الدين

الفتن والأوبئة: بين الابتلاء والعقوبة

بلال بن ياسين بني عبيد

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه واتبع هداه وبعد:

رحمني الله وإياك أخي القارئ واستعملنا في طاعته وفتح عليّ وعليك بنور معرفته أبوابَ العلم والعمل. إن الله وحده المتصرف في هذا العالم، يُعزّ و يُذلّ، يقبض ويبسط، لحِكَمٍ يعلمها، عرّفنا منها ما عَرفنا وأخفى عنا ما شاء، وتوحيد الله في أفعاله وعدم نسبتها إلى غيره هو المصطلح على تسميته: توحيد الربوبيّة؛ ومداره على الخلق والملك والرزق والقيّوميّة، وقلب هذا التوحيد النابض: الإيمان بالقضاء والقدر،لذلك لم يَعُدَّ محققوا أهل العلم القضاء والقدر ركناً من أركان الإيمان، وإنما اعتبروا ذكره مع أركان الإيمان من باب ذكر الخاص بعد العام للأهمية، واستدلوا على ذلك بتكرار الفعل: (وأن تؤمن).

أما توحيد الله بأفعالنا فهو توحيد العبادة أو توحيد الألوهية، ومناطه الشرع، أي عبادة الله بما شرع حيث أن طاعته عبادة؛ فإذا انضبط التفريق بين نوعي التوحيد: فرّقنا ساعتئذٍ بين مشهدي الشرع و القدر، وأمكن تفسير الأحداث الكونيّة وما واجبنا تجاهها بتوازن بين مقامي: الابتلاء والعقوبة.

أما الابتلاء: فهو قدر الله على البشر تمحيصاً واستخراجاً لعبوديتهم وإلجائهم إلى الله، فإن استجابوا نَجَوا وإلا أُخذوا بالعقوبة، فالابتلاء: نشهد فيه ربوبية الله لنا، وهو مقتضى كمال الصفات الإلهية، و استجابة العبد تحقيقٌ للعبودية أو العكس بالعكس، وهذا جلي في القرآن، قال تعالى: ﴿ونبلوكم بالشر و الخير فتنة، ﴿وبلوناهم بالحسنات و السيئات. ومن وَعَى هذا شهِد أن كل ما يحدث حوله وله هو من الله تعالى بإرادة مسبقة، ولحكمة عظيمة: تأنّى و ترفّق وبحث عن واجب الوقت و الحال مفتقراً إلى الله. فالشّرُّ من قتل وجوع، وأوبئةٍ فتّاكة، بل وما هو أعظم من ذلك: نقص الديانة وظهور المنكرات، وعلى رأسها الشّرك، كله فتنة لطوائف عِدّة، للظّالم هل يظن ذلك تأييداً ونصراً؟ هل يطغى و يحسب الله غافلاً عما يعمل الظالمون؟ هل ينسى مكر الله؟ وفتنةٌ للصالح هل يسعى للإصلاح أم يرضى بالموجود؟ هل يقنطون من رحمة الله؟ أم يقومون بما عليهم حسب وُسعهم و طاقتهم. والجانب الآخر: الابتلاء بالخير، سعة في الرزق، فسحةٌ في الوقت والعمر للعمل، وإسباغٌ لثوب العافية، هل يصرف ذلك في طاعة الله؟ أم نتشاغل بالدنيا و رياستها؟ فالخير فتنة، والأمن فتنة كما أن الخوف فتنة، هل نشكر أم نكفر؟ هل تُنسب لله أم لأنفسنا أو لأشخاص لا يدرون ما يُفعل بهم؟

الغاية هي: بعد إدراك المسبّب لا بد من الرجوع إليه لعبادته بما  يُحب في هذا الحال لا الرجوع إليه لكشف الضر فقط، فلله علينا عبادة في هذه الحال يُحب أن يعبد بها،فيرفع أقواماً و يتخذ شهداء، وآخرون لايدرون لماذا يحصل هذا ويخيّل إليهم أن الله يحب ما يبغضه! فتأكلهم الحيرة. والمقصود أن تحقيق مقام القدر، أي توحيد الربوبية في شهود الفتنة حالا ً، يعقبه وعيٌ لتوحيد الإرادة و الطلب، الذي يصدر عنه العمل الصالح، وهذا لا يحصل بالعجلة وردود الأفعال! لم؟ لأنّ النّفس إذا طلبت شيئاً لها بهوىً طلبته على عجَل، فبادرت وسارعت، وهذا شركٌ خفيّ المسلك في القلوب يفسر لك العواطفَ العواصفَ بالأمّة؛ الجوارفَ لمنجزات العمل الإسلامي، وهذا المثلب في الإخلاص إن تعدّيته رُزقت الرّفق: وهو الأناة لإصابة السّنة (تحقيق توحيد العبادة بالطاعة)، وهذا هو الاتباع.

إذا عُلم هذا فإن ممّا يوضّحه أن يُقال: الرابط بين توحيدي الألوهية والربوبية هو شهود كمال الصفات الإلهية كما قال تعالى: ﴿ ألا له الخلق والأمر، فخلقهُ لحكمةٍ وأمره لحكمةٍ، فكما أنه لايُسألُ لم فعل؟ لا يُسأل لم شَرع؟ بل نبحثُ كيف ننفّذ الأمر بما يناسب الخلق. وهذا واضحٌ في سنن الله الكونيّة، ومن نظر في السيرة رأى ذلك جليّاً، وكمثال يدلُّ على قاعدتنا قوله تعالى: ﴿ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب.

هذا من ناحية الابتلاء؛ أمّا العقوبة فهي أيضاً من فعل الله لكن لعلةٍ أُخرى، وهنا نقطةُ الافتراق مع المذاهب الحداثية ذات التوجهات الربوبية، حيث الظّنّ السائد أن المصائب ليست إلا ابتلاءً لا لعملٍ أحدثه بنو الإنسان، فعلّقوها بالأسباب الكونيّة فقط، وهذا حرمهم التوازن. وإن كانت المصيبة العامّة قد تصيب القوم عقوبةً لأكثرهم وابتلاءً لصالحيهم، ولله في ذلك من الحِكَم والغايات ما لايخطُرُعلى بالٍ أو يسنحُ في خيال.

 فمن الناس من شهد القدر ولم يشهد العلّة فلم يُوفّق للدواء، ومن النّاس من شهد العلّة ولم يشهد كمال الإرادة! فلم يبحث عن العلاج في وحي الفاعل الحقيقي وهو الله، فحُرمه. الخلاصة: العقوبة لنا هي من فعل الله فينا لأننا أذنبنا وخالفنا أمره، فإن رجعنا وتبنا حصلت الاستجابة، وإليك من الذكر الحكيم ما يوضح ذلك: ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير، ﴿أو يوبقهن بما كسبوا ويعفُ عن كثير، ﴿فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون، أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون، ﴿ظهر الفساد في البر و البحر بما كسبت أيدي الناس، ﴿ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء و الضراء لعلهم يتضرعون، فلولا إذ جائهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم و زين لهم الشيطان ما كانوا يعملون، فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيءٍ حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغت ة فإذا هم مبلسون.

والآية الأخيرة عامّةٌ في سبب العقوبة وكيفية إنزالها وأن الأخذ بغتة لا يعني عدم وجود الأمارات والإشارات المنبهة على قيام مقتضى العقوبة، وفي الآية ذكر الغاية من ذلك لمن وعى الحدث، لكن الشاهد المراد ذكره: هو الفرح بما أوتوا، والفرح مظنة نسيان الشكر ونسبة النعمة لمسديها من جهة، وعدم محاسبة النفس وتوهّم التوفيق من جهة أخرى، فالأول يشبه فعل قارون، والثاني يشبه فعل الغُلاة. وأصرح من الآية السابقة في الدلالة على المقصود قوله تعالى: ﴿وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضّرعون، ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفَوا وقالوا قد مس آبائنا الضراء والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون. ففي الآية تصريحهم بتعليل المصيبة بتقلب الدهر! وهو جمع بين الجهل والغرور، والشّبَهُ بين الآيتين ظاهر في علة وكيفية إنزال العقوبة.

صار عندنا مهمتان: بناء النظرة عن الواقع، والثانية التعامل معه. تصوّرُ الواقع مضى بيانه، أما التطبيق فقاعدته: الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره. وإذا أردت التفريق بين مقامي الابتلاء والعقوبة واقعياً فطريق ذلك مقارنة حالك مع الأمر والنهي. ثم هناك من القرائن ما يدلك على المقام الذي أنت فيه، فمثلا ً مرض نبي الله أيوب كان ابتلاءً من الله، لأنه معظّم للأمر والنهي، وشفاه الله وآتاه الله أهله ومثلهم معهم، فعاقبة أمره دلت على نجاحه في الابتلاء، ومن هنا تعلم لم ينظر علماء الإسلام لمآلات الأمور ولا يطلقون الأحكام المعلقة بالمصالح والمفاسد باديَ الرّأي بالنظر إلى البدايات فقط. قارن ذلك بنتائج يوم أُحدٍ والآيات التي نزلت عقبه تعلم أن تلك الهزيمة كانت ابتلاءً لأُناسٍ وعقوبةً لآخرين، بل كانت درساً للأمة بأسرها في الامتثال والتسليم وعدم التقدم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم برأيٍ أو تخطيطٍ.

وختاماً، فإنّ ما سبق ذكره، يتحقق إيماناً راسخاً في القلب، وعملاً جادّاً على الأرض، وإن لكلٍّ من التخاذل عن حمل الأمانة و المعاصي أثراً بالغاً في قوّة الإدراك، ومن ثَمّ العزيمة، ومتى ما ضعفت عزيمة العمل بالحق ضعف على إثرها عزيمة طلب معرفة الحق، و بالتالي ضعفت قوة الإدراك، ففُتِحتْ الثّغرات مداخل للشبهات، فأدِم أخي التوبة و تذلل إلى الله، ولا ترَ نفسك، ثم خذ بسبب العلم و جد لنفسك صحبةً صالحةً، ﴿إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا يجعل لنا فرقانا نفرق به بين الحق و الباطل. وصلى الله على نبينا وعلى آله وصحبه.

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى