلاقة الوطيدة التي تنشأ بين القارئ والكتاب، وقوة تأثير الكتاب الذي نقرأه على أرواحنا كتأثير الطعام والشراب على أجسامنا، فهناك كتاب كوليمة دسمة وآخر كشطيرة خفيفة، ونحن نسمع مرارًا عن شخص “يلتهم” الكتب، وآخر “يتذوق” النصوص، وثالث “لم يهضم” الفكرة!

سابقًا في الثقافة العربية الأصيلة كانوا يقرؤون كتابا واحدا في كل مرة، وغالبا كانت كتبا دينية، فيعتمدون أسلوب إدامة النظر إلى الكتاب الواحد عشرات بل مئات المرات وربما ألف مرة، و”لا يشبعون” من قراءته؛ فيمحَصون فيه ويستخرجون منه الفوائد والحكم والمواعظ الجديدة في كل مرة “يتناولون” فيه قراءة هذا الكتاب، ويسعون إلى فهم و”هضم” أفكاره واستخلاص معان مختلفة لم ينتبه إليها قارئ من قبل، فكانت أسمى صورة للقارئ هو القارئ الذي يعيد قراءة الكتاب الواحد ويجتهد في معرفة أسراره ثم يكتب على ما قرأ ويشرحه ويفصله تفصيلا، وعن ذلك، قال إسماعيل بن يحيى المزني: “قرأت كتاب “الرسالة” للشافعي خمسمائة مرة، ما من مرة منها إلا واستفدت فائدة جديدة لم أستفدها في الأخرى”، وكان مبدأهم أنه كلما زاد حظ الإنسان في معرفة أسرار وبواطن الكتاب الذي يقرأه، زاد تحصيله وارتقى ذهنه، ومن أمثلة من قرأوا بتكرار في الكتاب الواحد ابن عطية، ابن القيسراني، شهاب الدين البكري، وغيرهم كثر -كانوا يقرأون صحيح البخاري عشرات المرات، ويقرؤونها على يد العديد من الشيوخ ليضمنوا فهمًا جيدًا له وتثبيتًا لحفظهم. ولم يكن يشكل لهؤلاء القراء الأوائل أي هاجس فكرة غياب “لذة” مفاجأة القراءة الأولى التي أصبح قراء اليوم يفتشون عنها مع كل كتاب جديد.

ومن طرائف الأقوال من التراث العربي القديم حول تشبيه الكتب بالأطعمة ما ذكر في عهد أبي هاشم الجبائي أنه كان يسامر بعض أقاربه وكان شديد البحث في علوم أبيه، فسألوه عن بعض ما كتب والده وكيف هو حاله معها، فذكر (قد دُست كتبه دوساً، و”أكلتها وشربتها” درساً، فعرفتها ظهراً وبطناً)

وكما في الثقافة العربية أيضا الأمر نفسه كان سائدا في الغرب، فقبل أكثر من ثلاثة قرون كانت كثرة التنوع في قراءة الكتب وتعددها تعد عملا لا يتصف بالرقي أو العمق، بل هو دليل على هشاشة القراءة وتفاهة القارئ الذي “لا يهضم” أفكار الكتاب بل “يبتلعه ابتلاعا” ثم يجري بحثا عن الكتاب التالي وهكذا، فهو يقرأ قراءة سطحية في كل أمر وموضوع دون تمعن أو فحص لمعناه؛ فيكون ذلك سببا في “عسر هضمه” بدلا من تحقق المغزى من القراءة ومدلولها في أن تذوب في فكر القارئ شيئا فشيئا

وتمتزج مع ما سبق من أفكاره وعلومه ثم تتحول إلى “قوت” جديد ومفيد لعقله وروحه.

يقال إن بداية فكرة التهام الكتب جاءت اقتباسا من إحدى المسرحيات وفيها شخصية تأكل صفحة من الكتاب المقدّس، فأصبحت بعد ذلك متداولة بين القراء إشارة إلى حالة الانغماس في القراءة وحب اقتناء الكتب.

وفي إطار نفس المعنى، وإن كانت هذه المرة الكتب هي من التهمت القارئ وليس العكس، كتب البرتغالي أفونسو كروش روايته الشهيرة “الكتب التي التهمت والدي” في معنى يحمل دلالة قيمة الكتب في إنقاذنا من رتابة هذا العالم وتفاصيل الحياة اليومية، فوالد بطل الرواية الذي كان يعمل في مصلحة الضرائب، ويكره الواقع بتفاصيله المكررة، يمضي معظم أوقاته في قراءة الكتب، ويخفيها تحت أوراق عمله المملة، وفي إحدى الأمسيات “ولفرط انغماسه في القراءة وقوة تركيزه، ولج إلى داخل الكتاب، وعندما حلّ رئيس المصلحة بمكتبه، لم يكن موجوداً فيه”.

في السابق كانت فكرة “هضم” الكتاب، تلقى استحسانا على نقيض كلمتي “البلع أو الالتهام” فهما تعكسان صورة سلبية عن الشخص القارئ وعن طبيعة قراءاته الضحلة، حيث قال علي عزت بيغوفتش -رحمه الله- “.. فبعض الناس “يلتهمون” الكتب من دون الوقفات الضرورية للتفكير، هذه الوقفات ضرورية من أجل “هضم” المقروء ومعالجته، من أجل استيعابه وإدراكه..”.

الباحث والناقد المغربي عبد الفتاح كيليطو في كتابه «الأدب والغرابة: دراسات بنيوية في الأدب العربي» قسم القراءة إلى نوعين:  قراءة “عادية” وأخرى “عالمة”، وفصّل في القراءة العادية، والتي عدها قراءة غير محبذة، بقوله : “القراءة التي اعتاد عليها القارئ العادي تشدّ بخناقه وتجعله “يبتلع” الأحداث بدون “مضغ” ويقفز الصفحات، لكي يصل أخيراً إلى النهاية التي يتلهف على معرفتها، هذا التلهف لإنهاء قراءة الكتاب يدفع القارئ العادي ضريبتها غالياً؛ ذلك لأنه يجري وراء الوهم، هذا الوهم يفقده انضباطه وتحكمه في نفسه”.

وهذا قد يحيلنا إلى معظم كتابات المفكر الجزائري مالك بن نبي حول مشكلات الحضارة، والتي يورد فيها سبب اتجاه الناس عموما في هذا العصر إلى التسارع واللهاث في أغلب مجريات حياتهم وكأنهم “يبتلعونها”؛ إلى طبيعة تشكيل الشخصية التي امتلأت بالثقافة السلبية (إنسان مابعد الحضارة)، التي دائمًا ما تدعو للاستسهال وعدم الجدوى، مما أدى إلى ضعف القدرة التحليلية في فهم التعقيدات الحضارية وبنائها بما يسميه بن نبي (الأفكار المميتة).

فاليوم مع ثورة الإعلام بأشكاله المختلفة، تبدل مدلول “ابتلاع” الكتب أو “التهامه” إلى النقيض تماما، فأنت حين تسمع عن شخص “يلتهم” الكتب، يعني أنك أمام شخصية جديرة بالاحترام، ونموذجا يحتذى به، ولقب يُشرف من يحمله، حتى بات مقرونا بالعلم والثقافة بصرف النظر عن تحقق معنى القراءة ومغزاه، وفهم دلالات النصوص ومعانيها.

ولو عدنا إلى ما بدأنا به في موضوع الكتب أطعمة، فكما أن أذواق الناس في الطعام تختلف، فكذلك في الكتب، وكما أن هناك طعاما لا يصلح إلا للكبار ولو تناوله طفل صغير لتضرر به، يحدث ذلك أيضا مع الكتب، فبعضها لا يصلح إلا لكبار القراء ولمن ارتاض على القراءة في متين الكتب وألِف الورق، وآخر “كمن يختار لغذائه المقبلات والمأكولات الخفيفة التي لا تقيم له أوداً ولا تبني جسداً” محمد عدنان سالم – “القراءة أولا”.

أخيرا، لذة بعض الكتب لا توصف، فهي كالحلوى ولن يزيد القارئ في وصفها عن قوله بأنها “لذيذة”.

اقرأ ايضًا: لماذا نقرأ؟ وماذا نقرأ؟ وكيف نقرأ؟

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. المقال حقيقي ويبي له جلسه كوننا قراء واحياناً الواحد يصدق نفسه اثناء القراءه. فعلاً نحتاج مثل هذا التذكير. اعرف الكثير من القراء. وانا بعد الكثير من الاحيان يجيني شعور التهام الكتب. او البحث عن الكتاب الجيد فقط. رغم ان اللي يحسن انسانية الشخص. ليس كميه الكتب. او النوعيه المنتقاه في حياة مليئة بالتناقضات. احياناً لازم الانسان يتعلم الغث والدسم. فعلاً وقفات يبي لها نقاش. شكراً أستاذة زبيده على المقال الجميل.

  2. صراحة مقال اكتر من رائع يؤثر في الانسان النهم للقراءة ، فالان اصبحت وجبة غذائية دسمة كاملة نستاهل منها كل عناصر الفتيامينات اللازمة لتنمية العقل وتقوية الفكر وزيادة المحتوى اللغوي والتفكير السليم ، كنا بالماضي نقرا بشكل عابر ، اما الان نقرا ونحلل ونبحث ونبني افكارنا مع او ضد الكاتب ، القراءة بحر واسع نستهل منه ما يفيدنا وما ينقصنا وما يسلينا، ابدعتي عزيزتي في هذا المقال اذا تناولتي القراءة من كل زوايه وفي كل زمن ، موفقه والى الامام دائما يا قدوتي كل الشكر والتقدير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى