تقارير ودراسات

الدم والأرض: الهند تحت حكم مودي

لقد تعاملت حكومة رئيس الوزراء الهندوسي القومي -ناريندرا مودي- مع مئتي مليون مسلم على أنهم أعداء داخليون.

  • بقلم: ديكستر فيلكنز
  • ترجمة: مصطفى هندي

حمل المقال PDF

في الحادي عشر من آب/أغسطس -أي بعد أسبوعين من إرسال رئيس الوزراء ناريندرا مودي جنودًا لتهدئة الوضع في ولاية كشمير الهندية- ظهرت المراسِلة سويتا سريفاستافا على القناة الإخبارية في شبكة (Republic TV)، وهي تقود دراجة بخارية عبر مدينة شريناجار. لقد كانت هناك لتؤكد للمشاهدين أن الموقف يسوده الهدوء، ولا صحة لما يتردد عبر وسائل الإعلام الأخرى. كانت تتجول بين معالم المدينة قائلة: “يمكنكم مشاهدة البنوك والمجمعات التجارية “تعمل بصورة طبيعية”.. الوضع هنا يجعلك تشعر بالراحة، فالأمور تعود إلى طبيعتها، والسكان المحليون يباشرون حياتهم بصورة عادية مرة أخرى”. لم تجرِ المراسلة أي مقابلات، لأنه لم يكن هناك أحد في الشوارع لتتحدث معه!

وأظهرت تغطية أخرى على نفس الشبكة أناسًا يرقصون من الفرح وزيَّلوها بعبارة “الهنود سعداء بحنكة مودي في كشمير”. وقبل ذلك بأسبوع، أعلنت حكومة مودي أنها ستعلق المادة 370 من الدستور، وهي المادة التي تمنح كشمير حق الحكم الذاتي، وهي الولاية الوحيدة ذات الأغلبية المسلمة في الهند. تحظر هذه المادة -التي وُضعت للحفاظ على الهوية الدينية والعرقية للولاية- الهندَ ذات الغالبية الهندوسية من الاستقرار في كشمير. وقال مودي -الذي صعد إلى السلطة مؤخرًا ولحقته اتهامات تشجيع التعصب واضطهاد المسلمين- إن القرار سيساعد الكشميريين، وذلك عن طريق دفع عجلة التنمية وإحباط التمرد وحرب العصابات التي طال أمدها. ولضمان أن يمر هذا القرار بسلام، أغرق مودي كشمير بالقوات العسكرية واحتجز مئات من قادة المسلمين، وهي الخطوة التي قال عنها تليفزيون الجمهورية “إن القادة الذين كانوا سيثيرون المتاعب” قد “استضافتهم الحكومة”.

إن هذا التغير في كشمير يهدم حصيلة أكثر من نصف قرن من السياسات الحذرة، لكن الصحافة الهندية أيدته بالإجماع. منذ أن انتُخب مودي لأول مرة رئيسًا للوزراء في عام 2014، وهو يعيد صياغة وتشكيل قصة الهند، من ديمقراطية علمانية تستوعب تنوعًا فريدًا من السكان إلى بلد هندوسي يحكم قبضته على الأقليات، لاسيما المئتي مليون مسلم الموجودين هناك. لقد ضغط مودي وحلفاؤه على الصحف وهددوهم وأجبروهم على تأييد ما يعرف بـ “الهند الجديدة”.

استقبل الكشميريون قرار مودي بالاحتجاجات، قائلين إن هدفه الحقيقي هو ملء الولاية بالمستوطنين الهندوس، وبعد أن خفَّت حدة الاضطرابات الأولية، بدأت صحيفة the Times of India وغيرها من الصحف الكبرى الادعاء بأن غالبية الكشميريين أيدوا قرار مودي بكل هدوء، وما منعهم من الجهر بالحقيقة هو فقط ذعرهم من الجنود. وفور عودة مراسلي التلفاز من دلهي ثبتوا كاميرات على الخط الساحلي لبحيرة “دال” وحذوا حذو الحكومة مذعنين.

ومع تعاقب التقارير في نشرات الأخبار، أخبرتني الصحفية رنا أيوب عبر الهاتف أنها تتجه إلى كشمير. رنا أيوب، ذات الستة وثلاثين عامًا، هي من المراسلين الجادين المعروفين في الهند، وتشتهر بملاحقة مودي ومساعديه دون كلل. ولأنها مسلمة من مومباي، فقد كانت شاهدة على الطائفية في البلاد، تلك الطائفية التي غيرت مجرى حياتها. لقد شكَّكَتْ في أن ما قالته الحكومة عن كشمير لم يكن إلا تلفيقًا ودعاية فارغة لخدمة أغراضهم الخفية، وقالت “أعتقد أن القمع ربما يكون أسوأ مما كان عليه في أي وقت مضى”. لم يكن لديها أدنى فكرة عما ستعاينه، لكنها أخبرتني “أريد التحدث إلى تلك الأصوات غير المسموعة”.

تتحدث رنا الهندية والإنجليزية بسرعة شديدة، حتى إن سامعها قد يتشتت، ليس من الصعب إجابة أسئلتها، لكنها قد تطرح سؤالًا آخر قبل أن ينتهي محدثها من إجابة السؤال الأول. دعتني على الهاتف لمقابلتها في مومباي ومحاولة الوصول إلى كشمير، على رغم حظر المراسلين الأجانب هناك خلال الحملة التي شنها مودي. عندما وصلت، أعطتني زوجًا من الأوشحة وطلبت مني شراء “كورتي” وهي سترة هندية تقليدية. قالت وهي تضحك: “أنا شبه متأكدة أنهم سيقبضون عليك، لكن يجب أن تأتي على أي حال… بدون نقاش”

هبطنا في مطار سريناجار بعد أسبوعين من قرار مودي. وفي آخر الممر، كان هناك مكتب يحمل لافتة “تسجيل الدخول للأجانب”، وعندما اقتربنا منه أمرتني رنا بالإسراع وإبقاء رأسي منخفضًا. كان الحشد ممتلئًا بالشرطة والجنود، لكننا وصلنا إلى الرصيف دون أن يلحظنا أحد… ركبنا سيارة أجرة، وانطلقنا إلى سريناجار.

كان الوضع في كشمير مزريًا، حتى إن من ينظر من سيارة متحركة، يلحظ بوضوح أن الوضع في كشمير مختلف تمامًا عن الصورة التي تصدرها الصحافة الهندية السائدة: فالجنود في كل زاوية وفي كل شارع، وثكنات المدافع الرشاشة تطوق التقاطعات، وأُغلقت المتاجر في كل حي، وبصرف النظر عن الوجود العسكري، فقد كانت الشوارع بلا حياة. ومُنعت صلاة الجمعة في المسجد الرائع “خانقاه المُعَلَّى”، الذي بُني في القرن الثامن عشر. أُغلقت المدارس، وقُطعت خدمة الهاتف الخلوي والإنترنت.

من المعروف لدى الجميع أن عملاء المخابرات الهندية يراقبون قوائم نزلاء الفنادق المحلية، لذا عملنا مع مصور هندي يدعى أفاني راي لترتيب الإقامة مع صديق لنا هناك. عندما وصلنا، أشار علينا طبيب كشميري كان في المنزل بزيارة المستشفى العام، حيث كان يعالج الشباب بعد أن أطلقت قوات الأمن النار عليهم. كان رجال الشرطة والجنود يستخدمون البنادق صغيرة الحجم -التي يطلق عليها السكان المحليون بنادق بيليه- وقد أصابت بعض الضحايا بالعمى، ونصحنا الطبيب بالذهاب إلى قسم العيون بالمستشفى.

في المستشفى، وجدنا فوضى عارمة: ضباط الأمن في كل مكان، والأسر مختلطة بالمرضى في الممرات. وقفتُ في زاوية محاولًا ألا ألفت النظر، في حين ركضت رنا إلى الطابق الرابع للتحدث إلى طبيب العيون. عادت بعد بضع دقائق وطلبت مني ومن راي أن نتبعها إلى “الطابق الثامن” حيث كان هناك ثلاثون من ضحايا الأعيرة النارية.

فور اقترابنا، اعترض رجل يرتدي زيًّا أنيقًا وله لحية قصيرة طريقنا، ووضع يده على كتف أيوب قائلًا: “ماذا تفعل هنا!” نظر راي إليّ وقال بصوت خافت “اركض”، هرولتُ واختفيتُ وسط الحشد، في حين أمسك الرجل الملتحي رنا وراي من ذراعهما وقادهما بعيدًا.

نشأت رنا أيوب في زَهَار، وهو حي في مومباي تقطنه الطبقة الوسطى. كان والدها “وَقيف” كاتبًا لصحيفة يسارية تدعى بليتز، وفي وقت لاحق كان مدير مدرسة ثانوية وباحثًا ومدرسًا للغة الأردية، لغة المسلمين في شمال الهند. تتذكر رنا قراءات الشعر في منتصف الليل، عندما كان يجتمع أصدقاء والدها في غرفة المعيشة لإلقاء قصائدهم. كانت عائلة أيوب الأسرة المسلمة الوحيدة في المنطقة، لكنهم لم يكونوا معزولين عن جيرانهم، فقد خرجوا إلى الشوارع للاحتفال مع جيرانهم بالمهرجانات الهندوسية مثل هولي وديوالي، وكان منزلهم مفتوحًا مرتين في العام للاحتفالات بالأعياد الإسلامية. وقال أيوب: “كانت الطائفية موجودة دائمًا، لكننا بمعزل عن كل ذلك… كل أصدقائي الذي تربيت معهم كانوا هندوسيين”.

كان الوئام والسلام بين الهندوس والمسلمين عنصرًا أساسيًا في رؤية مؤسسي الهند: الماهتما غاندي وجواهرلال نهرو، اللذَين وضعا حجرالأساس للهند العلمانية. تُعد الهند موطنًا لجميع الديانات الرئيسية في العالم؛ يشكل المسلمون حوالي أربعة عشر في المئة من السكان. ومع استعداد الإمبراطورية البريطانية للانسحاب من الهند في عام 1947، كان المسلمون يخشون الهيمنة الهندوسية لدرجة أنهم طالبوا بدولة منفصلة، فكانت باكستان. تسبب تقسيم شبه القارة الهندية في أكبرعملية هجرة في التاريخ، حيث عبر عشرات الملايين من الهندوس والمسلمين الحدود الجديدة، وهذا تسبب في أعمال عنفٍ راح ضحيتها حوالي مليوني شخص. بعد ذلك، كان هناك شكاوى دائمة من كل من الباكستانيين والهنود بشأن عمليات القتل وفقدان أراضي الأجداد، فأصبحت كشمير الواقعة على الحدود ساحةَ حرب بالوكالة لما يقارب نصف قرن.

حمى مسلمو الهند الباقون أنفسهم عن طريق إقامة تحالفات مع حزب المؤتمر -حزب غاندي ونهرو- الذي هيمن على الساحة السياسية لمدة خمسين عامًا. لكن رؤية المؤسسين للهند كدولة علمانية لم تكن محل اتفاق، ففي عام 1925 أسس كيشف بيليرام هيدجفار Keshav Baliram Hedgewar، وهو طبيب من وسط الهند، منظمة راشتريا سانج (RSS) وهي منظمة هدفها الرئيسي تأكيد فكرة أن الهند بالأصل دولة هندوسية، وأن أتباع الهندوسية لهم الحق في السيطرة على الأقليات. آمن أعضاء هذه المنظمة أن كثيرًا من المسلمين ينحدرون من الهندوس الذين أُجبروا على اعتناق الإسلام، ومن ثم فإن أصالة وصحة إيمانهم مشكوك فيها. (ونفس الأمر فيما يتعلق بالمسيحيين الذين يشكلون حوالي 2 في المئة من سكان الهند. في حين اعتُبرت الديانات الكبرى الأخرى في الهند -البوذية والسيخية- ديانات هندية أصيلة).

كان هيدجفار مقتنعًا بأن الرجال الهندوس قد هُزِموا وأُخضعوا من خلال الهيمنة الاستعمارية، وكان يرى أن تدريبًا شبه عسكري هو دواء هذه الانهزامية. كان معجبًا بالفاشيين الأوروبيين، حتى إنه أخذ عنهم ولعهم بالزي الكاكي، والأهم من ذلك، قناعتهم بأن مجموعة من الرجال ذوي الانضباط والالتزام الشديد يمكنهم تحويل مسار أمة. واعتبر هيدجفار أن غاندي ونهرو -اللذين بذلا جهودًا لحماية الأقلية المسلمة- كانا من الناشطين الخطرين لتقديمهما بعض التنازلات؛ إن منظمة RSS تستعد لدخول معركة النضال من أجل الحرية.

في يناير عام 1948 -بعد الاستقلال بفترة وجيزة- اغتيل غاندي على يد ناتهورام فيناياك غودزي، أحد أعضاء منظمة RSS، وناشط قومي هندوسي. حُظرت المنظمة مؤقتًا وأصبح تأثيرها هامشيًّا في الحياة العامة، لكنها أعادت تأسيس نفسها تدريجيًّا. في عام 1975، وسط الاضطرابات المدنية والركود الاقتصادي، علقت رئيسة الوزراء أنديرا غاندي عمل البرلمان وفرضت قانون الطوارئ، فعارضتها المنظمة وحلفاؤها في حزب المؤتمر بشدة. أُلقي القبض على العديد من أعضائها، وهو ما ساعد على إضفاء الشرعية على المنظمة لأنها عادت إلى التيار السياسي السائد.

كانت القاعدة الأساسية لـ RSS هي رجال الطبقة العليا، ولكن من أجل النمو والتوسع كان عليها توسيع نطاق عضويتها. كان من بين المجندين من الطبقة الدنيا شاب يبلغ من العمر ثماني سنوات يدعى ناريندرا مودي، من فادناغار، وهي بلدة في ولاية كُجارت. كان مودي ينتمي إلى طائفة الـ غانشي، وهي طائفة متدنية اجتماعيًا يبيع أفرادها الزيوت النباتية؛ كان والد مودي يدير مقهى شاي صغير بالقرب من محطة القطار، ويساعده فيه ابنه الصغير. عندما بلغ مودي الثالثة عشر من عمره، رتب والداه له أن يتزوج من فتاة محلية من نفس الطائفة، لكن هذا الزواج لم يستمر سوى فترة وجيزة ولم يعترف مودي علانية بهذه العلاقة لسنوات عديدة. وسرعان ما عزف مودي عن الزواج بالكامل وكرس نفسه لـ RSS بصفته مبشِّرًا وناشطًا pracharak -وهو الاسم الذي تطلقه المنظمة على جنودها الصغار البسطاء- كانت بداية مودي مع المنظمة هي تنظيف أماكن معيشة كبار الأعضاء، لكنه سرعان ما ترقى في المناصب. في عام 1987، انتقل إلى الجناح السياسي في المنظمة وهو حزب بهاراتيا جاناتا [حزب الشعب الهندي] BJP.([2])

عندما انضم مودي للحزب كان له مقعدان فقط في البرلمان، وتطلب الأمر وجود قضية لجذب المتعاطفين، ووجدوا ضالتهم في إثارة نزاع ديني قديم. في مدينة أيوديا الشمالية كان هناك مسجد أطلق عليه مسجد بابري، بناه الإمبراطور المغولي ظهير الدين بابر في عام 1528. بعد الاستقلال، وضع السكان المحليون الأصنام الهندوسية داخل المسجد، وأصبحوا مقتنعين بأنه مبني على أنقاض معبد هندوسي، ولفقوا أسطورة مفادها أن الإله راما -وهو ما يرمز إليه في الفيشونية بالإله ذي البشرة الزرقاء- قد وُلد هناك.([3])

في سبتمبر 1990، بدأ أحد كبار أعضاء الحزب “لال كريشنا أدفاني” الدعوة إلى تدمير مسجد بابري وإنشاء معبد هندوسي مكانه. ولحشد الدعم لهذه الفكرة، ذهب في رحلة طويلة أشبه بالحج لمدة شهرين سماها “رام راث ياترا”، طاف فيها أنحاء الهند. كان السفر بسيارة مقصودًا لتكون رمزًا للعربة الحربية التي يضطلع صاحبها بمهمة وطنية، وكثيرًا ما ألقى عدة خطب في اليوم، وأثار حمية وغضب الحشود حول ما اعتبره تحيز الحكومة للمسلمين، وكانت تعقب خطاباته دائمًا أعمال الشغب الطائفية التي تخلف وراءها مئات القتلى. اعتُقل أدفاني قبل وصوله إلى أيوديا، لكن أعضاء الحزب أكملوا مهمته بحشد المؤيدين والتبرعات لإتمام المهمة. في السادس من كانون الأول/ديسمبر 1992، تجمع حشد من أعضاء  R.S.S الثائرين أمام المسجد وشرعوا في هدم المبنى بالفؤوس والمطارق، وبحلول الليل كان المسجد قد تدمر بالكامل.

أشعل تدمير المسجد فتيل الفتنة بين الهندوس والمسلمين في جميع أنحاء البلاد، وكانت النتيجة: حمام دم، وأشرس أعمال شغب تشهدها مومباي وأكثرها دموية. في البداية، كانت عائلة أيوب آمنة؛ فقد كانوا محاطين بالأصدقاء، لكن بعد عدة أيام من الفوضى، جاء صديق من السيخ -تسميه العائلة العم باجا- لإبلاغ وقيف بأن مجموعة من رجال الحي يتآمرون عليه، وهم قادمون من أجل بناته. كان وقيف خائفًا؛ فقد أصيبت رنا -ذات التسع سنوات في ذلك الوقت- بشلل الأطفال، ومع تحسنها بنسبة كبيرة إلا أن المرض قد أضعف نصفها الأيسر. في تلك الليلة، هربت هي وشقيقتها الكبرى إيفات مع باجا، ومكثوا مع بعض أقاربه لمدة ثلاثة أشهر قبل لمّ شمل الأسرة في ديونار، وهو حي مسلم يبعد بضعة أميال. “شعرتُ بالعجز” هذا ما قالته رنا، “كنا مثل الدمى، ينقلها الآخرون من مكان لآخر”.

ديونار هو حي فقير مليء بالمجاري المنتنة وأكواخ الصفيح. وجدت عائلة أيوب -الذين اعتادوا على حياة الطبقة المتوسطة- أن حياتهم قد تغيرت. وقالت رنا: “كنا نعيش في مكان صغير جدا، متسخٌ جدًا، في شارع مزدحم وقذر جدًا”. حتى مومباي لم تعد كما كانت. عندما التحقَت رنا بمدرسة يغلب عليها الهندوس، دعاها زملاؤها في الفصول الدراسية بـ”لانديا Landya”، وهي سُبَّة جنسية أطلقها الهندوس على المسلمين([4]). وقالت: “هذه هي المرة الأولى التي أفكر فيها حقًا في هويتي…كان جيراننا وأصدقاؤنا -الذين نعيش بينهم في الحي- سيقتلوننا”.

بالنسبة إلى RSS، فإن المبادرة في أيوديا أثمرت بشكل مذهل: ارتفعت طلبات العضوية، وبحلول عام 1996 أصبح بهاراتيا جاناتا أكبر حزب في البرلمان. أثناء النزاع حول المسجد، بدأ آشيس ناندي Ashis Nandy، وهو مفكر هندي بارز، سلسلة من المقابلات مع أفراد منظمة RSS. ولأنه عالم نفسي له وزنه، أراد أن يدرس عقلية القوميين الهندوس الصاعدين. أحد هؤلاء الذين حاورهم هو ناريندرا مودي، الذي كان آنذاك موظفًا مغمورًا في الحزب. حاور ناندي مودي لعدة ساعات، وخرج مندهشًا. أخبرني ناندي أن محاوره أظهر جميع سمات الشخصية الاستبدادية: الصلابة، التزمت، التشدد، والحياة العاطفية القاحلة، والخوف من مشاعره وعواطفه، وتضخم الأنا والتمركز حول الذات الذي يغطي الانعدام الهائل للأمان والثقة. خلال المقابلة، وضع مودي نظرية خيالية مفادها أن الهند كانت هدفًا لمؤامرة عالمية، والتي بدورها ترجح أن يكون كل مسلم في البلاد متواطئًا. قال ناندي “كان مودي فاشيًّا بكل ما تحمله الكلمة من معنى…ليست الفاشية هنا توصيفًا لسوء المعاملة والاضطهاد، بل فئة تشخيصية”.

في 27 فبراير 2002، توقف قطار الركاب في جودهرا، وهي مدينة في ولاية كُجارت. كان القطار قادمًا من أيوديا، حيث ذهب عدد من الهندوس لزيارة الموقع الذي دُمِّر فيه مسجد بابري قبل عشرة أعوام، ودعوا إلى بناء معبد مكانه، وينتمي معظمهم إلى الجناح الديني في منظمة RSS والمسمى بـVHP.

وأثناء توقف القطار في المحطة، بدأ المسافرون الهندوس والمسلمون على الرصيف تبادل نظرات الحنق. بدأ القطار يتحرك لكنه توقف فجأة، وتعالت الأصوات بالسباب المتبادل. في مرحلة ما، ألقى أحدهم –يُحتمل أنه بائع مسلم- فتيلة مشتعلة (مولتوف) في إحدى السيارات. انتشر اللهب، وكان الركاب محاصرين في الداخل؛ وعندما فتح الباب أخيرًا أدى اندفاع الأكسجين إلى إذكاء النار محدثًا كرة نارية. مات حوالي ثمانية وخمسين شخصًا مختنقين أو محترقين. عندما انتشر خبر الكارثة، سمحت الحكومة لأعضاء V.H.P باستعراض الجثث المحترقة في أحمد أباد -أكبر مدن الولاية- والنتيجة الطبيعية أن الهندوس الغاضبين من رؤية الجثث بدؤوا يهاجمون ويثأرون من المسلمين في جميع أنحاء البلاد.

تجمهرت حشود الهندوس في الشوارع مرددين “اذبحوا المسلمين وانتقموا لإخوانكم!”. ووفقًا لما رواه شهود العيان، شق مثيرو الشغب بطون النساء الحوامل وقتلوا أطفالهم، واغتصبوا نساء وفتيات أخريات، كما أجبر صبي مسلم على شرب الكيروسين وابتلاع عود ثقاب مشتعل. إحسان جفري -سياسي كبير في حزب المؤتمر- جُرِّد من ملابسه ثم قُطَّع وأُحرق.

كان الجانب الأكثر دناءة من أعمال الشغب هو أنها كانت مدبرة وموجهة من قبل فرق أعضاء منظمة RSS المسلحين بالهراوات والبنادق والسيوف إلى الأحياء المسلمة في الولاية، وغالبًا ما كانوا يسترشدون بقوائم الناخبين وغيرها من الوثائق الرسمية التي قادتهم إلى منازل المسلمين ومتاجرهم.([5])

كان رئيس وزراء حكومة كوجارات في ذلك الوقت هو ناريندرا مودي، الذي عُيِّن في هذا المنصب قبل خمسة أشهر. مع تسارع أعمال الشغب، اختفى مودي عن المشهد، واستدعى الجيش الهندي لكنه احتجز الجنود في ثكناتهم حتى خرج العنف عن السيطرة. في كثير من مناطق كوجارات، لم تقف الشرطة موقف المتفرج فحسب، بل شاركت في أعمال العنف حسب ما روته كثير من جماعات حقوق الإنسان.

عندما بدأت أعمال الشغب، كان راهول شارما كبير ضباط الشرطة المسؤول عن مقاطعة بهافانجر، وهي منطقة يبلغ عدد المسلمين فيها أكثر من سبعين ألف. في شهادة اليمين، قال شارما في وقت لاحق أنه لم يتلق أي توجيه من رؤسائه حول كيفية السيطرة على أعمال الشغب. في اليوم الرابع، تجمع حشد من الآلاف حول مدرسة أكوادا، وهي مدرسة إسلامية تضم حوالي أربعمئة طفل، وكان المتظاهرون يلوحون بالسيوف والبنادق. قال شارما: “كانوا يتصرفون بطريقة منظمة…كانوا عازمين على قتل الأطفال”. أمر شارما رجاله باستخدام القوة والعنف لمنع وقوع هجوم، وعندما لم تثمر جرعات التحذير، أطلقوا النار، مما أسفر عن مقتل رجلين وإصابة آخرين، فتفرق الحشد، ورافق شارما الأطفال حتى بلغوا مأمنهم.

في كل منطقة أخرى تقريبًا، استمر العنف دون رادع. أما شارما، فبدل الاحتفاء به كبطل، فقد نُقل خارج المقاطعة وأُحيل إلى وظيفة مكتبية، بل اتهمه أدفاني -المدافع عن تدمير المسجد في أيوديا، والذي تولى منصب وزير الداخلية في الهند- وقال إنه تسبب في موت كثير من الهندوس.

استمرت أعمال الشغب ثلاثة أشهر تقريبًا راح ضحيتها ما يقرب من ألفي شخص، وهُجِّر ما يقرب من مئة وخمسين ألفًا من منازلهم. تغيرت الجغرافيا العرقية في ولاية كجرات، حيث تكدس معظم المسلمين في الأحياء الفقيرة. تشكل أحد الأحياء الفقيرة داخل مجمع القمامة في أحمد آباد، وهو مساحة شاسعة تملؤها القمامة ومياه الصرف الصحي، ويبلغ ارتفاع النفايات فيها مئات الأقدام. (هذا الحي، الذي أطلق عليه سكان القرية اسم قرية المواطنين، لا يزال موطنا لآلاف الأشخاص الذين يعيشون في أكواخ ويتنفسون الهواء الفاسد، وعندما تأتي الرياح الموسمية، فإن أطنانًا من القذارات والقمامة تغمر الشوارع والأكواخ).

عندما اندلعت أعمال الشغب، قررت رنا -التي كانت في ذلك الوقت في التاسعة عشرة- المساعدة. بعد أن أخبرت والدتها أنها ستتجول مع صديق لها في جبال الهيمالايا، فركبت في قطار متجه إلى مدينة فادودارا إحدى مقاطعات كجارت. ونظرًا لأن الاضطرابات كانت لا تزال مشتعلة، فقد وضعت “بيندي” حمراء ساطعة (نقطة الطلاء الحمراء التي تضعها النساء الهندوس على الجبهة).

قضت ثلاثة أسابيع في معسكرات الإغاثة، حيث ساعدت ضحايا الاغتصاب في رفع تقارير إلى الشرطة. كانت المخيمات محاطة بمراحيض عامة، وكانت رائحة المجاري في كل مكان. تجمع الأطفال حولها والذباب حولهم من كل جانب. في بعض الأحيان، كان الغوغاء المسلحون بالسيوف وزجاجات المولوتوف يدخلون المعسكرات بحثًا عن المسلمين. وفي مرة من تلك المرات اختبأت رنا في أحد المنازل ونظرت إلى الشارع فرأت حشدًا من ستين رجلًا كانوا يتجولون في الخارج، قالت: “حبست أنفاسي من الذعر… ما رأيته في كجارت جعلني أدرك أن ما حدث في مومباي لم يكن استثناءً أو حالة فردية”.

بعد أعمال الشغب، لم تفعل حكومة مودي شيئًا يُذكر لتوفير مساكن لعشرات الآلاف من المسلمين الذين أجبروا على ترك منازلهم؛ جميع المساعدات تقريبًا قدمها المتطوعون. وردًا على سؤال حول هذا الموضوع قال مودي “إن معسكرات الإغاثة هي في الواقع مصانع لإنتاج الأطفال؛ يجب أن يُلقن أولئك الذين يضاعفون عدد السكان درسًا”. ومع القبض على بعض مثيري الشغب الهندوس، إلا أن بضع عشرات فقط أدينوا في النهاية. مايبن كودناني Mayaben Kodnani -وزيرة من حزب BJP- كانت المسؤول الوحيد الذي صدرت عليه عقوبات صارمة، فقد أدينت بالقتل والشروع فيه والتآمر. لكن عندما وصلت حكومة مودي إلى السلطة في دلهي، بُرِّئت من جميع الاتهامات الموجهة إليها.

في الأشهر التالية، كانت هناك مؤشرات واضحة على تواطؤ الحكومة. وفقًا لتحقيقات أجرتها جهات مستقلة، كانت حشود الهندوس تصدر بشكل صارم عن أوامر الزعماء والقادة الذين بدا أنهم تلقوا تعليمات واضحة. “نشرت الحكومة هذه التعليمات بلا هوادة، وفي معظم الحالات -إلا النزر اليسير- كانت الشرطة والقطاعات الإدارية الهندية مسؤولتان عن تنفيذ هذه التعليمات بصورة منهجية”، وخلص تحقيق قاده المواطنون إلى تورط قضاة المحكمة العليا السابقين وقادة الشرطة العليا.

خلال أعمال العنف، سافر مسؤول فيدرالي كبير يدعى هارش ماندر إلى ولاية كُجارت وتعجب من إهمال المؤسسات الرسمية. ولاحظ أن عددًا من زملائه كانوا متواطئين ومتورطين في حمام الدم الذي تسببت فيه أعمال العنف، فتقاعد مبكرًا من وظيفته للعمل في المخيمات المؤقتة التي كان يتجمع فيها اللاجئون المسلمون. لقد كرس وقتًا كثيرًا من بقية حياته لتذكير الجمهور بما حدث ومن المسؤول، وأخبرني “أنه ما من شغب طائفي حدث في الهند، إلا وللحكومة يدٌ فيه…لقد كانت مجزرة ترعاها الدولة”.

حتى إن بعض المسؤولين ادعى أن قرار تشجيع أعمال الشغب جاء من مودي نفسه. هارين بانديا، منافس مودي ووزير في مجلس الوزراء، أدلى بشهادة اليمين الدستورية حول أعمال الشغب، وتحدث أيضًا إلى مجلة “newsweekly”، قال إنه في الليلة التي بدأت فيها الاضطرابات، كان قد حضر اجتماعًا في منزل مودي، حيث أمر مودي كبار ضباط الشرطة بالسماح “للناس بالتنفيس عن إحباطهم وعدم المساس بردود أفعال الهندوس”. وذكر مسؤول بالشرطة يدعى سانجيف بهات أنه في اجتماع آخر في تلك الليلة، أعرب مودي عن أمله في أن “يتعلم المسلمون درسًا لضمان عدم تكرار مثل هذه الحوادث”.

إلا أنه لم تكن هناك إرادة سياسية كبيرة وقوية لحشد الأدلة ضد مودي، ولم يطل ظهورُ متهِّميه في نظر الجمهور لفترة طويلة. بعد أن وجه بهات الاتهام إلى مودي، وُجِّهت إليه تهمة قتل أحد المشتبه بهم في حجز الشرطة -وهي قضية ظلت نائمة لأكثر من عقدين- وحُكم عليه فيها بالسجن مدى الحياة. في عام 2003، عثر على هارين بانديا ميتا في سيارته في أحمد آباد. لم يكن لدى زوجته أدنى شك حول هوية القاتل، وقالت “اغتيال زوجي كان جريمة سياسية”.

 كان لأعمال الشغب تأثير ملحوظ على مودي. حظرته الولايات المتحدة والمملكة المتحدة لما يقرب من عقد من الزمان، وتجاهله كبار قادة حزبه. (في عام 2004، لم يفز مرشح الحزب أتال بيهاري فاجبايي بمنصب رئيس الوزراء وألقى باللائمة على مودي).

ومع ذلك فقد نمت شعبيته في ولاية كُجارت. وعوضًا عن السعي لتحقيق المصالحة، قاد مودي مسيرة جريئة تحت شعار الكرامة للهندوس عبر الولاية، والتي قوبلت بتأييد كبير. غالبًا ما تحدث مودي بلغة مشفرة، والتي فهم منها أتباعه أنه يشاركهم تعصبهم. في أحد الخطابات خلال المسيرة، طرح مودي فكرة أن مسلمي الدولة كانوا عائقًا يجب التخلص منه. وقال: “إذا رفعنا الروح المعنوية وتقدير الذات لخمسين مليون كجارتي، فإن مخططات علي والملا وجمال وأتباعهم [كناية عن المسلمين] لن تكون قادرة على إيذائنا”، وهو ما أبهج الجمهور، في شهر كانون الأول/ديسمبر من هذا العام، بعد حملة ألقاها فيها عدة خطب مدوية ضد المسلمين، قاد مودي الحزب إلى فوز انتخابي ضخم في ولاية كجارت.

في مكان آخر في الهند، كانت ثروات الحزب تتقلص، ونتيجة لذلك تمكن فصيل مودي المتشدد من الاستيلاء على قيادة الحزب. كما بدأ في بناء سمعته الوطنية كزعيم مؤيد للأعمال والاستثمارات يستهدف التنمية الاقتصادية السريعة. قالت رنا “كان نجم حزب BJP يخفت، كانت الفرصة الوحيدة أمامهم للفوز بالسلطة هي دعم مودي بسبب ما يتمتع به من شعبية كبيرة لدى كبار رجال الأعمال، وهكذا أصبحت جميع أعمال الشغب في طي النسيان”.

في نهاية المطاف، أعلن فريق تحقيق تابع للمحكمة العليا أنه لا توجد أدلة كافية لتوجيه الاتهام إلى مودي في أعمال الشغب، وهي النتيجة التي رفضتها جماعات حقوق الإنسان باعتبارها متحيزة سياسيًا. حاول عدد قليل من المحامين إبقاء القضية في ساحة المحكمة. في عام 2007، عندما ظهر مودي على شبكة CNN-IBN الهندية، سأله الصحفي كاران ثابار “لماذا لا تستطيع أن تقول ببساطة أنك تأسف لما حدث من قتل؟”

تغير وجه مودي وقطب حاجبيه “ما يجب أن أقوله قلته في ذلك الوقت”، ومع إلحاح وضغط كاران كان مودي يزداد ارتباكًا وتوترًا، وفي النهاية قال “يجب أن أستريح…أنا بحاجة إلى بعض المياه” ثم أزال الميكروفون ورحل.

في عام 2013، عندما سأله مراسل آخر عما إذا كان يشعر بالأسف لوفاة كثير من المسلمين، قال إنه كان متفرجًا عاجزًا. “إذا كان هناك شخص آخر يقود سيارة، ونحن جالسون بالخلف، فإذا صدمت السيارة جروًا، فهل سيكون هذا مؤلمًا؟ بالطبع هو كذلك”.

وفقًا لكثير من المراقبين، ينبع نجاح مودي من رغبته في اللعب على إثارة مشاعر الاستياء والغضب العميقة لدى الجمهور، وهي طريقة دنيئة للتعبير عن الرأي في المجتمع المهذب. ومع أن مسلمي الهند كانوا عادةً أكثر فقرًا من أقرانهم من المواطنين، إلا أن كثيرًا من الهندوس شعروا بأن الحكومة المركزية متحيزة لهم بصورة غير عادلة. كانت المسألة شخصية عند الهندوس، فقد حزروا أن المسلمين لديهم كثير من الأطفال ولذلك فإنهم يدعمون الإرهاب. شعر المسلمون في الهند بكثير من الأمان بعد تجربة غاندي ونهرو، ونتيجة لذلك كان هناك قليل جدا من التطرف “خارج كشمير”، ومع ذلك، اعتبرهم كثير من الهندوس تهديدًا دائمًا. “لقد أصبح مودي بطلًا لجميع الهندوس في الهند” كما أخبرني نيرجاري سينها، وهو باحث من كجارت حقق في أعمال الشغب، “هذا ما يقوله لي الناس في الحفلات والتجمعات، يشعر كثيرون أن المسلمين إرهابيون بحق.. وبفضل مودي، أصبح المسلمون أخيرًا تحت السيطرة “.

في عام 1993، كتب والد رنا كتابًا عن أعمال الشغب في مومباي. كان يحمل عنوان “أنا حي”، وهي الكلمة التي كان يرد بها على الأصدقاء الذين راسلوه أثناء الاضطرابات للسؤال عن حاله. عندما دخلت رنا أيوب مجال الصحافة، أظهرت شيئًا من الصلابة والعناد لتأكيد الذات. أخبرتني “عندما كنت طفلة، قال الجميع: إنها طفلة ضعيفة… الأمر أشبه بمحاولة إثبات العكس للجميع: لا، أنا لست طفلة ضعيفة”.

في البداية، أرادت رنا إحداث التغيير من خلال الانضمام إلى الخدمة المدنية. لكنها قالت: “أخبرني الناس أنه لا مفر من التصرف كضباط الشرطة، لأنه لا يزال يتعين عليكِ أن تكوني مسؤولة أمام رجال الشرطة والسياسيين الفاسدين”. بعد التخرج من كلية صوفيا في مومباي بشهادة في الأدب الإنجليزي، تنقلت رنا من مواقع الويب إلى المحطات التلفزيونية قبل أن تستقر في مجلة تسمىTehelka. نشرت عدة تقريرات باللغة الإنجليزية، وكان تداول المجلة على نطاق ضيق، إلا أنها كانت مشهورة بتحقيقاتها الصعبة. تولت أيوب العمل على هذه التحقيقات، وأنجزت تقارير عن عمليات القتل التي ارتكبتها الشرطة، وعصابات الابتزاز والتهريب وغسيل الأموال التي يديرها مسؤولون في مومباي. قالت لي “كنت أحاول مساعدة الناس…كنت أحاول معرفة ما كان يحدث، وجعلني ذلك أشعر بتحسن على المستوى النفسي”.

في عام 2010، ومن خلال سلسلة من التقارير والصور التي نشرت في الصفحات الأولى من المجلة، ربطت رنا أقرب مستشاري مودي -أميت شاه- بجريمة مثيرة. أميت شاه سليل عائلة من الطبقة العليا، تلقى تعليمه ليكون عالم كيمياء حيوية لكنه تفوق في منصب المخطط السياسي، وأثناء فترة رئاسته لجمعية كُجارت للشطرنج فقد ساعد مرتين في انتخاب مودي كأفضل مسؤول في كُجارت؛ بعد ذلك، أصبح وزير الداخلية.([6])

كانت رنا تحقق في قضية كانت قد بدأت قبل خمس سنوات، عندما أعلنت الشرطة في كُجارت أنها أطلقت النار على إرهابي مشتبه به أرسلته باكستان لاغتيال مودي. أثار هذا الإعلان الشك والريبة في الأوساط السياسية والصحفية، حيث كانت هناك شائعات تقول إن الشرطة قتلت مجرمين ثم تظاهرت أنهم قتلة مسلمون، ونسجت على هذا الزعم ملحمة بطولية بقتلهم قبل أن يتمكنوا من الوصول إلى مودي. العقلاء والأذكياء من الهنود سخروا من مزاعم الشرطة باعتبارها “مواجهات وهمية”، لكن وفقًا لسكان كُجارت الذين ذاقوا مرارة أعمال الشغب، فإن رواية الشرطة كانت تعزيزًا لسمعة مودي كمدافع عن الهندوس.

اتضح أن القاتل المزعوم -وهو مجرم محلي يدعى سهراب الدين شيخ- لم يكن له تاريخ من التشدد الإسلامي. قبل فترة طويلة، أثبت المحققون الفيدراليون أنه قد اغتيل على أيدي الشرطة. كان هناك شهود، من ضمنهم زوجة شيخ وشريكه الجنائي. لكن بعد يومين من قتله، قُتلت زوجته وأُحرقت؛ وقُتل شريكه في قسم الشرطة بعد عام.

لم تكن رنا تعتقد أن المسؤولية النهائية تقع على عاتق الشرطة، قالت لي: “لم أنظر أبدًا إلى الاعتقالات والأشخاص الذين يطلقون النار… إنني أبحث عن رأس الأفعى”. اقترح أحد مصادرها، وهو ضابط شرطة، أن أميت شاه كان متورطًا. التقت رنا بالضابط أول مرة في منزل منعزل في الريف. قالت لي: “كان يرى أن يدي ترتعشان فقال: إذا كنتِ ستتقصين هذه القضية، فتوقفي عن الخوف والتوتر”. في المرة التالية التقوا في مقبرة في الساعة الثالثة صباحًا، وكانا متنكرين في برقع، وأعطاها الضابط قرصًا مضغوطًا مخبًا في باقة من الزهور، احتوى هذا القرص ست سنوات من سجلات شاه الهاتفية، بما في ذلك أوقات مكالماته ومواقعها.

وباستخدام هذه السجلات، أظهرت رنا أن شاه والضباط الثلاثة المشتبه في قتلهم شريك سهراب الدين شيخ كانوا على اتصال مكثف قبل وبعد القتل. وقد قدمت تقاريرها شرحًا لدوافع شاه، حيث أخبرها مسؤول في الشرطة أن المجرمين المقتولين “كانوا يعرفون شيئًا فيه هلاك الوزير”.

لم تكن رنا أيوب أول صحفي يكشف تورط مسؤول رسمي في القضية، إلا أن الأدلة ضد أميت شاه كانت واضحة جلية. طلب منها عملاء فيدراليون نسخة من سجلات هاتف شاه، وكان هذا إلزامًا لها. في غضون أسابيع، ألقي القبض على شاه بتهمة القتل والابتزاز. واتُهم بالمشاركة في نفس الأعمال غير المشروعة التي تورط فيها شيخ. (أنكر متحدث باسم شاه تواطؤه قائلًا: “كان شاه متورطًا في الجريمة الجنائية المذكورة بناءً على اعتبارات سياسية بحتة”.) وفي نهاية المطاف، اتهمت الشرطة الفيدرالية ثمانية وثلاثين شخصًا آخر، بمن فيهم كبير مسؤولي الشرطة في كجارت، ووزير الداخلية السابق في الولاية من ولاية راجاستان، وأكثر من عشرين ضابط يشتبه في تورطهم في جرائم قتل.

في صباح يوم القبض على شاه، استيقظت رنا لتجد أن تقريرها في صدارة الأخبار. قرأت مذيعة تلفزيونية شهيرة جزءًا من تقريرها على الهواء: “كنتُ مجرد فتاة مسلمة في السادسة والعشرين من عمرها…شعرتُ أن الناس سوف يرون أخيرًا ما يمكنني فعله”. وعلى إثر تحقيقاتها -إلى جانب تحقيقات أخرى- بدأت سلسلة من التحقيقات الرسمية مع شرطة كجارت الذين يشتبه في قتلهم أكثر من عشرين شخصًا في “مواجهات وهمية”. لكن -حسب اعتقادها- لم يكن شاه هو العقل المدبر. أخبرها مصدرها أن الشرطة كانت تحت ضغط شديد لإيقاف التحقيق وإخفاء السجلات عن المحققين الفيدراليين، مما يشير إلى أن شخصًا ذا نفوذ قوي كان يحاول دفن القضية، ومن ثَم كتبت تقريرًا تحت عنوان “لماذا يحمي ناريندرا مودي أميت شاه؟”.

مع تضافر الأدلة على تورط مودي، إلا أنه لم يزدد إلا قوة، حيث تعالت الأصوات المنادية بترشيحه للمنصب الوطني. في عام 2007، أثناء ترشحه لانتخابات منصب رئيس للوزراء، سخر مودي من أعضاء حزب المؤتمر لملاحقته وإدانته، وقال أمام حشد من المؤيدين: “يقول أعضاء الكونغرس إن مودي ينغمس في (مواجهات وهمية وتصفية حسابات) ويقولون إن مودي قتل سهراب الدين… أخبروني أنتم ماذا كان علي أن أفعل مع سهراب الدين؟”

فصاح الجمهور “اقتله! اقتله!”

في غضون أسابيع قليلة من اعتقال شاه، برزت لرنا فكرة مقال جديد: “إذا كان بإمكاني ملاحقة شاه، فلماذا لا ألاحق مودي؟” أخبرت محرريها في مجلة Tehelka أنها تشتبه في أن مودي ارتكب جرائم أخطر وأبشع مما ورد في التقارير السابقة، وشرحت لهم أنها إذا تَخفَّت بذكاء فيمكنها أن تندس بين حاشيته وأن تعرف الحقيقة.

من القواعد الأساسية للصحافة في الولايات المتحدة ألا يكذب الصحفيون بشأن هويتهم؛ وتقتصر العمليات التي تجري تحت هوية مزيفة على كشف التلاعب والفساد في قطاع الصناعة. هذه الممارسة أكثر شيوعًا في الهند، مع أنها لا تزال مثيرة للجدل. في عام 2000، أرسلت مجلة Tehelka لاعبًا سابقًا في لعبة الكريكيت مرتديًا كاميرا خفية لفضح التلاعب في نتائج المباريات والرشوة المتفشية في هذه الرياضة. في وقت لاحق من ذلك العام، عرض اثنان من الصحفيين ادعوا أنهم أصحاب شركة وهمية لبيع كاميرات الأشعة تحت الحمراء لوزارة الدفاع، وافق 36 مسؤولًا على تلقي الرشاوى، وكانت النتيجة استقالة وزير الدفاع.

أخبرني تارون تيجبال -محرر مجلة Tehelka- أنه لم يأذن بالتحقيقات التي تُجرى بتزوير الهوية إلا عندما لا يكون هناك طريق أخرى للوصول إلى الحقيقة. فيما يتعلق بقضيتنا، قال: “كان مودي وشاه محصنين للغاية، فليس من سبيل آخر للحقيقة”، وعليه أمرَ رنا بالمضي قدما.

بدأت رنا في إعداد التقرير متبعةً تمويهًا متقنًا، يعتمد على شهوة الظهور والغرور في مؤسسة كجارت السياسية. قالت: “يعاني الهنود من ضعف الاعتراف بهم في أمريكا…إن إغراء فكرة أن تكون مشهورًا في الولايات المتحدة كان أمرًا لا يقاوم عندهم”، فتحولت رنا إلى مايثيلي تياجي: طالبة أمريكية هندية في المعهد الأمريكي العالي للسينما والموسيقى في لوس أنجلوس، وزارت الهند لتسجيل فيلم وثائقي. كما ألفت قصة عن أسرتها، فوالدها كان أستاذًا للغة السنسكريتية ومحبًا للأفكار القومية الهندوسية. وأما عن شعرها المجعد المميز فقد قامت بتهذيبه وفرده وضمه بعضه إلى بعض. كما تدربت على اللهجة الأمريكية، ولجعل الأمر حقيقيًا أكثر استعانت بمساعد فرنسي يُدعى مايك. لم يعلم أحد ما كانت تفعله سوى والديها؛ وكانت على اتصال بهما بهاتف منفصل.

في خريف عام 2010، استأجرت رنا غرفة صغيرة في أحمد أباد. ولمدة ثمانية أشهر كانت تشق طريقها إلى النخبة المحلية مدعية أن فيلمها سيركز على سكان كُجارت الذين كانوا يزدهرون تحت قيادة مودي. قالت لي: “إن أكبر دعم لمودي يأتي من الكجاراتيين الأمريكيين… فقلت لهم إنني أريد مقابلة أكثر الأشخاص نفوذًا ممن يمكنهم أن يرووا لي قصة كجارت، وبالتأكيد سيخبرونني بما وراء الأكمة وما فعله مودي في السنوات الخمس عشرة الماضية”.

في البداية، لم يظهر الثنائي رنا ومايك إلا في المناسبات الاجتماعية غير السياسية، ليعتاد السكان المحليون على رؤيتهم ويألفوهم. وعندما بدأت تقترب من غايتها، أخذت ترتدي كاميرات وميكروفونات خفية تضعها في ساعتها وفي ملابسها وفي هاتفها. (عندما ذهبت لشراء الكاميرات المصغرة من متجر Spy Shop في نيودلهي، أخبرت البائع أنها كانت تحاول الإمساك بزوج زانٍ). كان الثنائي مرحبًا به في كل مكان تقريبًا. قالت رنا أنها كشفت تسجيلات لكبار المسؤولين في كجارت يتهمون فيها مودي وشاه مباشرة بارتكاب الجرائم والمخالفات. وافق مودي على مقابلتها لإجراء محادثة قصيرة في مكتبه، حيث عرض عليها الموظفون سيرته الذاتية لتطلع عليها. وأثناء المقابلة عرض مودي نسخه من كتب باراك أوباما. قائلًا “انظري إلى هذا الرجل، أريد أن أكون مثله ذات يوم”. تقول رنا “لقد صُعقت من دهائه ومكره، حينها عرفتُ أن مودي إما سيكون رئيسًا للوزراء فعلًا أوإنه سيُسجن”.

أخذت رنا نتائجها إلى محرريها، لكن بعد مراجعة النصوص قرر تيجبال عدم نشر التحقيق؛ فقد كانت المحادثات في الغالب من مسؤولين يلقون فيها بالتهمة على آخرين -غالبًا ما كانوا مودي وشاه-. أخبرني تيجبال أنه يحتاج إلى تحقيقات يعترف فيها الأشخاص بجرائمهم: “إن الأخلاقيات التي تحكم التحقيقات المبنية على تزوير الهوية تجعل هذه التحقيقات عديمة الفائدة إذا كان الشخص لا يتهم نفسه…إذا أتيت إليّ قائلًا: لقد أجريت محادثة مع شخص ما، وأخبرني أن توم وديك وهاري فاسدون، وأن توم أخذ أموالًا من كذا وكذا وهاري فعل كذا وكذا، هذا لا يعني شيئًا، تلك مجرد ثرثرة رخيصة”.

كانت رنا مقتنعة أن تيجبال استسلم للضغوط التي تعرض لها من BJP وقالت “لقد رضخ لهم…كنتُ داخل حاشية مودي وشاه، ووصلت لأقرب ما يمكن أن يصل إليه أي أحد” (أنكر تيجبال خضوعه واستسلامه للضغوط، وأيده محررون آخرون).

ولعزمها على نشر تحقيقها، كتبت رنا مسودة كتاب ووزعتها على الصحف والمجلات ودور النشر الإنجليزية، رفض الجميع مسودة الكتاب. قال بعضهم إن الكتاب كان حزبيًا جدًا، ورأى بعضهم أن أساليبها يمكن أن تعرضهم لدعاوى قضائية. أسر إليَّ عديدٌ من المحررين أنهم يعتقدون أن عمل رنا كان استثنائيًا وكاشفًا للحقائق، لكن كان نشره مستحيلًا. أخبرني كريشنا براساد -الذي كان آنذاك رئيس تحرير مجلة Outlook- “أردنا أن نقتبس أجزاء من الكتاب ونضعها في الصفحة الأولى من مجلتنا، لكن ما إن انتشر الخبر حتى توالت عليَّ المكالمات من هنا وهناك…ببساطة لا يمكننا فعل ذلك”.

بحلول عام 2012، أصبح مودي أشهر وأكبر أعضاء حزب بهاراتيا جاناتا، وبدا أنه سيترشح لمنصب رئيس الوزراء. قالت رنا: “عرف الجميع ما سيحدث…سيفوز مودي، ولن يرغب أحد في عزله”. تابعت رنا البحث عن ناشر، لكن بلا جدوى. أخبرتني أنها دخلت في موجة اكتئاب طويلة، وكانت تعيش على مضادات الاكتئاب للسنوات الأربع التالية. في عام 2013، اتُّهم تجيبال -محررها في مجلة Tehelka- بالاعتداء الجنسي، وقضى سبعة أشهر في السجن قبل إطلاق سراحه بكفالة. (لازال متمسكًا ببراءته، والقضية لا تزال جارية). انهارت المجلة بالكامل، وقالت رنا “اعتقدتُ أن هذه هي النهاية”.

عندما بدأ مودي ترشحه لمنصب رئيس الوزراء، في خريف عام 2013، لم يصور نفسه على أنه قومي متعصب، بل على أنه مدير ورئيس له رؤية كانت مسؤولة عن الطفرة الاقتصادية في كجارت، وكان شعار حملته “القادم أفضل”. أظهرت البحوث والبيانات أن اقتصاد ولاية كجارت لم يتحسن في فترته مقارنة بمن سبقه، لم يكن النمو الاقتصادي سوى “أسطورة محبوكة”، وفقًا لمحرر براساد السابق. ومع ذلك، فقد تسارعت كبرى الشركات في الهند لتمويل حملته.

كانت الدعامة التي يقف عليها مودي هي التصور الذي انتشر على نطاق واسع بأن حزب المؤتمر -الذي هيمن على السلطة طوال نصف القرن الماضي- قد تشبع بالفساد والطغيان، وعضد هذا أن إدارة عائلة غاندي -التي سيطر أفرادها على الحزب- لم يكونوا متفقين على كلمة واحدة، فقد أطلق الإعلام الهندي لقب “الزعيم المتردد” على راؤول غاندي رئيس الحزب (وحفيد نهرو).

على النقيض من ذلك، كان مودي وفريقه متسقين ومتجاوبين. قال لي أحد السياسيين الهنود الذي قابل غاندي ومودي: “ربما ترك أفراد عائلة غاندي رؤساء الوزراء الذين سافروا من جميع أنحاء البلاد لرؤيتهم ينتظرونهم لأيام، لم يكن الأمر يعني لهم شيئًا…لكن بالنسبة إلى مودي وأتباعه، فإنك تقابلهم بسهولة”. كان أعضاء الكونغرس الهندي يتصرفون كما لو كان لهم الحق المطلق في الحكم، في حين كان قادة حزب بهاراتيا جاناتا زاهدين وملتزمين ونأوا بأنفسهم عن الفساد، وبالنسبة إلى مودي -الذي يقال إنه يمارس عدة ساعات من اليوغا كل يوم- كان عادة ما يرتدي الثوب الشعبي البسيط، وكان أفراد عائلته يعملون في وظائف متواضعة وبعيدين للغاية عن المناصب الحكومية العليا؛ مهما كانت الادعاءات الأخرى التي قيلت عنه، فإنه لا يمكن اتهامه بالجشع المادي.

فاز حزب بهاراتيا جاناتا بأغلبية، ووُضع مودي على رأس الائتلاف الحاكم. وفور أن تقلد منصب رئيس الوزراء، فاجأ مودي كثيرًا من الهنود بمواجهة الناس بالمشاكل التي كانت معالجتها صعبة. إحدى هذه المشاكل كانت التغوط في الشوارع، وهو سبب رئيسي لتفشي المرض في جميع أنحاء الهند. في خطاب ألقاه في دلهي، أعلن مودي عن تدشين برنامج على مستوى البلاد لبناء مراحيض عامة في كل مدرسة، وهي جيدة وترضي كثيرًا من الهنود، حتى أولئك الذين يمكنهم تحمل تكاليف السباكة الداخلية. كما أدان مودي في عدة خطابات عمليات الاغتصاب الجماعي المنتشرة على نطاق واسع مستعملًا لغة عصرية، حيث قال: “يسأل الآباء بناتهم مئات الأسئلة قبل خروجهن…لكن هل يجرؤون على سؤال أبنائهم أين يذهبون؟”.

أوضحت هذه الإدانة اتجاهات مودي بوصفه زعيمًا وطنيًّا، أو على الأقل جزء منها. عندما كان ناشطًا شابًا، أخذ صك العزوبة، ولم تصدر عنه أي إشارة علنية لمخالفته. متحررًا من عبء من الالتزامات العائلية، كان مودي يعمل باستمرار. قال من رأوه إنه ينضح حيوية بدت وكأنها تعوض وحدته وعزلته. قال لي أحد السياسيين الهنود: “عندما يكون لديك هذا النوع من السلطة، وهي نوع من العشق، فلست بحاجة إلى رومانسية”. في كجارت، ركز مودي على المشاريع الضخمة، ودعم صناعة السيارات وأدخل الكهرباء إلى القرى، وبدأ إصلاحًا شاملًا لقوانين الإفلاس، وشرع في حملة لبناء الطرق بمليارات الدولارات.

نجحت جهود مودي في تحويل صورته في الغرب. في الولايات المتحدة، رحب كتاب الأعمدة في الصحف بانحيازه للأسواق والكفاءة. علاوة على ذلك، كسب مودي دعم شبكة واسعة من الأميركيين الهنود الذين احتفوا بنجاحه في وضع الهند على المسرح العالمي. رفعت إدارة أوباما بهدوء حظرها عن مودي. عندما التقى مودي أوباما -ولم يكن قد مضى وقتٌ طويل على توليه منصبه- زار الاثنان النصب التذكاري لمارتن لوثر كينغ، الرجل الذي ادعى مودي أنه معجب به. وخلال إقامته، عقد مودي اجتماعًا مع أوباما وكانت هناك مأدبة عشاء، لكنه وضع طهاة البيت الأبيض في مشكلة: لقد كان موعد صيام نافاراتري، وهو عيد هندوسي، وبالتالي لم يتناول إلا الماء أثناء الاجتماع.

أخبرني السياسي الهندي، الذي التقى بمودي خلال فترة ولايته الأولى، أنه على الصعيد الشخصي كان شديد الفضول والحزم؛ إلا أنه ليس غضوبًا ضيق الصدر، فقد مازحه بشأن القرود التي تفسد حديقته، وناقش بسعادة خطط المشاريع التي كانت تشغل باله وعلى رأسها المياه: كانت احتياطات المياه الجوفية في الهند تتراجع بسرعة (فقد انخفضت بنسبة واحد وستين في المئة في العقد الماضي)، وكان مودي يحاول الاستعداد لمستقبل يمكن أن تصاب فيه البلاد بالجفاف. عرض أيضًا خلال الاجتماع قائمة مفصلة بالدول التي كانت في حاجة إلى العمالة -محامين ومهندسين وأطباء- التي يمكن أن توفرها الهند، نظرًا لعدد الخريجين الضخم. قال السياسي: “إنه ذكي، شديد التركيز… وصحيحٌ أنه متشدد وعنصري بعض الشيء”.

لم يمض وقت طويل على تولي مودي السلطة إلا وأُقفلت قضية سهراب الدين شيخ التي تورط فيها صديقه القديم أميت شاه. بحلول عام 2014، امتنع شاه عن حضور جلسات الاستماع، وعندما أمره القاضي بضرورة المثول أمام المحكمة، سُحب منه القضية، في تحدٍ واضح لسلطة المحكمة العليا.

كما اشتكى القاضي الجديد بريجوبال لويا من عدم حضور شاه للمثول أمام المحكمة، وقال لعائلته وأصدقائه أنه يتعرض “لضغوط كبيرة” لرفض القضية، وأن رئيس المحكمة العليا في بومباي قد عرض عليه ستة عشر مليون دولار لتبرئة شاه. (لم نتمكن من الوصول إلى رئيس المحكمة العليا للتعليق على هذا الادعاء). تُوفي لويا بعد فترة طويلة في ظروف غامضة، وقال تقرير الطبيب الشرعي إنه عانى من نوبة قلبية، لكن بحسب “كارافان” -وهي مجلة إخبارية هندية رائدة- يبدو أن التفاصيل الواردة في التقرير مزورة، فإن الترتيبات اللازمة لإعادة جثة لويا إلى أسرته لم يتكفل بها مسؤولو الحكومة، بل أحد أعضاء منظمة RSS، وعندما وصلت الجثة كانت ملطخة بالدم. طلبت عائلة لويا إجراء تحقيق رسمي في وفاته لكن لم يلتفت إليهم أحد.

أحيلت قضية شاه إلى قاض ثالث هو م. ب. جوسافي الذي رفض جميع التهم الموجهة إلى أميت شاه بعد أقل من شهر، قائلًا إنه لم يجد “أسبابًا كافية لاستمرار القضية”. وكل الجهود اللاحقة لمحاسبة أي شخص عن وفاة سهراب الدين شيخ لم تنجح في شيء. ومع اقتراب محاكمة المتهمين المتبقين، انقلب 92 شاهدًا ضد النيابة وغيروا أقوالهم، حيث قال بعضهم إنهم يخشون على حياتهم؛ فحصل المتهمون على البراءة. نُقِل راجنيش راي -الضابط المكلف بالتحقيق مع شاه- واستبعد من القضية، وعُلق طلبه للتقاعد المبكر.

في الوقت الذي أسقطت فيه التهم عن شاه ومن معه، كان مودي قد عين شاه رئيسًا لحزب BJP ورئيسًا للائتلاف الحاكم، مما يجعله فعليًا ثاني أقوى رجل في البلاد.

في عام 2016، بعد أربع سنوات من محاولة العثور على ناشر لكتابها، قررت رنا تحمل كلفة النشر، ومن أجل ذلك، باعت المجوهرات الذهبية التي كانت والدتها تدخرها لها من أجل زفافها. قالت لي وهي تضحك: “لم أكن أخطط للزواج قريبًا على أي حال”. وبالفعل وجدت رنا دار نشر على استعداد لطباعة المخطوط دون قراءته أولًا، وعقدت صفقة مع موزع كتب لمشاركة أي أرباح، كما أقنعت صديقة مصممة بتصميم غلاف متشائم يتناسب مع موضوع الكتاب. كانت رنا في مأمن من الملاحقة، وذلك لأن الكتاب باللغة الإنجليزية، ومن ثم فلن يقرأه إلا النخبة في الهند، وهي مجموعة صغيرة جدًا لا تعنى بأغراض حزب BJP. في شهر مايو، طُرح الكتاب للبيع على أمازون وفي المكتبات في جميع أنحاء البلاد، وسمته “ملفات كُجارت: كشف المستور”.

تضمن الكتاب أبرز المناقشات التي أجرتها رنا مع كبار المسؤولين محاولةً معرفة ما حدث خلال رئاسة مودي وشاه للدولة. لم يخرج الكتاب بالجودة المطلوبة، يمكن قراءته كمسودة أو كتيب للمهتمين بالسياسة، وذلك لأن مؤلفته لم يكن لديها ما يكفي من الوقت لتمحيصه ومراجعته وضبط علامات الترقيم، أوتوضيح الاختصارات أوالخوض في الخلفية التاريخية للقضايا التي ناقشتها. قالت لي: “لم يكن لدي مصادر للتفكير في كل ذلك…أردت فقط أن يخرج الكتاب إلى النور وأن أنشر تلك التحقيقات”. تكمن أهمية الكتاب في أنه يُشعر قارئه وكأنه موجود في حفل يضم حشدًا كبيرًا من القوميين الهندوس، ويتحدث بصراحة عن تلك الأسرار التي طُويت منذ فترة طويلة. قالت رنا “هنا مربط الفرس…الجميع يسمع الحقيقة، ولكن لا يمكنك التأكد؛ لكن في كتابي، فالحقيقة تصلك من مصدرها مباشرة”.

ومن بين من “لمزتهم” رنا في كتابها وزير داخلية كجارت أثناء أعمال الشغب أشوك نارايان. وبحسب ما قالته رنا، فإن نارايان قال إن مودي سمح للقوميين الهندوس باستعراض جثث ضحايا هجوم القطار، فحذره من أن “الأمور ستخرج عن السيطرة” ولكن دون جدوى، وعندما قاوم، تجاهله مودي. قال ناريان “إن جلب الجثث إلى أحمد آباد هو ما تسبب في كل هذه الفوضى، لكنه في النهاية كان قرار مودي وحده”.

وأضاف نارايان أن V.H.P -الذراع الدينية لمنظمة RSS- خططت واستعدت لشن هجمات واسعة النطاق على الجالية المسلمة وتبحث فقط عن ذريعة. قال نارايان “كل ذلك كان بتخطيط من قبل نائب الرئيس، كان الأمر مروعًا”، مضيفًا أنه يعتقد أن مودي كان على علم بالخطة منذ البداية، “لقد كان يعرف كل شيء.”

قال ج. سي رايجار-أحد كبار ضباط الشرطة- لرنا أن الخطة الأولية كانت السماح للهندوس بانتقام محدود ردًا على الهجوم، لكنه قال إن العنف انتشر بسرعة كبيرة لدرجة أن حكومة مودي لم تعد قادرة على إيقافه: “لم يرغبوا في استخدام القوة ضد المشاغبين، ولهذا خرجت الأمور عن السيطرة”.

كما قال رايجار -من بين آخرين- لرنا إن قرار السماح بالانتقام من المسلمين لم يتبع سلسلة القيادة العادية، فقد صدر من المسؤولين حول مودي إلى ضباط الشرطة الذين يعتقد أنهم يُضمرون العداوات الطائفية. وقال رايجار عن المسؤولين الآخرين: “أنهم كانوا سيخبرون الناس الذين قهروهم في الماضي، ومن ثم سيعرفون من كان يساعدهم”

تحدث بعض المسؤولين عن عمليات القتل العشوائية التي كانت منتشرة بصورة ملحوظة، كما لو كان المسلمون يستحقون القتل. وقال مفوض الشرطة السابق في أحمد آباد ب.سي باندي: “كانت هناك أعمال شغب في الأعوام 85 و87 و 89 و 92، وفي معظم الأوقات تعرض الهندوس للضرب، وكان للمسلمين اليد العليا…في هذه المرة عام 2002، كان يجب أن يحدث ذلك، لقد كان انتقامًا للهندوس”.

بيَّن باندي منطقه لأيوب قائلًا: “ها هي مجموعة من المسلمين يذهبون ويضرمون النار في قطار، فماذا سيكون رد فعلك؟”

قالت: “ترد لهم ضربتهم”.

“نعم، نرد الصاع صاعين…إنها فرصتنا لنرد عليهم، ما المشكلة في هذا؟ من سيمانع؟”. وكتبت أيوب إن أحاديث كهذه أقنعتها بأن أعمال الشغب قد حدثت لأن المسؤولين أرادوا، تحدث “كان الأمر كما لو أن الأجزاء المفقودة من الصورة الكاملة بدأت تتضح”.

قال ضباط عديدون أيضًا إن شاه ترأس عمليات القتل خارج سلطة القضاء، بما في ذلك قتل سهراب الدين شيخ والشهود على مقتله. عززت المحادثات حول شاه قناعة أيوب بأن عددًا من المشتبه بهم جنائيًا قد قُضِي عليهم بطريقة مماثلة، وكتبت: “كان من الواضح أن تلك المواجهات لم تكن سوى مظاهر، وما خفي كان أعظم”.

في البداية، لم يحقق الكتاب رد الفعل الذي توقعته رنا. كان هناك حفل توقيع في نيودلهي، حضره معظم الكتاب والمحررين السياسيين الرئيسيين في البلاد، لكن لم تذكر أي صحيفة شيئًا عنه في اليوم التالي. كانت الصحف بطيئة في مراجعة الكتاب، لكنها انطلقت من تلقاء نفسها، وخاصة على أمازون، بفضل سمعة رنا كصحفية. أدى إصدار طبعة هندية في عام 2017 إلى وصول الكتاب إلى شريحة أوسع من الجمهور.

تقول رنا أيوب أنه حتى الآن، وصلت مبيعات الكتاب إلى 600 ألف نسخة، وتُرجم إلى ثلاث عشرة لغة. وقد دعيت رنا للتحدث في الأمم المتحدة وفي المؤتمرات الصحفية حول العالم. قال لي هارتوش سينغ بال، المحرر السياسي في مجلة The Caravan “إن ما يجعل ما ورد في الكتاب مقنعًا هو معرفة أن هؤلاء هم أكبر المؤثرين فيما حدث، وأنهم كانوا يتحدثون في لحظات خالية من الرقابة، وهم يؤكدون ويضيفون إلى ما لدينا بالفعل من كل مصدر آخر حتى الآن. ولكن لم نتمكن من الحصول على تلك المعلومات من داخل الحاشية، هذا لا يحدث كثيرًا، الأمر أشبه بوضع مكبر صوت في قلب الغرفة مع الأشخاص الذين يعرفون كل شيء”.

ربما كان العامل الرئيسي الذي جعل كتاب “ملفات كجارت” يحدث ضجة كبيرة هو المناخ الذي ظهر فيه، فإنه بحلول عام 2016 -بعد عامين من ولاية مودي الأولى- كان في خضم حملة لسحق أي صوت أو تيار يعارض النظام الجديد.

في أبريل 2018، كانت رنا تجلس مع صديقة في مطعم في نيودلهي عندما نبهها أحد مصادرها إلى وجود فيديو رائج على الإنترنت يتداوله مناصرو حزب BJP. أرسل لها المقطع، وعند تشغيله اكتشفت أنه فيديو إباحي يُظهر تورط رنا في أفعال جنسية فاضحة، قالت: “انفجرت بالبكاء وتقيأت”.

انتشر المقطع بسرعة، وشق طريقه من WhatsApp إلى Facebook إلى Twitter، وأعيد تغريده ومشاركته مرات لا تحصى. كما توالت الرسائل الغاضبة عليها مرفقة بالفيديو، راسلها رجل اسمه Himanshu Verma قائلًا “مرحبًا أيتها العاهرة” في رسالة مباشرة على Facebook.

كان الفيديو هو الجزء الأكثر شناعة ودناءة في حملة إعلامية بدأت بعد نشر كتاب أيوب بوقت قصير. لُفِّقَت لها تغريدات تطالب فيها بالتساهل مع المسلمين الذين اغتصبوا الأطفال، وتبعتها تغريدات أخرى مزورة، تُعلن في إحداها كراهيتها الهند. وردًا على ذلك، كتب شخص يدعى فيجاي سينج تشوهان، “لو رأيتك لقطعت رأسك، سنخبر العالم كله بما نفعله تجاه العاهرات أمثالك. احزمي حقيبتك وعودي إلى باكستان”.

كثيرا ما تتعرض الصحفيات في الهند إلى أقبح الإساءات. كانت التهديدات التي تلقتها رنا أيوب مماثلة تقريبًا لتلك التي تلقتها جوري لانكيش، صحفية وناشرة من ولاية كارناتاكا الجنوبية. ومثل رنا، كانت لانكيش قد نددت بقوة بالقومية الهندوسية والعنف ضد النساء والطبقات الدنيا، ونشرت أيضًا كتاب رنا باللغة الكانادية، اللغة السائدة في الولاية. قالت رنا: “كنا مثل الأخوات”. في سبتمبر 2017، بعد أن تعرضت لانكيش لحملة طويلة من الهجمات عبر الإنترنت، قتلها رجلان خارج منزلها وهربا على دراجة نارية.

أخبرتني نيها ديكسيت -التي قامت بعمل تقارير رائدة عن حزب بهاراتيا جاناتا- أنها تتلقى تهديدات مستمرة بالقتل، وتُرمى بأقذع الإهانات الجنسية: “أتلقى يوميًا ثلاثمئة إشعار كلها إهانات جنسية ما بين صور ومحادثات وتهديد بالاغتصاب”. بالنسبة إلى ديكسيت والأهداف الأخرى لهذه الحملات، كان من الواضح والمثير للقلق أن الانتهاكات معتمدة من قبل حلفاء مودي البارزين. أطلعتني رنا على تغريدة عن الفيديو الإباحي من فايبهاف آغاروال، وهي شخصية إعلامية تتحدث باسم BJP، جاء في نصها: “أتريد أن ترقص في المطر وتغمرك المياه، ولا تصاب بالتهاب رئوي!” تعني أنها تستحق أي إساءة تتعرض لها. في يونيو، أعيد اقتباس تغريدة رنا المزيفة حول اغتصاب الأطفال من قبل عضو بارز في حزب BJP هو أشوكي باندت، وترجم الاقتباس عن الإنجليزية إلى الهندية ونشره على صفحة Facebook تُسمى بـ “جيش يوغي أديانتاناث” (محبي رئيس وزراء BJP في ولاية أوتار براديش).

وصف باتريك سينها Pratik Sinha، مهندس برامج سابق ومؤسس Alt News التي تتتبع التضليل عبر الإنترنت، عملية ذكية لشبكة من وسائل الإعلام تعمل لصالح الحزب. في عام 2017، اكتشفت مجموعته اكتشافًا نموذجيًّا عندما نشر موقع مؤيد لـ B.J.P على شبكة الإنترنت يسمى Hindutva.info مقطع فيديو عن عملية قتل مروعة تناقلته وسائل التواصل الاجتماعي كدليل على أن المسلمين يقتلون الهندوس في ولاية كيرالا، ثم روّج بونيت شارما -أحد مبشري منظمة RSS وقد تابعه مودي على تويتر- الفيديو قائلًا إنه يجب أن يجعل “الدم يغلي” في عروق الهندوس. ولكن عندما تتبعت Alt News الفيديو إلى مصدره اتضح أنه يصور قتل عصابة في المكسيك.

أخبرني سينها أنه يعتقد أن أكثر المنشورات العدوانية على التواصل الاجتماعي مصدرها “خلية معلوماتية” غير رسمية وممولة من قبل أنصار الحزب، وقال إن الأشخاص المنتسبين إلى حزب BJP يدعمون الدعاية الموالية لمودي ويهاجمون منتقديه “إنهم منظمون وسريعون… لقد أوقفوا عملهم في كجارت منذ فترة طويلة”.

بمجرد أن أحكم مودي قبضته على الحكومة، شرع في استخدام سلطته لإسكات منابع المعارضة الرئيسية. في عام 2016، تحركت إدارته لسحق وتحطيم شبكة الأخبار التلفزيونية NDTV. منذ بداية بثها على الهواء في عام 1988، كانت المحطة واحدة من أكثر القنوات الإخبارية حيوية ومصداقية. هذا الربيع، عندما كانت الأصوات تُفرز في الانتخابات العامة، تلقى موقعها على شبكة الإنترنت 16.5 مليار زيارة في يوم واحد. وفقًا لشخصين على دراية بالوضع، سحبت إدارة مودي جميع الإعلانات الحكومية تقريبًا من الشبكة –وهي أحد مصادر الدخل الرئيسية للقناة- وضغط أعضاء مجلس وزرائه على الشركات الخاصة للتوقف عن بيع الإعلانات لهم، وكانت النتيجة أن سرّحت NDTV مؤخرًا حوالي أربعمئة موظف، وهو ما يعادل ربع موظفيها. يقول الصحفيون الذين بقوا إنهم لا يعرفون إلى متى يمكنهم الاستمرار. قال لي أحدهم: “إنها أوقات عصيبة”.

في ذلك العام، وجد الصحفي كاران ثابار -الذي سأل مودي عما إذا كان يرغب في التعبير عن ندمه على أعمال الشغب في كجارت- أنه لن يظهر معه أي عضو من أعضاء الحزب في برنامجه الليلي بعد الآن. وفجأة، بعد أن كان الصحفي التلفزيوني الأبرز في البلاد، أصبح ثابار عاجزًا عن تغطية الأحداث السياسة بصورة هادفة. ثم اكتشف أن أعضاء مجلس الوزراء وحاشية مودي يضغطون على رؤسائه لإيقافه. قال لي ثابار: “إنهم يحولونك إلى شيطان… تلك ليست أوامر مكتوبة، إنها محادثات، قالوا لي بعد ذلك “نعتقد أنه ليس من الصائب الحديث عن تلك الأحداث الآن” (بالمقابل، نفت الشبكة التي كان يعمل بها “الهند اليوم” أنها ترضخ لـ “ضغوط الخارجية”) في عام 2017، أعرب أصحاب العمل عن ترددهم في تجديد عقده، لذلك غادر الشبكة.

لم يسلم المحررون المغامرون من حكومة مودي أيضًا. في العام الماضي، أنتج بوبي غوش، محرر صحيفة هندوستان تايمز -إحدى أكثر الصحف مهنية واحترافية في البلاد- سلسلة تتبع العنف ضد المسلمين، وبعد يوم من مقابلة مودي مالك الصحيفة شخصيًا، طلب من غوش مغادرة الجريدة. في عام 2016، أجرت مجلة Outlook تحقيقًا مزعجًا بقلم نيها ديكسيت، حيث كشفت أن منظمة R.S.S عرضت على عشرات الأطفال المحرومين في ولاية آسام التكفل بتعليمهم ثم أرسلتهم لتجنيدهم في معسكرات قومية هندوسية على الجانب الآخر من البلاد. وفقًا لشخص مطلع على الوضع، تعرض مالكو Outlook -وهم أفراد إحدى أغنى العائلات في الهند، والتي تعتمد أعمالها على الموافقات والتسهيلات الحكومية- لضغوط من إدارة مودي، وقال المصدر:”كانوا سيدمرون إمبراطوريتهم”. بعد فترة وجيزة، استقال كريشنا براساد محرر المجلة آنذاك.

قالت رنا وديكسيت إنه ما من صحافة سائدة تستطيع أن تمول عملها ذاتيًا، لذلك “فكثير من المراسلين الجادين في الهند يعملون لحسابهم الخاص، ما من مكان لنذهب إليه”. حتى الأخبار التي يجب أن تسبب فضيحة لم يعد لها تأثير يذكر. في يونيو، أفادت هيئة مراقبة الأعمال أن حكومة مودي كانت تضخم أرقام نمو الناتج المحلي الإجمالي ضعفين تقريبًا، أثار التقرير غضبًا عامًّا، لكن مودي لم يعتذر، ولم يُرغَم أي مسؤول على الاستقالة.

فقط عدد قليل من الصحف والمجلات تقدم تغطية جيدة منتظمة، أبرزهم The Caravan وموقع إخباري يُدعى The Wire، يوظفان ما مجموعه سبعين صحفيًا، وهو عدد بالكاد يكفي لتغطية مدينة كبيرة ناهيك عن بلد يضم أكثر من مليار شخص. في عام 2017، بعد أن نشر The Wire تحقيقًا يفحص المعاملات التجارية المشكوك فيها التي يقوم بها نجل أميت شاه، بدأ وزراء مودي في الضغط على الرعاة الذين يدعمون الموقع للتوقف عن تقديم التمويل. وقدم نجل شاه -الذي نفى هذه المزاعم- دعوى قضائية تتكبد الصحيفة أموالًا طائلة كي تقدم دفاعها. أخبرني سيدهارت فاراداراجان -المحرر والمؤسس للموقع- أنه لا يقاتل الحكومة فحسب، بل أيضا وسائل الإعلام المتواطئة، وقال: “نعتقد أن الناس في هذا البلد يقدرون حرياتهم وديمقراطيتهم إلى حد كبير، وأنهم سيفيقون عندما يشعرون بحرياتهم تتآكل؛ إلا أن السواد الأعظم من وسائل الإعلام مشغولٌ بتضليلهم وإخبارهم بشيء مختلف تمامًا”.

غالبًا ما يتلقى أنصار مودي الأخبار من شبكة تلفزيون الجمهورية، تلك الشبكة التي لا تألو جهدًا في إشعال الفتن، والتشهير العام، وكيْل الإهانات اللاذعة للجميع -باستثناء أنصار مودي-. هناك أيضًا قناة فوكس نيوز التي تشبه إلى حد كبير قناة Newshour على شبكة BBC. تأسست في عام 2017 بدعم من حزب B.J.P، ونجم تلفزيون الجمهورية: أرناب جوسوامي، خريج أكسفورد ذو الشعر الناعم، الذي يقف بالمرصاد لكل معارضي مبادرات مودي. في برنامج آخر من عام 2017 اقترح جوسوامي قانونًا يفرض على دور السينما عزف النشيد الوطني، وسأل عما إذا كان ينبغي مطالبة الناس بالوقوف عند سماعه، فقال ضيفه واريس باتان -عضو مجلس النواب المسلم- بأن تلك المسألة يجب أن تكون متروكة لحرية الجمهور، فصاح جوسوامي “لماذا لا يمكنك الوقوف؟”، وقبل أن يتمكن باتان الإجابة صرخ جوسوامي مرة أخرى “لماذا لا يمكنك الوقوف؟ ما مشكلتك في ذلك؟” حاول باتان أن يجيب، لكن جوسوامي لم يمنحه أي فرصة، وأخذ يصيح “سأخبرك لماذا… سأخبرك، لا تكن معاديا للوطنية! لا تكن معاديا للوطنية! لا تكن معاديا للوطنية!”.

هذا الغياب التام للصحافة المهنية الجادة منح مودي حرية هائلة للتحكم في السرد، ولم يظهر هذا في أي مكان أكثر مما كان عليه في الأشهر التي سبقت إعادة انتخابه في عام 2019. بدعم من حلفائه من رجال الأعمال، أطلق مودي حملة انتخابية قيل إنها تكلفت حوالي خمسة مليارات دولار. (التكلفة الدقيقة غير معروفة بسبب ضعف قوانين تمويل الحملات). ومع اقتراب التصويت، كانت شعبية مودي في هبوط مستمر بسبب الأداء الضعيف على المستوى الاقتصادي. في 14 فبراير، فجَّر انتحاريٌ سيارة محملة بالمتفجرات في قافلة عسكرية هندية في كشمير، أسفر التفجير عن مقتل أربعين جنديًا. أدى الهجوم إلى إنعاش شعبية مودي: حيث ألقى سلسلة من الخطب الحربية، وأصر على أن “دماء الناس تغلي!” وألقى تبعة الهجوم على باكستان -خصم الهند اللدود- وأرسل آلاف القوات إلى كشمير. وأطلق أنصار BJP هجومًا على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث هاجموا باكستان وأشادوا بمودي ووصفوه بأنه “نمر”. تضمنت إحدى منشورات وسائل الإعلام التي انتشرت انتشار النار في الهشيم تسجيلًا هاتفيًا لمودي يعزي أرملة، اتضح بعد ذلك أن التسجيل من في عام 2013.

في 26 فبراير، أمر مودي بشن غارات جوية ضد ما ادعى أنه معسكر تدريب للمتشددين في بلدة بالاكوت. وصفت المصادر الموالية للحكومة الغارات بأنها انتصارٌ هائل، وبثوا صورًا لمناظر طبيعية مدمرة، وزعموا -نقلًا عن مصادر رسمية- أن الهجوم استهدف ثلاثمئة مقاتل. لكن المراسلين الغربيين الذين زاروا الموقع لم يجدوا أي دليل على وقوع وفيات. لم يكن هناك سوى مجموعة من الحفر، ومنزل مدمر، وبعض الأشجار المتساقطة. تبين أن كثيرًا من المنشورات والأخبار التي بثتها المصادر الموالية لمودي هي محض تلفيقات. وأشار براتيك سينها، من شبكة Alt News، إلى أن الصور التي تدعي تصوير متشددين باكستانيين قتلى لم تكن سوى صور لضحايا موجة حارة. صور أخرى، من الواضح أنها لضربات جوية، اتضح أنها مقتبسة من لعبة فيديو تسمى Arma 2.

ولكن، عندما يكون مئات الملايين من سكان البلد أميين أوقريبيين من الأمية، فمن السهل أن تنطلي عليهم تلك الحيل، وتصبح مهمة مودي أسهل. تزايدت الأصوات المؤيدة لمودي في استطلاعات الرأي واستطاع أن يحظى بكرسي السلطة، وبالنسبة إلى حزب B.J.P فقد فاز بأغلبية في مجلس النواب، مما جعل مودي أقوى رئيس وزراء منذ عقود. أخبر أميت شاه -نائب مودي- مجموعة من العاملين في الانتخابات أن شبكات وسائل التواصل الاجتماعي للحزب كانت عاملًا مهما في النصر “هل تفهم ما أعنيه؟ نستطيع إيصال أي رسالة نريدها للجمهور، سواء كانت حلوة أومرة، صحيحة أومزيفة”.

وفقًا لكثيرين، كشفت استراتيجية مودي سرًا فظيعًا في قلب المجتمع الهندي: إذا استطاع رئيس البلاد أن ينشر الخطاب الطائفي الخبيث، فيمكنه أن يقنع الهندوس بمنحه سلطة لا حدود لها ولا رادع. في الأشهر التالية، قدمت حكومة مودي سلسلة من المبادرات الاستثنائية التي تهدف إلى ترسيخ الهيمنة الهندوسية كان أبرزها -إلى جانب إلغاء الوضع الخاص لكشمير- إجراء يهدف إلى سحب المواطنة مما يصل إلى مليوني مقيم في ولاية آسام، وقد عبر كثيرٌ منهم الحدود من الدولة الإسلامية في بنغلاديش قبل عقود. في سبتمبر/ أيلول، بدأت الحكومة في بناء مراكز احتجاز للسكان الذين أصبحوا غير قانونيين بين عشية وضحاها.

تملك اليأس كثيرًا من الهنود الذين لا يزالون متمسكين بالرؤية العلمانية والشاملة لمؤسسي البلاد[غاندي ونهرو]. قال لي براساد -محرر Outlook السابق- “كان غاندي ونهرو شخصيات عظيمة وتاريخية، لكنني أعتقد أن الأمر لم يكن إلا طفرة لن تتكرر، الأمر مختلف جدًا الآن: لقد انهارت جميع المؤسسات وتفككت من الجامعات ووكالات التحقيق والمحاكم ووسائل الإعلام والوكالات الإدارية والخدمات العامة، وأعتقد أنه لا توجد إجابة منطقية لما حدث، باستثناء أننا تظاهرنا بأننا لازلنا كما كنا منذ خمسين أو ستين سنة، لكننا الآن نعود إلى ما كنا نريده دائمًا وهو اضطهاد الأقليات، والتضييق عليهم، وتحديد إقامتهم، وغزو كشمير، وتدمير وسائل الإعلام، وجعل الشركات خادمًا للدولة، وكل هذا تحت مظلة التجديد الهندوسية. أصبحت الهند البلد الذي لطالما أرادت أن تكون”.

في 31 مارس 2017، توجه مزارع ألبان مسلم يدعى بهلو خان ​​إلى مدينة جايبور مع عدد من الأقارب لشراء زوج من الأبقار لمشروعه. في طريق العودة إلى المنزل، اعترضه ثلة من الرجال وقطعوا الطريق وحاصروا شاحنتهم واتهموه بالتآمر لبيع الأبقار مقابل اللحوم. يعتبر الهندوس الأبقار مقدسة، وتحظر معظم الولايات الهندية قتلها. ولكن من القانوني بشكل عام أن يؤكل لحم الأبقار التي ماتت طبيعيًا، وأن تُدبغ جلودها، وغالبًا ما يقوم بهذه الوظائف المسلمون والهندوس من الطبقة الدنيا، مما يجعلهم عرضة لاتهامات كاذبة. أخرج الرجال خان وأقاربه من الشاحنة وضربوهم وهتفوا بألقاب معادية للمسلمين. قال أجمات، ابن أخته:”عرضنا عليهم تصريح شراء البقر، ولكن هذا لا يهم”. نُقل خان إلى المستشفى حيث توفي بعد ذلك بوقت قصير.

اتهم أقارب خان تسعة رجال معظمهم كانوا أعضاء في Bajrang Dal أحد فروع منظمة RSS. ظاهريًا هي مجموعة شبابية، لكن غالبًا ما توفر Bajrang Dal أفراد الأمن مفتولي العضلات لأعضاء حزب B.J.P، وقد تورطت في سلسلة من عمليات قتل المسلمين في جميع أنحاء البلاد.

في جايبور، قابلت أشوك سينغ -رئيس فرع راجستان من منظمة Bajrang Dal- أخبرني سينغ أنه ورجاله ملزمون بالدفاع عن الأبقار من السرقة والقتل، ثم تحدث لعدة دقائق عن قداسة البقرة، وقال إن كل حيوان منها يحتوي على ثلاثمئة وستين مليون إله، وحتى روثه يحتوي على إكسيرات مفيدة للبشر، ثم قال عن المسلمين: “إنهم يقطعونهم ويقتلونهم؛ إنها مؤامرة”، واعترف بأن أعضاء منظمته شاركوا في قطع الطريق على خان، لكنه أصر على أن أشخاصًا آخرين تورطوا في القتل، “كانت فوضى لم نستطع السيطرة عليها”.

قُبض على المهاجمين الذين حددهم أقارب خان واتهموا، لكن الرأي العام كان لصالحهم بقوة. بعد أن رفض المدعي العام اعتبار أي شهادات لشهود العيان أومقاطع فيديو من الهواتف الخلوية من الأدلة، وكانت النتيجة أن بُرِّئ جميع المتهمين. قال لي قاسم خان، محامي الأسرة، “لقد تلاعبوا بالقضية، كانت النتيجة محددة مسبقًا قبل المحاكمة دون حاجة إلى أدلة أو شهود”.

وفقًا لـ FactChecker -وهي منظمة تتتبع العنف الطائفي من خلال مسح تقارير وسائل الإعلام- كانت هناك ما يقرب من ثلاثمئة جريمة كراهية بدافع ديني في العقد الماضي، كلها تقريبًا منذ أن أصبح مودي رئيسًا للوزراء. قتلت الجماعات الهندوسية عشرات الرجال المسلمين، وأصبحت جرائم القتل التي يحرض عليها أعضاء Bajrang Dal تُعرف باسم “إعدام بدون محاكمة”، وتثير رعبًا كالذي اجتاح الجنوب الأمريكي بعد فترة إعادة الإعمار. كانت الإعدامات والقتل مدفوعة بالهستيريا التي عززتها منظمة RSS ومؤيدوها، وزعمهم أن أغلبية عظمى تقارب مليار شخص، كانت ضحية أقلية أصغر بكثير.

عادة لا يقول مودي شيئًا عندما يُعدم المسلمون، وبما أنه نادرًا ما يعقد مؤتمرات صحفية، فإنه لا يُسأل عنهم أبدًا، لكن أنصاره غالبًا ما يحيُّون القتلة. في يونيو/ حزيران 2017، ضُرب رجل مسلم يدعى علي الدين أنصاري حتى الموت في قرية رامجرة حيث اتُهم بتهريب البقر.  أدين 11 رجلًا، بمن فيهم زعيم محلي من حزب BJP، لكن في يوليو الماضي أطلق سراح جميع المتهمين بانتظار الاستئناف. عند إطلاق سراحهم، التقى جايانت سينها -وزير الطيران المدني من حزب BJP- ثمانية منهم. حياهم سينها -خريج جامعة هارفارد ومستشار سابق لشركة McKinsey & Company- وأهداهم أكاليل الحرير وقدم لهم الحلوى، وقال حينها “كل ما أفعله هو احترام الإجراءات القانونية الواجبة”.

في شمال الهند، أثار القوميون الهندوس الذعر وأشعلوا فكرة أن الرجال المسلمين شنوا حملة سرية لإغواء الهندوسيات بالزواج والبغاء. وكما هو الحال مع هستيريا قتل البقر، تبدأ الضجة في الغالب على وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات مثل WhatsApp، حيث تنتشر الشائعات عشوائيًّا. الفكرة -المعروفة باسم “جهاد المتعة”- متجذرة بشدة في صورة الذكر المسلم المتشدد الذي يفترس الهندوسيات الجميلات. في كثير من المناطق، فإن أي رجل مسلم يُشاهد مع امرأة هندوسية يواجه خطر التعرض للهجوم. قبل عامين، شكل يوجي أديتياناث -أحد وزراء حزب B.J.P- “فرق الإمساك بروميو” تلاحق الرجال المسلمين الذين يعتقدون أنهم يحاولون إغواء الهندوسيات.  تخلى الحزب عن تلك المبادرة بعد أن ضربت العصابات عدة رجال هندوس بطريق الخطأ.

في قرية في هاريانا، تحدثت مع شابة هندوسية تدعى عائشة، قابَلَت عائشة قبل عام رجلًا مسلم يدعى عمر، وهو ممارس للطب الروحي كان يزور منزلها لعلاج والدتها. أحبا بعضهما، وقررا أن عائشة ستتحول إلى الإسلام ويتزوجان. قالت إن عائلتها أصيبت بالرعب من قرارها. وذات ليلة، هربت عائشة مع عمر إلى قريته التي تبعد بضعة أميال، حيث تزوجا في مسجد، وانتقلت للعيش مع أقاربه. قالت عائشة أنه لعدة أشهر حاولت عائلتها إقناعها بالطلاق، وفي لحظة ما، أحضر والدها إليها مسدسًا ورسالة انتحار لتوقعها. قالت: “كنت حزينة للغاية، ووافقت على طلبه”.

ذات ليلة، ركب عمر دراجته، وتبعه رجلان على دراجات بخارية، ثم أشهر أحدهم مسدسه وأطلق النار على عمر. ظلت عائشة مع عائلة عمر قائلة إنها لن تعود أبدًا إلى عائلتها، وقالت: “أنا متأكد مئة في المئة أن أسرتي مسؤولة عن وفاة زوجي”.

عندما كانت رنا أيوب طفلة، كان هناك مجموعة من الرجال يجتمعون كل صباح للصلاة وممارسة فنون القتال والدفاع عن النفس في ساحة الشارع، وكانت تشاهدهم من منزلها. شكل الرجال معسكرًا محليًا تابعًا لمنظمة RSS، ورددوا في بعض الأحيان شعارات تحتفل بالتفوق الهندوسي: “فلتحيا الهند الأم”. وتذكرت أن الرجال كانوا ودودين متحمسين لتجنيد المسلمين. لكنها تعلمت في المدرسة أن RSS قتلت مساعدي غاندي، لذلك حافظت هي وشقيقها عارف على مسافة بينهما، وقالت لهم “سوف نكفتي بالمشاهدة والإعجاب بكم”، “لكنني لم أحب أن أكون هناك”.

في صباح أحد الأيام في أحمد آباد، في ملعب في مدرسة Ellisbridge Municipal School رقم 12، نظرت إلى عشرات الرجال يرفعون شعار منظمة RSS تتراوح أعمارهم بين ثمانية عشر إلى ثلاثة وستين، وكانوا جميعًا متحمسين ولائقين رياضيًا، وكان كثير منهم يرتدون سراويل الكاكي المميزة للمنظمة. بدؤوا بوضعيات اليوجا ورياضة الجمباز، ثم أخرجوا قضبان خشبية طويلة وشرعوا في أداء التدريبات العسكرية. (قال رئيس المنظمة ذات مرة أنه يمكن تجميع كوادر المجموعة للقتال بسرعة أكبر من الجيش الهندي). كانوا يتحركون معا بدقة رهيبة، ويقاتلون ويضربون في جماعات. وكان مدربهم يصرخ “واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة، واحد، اثنان، أربعة، أربعة”. “لا تعتقد أنك خبير، أرى كثيرًا من الأخطاء.”

وآخر ما فعلوه هو أنهم اصطفوا في نصف دائرة على الأرض وصلوا لإله الشمس الهندوسي: “يا سوريا [تعني الشمس بالهندوسية]، اللامعة، المشعة، مشتتة الظلام، مصدر الحياة” ثم قالوا في صيحة واحدة “النصر للهند!”

بعد ذلك، ضحك الرجال -الذين كان منهم المهندس والمحامي وتاجر الملابس وضباط الشرطة- وضرب بعضهم بعضًا على الظهر. إنهم يشكلون معسكر بالدي Paldi التابع لمنظمة RSS، وهو واحد من أكثر من ثلاثين ألف معسكر آخر في أنحاء الهند. بالدي هي منطقة هندوسية بأغلبية ساحقة، ولكن أقرب جيب إسلامي -الذي تعرض للهجوم في عام 2002- على بعد أقل من ميل. في هذا الصباح، لم يكن هناك حديث كثير عن السياسة. قالت لي نهال بوراسين، طالبة، “أنا هنا فقط لأحافظ على لياقتي”.

للحصول على شرح أشمل للرؤية العالمية لمنظمة RSS، تحدثت إلى سودهانشو تريفيدي Sudhanshu Trivedi، وهو عضو دائم في المنظمة وأصبح الآن المتحدث الرسمي باسم حزب BJP. على مأدبة العشاء في فندق Ambassador في دلهي، أخبرني تريفيدي أن المنظمة بكاملها مكرسة لنشر ما سماه “Hindutva”: فكرة أن الهند هي أولًا وقبل كل شيء بلد الهندوس، وقال إنها أكبر منظمة من نوعها في العالم. ومنذ نشأتها ولمدة أربعة وتسعين عامًا، عملت المنظمة على ترسيخ مبادئها في كل جانب من جوانب المجتمع الهندي.

أثناء تناول السلطة، قال تريفيدي عدة نقاط سريعة عن المنظمة مثل: إدارتها نحو ثلاثين ألف مدرسة ابتدائية وثانوية، وإدارتها المستشفيات في جميع أنحاء الهند وبخاصة في المناطق النائية، وامتلاكها ثاني أكبر شبكة لنقابات العمال في البلاد، وأكبر شبكة من المزارعين، وأكبر منظمة رعاية اجتماعية تعمل في الأحياء الفقيرة، وآخر ما تكلم عنه هو حزب BJP -الحزب السياسي المهيمن في الهند- “لذا، يمكنك أن ترى، ما يتضح من الصورة الكاملة أن ما يفعله حزب BJP ضئيل جدًا مقارنة بما تقوم به RSS”. في الواقع، لقد أصبحت المنظمة دولة داخل الدولة، واستولت على الهند من الداخل. أعلنت المنظمة خلال الصيف أنها بصدد إنشاء مدرسة لتدريب الشباب ليصبحوا ضباطًا في القوات المسلحة. وعلى إثر ذلك، وقع أكثر من مئة وخمسين ضابطًا سابقًا ومجندين على رسالة تندد بالاستخدام “غير المقبول تمامًا” للجيش لأغراض سياسية، وأشاروا إلى أن مودي ينسب الفضل لنفسه ولأعضاء الحزب في الضربات عبر الحدود مع باكستان كما لو كان الجيش هو”جيش مودي”.

أخبرني تريفيدي أن مفتاح فهم الهند الحديثة هو قبول أن “الهندوسية ليست دينًا في الأساس، بل إنها طريقة حياة”. أي شخص ولد في الهند هو جزء من الهندوسية. لذلك، فإن جميع الأديان الأخرى الموجودة في الهند ازدهرت بفضل الهندوسية، ويجب أن تكون تابعة لها، وأضاف “أن ثقافة الإسلام محفوظة هنا بفضل الحضارة الهندوسية”.

أحد أجزاء مشروع Hindutva كان إعادة كتابة الكتب المدرسية في جميع أنحاء البلاد بواسطة القادة في حزب BJP، وقد عملوا على محو كثير من تاريخها الإسلامي، بما في ذلك تاريخ المغول والزعماء المسلمين الذين حكموا الهند مدة ثلاثة قرون. وقد غيروا أسماء الأماكن المغولية إلى تلك المشتقة من الهندوسية. في العام الماضي، أعيدت تسمية محطة سكة حديد موغالساري، التي بنيت في وسط الهند قبل قرن ونصف، وسميت باسم دين دايال أوباديايا، وهو زعيم قومي هندوسي يميني. الله أباد، المدينة التي يزيد عدد سكانها عن مليون نسمة، تُدعى الآن براياجراج، وهي كلمة سنسكريتية تشير إلى مكان التضحية. في تشرين الثاني/نوفمبر، ظهرت قصة أيوديا القديمة في الأخبار مرة أخرى، وذلك عندما مهدت المحكمة العليا في الهند الطريق لبناء معبد هندوسي في موقع مسجد بابري السابق. وفي قرارها المكون من ألف صفحة، لم تقدم المحكمة أي دليل على تدمير معبد لبناء المسجد، واعترفت بأن المسجد قد هُدم على يد الحشود الغاضبة. ومع ذلك، فقد سلمت السيطرة على الأرض إلى أمانة حكومية، وهذا سمح فعليًا لـ BJP بالمضي قدما في بناء المعبد.

أخبرني تريفيدي أنه لا يوجد أحد في منظمة RSS يحمل أي عداء تجاه الإسلام([7]). لكنه قال إن من المهم أن نفهم إلى أي مدى انحدر الإيمان عندهم: “في الهند، المجتمع الأكثر تعليما هم البارسيون، وهم أقلية، والثاني الأكثر تعليما هم المسيحيون، وهم أقلية. والأكثر ازدهارًا هم أتباع الجاينية، وهم أقلية. الأكثر ريادية هم السيخ، وهم أقلية. ثم إن أول عالم نووي في الهند كان بارسي. ما مشكلة المسلمين؟ سأخبرك: لقد أصبحوا أسرى الأيديولوجية الجهادية”.([8])

عندما اعتقلت رنا أيوب والمصور من المستشفى في سريناجار، اختبأت في مكان في الشارع، محصور بجدار وبائع فواكه. كانت رنا ستواجه تداعيات خطيرة إذا ثبت أنها تسللت بصحبة أجنبي. أُطلق سراحهم بعد حوالي ساعة. قالت رنا إن ضابط المخابرات استجوبهم باهتمام، ثم أطلق سراحهم بتوجيه تحذير: “لا ترجعوا”.

في صباح اليوم التالي، سافرنا إلى قرية باريغام، بالقرب من موقع الهجوم الانتحاري الذي أدى إلى ضربات مودي الجوية ضد باكستان. سمعنا أن قوات الأمن الهندية اجتاحت البلدة واعتقلت عدة رجال. يتمتع التمرد بدعم واسع النطاق في القرى الواقعة خارج العاصمة، وكانت الطريق إلى باريغام مليئة بأكياس الرمل والأسلاك الشائكة ونقاط التفتيش التابعة للجيش الهندي، وكانت الطرق شبه مهجورة.

عندما وصلنا إلى القرية، أوقفت رنا السيارة للدردشة مع السكان المحليين. وفي غضون دقائق، اكتشفت من يجب أن نتحدث إليه أولًا: شابير أحمد، صاحب مخبز. وجدناه جالسًا القرفصاء على مقعده، يقشر اللوز ويقذفه في كومة ضخمة. في المقابلات، تتعمد رنا الإبطاء من الوتيرة التي تتحدث بها عادة مع فريقها. اتخذت مكانًا على الكرسي كما لو كانت قد ذهبت لزيارة. أخبرها أحمد، الذي يبلغ من العمر خمسة وخمسين عامًا، أنه خلال عمليات المسح، اقتحمت عربة مدرعة منزله بعد منتصف الليل بقليل، وهرع 12 جنديا من فرقة راشتريا -وهي وحدة نخبوية لمكافحة التمرد في الجيش الهندي- وحطموا نوافذ المنزل. قال إنه عندما خرج وابناه إلى الخارج، اقتاد الجنود الشبان إلى الشارع وشرعوا في ضربهم. قال أحمد “كنت أصرخ طلبا للمساعدة، لكن لم يخرج أحد، كان الجميع خائفين للغاية”.

انضم إلينا أبناء أحمد على المقعد. قال أحدهم (مظفر) إن الجنود أغضبهم الشباب الذين ألقوا الحجارة على دورياتهم. جروا مظفر إلى الشارع باتجاه المسجد، وأمره أحد الجنود قائلًا: “ألقِ الحجارة على المسجد كما ترموننا بالحجارة”.

قال مظفر إنه وشقيقه علي نُقلا إلى قاعدة محلية، حيث قيدهما الجنود على الكراسي وضربوهما بقضبان من الخيزران. قال “ظلوا يسألونني (هل تعرف أيًا من رماة الحجارة؟) وظللت أقول إنني لا أعرف أيًا منهم، لكنهم ظلوا يضربونني”. وقال إنه عندما أغمي عليه، ثبّت جندي أقطابًا كهربائية على ساقيه ومعدته وأمدها بتيار كهربائي، وطوى مظفر سرواله ليكشف لنا عن الحروق على الجزء الخلفي من ساقه. استمر الأمر على هذا النحو لبعض الوقت حتى ظن أنه سوف يموت، وعندما استعاد وعيه بدأ الضرب مرة أخرى. قال: “كان جسدي في حالة تشنج”، وأجهش بالبكاء.

بعد إطلاق سراح مظفر وعلي، أخذهما والدهما إلى المستشفى المحلي. قال مظفر “لقد كسروا عظامي، لم أعد أستطيع السجود لله”.

كان من المستحيل التحقق من قصة الأخوين، ولكن، كما هو الحال مع الروايات الكثيرة التي سمعتها أنا ورنا في المدينة، كانت تلك المعاناة مقنعة ومقبولة. قالت لي رنا “أنا فقط صورة أكثر تحضرًا من هؤلاء الناس؛ أرى ما يحدث لهم من الدعاية والأكاذيب، وما تفعله الحكومة للناس، إن قضاياهم أعقد، لكنني أشترك معهم في كل شيء، أشعر بألمهم”.

في أحد الأيام، مشيت أنا وأيوب عبر “سورة”، وهو حي مهيب في مدينة سريناجار القديمة؛ حيث كان موقعًا لعدة مواجهات مع قوات الأمن. في الوقت الذي وصلنا فيه إلى هناك، كانت الشرطة والجيش قد انسحبا، ما يتضح من الوهلة الأولى أن المدينة ينطبق عليها مقولة إن الشوارع الضيقة تجعل رجالها في موضع ضعيف للغاية، إلا أن السكان المحليين أخبرونا أنهم اعتبروا سورة أرضًا محررة وتعهدوا بمهاجمة أي شخص من الحكومة يحاول الدخول، وبدا على كل جدار في المدينة عبارة “التغيير الديمغرافي مرفوض!”

شعر الكشميريون الذين التقينا بهم أنهم محاصرون، وكانت أصواتهم مليئة بالقهر والحزن. قال يونس – صاحب متجر- عن وسائل الإعلام الهندية: “إذا كان الخبر صحيحًا فإنهم لا ينشرونه أبدًا”. وقبل ذلك بأيام، اعتقلت قوات الأمن ابنه عاشق البالغ من العمر ثلاثة عشر عامًا وتعرض للضرب، تمامًا كما حدث مع يونس قبل ثلاثين عامًا. وقال “لم يسأل أحد أبدًا شعب كشمير عن رغباتهم، سواء الانضمام إلى الهند أو إلى باكستان، أو أن يكونوا مستقلين. لقد سمعنا كثيرًا من الوعود، حتى رفعنا الجثث بأيدينا، جمعنا الرؤوس المقطوعة والأرجل المنفصلة، جمعناها جميعًا في القبور”.

لا يزال كثير من الكشميريين يرفضون السيادة الهندية، ويتذكرون الوعد الذي قطعته الأمم المتحدة عام 1948 بأن الاستفتاء وحده هو ما سيحدد مصير الدولة. مُنحت كشمير وضعًا خاصًا -متمثلًا في المادة 370- وقد مُنحت تسهيلات كثيرة لممارسة سلطة الحكم الذاتي، ووفقًا للجزء الأكبر من الكشميريين، فإن هذه السلطات وتلك التسهيلات لم تتحق قط. ابتداءً من أواخر الثمانينيات، حول التمرد المسلح -بدعم من باكستان- المنطقة إلى ساحة حرب. إن الصراع في كشمير هو إلى حد كبير حرب الكمائن والعصابات: يضرب المتمردون قوات الأمن الهندية، فتشن قوات الأمن حملات قمعية لفرض النظام. منظمات مثل (هيومن رايتس ووتش- مراقبة حقوق الإنسان) لديها انتهاكات مفصلة من كلا الجانبين، وخاصة من قبل الحكومة الهندية.

زعمت منظمة RSS والقوميون الهندوس الآخرون أن الجهود المبذولة لتهدئة الكشميريين خلقت ديناميكية تهدم نفسها من داخلها، وقالوا إن التمرد عرقل التنمية الاقتصادية. فالمادة 370 تعمل على تقليص الاستثمار والهجرة، وتزيد من التخلف والتأخر الذي لحق بالولاية. كان قرار مودي بإلغاء المادة 370 هو الضوء الأخضر لمنظمة R.S.S حتى تحقق رؤيتها: سيُكسر الجمود الكشميري من خلال القوة الهندوسية الساحقة.

وأثناء تجولنا أنا وأيوب حول كشمير، لم يتضح لنا كيف تنوي الحكومة الهندية المضي قدمًا في هذه المهزلة: فقد توقف النشاط الاقتصادي، وأغلقت المدارس، وأضحى الكشميريون معزولين عن العالم الخارجي وعن بعضهم بعضًا. قال لنا طبيب في سريناجار: “لقد اجتاحنا الاكتئاب”. وحذر كثير من الكشميريين من احتمال وقوع انفجار في اللحظة التي رُفعت فيها الإجراءات الأمنية. وقالت امرأة تدعى دوشدايا “إن مودي يفعل ما فعله في كجارت قبل عشرين عامًا، عندما كان يصب جام غضبه على المسلمين هناك”.

كتب الصحفي براتاب مهتا أن”الديمقراطية الهندية فشلت فشلًا ذريعًا في كشمير”، وأشار إلى أن مسلمي البلاد -الذين قاوموا التطرف إلى حد كبير- سيخلصون إلى أنه ليس أمامهم خيار آخر، ويرى حزب BJP أن الأمر سينتهي بضم كشمير إلى الهند، عوضًا عن ذلك، من المحتمل أننا سنرى العكس، إنها قصة الديمقراطية الهندية مسطورة بمداد من الدم والخيانة”.

زرت مع رنا في سريناجار حي مهجوناجار، الذي تركه كثير من الشباب للانضمام إلى الفرق المسلحة. كان الحديث في الشارع عن زوجين هما نظير وفهميدة، اللذان أخذت حملات مودي ابنهما مؤمن، حيث جاء رجال مسلحون من فرق الشرطة الاحتياطية المركزية إلى المنزل في ساعة متأخرة من الليل، وأشار مدني ملثم -من الواضح أنه مخبر- إلى مؤمن فأخذه الجنود بعيدًا.

وجدنا فهميدة في منزلها جالسة على أرضية غرفتها البسيطة. أخبرتنا أنها ذهبت في صباح اليوم التالي للغارة إلى قاعدة CRPF، حيث احتجز ابنها. قال لها إنه تعرض للضرب، وقالت: “توسلت إليهم أن يعيدوه إليّ، لكنهم لن يفكروا حتى في ذلك”. عندما عادت فهميدة في اليوم التالي، أخبرتها الشرطة أنه نُقل إلى السجن المركزي في المدينة، لكن الحراس أخبروها أنه نقل إلى سجن في أوتار براديش، في الجانب الآخر من البلاد، وقالوا لها: “لا فائدة من البكاء يا عمة”.

قالت فهميدة إنهم لم يخبروها حتى بالتهم الموجهة إلى مؤمن. يسمح قانون مكافحة الإرهاب الهندي لقوات الأمن باحتجاز أي كشميري بسبب وبدون سبب لمدة تصل إلى عامين. في العقود الثلاثة التي كانت فيها كشمير في تمرد مفتوح، اختفى عشرات الآلاف من الرجال، وكثير منهم لم يعودوا.

 قالت لنا: “يجب أن أتجرع مرارة أنني لن أراه مرة أخرى”.

في منزل فهميدا، تجمّع أصدقاؤها حولها، ووقف رجال الحي خارج النوافذ المفتوحة. جلست رنا مواجهة لها وملامسة ركبتيها. كلما تحدثت فهميدة، قاطعها بعض الرجال، وفي كل مرة تطلب منهم رنا أن يصمتوا: “لا تأنبوها، إنها تعاني وحدها”.

بدأت فهميدة حديثها بهدوء، لكن سرعان ما فقدت رباطة جأشها وألجمها البكاء، أمسكت رنا بيديها وقالت: سيعود ابنك إليك، الله أكبر منهم ومن كيدهم” إلا أن حديث رنا لم يطفئ نارها. كان مؤمن عامل بناء، وكان يتحمل تكاليف جميع أفراد الأسرة، ومنها دواءها لعلاج مرض الكلى. بدأت أفكار فهميدة تتداعى “قلت له… قلت له لا ترم الحجارة؛ شخصٌ ما أخذه مني، لقد دفعوا له ليدل عليه” ثم أجهشت بالبكاء، وبكت رنا أيضًا، وقالت: “لا يمكنني تحمل المزيد…هذا كثير!”

ودعت رنا فهميدة، ووعدتها بأن تجلب لها الدواء (وفعلت ذلك بعد بضعة أسابيع). لقد شعرنا جميعًا بنبوءة، وهي أننا كنا نشهد بداية شيء قد يستمر لسنوات عديدة، قالت رنا “أشعر بهذا بوصفي مسلمة… إنه يحدث في كل مكان في الهند”.

ركبنا السيارة في صمت لفترة، واقترحت عليها أنه ربما حان الوقت لمغادرة الهند، حيث لم يكن للمسلمين مستقبل هناك، لكنها كانت مشغولة بدفتر الملاحظات ثم قالت “لن أغادر، سأبقى، وسأكتب كل هذا وأخبر الجميع بما حدث”.

اقرأ ايضاً: كشمير على حافة الهاوية


[1] عنوان المقال – أصله بالألمانية: Blut und Boden وهو شعار نازي يعبر عما يربط النازيين بعضهم ببعض فهو يعني عنصرية “الدم” والعرق، والارتباط بمكان واحد “الأرض”. (المترجم)

[2] -حزب سياسي قومي، وهو واحد من الحزبين الرئيسيين في الهند، بجانب حزب المؤتمر، وهو قائم على نظام هندوسي متعصب ولذلك أقدمت سانجيتا فارشنى -زعيمة الجناح النسائى للحزب- على صفع امرأة هندوسية لاحتسائها الشاي مع شاب مسلم. (المترجم)

[3] -يقع المسجد على هضبة راماكوت وهي الهضبة التي يؤمن الهندوس أنه بني عليها المعبد الذي ولد فيه الإله راما. ويؤمنون أيضا أن المسجد بني على أنقاض المعبد وهو الأمر الذي لم يستطع علماء التاريخ الهنود إثباته، بل قد أثبتت الدراسات الهندية الأخيرة أن المسجد قد بني على أنقاض مسجد آخر. في 6 ديسمبر عام 1992 قام 15000 هندوسي بهدم المسجد أمام أنظار العالم وهم من أتباع منظمة RSS ، المنظمة الهندوسية المتعصبة التي وصلت لحكم الهند سنة 1998. وقضت المحكمة العليا في الهند في نوفمبر 2019 بمنح ملكية الموقع للهندوس وتخصيص مكان آخر لبناء مسجد للمسلمين مبررة أن المكان وجدت فيه آثار لبناء غير إسلامي قبل بناء المسجد ومعللة كذلك أنه لا طائل من نفي اعتقاد الهندوس بأن الموقع هو مكان ميلاد الإله راما. (المترجم)

[4] – في اللغة الماراثية، تعني كلمة “لانديا” القضيب الذي تقلص أو الصغير جدًا، في إشارة واضحة إلى ختان الرجال المسلمين، وبشكل ضمني، هي انعكاس لموضوع الأنوثة والضعف الجنسي للمسلمين مقابل الهندوس قبحهم الله. وأصله مأخوذ من قطع أطفال الشوارع في الهند لذيول الكلاب. (المترجم)

[5] – يقصد أن تلك الوثائق لا يمكن الحصول عليها إلا عن طريق الحكومة. (المترجم)

[6] – سعى مودي وشاه إلى الحد من قبضة الكونغرس الهندي على الهيئات الرياضية في الولاية، فكان شاه رئيسًا لجمعية ولاية كجارت للشطرنج. وفي عام 2009، أصبح نائب رئيس رابطة كجارت لرياضة الكريكيت وهي رابطة غنية بالنقود، في حين كان ناريندرا مودي هو رئيسه. وفي عام 2014، بعد أن أصبح مودي رئيس وزراء الهند، أصبح شاه رئيسًا للرابطة. (المترجم)

[7] – “قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر”. (المترجم)

[8] -من المهم معرفة أن كل ما ذكر من أقليات -باستثناء المسيحية- ليس ثمة فرق كبير بينها وبين الهندوس، ويعتبرهم الهندوس ديانات أصلية للهند بجانب الهندوسية، فليس الأمر أن الهندوس ينظرون لجميع الأقليات نظرة واحدة كما يقول. (المترجم)

المصدر
newyorker

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق