عام

ما بعد الحقيقة والعودة إلى الأسس الفكرية المهدومة

  • محمد عثمان
  • تحرير: محمود سيد

في سنة 2016 اختيرت كلمة ما بعد الحقيقةPosttruthكلمة العام من قاموس أوكسفورد[1]

” أقرأ الكُتب فقط للتقليل من جَهلي…”

أمين معلوف (اقتباس)

تقرأ وتتعلّم فتنطلق، فتخرج من فضاء الجهل المُطلَق، إلى فضاء جهلٍ أوسع من جهلك المُسبَق!

تكتشف أنك تعيش حياتك وسطًا بين محاولة الوصول إلى درجةٍ أعلى في العلم، والهرب من الجهل الواقع؛ لتدرك أنك تمضي في دوّامة الهرب من جهل الأمس إلى جهل اليوم، طامعًا بالهروب من جهل اليوم إلى جهل الغد.

ربما تشعر بحساسيةٍ حول هذا التوجّه العدمي في جدوى القراءة وفائدتها، ولكن مع مرور الأيام وخوض التجارب المختلفة، تكتشف أنك تحاول ترميم جهلك فقط وكأنّ عملية البناء الثقافي تمضي في عَوْدٍ أبديّ، ومن المؤسف أكثر أنّ في ارتقائك في درجات العلم تزداد تعطّشاً في داخلك إلى “الحقيقة” التي بدأتَ بطموحٍ عالٍ في البحث عنها عند بداية تعلّمك؛ لتكتشف أنك وقعت في الفخّ، وكأنّ مصطلح “الحقيقة” فَقَدَ معناه في المباحث التي تقرؤها، لتصل بعدها إلى فخّ “ما بعد الحقيقة”.

عندما تتعامل مع جهلك بجديةٍ أكبر؛ تجد نفسك مُجبَرًا بسبب الضغوطات الاجتماعية والنفسية من حولك (آراء بحثية أو دينية أو اجتماعية) إلى قولبة هذا الجهل المُتعالم واتخاذه في صورة حقائق مختلفة، ندعو الناس إليها مستبشرين بالنتائج التي نمتلكها، طامعين بأن يكون “شبه الثقافة” التي نمتلكها هي “الحقيقة” التي يجب على الناس معرفتها حول المسائل المختلفة، وهي الإجابات التي يجب على الإنسان أن يعتنقها، وفي مراحل أعلى: أن يُقاتل ويُحارب ويموت لأجلها، أي أن نصبح ويصبح الناس معنا مثقفين عضويين، لأننا نمتلك تلك “الحقيقة”.

ومع حركة التاريخ، يجد الإنسان نفسه يتخلّى عن الأفكار القديمة ويرميها جميعًا مع منظّريها وتاريخها، في محاولة الهروب من جهله القديم إلى جهله الحديث، راغبًا مرةً أخرى في أن يكون ما وصل إليه الإنسان اليوم من حلول (أو شبه حلول) أن يكون هو الإجابة لكثير من المشاكل التي يعيشها، أو على الأقل أن يكون إيمانه بها مخفِّفًا لحدّة الأسئلة التي تُحيط به والتحديات الإنسانية التي يمرّ بها عصره، فتتمّ إعادة تدوير مصطلح “الحقيقة” مرةً أخرى كأداةٍ ولعبةٍ يتمّ تداولها واستخدامها لأغراضٍ شخصيةٍ؛ ولذلك يمكن لأيّ فكرة أو أيّ مشروعٍ فكريٍّ الآن الوصول إلى القبول القوي إذا امتلك القدرة على إراحة الإنسان وتوفير عناء البحث بتقديمه للإجابات، ولا يهمّ إن كانت صحيحةً أم لا، بل المهمّ هو ضخّها ونشرها واستخدام كل أساليب التأثير في سبيل ذلك.

كيف يمكن ربط مُحاولات الإنسان الثقافية بمصطلح “ما بعد الحقيقة”؟

في العصر الحالي وصل التطوّر التقني إلى أشدّه، وفرة المعلومات أصبحت إشكاليةً ملازمةً لهموم الإنسان الحديث، وواحدةً من مشاكله التي يعمل المفكرون على إيجاد حلول لها، فكيف يمكن لنعمةٍ مثل هذه أن تتحوّل إلى نقمةٍ؟

تمّ دفع الإنسان الحالي إلى زيادة الاستهلاك المعرفي ضربًا بالمطرقة! (تشبيهًا لجملة تعاطي الفلسفة بالمطرقة لنيتشه)، فتمّ بناء إنسانٍ نصف جاهلٍ ونصف عالمٍ، يستهلك المحتوى من كل جوانب الحياة الحالية من خلال السوق والإعلانات والمنتجات، ومن خلال المؤسسات التعليمية والثقافية والفنية، ولكن هذا الاندفاع الشرس نحو الاستهلاك المعرفي كان عبر حمل العالم ووضعه أمامك من خلال شاشة الهاتف، فأصبح لمصطلح “الحقيقة” استخداماتٌ وتبريراتٌ وأشكالٌ هشةٌ، ومن الصعب الوصول إلى حقيقةٍ بشرية واحدةٍ متفَقٍ عليها بين البشر، تجد فكرةً وتجد مائة نقدٍ لها، ليُقدَّم لنا مسخٌ في صورة “الحقيقة”، وتمّ استبدال أهمية “الحقيقة” بمصطلح “تعدّد الثقافات”!

برأيي أنّ العالم الحديث يحتاج إلى قوةٍ تقوم بنشر النموذج المعرفي التي يمتلكها وتنميطها على كل العالم، وهنا لن أقوم بالاحتكام للقوى السابقة التي فشلت وانقضت ونماذجها المعرفية المختلفة، ولكن المقصد أنّ الرؤية الغالبة تظهر على ما دونها، حتى يتمّ اعتبار أنّ هذه المعرفة هي الأساس التي تنطلق منه كل الأسس الأخرى، وكل الفلسفات الأخرى تبدأ من هذه النقطة وتحاول البناء عليها، نحتاج للعودة إلى أساسٍ ثابتٍ نتّكئ عليه بدلًا من الاستمرار في المحاولات الخرقاء في التشعّب ومحاولة هدم كل الحقائق، وهذا ما يخالف هدم المركزيات الأساسية الذي يعيش فيه العالم اليوم من محاولة تفكيك أو هدم العلاقات الثنائية سواءٌ كانت متناقضةً أم مترابطةً؛ لأنّ عمليات الهدم ساهمت ببناء حقائق كثيرة أخرى بدلًا من نبذ ونفي مفهوم “الحقيقة” كاملةً من الوجود، وكأنّ الإنسان مُجبَرٌ على مصطلح “الحقيقة” ولا يمكنه أن يعيش بدونها!

إنْ كان أنصار “ما بعد الحداثة” يجدون الوصول إلى “الحقيقة” مستحيلًا منذ عشرات السنين قبل وفرة المعلومات، كيف هو التعامل مع ملايين أشباه الحقائق التي يتمّ ضخّها للفرد في الفضاء الإلكتروني؟! وكل حقيقةٍ تنافس الأخرى وتحاول الاستحواذ على الإيمان بها، كيف يمكن للفرد أن يُمحِّص هذه الحقائق؟

إننا الآن بحاجةٍ ماسةٍ إلى التساؤل عمّن يستعمل “الحقيقة”؟ وكيف يتمّ بناء “الحقيقة” وضخّها للناس؟ ولماذا؟ وكل التساؤلات عن الإنسان الذي يقف خلف “الحقيقة” لا “الحقيقة” نفسها، أي الانتقال من محاولة دراسة وتحليل النص إلى تحليل الإنسان خلف النص، وإنْ كان من سمات النص “ما بعد الحداثي” الغموض ومعاداة الإغلاق والصورة القطعية الواضحة، أي أنّ منظري “ما بعد الحداثة” يحاولون جعل المؤلف يموت (نظرية موت المؤلف) من خلال كتاباته وإعطاء سلطة شخصية للمتلّقي في تأويل وفهم النص كما يرى؛ فإننا -وعلى عكس منطلقهم- يجب أن نتساءل عن سبب هذا الغموض، ولماذا يستعمل كاتب النص هذا الأسلوب في الكتابة؟ وما هدفه من كل هذا؟ وماذا يستفيد؟ إذاً؛ يجب أن نترك النقد المقدّم نحو الحقيقة وطرق الوصول إليها، فنحن الآن نحتاج إلى نقد مَن يستعمل الحقيقة ويُقولبها في شكلها الحالي، التحوّل من نقد “الحقيقة” نفسها إلى انتقاد مَن يستعملها ويبنيها.

مع وفرة المعلومات، نحتاج آلياتٍ جديدةً لتفكيك مفهوم “الحقيقة”، وبما أننا نغوص حاليًّا في عصرٍ هو عصر “ما بعد الحقيقة”، نحتاج أن نتعجّل في الوصول إلى عصرٍ يُعيد للحقيقة قيمتها العُليا السامية التي لا تخضع لقوانين البشر وطبائعهم، نحتاج للالتحام حول قانون خارج إرادة الإنسان، قانون إلهي تشريعي، لا نملك سلطةً عليه، فلا يمكن لأحد لأن يتسلّط عليه!


[1] -https://www.bbc.com/news/uk-37995600

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى