عام

بين المنع والعطاء

  • محمد الفارس

يغدو كل امرئ منا لتحقيق سعادته، وقد جبلت النفوس على التماس كل ما من شأنه إيناس النفس وإسعادُها، بل هذه الغاية عليها مدار أعمال الناس، وإليها منتهى سعيهم.. وقد ألمح ابن حزم -رحمه الله- لهذا المعنى؛ فقال: “رأيت الناس على اختلاف أهوائهم ومطالبهم، وتباين هممهم وإراداتهم، لا يتحركون حركة أصلًا إلا فيما يرجون به طرد الهم، ولا ينطقون بكلمة أصلًا إلا فيما يعانون به إزاحته عن أنفسهم”. [الأخلاق والسير ٧٦ بتصرف يسير]

ثم إن العبد في بعض الأحايين يرجو ويؤمل تحصيلَ شيء معين، ويعوّل على تحقيقه، فإذا ما تمّ= اطمأنت نفسه، وتشوّفت لغيرها مما يدفعها للعمل والسعي وينسيها لذة تحصيل الأول، كدحًا يخلفه كدح (يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحًا فملاقيه)، وإذا لم يتحصل له مبتغاه -عدلًا من الله تعالى- جزع وهلع، ونسي النعم المحاطة به، والأفضال المسبلة عليه، وغفل أن ما مُنعه وحُرِمه هو محضُ عدل من الله تعالى -إن لم يكن فضل ونعمة-.. (قتل الإنسان، ما أكفره)

وإن من كمال الإيمان بالغيب: الإيمان أن أقدار الله -التي يجهل عواقبها- هي مِن مقتضيات أسمائه وصفاته؛ فإذا ما تذكّر المرء حكمةَ الله، وعِلمَ الله، وبِرَّ الله، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه= لا بد وأن تهدأ نفسه، ويسكن قلبه، ويلهج لسانه بقول: “اللهم أحسن لي العاقبة في الأمور كلها”..

فما أعجل الإنسان، وما أشد حبّه لأن يناله كل خير، ويندفع عنه كل شر؛ كأنه في دار جزاء، لا دار عمل وابتلاء! (ولو يعجّل الله للناس الشرّ استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم)

ومن أعظم المصالح التي يجنيها العبد جرّاء منع الله بعض مطلوباته= هو استخراج عبودية الرضا، والصبر، والإنابة والصدق في الطلب، والإيمان بمقتضيات الأسماء والصفات…، وهذه كلها أنفع للعبد من نفس مطلوبه، وما كان لها أن تتحصل لولا ما يظنه العبد منعًا وحرمانًا، وقد جاء في الحديث الصحيح: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له» [رواه مسلم ٢٩٩٩]، وأشار إلى ذلك الإمام ابن القيم في سياق حديثه عما يهوّن على المرء تلقي المصائب: “أن يعلم أن سبحانه يربِّي عبده على السراء والضراء، والنعمة والبلاء، فيستخرج منه عبوديته في جميع الأحوال؛ فإن العبد على الحقيقة من قام بعبودية الله على اختلاف الأحوال، وأما عبدُ السراء والعافية الذي يعبد الله على حرفٍ، فإن أصابه خير اطمأنَّ به، وإن أصابته فتنة، انقلب على وجهه، فليس من عبيده الذين اختارهم لعبوديته”. [طريق الهجرتين ٢٧٧]

ثم من مصالح المنع= تربية العبد؛ بأن يعرف أن ليس كل ما يرجوه ويؤمله يتحصل له؛ فيتجلد ويقوى. ولذا من نكت النهي عن “اللو” في حديث «ولا تقل: لو أني فعلت كذا، لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل» [رواه مسلم ٢٦٦٤] أنها تضعف الهمة، فيضحي الإنسان لائمًا القدرَ، مستغرقًا في الندم على الماضي، معرضًا عن العمل للمستقبل.

ثم إن مشاهد المنع والحرمان من بعض المطالب الدنيوية تُوقِف العبد على حقيقة الدنيا، فتخرج من قلبه إلى يده، تأمل التقاطة ابن القيم لهذا المشهد: “فمن رحمته: أن نغَّصَ عليهم الدنيا وكدَّرها، لئلا يسكنوا إليها، ولا يطمئنوا إليها”. [إغاثة اللهفان ٢/٩١٧]

وإن مما ينبغي أن يلاحظ: أنه لا يلزم من حرمان الله عبدَه من بعض مأمولاته أنه يدخر له ما هو خير منه حسًا في الدنيا، بل من الناس من يُحرم الشيء ولا يجد بدله. فإن أعظم ما يدخر الله للعبد هو ما يجده في الدنيا من الأنس والانشراح والرضا بالمقدور، وما يلاقيه في الآخرة من رفعة الدرجات، ومضاعفة الحسنات؛ إثرَ صبره ورضاه، وإيمانه بحكمة الله، ولطفه لعباده، وتفضله عليهم، وعلمه بهم، “ومتى فتح لك باب الفهم في المنع = صار المنع عين العطاء”.

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى