مراجعات كتب

قراءةٌ نقديَّةٌ لكتاب «أصول الفقه على منهج أهل السنة»

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .. أما بعدُ:

فقد صدر في الأيام القريبة الماضية كتاب «أصول الفقه على منهج أهل السنة .. تأصيلًا وتدليلًا وتفريعًا» لفضيلة الشيخ وليد السعيدان وفقه الله. ولما نظرتُ في الكتاب كتبتُ تعليقةً مختصرةً نقدتُ فيها الكتابَ فيها نقدًا إجماليًّا، منهجًا وأسلوبًا. ثم قامتْ على ضِفاف ذلك التعليق ردودُ أفعالٍ متباينة، رأيتُ معها الحاجةَ إلى شيءٍ من تفصيل القول في ذلك، وإن كنت أرى أن مطالعَ الكتاب سيدرك برهان ذلك الإجمال دون تكلُّفٍ واستتباع، ولكنْ لأهل العلم وطلبته حقّ الإبانة، وللعلم ومناهجه واجب الصيانة، فآثرت لذلك أن أضع هذه الورقة.

 

(1)

أوَّل ما أحبُّ الإشارة إليه هو أن الحكمَ على أيِّ كتابٍ إنما يكون على وَفق دعواه ومقصده الأصيل الذي أراده مؤلفه، والكتاب الذي بين أيدينا كتابٌ مُعنْوَنٌ بأصول الفقه «على منهج أهل السنة»، فالحكم عليه إنما يتعلق بهذه الجهة، فإذا أخلَّ بها لم ينهضْ به ما عداه، إلا إذا أحيل الكتاب عن جهته وصُرِفَ عن عنوانه.

وليس الخطب في عنوان الكتاب وترجمته هينًا، فعنوان الكتاب إنما سُمِّيَ بذلك (لأنه أبْرَزَ ما فيه وأظْهَرَه) كما يقول ابن فارس، فهو إذًا ليس من نافلِ القول وهامشِ القصد، ومن هنا كان أحقَّ الناس بوضع عنوان كتابٍ هو مؤلفُه، لكونه أعلمَهم بمضمونه، وليس لأحدٍ أن يفتات عليه في ذلك، لأنه إنما وضعه ليظهر به ما تضمنه كتابه ويبرز به ما حواه.

ولم يقتصر الأمر في الكتاب الذي بين أيدينا على مجرد العنونة، بل قد أكَّد المؤلف قصدَه وثبَّت ما دلَّ عليه عنوانه في تضاعيف كتابه، فقال في موضعٍ: (فإن قلتَ: وما هو الطريق للعلم بالنظر الصحيح؟ فأقول: هذا هو بيت القصيد عندنا في هذه الكتابة، فإنَّ تعلُّمَ أصول الفقه على منهج أهل السنة وضبط القواعد المقررة بالدليل هو من باب تعلم كيفية النظر في الأدلة الشرعية، فلن يستطيع الطالب أن يحكم معرفة النظر الصحيح في الأدلة إلا إذا طرق أبوابه بتعلم أصول الفقه وتعلُّمِ القواعد عند أهل السنة والجماعة والنظر في كلام أهل العلم في ذلك، وهو ما نجتهد أن نوصله إليك بأسهل عبارة وأوضح إشارة) (2: 8).

فهذا النص كالشرح لعنوان الكتاب، وبه تدرك مقصوده من كتابه، وأنه متصل بتقرير الأصول والقواعد وكتابتها على منهج أهل السنة، فليس الأمرُ مجردَ تنحيةٍ لمقالات المتكلمين أو تشذيبٍ لمسائلهم أو غير ذلك.

فإذا كان ذلك كذلك، فالحكم على هذا الكتاب يجري على وِزَان قَصْدِ مؤلفه ومراده من وضعه، فلا يُعترَض على نقد الكتاب بأمورٍ أخرى ليست متصلة بذلك القصد، ولا بما حوته تضاعيفه من بعضِ امتيازاتٍ.

ولو لم يدَّع المؤلف ذلك القصد وسار بكتابه سيرةً أخرى لكان أفسحَ له، ولكنه جعل كتابَه ممثِّلًا لمقالة أهل السنة في الأصول منسوبًا لمنهجهم، وهي نسبةٌ لها وزنُها ومهابتُها، فلا بُدَّ من امتحان صدقها بالنظر في واقع هذا الكتاب.

 

(2)

كان منتَظَرًا من كتابٍ يُعنْوَن بـ «أصول الفقه على منهج أهل السنة» أن يقع في تقدمتِه ضبطٌ لمسلك تحصيل مقالات أهل السنة في أصول الفقه، إلا أنَّ المؤلف قد أغفل ذلك إغفالًا تامًّا، فلم تتضمَّن مقدمتُه أزيدَ من الحديث عن طلبِ بعض الطالبين منه وضعَ كتابٍ ميسَّرٍ في أصول الفقه واستجابةِ المؤلف لهم بتصنيف كتاب على طريقة السؤال والجواب، ثم تلا ذلك ذكرُ خطة للكتاب بذكر أبوابه -وهي من وضعِ مَن قرأ الكتابَ وقدم له-.

فهذا منتهى ما صنعه المؤلف في تقدمةٍ كان يُرادُ منها ضبط قاعدة النظر في الكتاب، فالكتاب بمجلداته الأربعة والتي جاوزت صفحاته (2700 صفحةً) اتسع لبسط مختارات مؤلفه وترجيحاته، وضاقت مقدمته -بصفحتيها التي كتبهما المؤلف، وأختيها التي كتبها المقدم- عن تقرير أصلِ الكتاب ومنطلقِ بنائه.

وقد كانت هناك محاولاتٌ سابقةٌ على المؤلف في ضبط مقالات أهل السنة في الأصول، ولم تخلُ واحدةٌ منها من إشكالات منهجيَّة كبرى، ولا سيما في تعيين مَن يحصل بهم ضبط تلك الأصول، وذلك أنَّ بعضَ مَن قصد إلى تقرير ما يزعمه أصولَ فقه على منهج أهل السنة نراه لمَّا أجرى نظره العقدي في التدوين الأصولي آل إلى الانتقاء بين الأعلام بحسب امتيازهم العقدي لا الفقهي، فلم يحفل بما كان عليه أئمة الفقهاء من الأئمة الأربعة وغيرهم، فلم يستقرئ نصوصهم ولا استنطق فروعَهم، بل ضيَّق من دائرة نظره الأصولي على من رأى له امتيازًا في باب الاعتقاد، ولم يُعْنَ بمن كان أكثر تحقيقًا وتحريرًا لمقالات الأئمةالمتقدمين في الأصول والفروع.

ولئن أخطأتْ تلك المحاولاتُ في تعيين من يحصل بهم تقرير ذلك، سواء في التسمية أو الحصر، إلا أن هذا الكتاب زاد عليها بأن واضعَه لم يحفل بتقريرات أحدٍ سوى ما انتهى إليه نظرُه هو!

فكتابُه ليس فيه مزيدُ تقريرٍ لمقالات الأئمة المتقدمين من فقهاء أهل السنة، لا الأئمة الأربعة ولا غيرهم من متقدمي الفقهاء، لم يُعْنَ المؤلف بتحصيل مقالاتهم ولا باستنطاق نصوصهم، لا من جهة ضبطِ قاعدة النظر، ولا تحريرِ مقالات أهل السنة في عموم المسائل الأصولية، ولا تخريجِ أصول أئمة الفقهاء من وحي فروعهم أو ما استنبطه أصحابهم، وإنما يجري ذكرُهم كغيرهم في مسائلَ دون أخرى حال ذكر بعض الخلافات، دون أي امتيازٍ لهم، وسيأتيك بعضُ خبرِ ذلك.

فأضحى كتابُه بما أودعه إياه وعنونه به تدشينًا لطريقةٍ جديدةٍ في التصنيف الأصولي المنتسب لأهل السنة، فبعد أن كانتْ محاولاتُ مَن قبله تجنح لتقرير ذلك من خلال مقالاتِ جمعٍ من العلماء = جاوزهم هذا الكتابُ حين قدم فيه مؤلفُه «أصولَ فقهِ نفسِه» بمختاراته الفروعية ممهورةً بمنهج أهل السنة. فكانت اختياراتُه وأنظارُه في الأدلة هي معيارَ كتابٍ منسوبةٍ أصولُه لمنهج أهل السنة، وهذه أجلى فواقر الكتاب وأعتاها، أنْ كان «منهج أهل السنة» الذي أُقِيمَ عليه الكتابُ إنما يُرادُ به ما انتهى إليه نظر المؤلف في تحصيل الأحكام من أدلتها. ولك أن تعتبر بمآل مثل هذا الصنيع وعاقبة هذا الاتجاه حين يصنِّفُ كلٌّ أصولَ فقهٍ بحسب نظره واجتهاده ثم ينسب ذلك لمنهج أهل السنة!

ولستُ بحاجة لذكر نمذجة لذلك من واقع الكتاب، فالكتاب كلُّه طافحٌ بما ذكرتُه من اختياراته دون أن يكون لمنهج أهل السنة كبيرُ شأنٍ في عموم المسائل، ومذاهب العلماء إنْ هي أتت فعلى وزان قوله هو وترجيحه، ولا سيما شيخ الإسلام ابن تيمية، ثم ابن القيم مع قليلٍ غيرهم، وربما خالف المؤلف فيما يرجحه جمهورَ العلماء، وكذا ما اتفق عليه الأئمة الأربعة، ولا حجر على أحدٍ في ذلك إن رأى من نفسه أهليةً وآنس من نفسه اجتهادًا، لكن في كتابٍ ينسبه لنفسه لا لمنهج أهل السنة.

ثم إن هذا الكتاب لم يَعْدُ أن يكون تلخيصًا لمشهور المسائل الأصولية على طريقة السؤال والجواب، مع تدعيمها بكثير من التفريعات الفقهية على رأي المصنف، دون احتفالٍ بتحريرات الأصوليين ودِقَاق أنظارهم، ودائرةُ الكتاب في الإفادة من كتب الأصول ليست بالواسعة أصلًا، وهو إن تضمنَ نقولاتٍ فمِن يسيرٍ من كتب الأصول يدرك أهلُ التخصّص منها ومن طبيعة النقل عنها منزلة الكتاب ومستوى التحرير فيه، وانظر أي مسألة أصولية في الكتاب ثم التفت يمنةً أو يسرةً لذات المسألة في كتب الأصول لتدرك ذلك، فهذا الكتاب إنما يمسُّ ظاهرَ قواعد الأصول مسًّا رفيقًا مع التفريع عليها دون تعميقٍ للنظر في مشكلاتها وغمراتها.

وكما قدمتُ، فلو أنه نشر كتابه دون نسبته لأهل السنة لكان نافعًا لمن يريد تقليدَه والتديُّنَ بمقالته ونهجَ طريقته وأخذ مسائل أصول الفقه بطريقة ميسرة على طريقة السؤال والجواب وفق مختاراته، بصرف النظر عن سلامة ذلك من عدمه، أما نسبة هذا الكتاب لمنهج أهل السنة والحالُ ما علمتَ فلا معنى لها إلا كما نقد به ابنُ القيم بعض متأخري الفقهاء في تصرفهم في نصوص الأئمة وبنائهم لها على ما لم يخطر لأصحابها ببال ولا جرى لهم في مقال، ثم قال: (ويتناقله بعضهم عن بعض، ثمَّ يلزمهم من طرده لوازم لا يقول بها الأئمة، فمنهم من يطردها ويلتزم القول بها، ويضيف ذلك إلى الأئمة، وهم لا يقولون به، فيروج بين النَّاس بجاه الأئمة!).

وهذا إذا كان في مقالات تروج بين الناس بجاه إمامٍ من الأئمة، فما ظنك بكتابٍ أريد له أن يروج بين الناس بجاه أهل السنة!

 

(3)

علمتَ بما مضى أن الكتاب لم يُبْنَ على وفق تقريرات أئمة أهل السنة الفقهاء في المسائل الأصولية، ولذلك فلن تجد ذكرًا لنصوص الأئمة الأربعة ونظرائهم فيه، سوى النزر اليسير جدًّا وغالبه في غير سياق التأصيل.

فأمَّا الإمام أبو حنيفة:

فلم يُفِدْ المؤلف من نصوصه في تقرير مسائل الأصول، بل قد تضمَّن نقدًا لمقالات أصحابه، ولا حجرَ على المؤلف في ذلك، لكن لا بالسبيل التي سلكها، من نحو قوله عن قاعدة الحنفية في معارضة خبر الواحد بعموم البلوى: (كم عند الحنفية من قاعدة تحتاج منهم -غفر الله لهم- إلى إعادة نظر) (2: 75). وتقريره أنها: (شُبَه وخرافات لا طائل من ورائها) (2: 221). وأنها (بئس المستند الذي هو أوهى من خيط العنكبوت) (2: 235). وأنهم لذلك (لا يجوز لهم إبقاؤها والتفريع عليها) (3: 716).

ومن ذلك قوله عن قاعدتهم في الزيادة على النص: (هذه القاعدة باطلة، ولا يمكن قبولها أبدًا، ورحم الله الأئمة الحنفية لما قرروها وغفر لهم وعفا عنهم) (4: 260).

ومن ذلك قوله عن قاعدتهم في معارضة خبر الواحد بالقواعد: (تالله إنها لإحدى الهفوات الكبيرة التي لا حلَّ لها إلا بمراجعة هذه القواعد التي قُرِّرَت على غير هَدْي الدليل) (4: 366). وقوله في سياق نقدها: (نحن في هذا الكتاب من مقاصدنا أن نبيّن زيف كثير من تلك القواعد التي يُدَّعى أنها قواعد وليس هي حقيقتها قواعد، بل هي محض آراء لا طائل من ورائها إلا معارضة الأدلة) (4: 367).

وكذا قوله عن تقريرهم لتقديم رأي الصحابي الراوي على روايته بأنه (تقرير باطل، لا يجوز متابعة أحد عليه) وأن (الواجب إلغاء هذه القاعدة، لأنها تهدم نصوصا كثيرة) (3: 715). مع أن هذه المسألة من عُضَل مسائل الأصول، ولها تفاصيلُ في كتب المحققين تتحرَّرُ بها أحوالُها وتبين بها مذاهب الأئمة فيها، إلا أن المؤلف تناولها على طريقته دون تكلُّفٍ لتحريرها، بل يعرضها كقاعدة مقابلة لتعظيم الدليل، وأن المرء سيسأل عن يوم القيامة ماذا أجبتم المرسلين وأن محط السؤال يوم القيامة عن الرواية لا الراوي! (انظر: 4/ 400-401). ثم لم يفطن المؤلف إلى أن إعلال الرواية بقول الراوي وتضعيفها به ليس من اختصاصات الحنفية، بل قال ابن رجب: (قد ضعف الإمام أحمد وأكثر الحفاظ أحاديث كثيرة بمثل هذا)[1]. وفي الجملة، فهذه مسألة من مشهور المسائل، وليس غرضي تحريرها وبيان أحوالها، ولكني أدلُّ بها على أن المؤلف يتناول كثيرًا من المسائل المشهورة المبذولة ببادئٍ من الرأي، سواء في تصويرها أو تحرير المقالات فيها.

وأمَّا الإمام مالك:

فقد كان كأبي حنيفة في إعراض المؤلف عن مقالاته الأصولية وتحريرها، بل قد مسَّه بنقدٍ لا يليق بمقامه رحمه الله، وإن ختمه بالدعاء له!

فمن ذلك قوله عن أصله في تقديم عمل أهل المدينة: (والله إنها لقاعدة باطلة، فإنه لا يجوز لأحد متابعة أحد فيما يتضمن مخالفة دليل واحد، فكيف متابعته في قاعدة تهدم عشرات الأدلة بلا حجة ظاهرة ولا علة قادحة؟) ثم يختم ذلك بـ (اللهم عفوك يا كريم) (3: 716). وقوله: (عمل أهل المدينة بخلاف الحديث ليس يعيب الحديثَ في شيء، بل إنه يعيب عملَ أهل المدينة … فإنْ عَمِلَ أهلُ المدينة بخلاف الحديث فعملهم لهم، واجتهادهم لا شأنَ لنا به، والله يغفر لهم ويتجاوز عنهم … فعمل أهل المدينة بخلاف الحديث لا يؤثر في حجية الحديث، وعلى أهل المدينة أن يرجعوا عن قولهم المخالف للحديث إلى حياض السنة) (4: 311).

وقال بعد ذكره بعض الأحاديث الواردة في مسألة الصلاة على القبر بعد الدفن يقول: (العجب ممن يدعي أن العمل على غير هذه الأحاديث، وأنها من جملة ما خص به النبي ﷺ). ثم ينقل عن ابن القاسم أن الإمام مالكًا قال: (قد جاء هذا الحديث ليس عليه العمل)، وينقل عن أبي الفرج أنها من خصائص النبي ﷺ، ثم يقول بعد ذلك: (وكل ذلك مما لا طائل من ورائه، بل القول الصحيح أن صلاته على القبر مما عليه العمل … ومن أفتى بأن العمل ليس عليها فنقول له: بل العمل ليس على قولك غفر الله لك ورفع درجتك في الفردوس الأعلى. ومن قال بأنها للخصوصية فنقول له: بل قولك هذا خاص بك غير مقبول ولا معمول به) (2: 259-260).

ويقول عن قول الإمام مالك في مسألة ترك التعوذ في الصلاة: (وأما مالك رحمه الله فأخذ بعمل أهل المدينة في ترك التعوذ في الصلاة، ولا حجة له فيه، لأن السنة قد صحت بذلك) (4: 343). ويقول في مسألة ترك وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة: (قد وردت بذلك السنة الصحيحة الصريحة فدعك من أي عمل يخالفها واشدد على السنة بيديك) (4: 344). ويقول عن قول مالك في ترك الصلاة على الجنائز في المساجد: (لا حجة له في ذلك إلا بعض المرويات الواهية، وأنه ليس عمل أهل المدينة، وهذا كله لا طائل من ورائه) (4: 347).

وأما أصحاب مالك فيقول عن تقريرهم لترك سجود التلاوة في سورة النجم: (لا كرامةَ لعملٍ خالف النص الصحيح الصريح) (4: 353). ويقول عن تقريرهم لعدم وجوب التتريب في الغسل من نجاسة الكلب: (أصغر طلاب العلم يعلم أن التتريب قد صح، ولكنه التعصب الأعمى. وقوله [يعني أحد المالكية]: «مع كون عمل أهل المدينة بخلافه» خرافة أخرى ينبغي إخراجها من كتب الفقه التي ما ألفت إلا لهداية الناس) (4: 355). ويقول عن قولهم في مسألة قراءة آية سجدة في صبح الجمعة وأنه ليس بمندوب لأن عمل أهل المدينة على خلافه: (هذه طامة كبيرة، أن يترك العمل بالحديث الصحيح الصريح من أجل ترك بعض أهل العلم للعمل به، ويزاد على ذلك أن يُدَّعى فيه النسخ، لأنه هذا البعض ترك العمل به، وهذا والله بعيد عن التحقيق العلمي، لا من جهة معرفة الميزان الصحيح فيما يعمل أو ما لا يعمل به، ولا من جهة معرفة ما يثبت به النسخ، نعوذ بالله من رد ما صحَّ من السنة بمثل هذه الترّهات التي ما أنزل الله بها من سلطان) (4: 359).

وأمَّا الإمام الشافعي:

فمع اتساع الإمام في تقرير المسائل الأصولية، ووفرة نصوصه، وتنوع كتبه ولا سيما «الرسالة»، إلا أن شيئًا من ذلك لم يستثمره المؤلف في كتابه، ولم يحرِّرْ للشافعي مقالةً واحدةً، لا بينَةً ولا مشكلةً، فلن تجد تحريرًا لأصل الشافعي في الكتاب ولا قبول الأخبار ولا الإجماع ولا قول الصحابي ولا الاستحسان ولا سد الذرائع ولا غيرها، ولن تجد شيئًا من تقريراته لقواعد الدلائل.

وأمَّا الإمام أحمد:

فكان أحسنَ من سابقيه، ولكن في مسألةٍ واحدة فقط، وهي تحريرٌ لقولٍ مشكلٍ له في الإجماع، وفقط! وأمَّا مقالاته ونصوصه في تقرير قضايا الأصول والتي تضمَّنتها كتب المسائل وكتب أصوليي الحنابلة، سواءٌ في الأدلة أو الدلالات، فليس لها ولا لرواياته الفروعية مقامٌ في هذا الكتاب، ومع كونها قريبةً دانيةً قد صُنِّفَت في جمعها وتحليلها كتب ودراسات، وكذا الأئمة الثلاثة من قبله، إلَّا أن المصنف لم يرفع بذلك رأسًا.

فما ظنُّك بكتابٍ أصوليٍّ يزعم فيه مؤلفه تصنيفَه على منهج أهل السنة لا تكاد تجد فيه تحريرًا وتخريجًا لمقالات هؤلاء الأئمة؟ ومع ذلك ترى مسلكه في تقرير ما عضَّل بأهل العلم فهمُه وتقريرُه من أصول أولئك الأئمة على النحو الذي تلوتُه عليك قريبًا.

 

(4)

نحن بحاجةٍ إلى العودة بأصول الفقه إلى حاضنة الفقه وفق ما دلت عليه تصرفات الأئمة باستقراء مناصيصهم واستنطاق فروعهم، لا أن ندَّعيَ التصنيف في أصول الفقه على منهج سنِّيٍّ بما نستحدثه نحنُ من مقرَّراتٍ ومسالك.

نحن بحاجةٍ إلى «أصولِ فقهٍ» تُصنَعُ على عين مناهج الفقهاء المتقدمين، أصولٍ يُلاحَظ في تحصيلها تصرُّفُ الفقهاء ونظرُهم .. فمَن أراد تجديد هذا العلم فليُعِدْه إلى حاضنة أئمة الفقهاء، ولْيحكُمْه بنصوصهم وتصرفاتهم، وليجعل من مادته محرَّرَةً بنصوصهم وما دلَّت عليه فروعهم، وليكن نظره في الكتب الأصولية محكومًا بهذا القصد، ثمَّ لْيترك كلَّ شيءٍ إلى موضعه.

لا بُدَّ من رسم معيارٍ تُقوَّمُ به مسيرةُ هذا العلم والمصنفاتُ فيه تقويمًا صحيحًا يكشف عن جوانب الإيجاب والسلب فيها بما يحفظُ منجَزَها ويدفعُ زائفَها، وذلك المعيارُ هو ما كان عليه هذا العلمُ في نشأته على يد الطبقة المؤسِّسة من متقدمي الفقهاء الذين نالوا شرف القرب من العهد الأول مما جَعَلَ من علومهم موصولةً بالأحاديث النبوية والآثار الصحابيَّة .. هذا هو المعيار الذي تقوَّم به التقريرات الأصولية.

هذا المعيار يتمثَّل في مقالات متقدمي الفقهاء، لا في مقالات المعاصرين، يتمثَّلُ في تحليل وتحرير مقالات الشافعي في كتبه الأصلية كـ «الرسالة» و«جماع العلم» و«إبطال الاستحسان» وغيرها، مع تفعيله لها تفصيلًا في كتابته الفرعية الواسعة والتي ضمَّها كتابُه «الأم». وكذا مقالات مالكٍ المبثوثة في «الموطأ» و «المدونة» و«رسالته إلى الليث»، ومقالات أبي يوسف في «الرد على سير الأوزاعي»، ومقالات محمد بن الحسن الشيباني في «الحجة على أهل المدينة» و«الأصل» وتعاليقه التي تضمَّنتها روايته لـ «الموطأ»، ومقالات الإمام أحمد الواقعة في «مسائله»، ومقالات أبي عبيد في مختلف كتبه كـ «الأموال» و «الناسخ والمنسوخ»، ومقالات غيرهم من الأئمة التي تضمنتها كتبهم ورسائلهم، والتي يجمعها أنها مقالاتٌ موصولةٌ بالفقه، منتجةٌ له، ضابطةٌ لدلائله ومسائله، مبنيةٌ على هدًى من الرأي وسدادٍ من القول.

وأمَّا هذا الكتاب:

1- فهو مختلٌّ في جوهره ومقصده، فليس هو أصولَ الفقه على منهج أهل السنة، ولا هو على طريقةِ إمامٍ من أئمة الفقهاء، ولا هو بالمتضمِّن تحرير مقالاتهم وسواء وافقهم أو خالفهم، بل هو أصولُ فقهِ المؤلف حسبما أدَّاه إليه نظره واجتهادُه.

2- وهذا الكتاب لم يتضمَّن مزيدَ تحريرٍ لقضايا الأصول وكبرى معاقده، فضلًا عن دقائقها، بل كان تلخيصًا لمقرَّراتِ الأصوليين في مشهور المسائل، مع تدعيمها بتفريعاتٍ فرعيَّةٍ بحسب ما رجحه المؤلف، فهو من هذه الحيثية يفيد من كان على طريقة المؤلف مقلدًا له، ولا شأنَ لذلك بمنهج أهل السنة ولا بمذاهب الفقهاء.

3- وهذا الكتاب بذلك لا يصلح تأسيسًا لطالب العلم، ولا سيما المبتدئ الذي سيسبق إلى وهمه أن ما سيطالعه هو أصول فقه على منهج أهل السنة، والحال ما علمتَ، فلا هو بالذي سيحصل منه معتمدات الأصوليين، ولا هو بالذي ييسِّرُ عليه تحصيل مقالاتهم وخلافاتهم منسوبةً إليهم وإن شُفِعَت بترجيح، ولا هو بالذي يردُّه لمقالات المتقدمين. وأمَّا المنتهي من المحصِّلين فلا يخفى عليه مقام هذا الكتاب وموقعه من التدوين الأصولي.

ثمَّ:

فالشيخُ وليدٌ حبيبٌ إلى قلبي، إلا أن منهجَ أهل السنة وصيانتَه أحبُّ إلى قلبي منه .. والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


[1] شرح علل الترمذي (2: 888).

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى