مراجعات كتب

عرض كتاب: “الأناركية: الصعود المتواصل لشركة الهند الشرقية”

  • توماس جيدني
  • ترجمة: رباب الجابري
  • تحرير: عبير الغامدي

  • اسم الكتاب: الأناركية: الصعود المتواصل لشركة الهند الشرقية
  • المؤلف: ويليام دالريمبل
  • الناشر: Bloomsbury Publishing
  • سنة النشر: سبتمر/2019
  • عدد الصفحات: 320

يُقدّم ويليام دالريمبل في كتابه “الأناركية: الصعود المتواصل لشركة الهند الشرقية” وصفًا جديدًا مبنيًا على الشخصيات, عن صعود شركة الهند الشرقية إلى السلطة بعد انهيار الإمبراطورية المغولية والفوضى التي تبعتها نتيجةً لذلك.

وبتتبّع عمليات الاستغلال القاسية للشركة والفتوحات الإقليمية، فإن الكتاب ليس مجرد إضافة ثرية لدراسات دالريمبل عن ظهور الحكم البريطاني في الهند فحسب، ولكنه يدعو أيضًا إلى التأمل في مخاطر تجاوز الشركات في وقتنا الحاضر كما يقول توماس جيدني.

يُعد الانهيار السريع للإمبراطورية المغولية القوية في أوائل القرن الثامن عشر أقرب ما يكون إلى لغز تاريخي. ولكن لربما كان من المستبعد جدًا ألا تحل محلها بعد قرن من الزمان دولةٌ منافسة، بل شركة تجارية أوروبية. رسم ويليام دالريمبل في كتابه الذي يعد أحدث أعماله سيرورة, تفكك الهند إلى حالة من الانقسام والحروب الأهلية, مما منح البريطانيين نافذة دخول واسعة ليحكموا قبضتهم على شبه القارة الهندية.

بُنيَت الكثير من الأبحاث المقدمة في “الأناركية” على دراسات سابقة لشركة الهند الشرقية والهند عمومًا في القرن الثامن عشر. وعلى الرغم من أنها مصحوبة بمجموعة متنوعة ومهمة من المخطوطات والسجلات المغولية من الأرشيفات الهندية والبريطانية، إلا أن الكتاب لا يسعى بالضرورة إلى إعادة سرد تاريخ الشركة فقط، أو إقحام نقاش جديد أو حجة؛ بل يتعلق الأمر بالطريقة التي يروي بها دارليمبل القصة. فهو يعرض رحلة عبر جنوب آسيا المحاصرة -والتي مزقتها الحرب في القرن الثامن عشر- مع تركيزه على الشخصيات بدلاً من الحركات الاجتماعية الكامنة. وبتركيزه على النبلاء المغوليين والتجار الإنجليز والممولين الهنود بكل سماتهم المثيرة للاهتمام، يبعث دارليمبل الحياة في شخصيات من التاريخ تعتبر بالنسبة للكثيرين منا مجرد أسماء في الكتب المدرسية التاريخية.

وعلى الرغم من أن البعض قد يختلف مع رواية الأحداث التي تحركها الشخصيات إلا أن الاهتمام الذي يُولّى للأفراد يعطي عددًا ضخمًا من الفروقات الدقيقة والصغيرة التي يمكن أن تساعد في فهم أهمية الروابط الاجتماعية والفردية في تشكيل التاريخ. وعلى أية حال فإن معركة بلاسي المشؤومة عام 1757 والتي مهدت الطريق للسيادة البريطانية في الهند, لم تُربَح في المقام الأول بسبب العوامل التاريخية الكبرى, كتفوق التكنولوجيا العسكرية الأوروبية، بل لأن حاكم البنغال تعرض للخيانة من قِبَل الجنرال الطامح الذي يعمل لديه, وهو الجنرال مير جعفر. كما يُميط الكتاب اللثام عن المُحرّضين على المؤامرة أمثال جاجات سيث ومرواري جين, والمُصرّفيين وصانعي الملوك في السياسة البنغالية، وهو بذلك يُوضّح لنا أهمية الجهات الفاعلة الخاصة في ارتقاء الشركة. في الحقيقة لم تكن الشركة نفسها رمزًا لتمثيل مؤسسة تقودها الدولة, ولكنها كانت مسؤولة عن المساهمين فيها. كما لم تكن شركة الهند الشرقية عديمة التأثير على الدولة البريطانية، حيث استغل أعضاؤها ثروتهم الهائلة لشراء مناصب في وستمنستر. يُفسّر هذا التركيز على الاطراف التاريخية الفاعلة بكفاءة الفرق بين الدولة و وكلاء القطاع الخاص.

إن الهدف من “الأناركية” الحقيقية -والذي يتمثل في انهيار امبراطورية المغول- تمت تغطيته بشكل كبير في الفصل الأول بدلًا من إجراء دراسة منفصلة، مما ساعد على تأطير مسيرة سرعة ارتقاء شركة الهند الشرقية. ومع أن دارليمبل يُعزّي سقوط دلهي إلى القوات الفارسية بقيادة نادر شاه عام 1739, مع استياء ادوارد جيبون من طريقة سرده لسقوط روما، إلا أن تركيزه على ارتقاء شركة الهند الشرقية يتغاضى إلى حدٍ ما عن تاريخ الامبراطوريات اللاحقة الأخرى. ومع أنه تم ذكر امبراطورية ماراثا في الدكن بشكل دوري -والتي يمكن القول جدليًا أنها حرّضت على سقوط المغول- و كما هو الحال أيضًا مع امبراطورية دراني قصيرة العمر في أفغانستان -التي غزت معاقل المغول السابقة- إلا أنهم لم يكونوا محور تركيز الكتاب، بل على العكس من ذلك, كان دورهم في الكتاب داعمًا كحلفاء معارضين لصعود شركة الهند الشرقية للسلطة.

عندما يتعلق الأمر بدراسة السنوات الأخيرة للمغول، يتناول دالريمبل بشكل أعمق سياسات المحكمة المعقدة والشخصية المأساوية لأحد آخر الأباطرة, كمحاولة لإحياء مجد المغول: شاه علم، القائد الشاب الذكي، وهو ما منحه قدرًا كبيرًا من الأهمية والشرعية، التي اعتبرتها الشركة أساسًا لتبرير حكمهم المتنامي في الهند. وعلى الرغم من أنه أكثر من مجرد بيدق في صراع السيادة في شمال الهند, إلا أنه كان فعالًا نسبيًا حين أوصل المغول الى أعتاب الإنعاش السياسي، قبل أن يتعرض للإذلال الوحشي والسرقة والإصابة بالعمى من قِبَل رهينته السابق: مير قاسم. ومن خلال عرض هذه الشخصيات الخاصة بمحكمة المغول، يغطي دارليمبل احتضار إمبراطورية المغول بطريقة مُعمّقة ومُوثّقة أكثر من صعود وسقوط إمبراطوريات الهند الأخرى.

التركيز الحقيقي للكتاب يعتمد على تتبع الشركة من أصولها  في القرصنة في فترة العصر الإليزابيثي, باعتبارها ولادة أوائل الشركات الاحتكارية التي كانت تعمل في تركيا وروسيا. وعلى الرغم من أصولها المتسمة بقلة الاستقرار، إلا أن شركة الهند الشرقية الناشئة كانت تخوض تحدٍ مع المنافسين ما بين التجار البرتغاليين وشركة الهند الشرقية الهولندية التي كانت أكثر نجاحًا في البداية، قبل مواجهة الخطر المتصاعد من شركة (Compagnie des Indes) الفرنسية.

فقط من خلال الأناركية وانهيار المغول وانحدار الهند إلى الانقسامات والحروب الأهلية, استطاعت شركة الهند الشرقية أن تبدأ صعودها السريع للهيمنة على جنوب آسيا.

يبدأ النصف الأول من الكتاب بالحديث عن هيمنة الشركة على البنغال وصداماتها مع الحكام المحليين لفرض السيطرة. وقد صُوّر ذلك إلى حد كبير في شخصية روبرت كلايف المتوحشة والماكرة والذي أدى جمعه بين استخدام الحيلة والعدوانية إلى هيمنة الشركة بصفتها “ديواني” أو المراقب الاقتصادي للبنغال. اكتسبت شركة الهند الشرقية مركزًا مهيمنًا في الهند مع وقوع ولاية البنغال -التي يمكن القول بأنها واحدة من أغنى المناطق في العالم- تحت سيطرة الشركة ابتداء من عام 1757. شارك مسؤولون الشركة في الكثير من العمليات المُمنهجَة لجرد الأصول, مما ساهم في واحدة من أسوأ المجاعات في البنغال مما أدى إلى قتل الملايين. وبدلاً من تنظيم الضرائب أو تخفيف المجاعة -كما كان شائعًا بين الحكام الهنود- حافظت الشركة على حصادها الضريبي للحفاظ على سعر مرتفع في الأسهم.

يُقدّم الكتاب هذا الاستغلال القاسي كقصة تحذيرية لكثرة الشركات الضخمة في العصر الحديث, ومع ذلك، على عكس المؤسسات المالية ذات الطابع الأقل عسكرية اليوم، فإن أعمال الشركة الغادرة في البنغال أدت إلى تطورها لمنظمة شبه حكومية. كما ساهمت عمليات النهب في البنغال في انهيار تام  لأسعار أسهم الشركة, مما استوجب واحدة من أولى وأضخم مجموعات الإنقاذ في العالم مقابل تدقيق برلماني أكثر، والذي سرعان ما وضع البرلمان البريطاني والشركة في موضع خلاف. يعتقد دارليمبر أن محاكمة إدموند بورك الشهيرة للحاكم العام للشركة وارين هاستينغز -والتي غالبًا ما يتم اعتبارها من قِبَل المؤرخين القوميين الهنود على أنها اعتراف بالذنب لاستنزاف بريطانيا للثروة الهندية- كانت تستهدف الشخص الخطأ. كمفكر ومحب للهند وحضارتها وكإداري ذكي، يعتبر دارليمبل أن هاستينغز بريء إلى حدٍ كبير من العديد من التهم الموجهة إليه (على الرغم من أنه لم يعترض على السلوك العام للشركة في البنغال، والذي حدث غالبًا على الرغم من وجود هاستينغز) .

مع إقالة هاستينغز من منصبه أصبحت الشركة منظمة مختلفة تمامًا يديرها القادة العسكريون باستمرار بدلاً من التجار. وبدعم من عائدات ضرائب البنغال, وتحت سيطرة اللورد كورنواليس الذي يسعى للتكفير عن فشله ضد الثوار الأمريكيين، وجنبًا إلى جنب مع الأخوين ويليسلي (بما في ذلك دوق ويلينجتون المستقبلي) شرعت الشركة في شن غزوات إقليمية واسعة النطاق تجاوزت فتوحات نابليون في أوروبا. كما كشف خصومهم الرئيسيون ماراثاس المحطم والسلطان المخيف تيبو السرعة التي تبنّى بها الأمراء الهنود أساليب الحرب الأوروبية. وسرعان ما أغلقت الجيوش الهندية برفقة مجموعة من المرتزقة الأوروبيين الفجوة التكنولوجية مع البريطانيين. ومع ذلك, فإن المقدرة المالية لشركة الهند الشرقية على جمع الأموال لحروبها بحلول نهاية القرن الثامن عشر سمحت لها باستقطاب جيوش أكبر بكثير, مُقلصَة بذلك عدد القوات التي أرسلتها الحكومة البريطانية إلى أوروبا.

يختتم دارليمبل بسقوط دلهي في عام 1803، عندما أصبح شاه علم الضرير والطاعن في السن أخيرًا تحت وصاية الشركة مرةً أخرى, عائدًا بذلك إلى نقطة البداية. أدى الاستيلاء على مدينة أوزيمانديان التابعة للمغول إلى إنهاء هيمنة الشركة على جنوب آسيا، وغلّف حكمهم بالشرعية التي منحها الإمبراطور. إن اختيار إنهاء الكتاب في عام 1803 بدلاً من نهاية ماراثاس عام 1818، عندما تم ضم آخر إمبراطورية كبرى في جنوب آسيا (باستثناء إمبراطورية السيخ في البنجاب)، يبرز انتقال السلطة من المغول إلى البريطانين. و مع أن هذا يُقلّل من تاريخ الولايات الهندية الأخرى، إلا أنه يؤكد على أهمية الاحتفاظ برموز المغول في بداية الحكم البريطاني، وهي علاقة تكافلية غريبة وغير متوازنة وتم تدميرها في وقت واحد في الثورة الهندية بعد نصف قرن عام 1857.

تُعدّ الأناركية إضافة أخرى رائعة لقصص داريمبل في حديثه عن صعود الحكم البريطاني في الهند، مما مهد الطريق لعمله السابق عن الغزو البريطاني لأفغانستان (عودة ملك، 2012) وثورة سيبوي عام 1857, واسترجاع دلهي (المغولي الأخير، 2006)، وكذلك لتوضيح مخاطر تجاوز الشركات في حاضرنا.

أعجبني المقال

المصدر
lse blogs

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى