عام

بين دجلة ودجى

  • غيداء العويِّد

دلفتُ إلى المقهى الأمريكي الشهير، وقفتُ في الطابور الطويل مُتململة إلى أن حان دوري، فطلبتُ كوبًا من القهوة الساخنة، وانتحيتُ جانبًا أنتظر إتمام إعداده، ثم توجَّهْتُ نحو منطقة الجلوس، وضعتُ الكوب الورقي على حافة الطاولة بعد إزالة غطائه البلاستيكي، واعتدلتُ في جلستي.

التَفَتُّ عن يساري، فإذا بأم وابنتها تُقبِلان وتتقدَّمان للجلوس على الطاولة الملاصقة لي، بعدها بدقائق قليلة انضمت إليهما صديقة الأم، وعقب تبادل عبارات السلام والسؤال المعتادة، اقتربَتْ من الصغيرة التي لا يتجاوز عمرها -أغلب الظن – تخوم السنوات الست، وقبَّلَتْهَا وهي تداعب خصلات شعرها قائلة: كيف حالك يا دجى الحلوة؟ ثم أردفَتْ: كيف انسلَّت الأيام وتسرَّبَت من بين أصابعنا كالماء، وأصبَحْتِ كبيرة بهذا الشكل؟! ثم نقلت بصرها صوب الأم وقالت: _سبحان الله_ كأنه البارحة، حين زرناك في المستشفى يوم ولادتها!

ثم ارتدت ببصرها ناحية الطفلة وتابعت: أتعلمين أن اسم ابنتك غريب؟! لم أصادف حتى اليوم من تحمله سواها، ارتَسَمَتْ ابتسامة سعادة واسعة على مُحيَّا الوالدة، وأطلَّت الحماسة من لمعة عينيها، ثم علَّقَتْ: نعم، لقد تعبتُ كثيرًا في انتقاء اسمٍ فريد، نادرٍ، وغير متداول لها.

تسمَّرَت عينَايَ على الفتاة الصغيرة، وأخذتُ أتأمَّل فستانها الذي كان بلون كريمة الباتسيير الصفراء، والشريطة الدقيقة المنهمرة من وسطه، ثم ارتفعت بناظري على الفيونكة الساتانية الجانبية التي تزين شعرها، وتمعَّنْتُ في ملامحها الناعمة وأنا أراقب خلجات أصابعها الصغيرة، المنقوشة بورود رقيقة من الحنَّاء الأحمر، وهي تمسك بكوب بلاستيكي شفاف، مترع بعصير البرتقال، رُسِم عليه وجه مبتسم، وتثير انتباهي خشخشة أساورها الذهبية اللامعة حول معصمها الأيمن.

تحسَّرْتُ على الفتاة وتساءَلْتُ: أيعقل أن تكون كل هذه الرقة واللدونة ظلام أو ظلمات؟! لماذا لم تكن أنوار أو أضواء مثلًا؟! وأيم الله إن والدتكِ لم تحسن إليكِ باختيار هذا الاسم، وانبَعَثَ صوتٌ من ذاكرتي يردِّد: حُلْكة الدجى! حُلْكة الدجى! كما خطرت في بالي كلمتان كنت قد قرأتهما في ديوان شعري قبل أيام: “يَعَضُّهُ الظلام” وتمتَمْتُ في داخلي وأنا أخطف نظرة سريعة من وجهها الدائري الصغير: أرجو ألا يعضك الظلام، أرجو ألا يعضك الزمان، ثم تساءَلْتُ وكأني أفتش لها عن مسوغ مقبول للتسمية الظالمة: أيكون لهذه الكلمة معنى آخر غير الذي أخبره؟

تحرَّكَت الطفلة، وأخذت تلعب وتشاكس حول الطاولات المجاورة، ثم بدأت تبتعد شيئًا فشيئًا، فنهرتها الوالدة بنظرة حادة، تعانقت -على إثرها- أطرافُ رموشها المصبوغة وحاجباها الهلاليَّان، فارعوت الابنة والتصقت بكرسيها الجلدي، وهي تمسده براحة كفها.

تأملت في الأسرار الخفية التي تكتنفها أسماء بعض الأدباء والشعراء المعاصرين، وكذلك دوافع انتخابهم لأسماء ثمرات قلوبهم، فكان أول ما خطر لي: الروائي المصري صنع الله إبراهيم، الذي أنجبه والده وهو يمخر عباب الستين، فاغتبط به أيما اغتباط، مُعتبره هدية الأقدار الغير متوقعة في آخر فتيل العمر، واجتهد في اصطفاء اسم مختلف له، فهرع إلى أداء صلاة الاستخارة طالبًا الخيرة من ربه، ثم سحب المصحف الشريف وفتحه بطريقة عشوائية، فوقعت عينه مباشرة على الآية ﱡصُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ) ]سورة النمل:٨٨[، فهتف قائلًا: إذن هو صنع الله، وكان هذا الاسم الغريب وغير المسبوق محل سخرية، وموضع تندر من قِبَل معلميه وزملائه في المدرسة.

أما الاسم الذي كلما تناهى إلى مسامعي يرِنّ، ويَزِنُ ذات الاستفهام، إلى أن فك لنا شفرته الغامضة صاحبه الأديب الجزائري واسيني الأعرج، فأخبرنا بتفاصيل حكايته وهي:

أن اسمه كان نتيجة منام رأته والدته قبل ليلة واحدة من مولده، حيث رأت سيدي محمد الواسيني وهو أحد أولياء الله الصالحين في منطقتهم- اسمه نابع من قبيلة واسين-أتاها وكان يمتطي حصانًا أبيضًا جميلًا وبشرها بأنها سترزق بمولود ذكر، لكنه لم يكتفِ بالبشارة المنتظرة وأضاف منذرًا: إما أن تسميه باسمه وفي هذه الحالة سيعيش طويلًا ويجوب الدنيا وإلاّ فسيزورها في اليوم الموالي ويسحب وليدها من بين أحضانها.

أرهبها ما رأته خاصة أنها كانت تتحرق شوقًا لطفل ذكر بعد إنجابها لثلاث بنات، فحسمت أمرها واعتزمت على الإذعان ولكنها حملت هم إقناع الأسرة بهذه التسمية المفاجئة، صدقت البشرى ومما زاد في تعسر مهمتها توقيت ميلاده الذي وافق صبيحة يوم عيد الأضحى، وكان التقليد المتبع آنذاك في القرية يفرض تسميته باسم (العيد) تبركًا باليوم المقدس باعتباره دلالة خير وحظ نادر لا يتسنى لكل أحد!.

في النهاية، كان لها ما أرادت حيث نجحت في إقناع الجد الذي كان يتولى زمام العائلة في ظل غياب والد واسيني وقتها وهكذا كانت التسمية.

وكذلك الأديب جار النبي الحلو ادَّعى أنه لا أحد يشاركه اسمه في مصر كلها، ورفع الحجاب عن قصة اسمه الذي وسمته به جدته، وهي تعود إلى عام 1946م، حيث كانت الجدة تؤدي مناسك الحج في الأراضي المقدسة، تاركة وراءها زوجة ابنها حاملًا، وهناك لفت انتباهها اسم الرجل الحجازي: جار النبي، الذي كان يخدم في الخيمة، فأحبته كثيرًا، وأخبرته بأن زوجة ابنها تنتظر مولودًا، ولو تسنَّى لها الإياب قبل ميعاد وضعها، فلسوف تطلق عليه هذا الاسم، وكان لها ما تمنَّت بعد استفتاء والده لرجال الدين في مشروعية الاسم غير المألوف.

وهذا الشاعر فاروق جويدة، الذي كلما عبر اسمه مسمعي تشعشع في نفسي كلمات له من قصيدة

 قديمة يقول فيها:

ما زلت ألمح في رماد العمر

شيئًا من أمل

فغدًا ستنبت في جبين الأفق

نجمات جديدة

وغدًا ستورق في ليالي الحزن

أيام سعيدة

وكثيرًا ما كنت أستثمر تلك الكلمات حين أستشعر بداية نموّ غصة في حنجرة أيامي، فأرددها على سبيل المواساة والمؤانسة.

جويدة أيضًا له قصة مختلفة مع اسمه، حيث رغبت والدته بأن تطلق عليه اسم: (فراق)؛ وذلك لأن زوجها عقد العزم على الرحيل بأسرته الصغيرة -بعد أن وضعت مولودها – من مدينة كفر الشيخ -وهي مدينة أهل زوجته- ليستقر في محافظة البحيرة بجوار أهله وذويه، فابتَأَسَتْ وتفجَّعت زوجته لفراق والديها وإخوتها، واعتزمت على تسمية المولود الجديد بـ(فراق) ولكن الوالد رفض ذلك، واصطفى له اسم: (الفاروق) تيمنًا بسيدنا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-.

اسم: (فراق) الذي انتوته أم جويدة له، جلب إلى ذهني طيف الشاعر والناقد العراقي: عذاب الركابي، الذي طالما تساءَلْتُ عن سرِّه المكنون، رغم أني افترضت من عندي أن والدته قد وسمته به لأن حمله أو وضعه أو كلاهما كانا عذابًا هائلًا، فارتأت له هذا الاسم الصادم، فرجعت إلى هاتفي الخلوي أتأمل عينيه، وصلعته اللامعة، وكأني أفتش عن ملامح العذاب في وجهه، ولكن هل يمكننا رؤية العذاب سافرًا على محياه؟ أم أنه يختبئ خلف ستور الضلوع بعيدًا عن مجال الإبصار؟ ثم تركتُ الاسم وحكايته، وأخذتُ أتدبر في أشعار له من نوع الهايكو وهو ينشدها متواترة، ومنها على سبيل المثال:

-لا تخفي السنابل ضحكتها البهية حتى لو لمع منجل الحصاد.

– لا تجد الصحراء فائدة من قراءة سيرة المطر.

– النحلة التي لا تعطي عسلًا تجهل أسماء الزهور.

– تسرق الظلمة أثواب النور فلا تأتي على مقاسها.

وهذا الشاعر العراقي عارف الساعدي، قد ألقى ذات حوار قصيدة عن ولده: (الطيب) فاسترعى الاسم انتباه محاوره، فاستعلم: هل الطيب هو ابنك البكر؟ فأتى جوابه بالإيجاب، فابتسم الآخر ابتسامة من قَبَضَ بأصابعه على سر اللغز وقال: التسمية غير بريئة طبعًا، فأَيَّدَه ضاحكًا: قطعًا، ثم عَّلَق مستضيفه: إذن أنت أبو الطيب؟ تتماهى مع المتنبي.

وذات مساء، تابعتُ لقاءً تلفزيونيًا مع الشاعر العماني ذي الجذور العراقية: عبد الرزاق الربيعي، حيث استهل المذيع حواره بالسؤال التالي: بعد غربة طويلة عن العراق، ما الذي تبقى فيك من بغداد ومن العراق عمومًا، في وجدانك وفي ذاكرتك وفي وعيك، أبرز ما تحمله من العراق؟ فأتانا جوابه بأنه يبقى الكثير: سنوات الطفولة، سنوات التكوين، التشكل الأول، النصوص الأولى التي كتبتها، القصائد التي ألقيتها في المدارس والمهرجانات في بداياتي، ذكرياتي في كل مكان، ثم استطرد قائلًا: أنه حين يسافر إلى العراق يحاور الأمكنة، يحاور الحيطان، يحاور الزوايا، يبحث عن زمن مختبئ في تلك الأماكن.

بعد ذلك، علق محاوره قائلًا: لفت نظري أن اسم ابنتك: (دجلة) وكأنه نوع من إشهار حب وعلاقة لا تنقطع، ولا يمكن أن تنقطع مع العراق، فكان رد الربيعي الفوري: بالضبط، هو هذا، نوعٌ من التشبُّث، نوع من الاسترداد لزمن مفقود، وانبسط الحديث، فقال: أنه حتى هذا الاسم شكل هاجسًا لدى ابنته، وهي دائمة التساؤل عن دجلة، ومتى تتسنى لها زيارتها؟ كما أنها تبحث في مواقع التواصل الاجتماعي عن الأغاني التي تحمل اسمها، فكأن هذا الاسم عقد صلة وثيقة مع المكان الأول.

ينتهي البرنامج الثقافي، فأتوقف عند كلماته التي وصف بها مهده الأول، حيث مرتع صباه، ومحضن أحلامه، وأتخيل ابنته دجلة أمامي فأراها: ري، سقاية، عذوبة، خصوبة، خضرة، خير، رزق، جريان، تدفق، امتداد، وانتماء، وأسرف في تأملاتي الباطنية فتتجلى أمامي تركيا، وسوريا، والعراق، حيث منبع ومعبر ومصب نهر دجلة.

أتفكر في مفهوم الغربة وبصماتها في النفس الإنسانية، فتتراءى لي صورة الرازقي في اللحظات الأخيرة، وهو يغادر وطنه شابًا تجاوز الثلاثين من عمره، يقف بمحاذاة شاطئ دجلة، يرمقه بنظرات مودع، والأسى يشب ويشتعل بين جنبيه، أكاد أبصره يدير ظهره للنهر، ويسحب حقيبته الجلدية ذات اللون البني، ويمضي في رحلته بخطوات ثقيلة، يبتلع دموعًا سخينة سخية، يستعيد شريط ذكريات عمره المولي، ويردد في داخله مقولة للأديب جلال برجس متعزيًا:

“لو لم يكن النهر هنا، كنت سأرسمه على ساعدي لأنتصر للاخضرار”

أما اليوم فنهر دجلة يجري في وسط بيته أمام ناظريه، يتصبح ويتمسى ببريق عينيه الوضَّاحتين، وكأنه يتحدى الهجرة والتخلي الاضطراري عن جنسيته الأصلية، وفقًا للقانون الذي لا يسمح بازدواجية الجنسية.

كما خطر لي أيضًا تشبيهًا سمعته قبل أيام قليلة، كان مقتبسًا من نص فارسي -حسب ما أعتقد- وهو:

“وجاء متنكرًا في هيئة نهر”.

 ما أجمل المعنى الذي يكسو الاسم، ويكتنز حمولة عاطفية كبيرة، مُسْبِغًا عليه أَلَقًا خاصًّا، وأُفُقًا مختلفًا، ولكن في الآنِ ذاتِهِ تجيءُ في البال (دُجَى) الحلوة، فترتسم في رأسي صورة نفق طويل أسود مسطوم، فأجدني أهزه، وأهزه؛ لأنفض هذه الصورة القاتمة، وألمح ضوءًا نحيلًا في آخر النفق، يتسلل ويخطو نحوي رويدًا رويدًا، حتى يقترب ثم يضرب في عيني فلا أكاد أبصر غيره.

آه، شتان ما بين دجلة ودجى!

أتممت نصي والفضول يغمرني متسائلَةً: تُرى ما السر وراء تسمية الأديبة الراحلة: جاذبية صدقي بهذا الاسم؟ وما معنى اسم الروائية الفلسطينية حُزامة حبايب؟ هل بلغ أحدكم قبلي مكمن السر المبهم، والمعنى المعني في هذا أو ذاك؟

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى