مراجعات كتب

مراجعة كتاب: ضريبة الانترنت: كيف يجتاح عصر البيانات الحياة البشرية

  • لورا كارتر
  • ترجمة: محمد عبد الرحمن
  • تحرير: محمد بن داود الفضيلي

  • اسم الكتاب: ضريبة الانترنت: كيف يجتاح عصر البيانات الحياة البشرية
  • المؤلف: نيك كلودري – أوليسيس ميجياس
  • الناشر: Stanford University Press
  • سنة النشر: أغسطس/2019.
  • عدد الصفحات: 352.

يناقش الكتاب وجهة النظر التي ترى أن العالم الكمي [العالم الذي تُستخدم فيها التكنولوجيا في جمع البيانات الشخصية بشكل يومي] ليس عالمًا حديث الوجود بل هو امتداد وتوسع للرأسمالية والاستعمارية/الكولونيالية على حد سواء، ويوضح الكتاب آلية تطبيق الأيديولوجية القائمة على فكرة استخدام الاستعمار القائم على البيانات من أجل التصدي لمراكز المقاومة.

كثيرا ما يروج لعصر البيانات الضخمة باعتباره أحدث إنجازات الحياة البشرية لأنه أحدث نوعًا جديدًا من التحديات والفرص، لكن الكتاب يطرح وجهة نظر أخرى، حيث لا يعتبر العالم الكمي -الذي نعيش فيه الآن- عالما حديث الوجود، بل هو مجرد امتداد وتوسع للرأسمالية والاستعمارية.

وبالمقارنة مع مفهوم الاستعمار التقليدي يرى الكاتبان –نيك كلودري وأوليسيس ميجياس- أن ارتباطنا الحالي بالبيانات هو أحد صور “الاستعمارية القائم على البيانات”، حيث يقولان:  “يتم احتلال الحياة البشرية عن طريق الجمع المستمر للبيانات بغرض التربح” .

وكما اغتصب الاستعمار التقليدي الأراضي والنفوس والموارد للاستغلال المادي، فإن استعمار البيانات هو أيضا يجتاح الحياة البشرية من خلال القياس الكمي للبيانات وجمعها. ومثلما قام الاستعمار التقليدي بتسويغ بطشه عن طريق ادعاء أيديولوجيات مثل “تَمْدين” العالم و”تفوق” المحتل على البلدان المُحتلًة، والحاجه لاستغلال “الموارد” الطبيعية؛ كذلك فإن استعمار البيانات يبرر استحواذه على البيانات وجمعها عن طريق مبررات “الاتصال” و “التخصيص [أي تخصيص التكنولوجيا حسب تفضيلات واحتياجات المستخدم] وإتاحة الاستخدام للجميع”.

ويبرز الكتاب دور “قسم القياس الكمي الاجتماعي” [هو قسم يضم شركات الأجهزة الرقمية كآبل وميكروسوفت وسامسونج، كما يضم شركات التواصل الاجتماعي كفيس بوك وتويتر وغيرهم، كما يضم أيضا الشركات المصنعة للأجهزة الالكترونية الذكية المتصلة بالانترنت]، حيث يعمل كمحرك رئيسي لاستعمار البيانات. وبالرغم من أن تاريخ جمع البيانات والإحصاء – كما يرى الكتاب- يرجع للقرن التاسع عشر، إلا أن الشركات “الخمس الكبرى” التكنولوجية – أمازون، وآبل، وفيسبوك، وجوجل، وميكروسوفت- قد نقلوا القياس الكمي الاجتماعي إلى مستوى جديد على مختلف الأصعدة. حيث يواصلون جمع بياناتنا بشكل غير شفاف، وذلك لا لفهم واقعنا بل لاستهدافنا كمستهلكين، وأيضًأ للتنبؤ بسلوكنا.

وبالرغم من أن مقر تلك الشركات يقع داخل أمريكا، إلا أن تعاونهم يزداد مع معظم الحكومات –وكذلك الأمر مع معظم منافسيهم الأصغر حجما في الولايات المتحدة والصين– لفرض سيطرة اجتماعية غير مسبوقة.

في المقابل يرى بعض الكُتاب الآخرين – مثل شوشانا زوبوف في كتابها “عصر هيمنة الرأسمالية” – أن جمع البيانات لأجل التربح هو نموذج جديد للرأسمالية. بينما يؤمن الكاتبان بأن تنظيم الحياة لأقصى استفادة مادية، واحتكار القلة للسلطة والثروة، هما من الآثار المترتبة عن الاستعمار القائم على البيانات في القرنين المنصرمين. وأن كل ذلك هو مجرد امتداد للرأسمالية. وأيضا استنتجا أن مثلما حولت الرأسمالية العمل من سلوك بشري طبيعي إلى سلعة، فقد حول الاستعمار القائم على البيانات الحياة الإنسانية إلى سلعة. ومثلما دأبت الرأسمالية من البداية لفرض سيطرتها على العالم لأجل أقصى استفادة مادية، فإن استعمار البيانات أيضا تكرس جهودها لفرض سيطرتها على العالم سعيا لجمع البيانات.

كما يؤكدان في دراستهما أن الاستعمار القائم على البيانات ليس مجرد استعارة أو نهج استعماري جديد أو حتى أيديولجية ما بعد الاستعمار، بل يربطان بشكل وثيق بين منهجية الاستعمار التقليدي وبين منهجية استعمار البيانات في العصر الحديث. وبواسطة تتبعهم لأحداث بعض البلدان التاريخية فقد توصلوا إلى أن الاستعمار القائم على البيانات تأثر بموروثات الاستعمار التقليدي الجائرة من احتكار أصحاب السلطة للمكاسب، وقصر الخسائر على الطبقة المهمشة.

من المآخذ التي تُؤخذ على الكتاب، أنه كان عليه أن يوضح أكثر الاختلاف الجوهري بين استعمار البيانات والاستعمار التقليدي، حيث لا يعتمد الأول بالأساس على العنف. وعلى الرغم من قبح تفشي اللامساوة، ومراقبة العمال أصحاب الأجور الزهيدة، ناهيك عن إضرارهم، إلا أنه لا يمكن مقارنتهما على سبيل المثال ببطش العبودية.

وللكتاب نظرة مستقبلية متشائمة حيث يتوقع للعالم مستقبل رأسمالي مأساوي حيث يسيطر عليه الاستعمار القائم على البيانات، وذلك عبر آلية تحفيز الشركات على الجمع الدؤوب للبيانات وإرغامها على مراقبة مستخدميها حتى تتآكل حدود خصوصيتهم وتتلاشى ولا يبقى منها شئ، وذلك كله مقابل المشاركة في الحياة اليومية.  ولعل سبب هذه النظرة المأساوية يرجع إلى مبالغة رؤية المؤلفين لمدى ضخامة تأثير قسم القياس الكمي الاجتماعي.[1]

ويحرص المؤلفان على لفت انتباهنا على أن برمجيات الأجهزة الحديثة أصبحت تعرف ذواتنا أكثر من أنفسنا، وذلك بسبب انقيادنا الأعمى وراء الأجهزية الإلكترونية ذات التتبع الذاتي ولغيرها من البرمجيات ذات “القياس الكمي للذات”. كما لاحظا مرارا أننا نتتخذ قرراتنا – مثل نوع الإعلانات المعروضة، وحتى الرعاية والاستحقاقات الاجتماعية- ليس بناءا على احتياجاتنا الفردية بل بناءً على مجموعة من البيانات. لكن هذا لا يعني أنه تم تقييد حرية الاستقلالية البشرية بالكامل، لكن من المرجح أن ذلك سيؤدي إلى تضاؤل المساحة التي تتحرك فيها الاستقلالية البشرية. وهذه بالطبع ستظل مشكلة قائمة لكن ليست بالشكل المأساوي كما صور الكتاب.

ويبين الكتاب كيفية مقاومة استعمار البيانات عبر توضيح الأيديولوجية التي تقوم عليها هذه العملية الاستعمارية. وذلك عبر توضيح أوجه الشبه بين الاستعمار التقليدي واستعمار البيانات، وإظهار كيفية تطبيق الأخير للمناهج الاستعمارية. كما أشاروا إلى أن القرارات الفردية للابتعاد عن سيطرة قطاع القياس الكمي الاجتماعي غير كافية ولا ترتقي كخطة للمقاومة.

كما أن فكرة الكتاب الأساسية تقوم على الاعتراف بأن نظام البيانات المتكامل أو نظام البيانات الإيكولوجي -وكما هو الحال مع التطورات التكنولوجية والإقتصادية والعلمية- القائم حاليا في شكله الاستعماري يعتمد على الأيدولوجيات، وأحد هذه الأيدولجيات تعتبر أن البيانات ما هي إلا موارد طبيعية مباحة للجميع، لكن تتطلب لاستغلالها والاستفادة منها عدد من المزايا والوسائل مُحتَكرة فقط من قِبل الشركات التكنولوجية، وأن هذا الاستغلال يتم تنفيذه عبر تقديم بعض الخدمات مثل “بناء المجتمعات الرقمية” وتيسير عملية “مشاركة اهتماماتنا” مع الآخريين، و”تخصيص” الخدمات الرقمية حسب التفضيلات الشخصية ، وأيضا مثل “حرية” المساهمة داخل هذا الفضاء الاجتماعي الجديد.

لذا يرى المؤلفان أنه لمقاومة استعمار البيانات، يجب علينا دحض الأيديولوجيات التي تقوم علي أساسها. وذلك من خلال برامج محو الأمية التكنولوجية؛ بهدف إدراك آلية عمل هذه الأنظمة الرقمية.،وأيضا التنسيق اللازم لكبح التجاوزات الفجة على القطاع الاجتماعي. وأيضا علينا الحث على محاربة الاعتقاد الثابت الذي يجعل من الجمع الدائم للبيانات أمر بدهي.

وعوضًا عن ذلك، يرى الكاتبان أنه يجب علينا خلق واقع ومستقبل بديل يمكننا الازدهار فيهما، وعدم الاكتفاء بمجرد العيش، وذلك عبر وجهة نظر عالمية تسمح بالتعددية الحقيقة، وعبر نماذج جديده للعلاقات الاجتماعات والمساحات الشخصية -خارج أنظمة البيانات الكمية- وذلك لضمان تواصل وتكافل حقيقيين.


[1] – مقارنة بالواقع فهذه ليست مبالغة، انظر: https://atharah.com/the-big-tech-extortion-racket/

أعجبني المقال

المصدر
lse

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى