عام

تجاوز التوقعات، والتخطيط للمستقبل

  • سيمون بل
  • ترجمة: بسنت السيد
  • تحرير: ريم الطيار

كان التنبؤ شغفًا لجدي؛ ولأن والدتي كانت امرأة وحيدة وعاملة، كنت بعد كل يوم دراسي أنحدر نحو جدي وجدتي للغداء؛ حيث أرى جدي يَوْمِيًّا مُنكفِئا على صفحات السباق، متفحصًا دليل الإرشادات، وقد آمن إيمانًا راسخًا باستطاعته على فك شفرات تلك الجبال من خلال الإحصائيات؛ فالفوز الكبير كان قاب قوسين أو أدنى.

أخذني الفضول -كطفل غريب الأطوار- وبدت لي الفكرة مسلية وتعليمية.

كان توفير أرباح الرهان -بخمسة أحصنة -لتمويل الرهان التالي طريقة ممتازة لشحذ الحساب العقلي لدي.

إذا كيف جرت الأمور معه؟

كان يربح ما يكفي لشراء بعض الحلوى لحفيده، لكن غالبًا ما كان يحتفظ بالنتائج لنفسه؛ لأنه في الغالب يخسر، وهذا لم يكن سيئا للغاية؛ فقد كان يتسلى بالمراهنة على الفرس الفائز، ولكن المال قليل وهو المسؤول هنا، ولذلك أشك أنه عاش غالب سنواته مفلسًا.

المشكلة كانت تكمن أن سباقات الخيل هي منافسات معقدة بين مدربين وفرسان لا يُعول عليهم، وتربة موحلة بشكل غير متوقع، كان هناك دائما سبب وراء عدم فوزه أبدًا؛ ولكونه كان فارسًا في السابق لم يضع اللوم على الفرس مطلقًا.

ومع ذلك، لم يهزعدم الفوز إيمانه في قوة التنبؤ، فهو يعلم أنه ذات يوم ستُؤتي أبحاثه المضنية ثمارها، وتذلل له الطريق.

 

التنبؤ والتعقيد

لقد فكرت في جدي كثيرًا بينما أقرا كتاب: (المجهول: كيف نخطط معا للمستقبل؟) لمارجريت هيفرنان، هذا كتاب يلقي نظرة عقلانية على قدرتنا وهوسنا للتنبؤ بالمستقبل.

على نحو متزايد، نواجه ظروفًا وأحداثًا معقدة للغاية في حياتنا؛ نتيجة لذلك نتعطش لليقين والأمان، وبينما يصبح العالم أكثر تعقيدًا، يبدو أن التنبؤ يمنحنا هذا اليقين.

فقط فكر في استغلال الخبراء الذين يقدمون نصائح مؤكدة بشأن سوق الأوراق المالية، ولديهم جحافل من المتابعين، غير مكترثين بأنهم نادرا ما يتفوقون على السوق في أغلب الوقت.

 

هل تعني البيانات الضخمة نجاحًا كبيرًا؟

نواجه ضغط البيانات المتواصل التي تغرينا بالتوقع؛ فهي تبشر بأننا إذا عرفنا ما يكفي، أو أخبرنا الآخرين ما يكفي عنا؛ فستكون حياتنا أكثر كفاءة ونتخلص من التقصير والخطأ!

فمع البيانات الكافية يمكننا التنبؤ باحتياجاتنا المستقبلية، ومن ثم هناك تلك الخوارزميات التي تستخدم عمليات البحث السابقة عبر الإنترنت؛ لاقتراح المنتجات التي قد ترغب في شرائها في المستقبل.

أو المساعد الرقمي الذي يخبرك متى ستنفد القهوة على الأرجح، وقد ترغب في طلب المزيد، مفيد، أليس كذلك؟

تمكن إدارة الخوارزميات الشركات من التنبؤ بسلوكيات زبائنهم، وطلب المخزون الكافي تمامًا لتلبية الطلب المتوقع؛ إنها قواعد مثالية للتنبؤ.

ربما ينجح هذا، لكن ماذا لو حدثت جائحة عالمية تسببت في ارتفاع مفاجئ في استهلاك المشتريات، نتيجة تكديس الناس لها، كيف ستقوم الخوارزميات بالتنبؤ لمواجهة ذلك؟

الرفوف الفارغة والجماهير الغاضبة، هي مؤشرات على أن النظام لم يعد يعمل بعد أن أصبحت الظروف معقدة ومضطربة؛ فهو ليس يقينيا.

 

التخطيط بدون التنبؤ

يقدم كتاب (المجهول) وجهة نظر مختلفة، حيث يدرس طرقًا أخرى للتخطيط والتحكم في مستقبلنا على الصعيدين المهني والشخصي، هذه الطرق لا تنطوي على التنبؤ؛ لأن التنبؤ لا يعمل بالشكل الكافي في المواقف المعقدة، بدلاً من ذلك، وتطرح هذه الأساليب سلسلة من أسئلة متتالية تبدأ بـ “ماذا لو” لرسم تسلسل الأحداث المستقبلية المحتملة.

تتنوع هذه الاحتمالات المستقبلية بشكل كبير، فعند اتحاد مجموعات كاملة للعمل على مشروع ضخم يتبعون نهج يعرف بتخطيط السيناريوهات.

بشكل أساسي، طرح سلسلة من الأسئلة المركزة والمفتوحة حول الموقف يساعد في بناء سلسلة من الروايات المحتملة حول المستقبل، ومثل هذه المشاريع تقر بمحدودية التنبؤ، وتلجأ عوضا عنه إلى التجربة، واستخدام رؤى أناس من مجموعة واسعة من الخلفيات، فهم متعاونون بصدق.

لكن هيفرنان لم تركز فقط على الصورة الكبيرة، فهي تستهدف المنطقة الشخصية كذلك تشكيل مستقبلنا.

أصابني فصل معين بصدمة؛ عنوانه “من يريد أن يعيش إلى الأبد؟” وفيه تناقش هيفرنان التغيير الأخير في نمط الحياة لنا جميعًا: الموت.

على وجه الخصوص، تتحدث عن التخطيط لـ “الموت الجيد”، وعن مقاومة رغبة الحفاظ على البقاء بأي ثمن، وبقدر ما تستطيع قم بالتخطيط لهذا التغيير النهائي.

 إنها قراءة مثيرة للاهتمام، وبالنسبة لي، كانت شخصية للغاية.

فقد توفي جدي بعد سنوات من المرض بعد تعرضه للعديد من النوبات القلبية والسرطان، واتخذ قرارًا برفض المزيد من العلاج.

وبعد وفاته، ذهبت أمي للمساعدة في فرز أغراضه الشخصية، ووجدتها في حالة جيدة؛ من دفتر رواتب جيشه إلى وصيته، لقد رتب كل شيء بدقة عسكرية.

لقد قرر كيف يريد أن يرحل، وتولى مسؤولية ما يمكنه السيطرة عليه، وترك ما لم يستطع السيطرة عليه.

هذه أقوى فكرة في الكتاب؛ أن يتمكن أي منا من تولي زمام حياته، أو وظيفته، أو المشاريع التي يعمل عليها، في أي وقت؛ ولسنا بحاجة إلى التنبؤ ليخبرنا متى نفعل ذلك.

أعجبني المقال

المصدر
mindtools

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى