عام

برّوا لهجاتكم

  • سعيد بن عبد العزيز الغامدي

بسم الله الرحمن الرحيم

قُلتُ في مقالٍ لي سابق نُشر على هذا الموقع عنوانه: “تأملٌ في العربية واقتراحاتٌ في التعريب” إنّنا لو جاز لنا أن نضع حَدًّا للعربيّة لَقُلنا: “إن العروبة عادات لغوية غير واعية، تقوى وتضعف بالاقتراب والابتعاد عن مهد العربية، وبالاتصال بحاملي هذه العادات الأولين من خلال ما دُوّن عنهم، وبحامليها المُحدثين في مهدها أو الأقرب فالأقرب منها ومن بواديها ومخالطتهم والعيش معهم”. والاتّصال بحامليها المُحْدثين يكون من خلال ملاحظة لهجاتهم وطرائق نطقهم وما بقي فيها من الفصيح والاعتناء بـ”العامّيّات الفِصاح”.

إذ إنّ لهجاتنا العامّيّة مرضٌ وتخلّف في مسيرة حركة العربيّة في التّاريخ إذا قارنّاها بعصور الفصاحة، لكنّها -في جزيرة العرب خاصّة- تضمّنت نعمةً في طيّات بلائها، إذ حفظت كثيرًا من تراث الفصحى من أساليب وألفاظ تتناثر في كل لهجة، فمحاربتها بإطلاق فيها قتلٌ لبقايا الفصحى هذه، وهذا ليس بعدلٍ ولا حكمة.

‏فيكون بهذا تدوين عاميّات الجيل الذي قبلنا أمرًا واجبًا؛ إذ إنّ جيل الأجداد الذين أدركوا آخر مراحل “البداوة” وعاينوا أوّل مراحل “الحضارة” أو “المدنيّة” لم يبق على ألسنتنا من كلمات لهجتهم ومن استخداماتها ومعانيها إلّا أقلّ من ثلثها، بل إنّا نجهل نصف ما أدركه جيل آبائنا في لهجتنا نحن مع الانفتاح الهائل في زماننا وكثرة المشاغل والمُلهيات وسُكنى المدن.

وأنا هنا لا أدعو بتدوينها إلى استبدالها بالفُصحى مَعاذ الله، فهذا جهلٌ أعمى، بل حُمْق. وإنّما أدعو إلى تدوينها مع دراسة التغيّر الذي طرأ عليها وتعليله وربطها بأصلها الفصيح الذي انحدرت منه ما أمكن.

وأرى في خطوة د. عبد الرزاق الصاعدي التي يدعو إليها من تدوين الفوائت أنّها تحقّق شيئًا كبيرًا ممّا أدعو إليه. على أنّ دعوتي هذه أشدّ اتّساعًا من خطوته، إذ إنّي أرى لِزامًا علينا أن نحفظ و”نحنّط” هذه اللهجة التي وصلتنا وتوشك أن تمّحي كلّها من بين أيدينا، كما امّحى بالفعل جزءٌ من لهجات آباء أجدادنا وأجدادنا.

واجبٌ علينا أن نحفظها لمَن يأتي بعدنا، فهذا جزءٌ من حقّهم علينا وقد تيسّرت لنا السُّبُل والوسائل وتدانى البعيد ممّا لم يكن عند الآباء ولا الأجداد.

وهذه الفكرة قريبةٌ ممّا عَرَضتُ له في هذا المقال السابق أعلاه وتجري في مجراه، وقُلتُ آخره إنّنا:

“نَدين لأجيال العربية القادمة -بما فتحه الله علينا من اتّساع ووفرة في المصادر والمعلومات ووسائل العلم وسهولة ويُسْر في الجمع والرَّصْد- بتسجيل هذه العادات اللغوية في مهد العربية وآثار القرون والاتصال باللغات والثقافات الأخرى عليها، كما أسدانا سَلَفنا جميل تدوين وحفظ اللغة لمّا خشوا على لغة كلام رب العالمين من العُجْمَة وتداخل الألسنة”.

وإنْ أردت دليلًا ومثالًا على بعض ما حفظته هذه اللهجات من الفصحى فإنّني أكتفي فقط بلفظة “هاه”، فهي باستخداماتنا لها كلّها من بقايا الفصاحة الأولى. ولم يرد النهي إلّا عن نطقها في التثاؤب “هاه هاه”، أي الجهر بصوت التثاؤب. فلذا أعجب من نهي البعض عن نطقها واستبدال “نعم” بها!

‏فهي بقيت بدلالاتها جميعها أو معظمها من صدر الإسلام -وما قبله بالتأكيد-، وهي عربيّة عريقة جاءَت على لسان الصدر الأوّل، ودلالاتها لا تنحصر في إجابة النداء فحسب.

فقد جاءَت على لسان الحبيب ﷺ في الحديث المشهور في صفة سؤال المَلَك في القبر، وهو كما جاء في مسند أبي حنيفة برواية الحصكفي:

(عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: “إِذَا وُضِعَ الْمُؤْمِنُ فِي قَبْرِهِ أَتَاهُ الْمَلَكُ، فَأَجْلَسَهُ، فَقَالَ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَقَالَ: اللَّهُ، قَالَ: وَمَنْ نَبِيُّكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ ﷺ، قَالَ: وَمَا دِينُكَ؟ قَالَ: الْإِسْلَامُ، قَالَ: فَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَيُرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ، فَإِذَا كَانَ كَافِرًا أَجْلَسَهُ الْمَلَكُ، فَقَالَ: مَنْ رَبُّكَ؟ قَالَ: ‌هَاهْ لَا أَدْرِي، كَالْمُضِلِّ هُوَ شَيْئًا، فَيَقُولُ: مَنْ نَبِيُّكَ؟ فَيَقُولُ: ‌هَاهْ لَا أَدْرِي، كَالْمُضِلِّ شَيْئًا، فَيَقُولُ: مَا دِينُكَ؟ فَيُقَالُ: ‌هَاهْ، لَا أَدْرِي، قَالَ: فَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ، وَيَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ، فَيَضْرِبُهُ ضَرْبَةً يَسْمَعُهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ: الْجِنَّ وَالْإِنْسَ، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} [إبراهيم: ٢٧] “). وفي رواية أخرى فسّرت دلالة “هاه” هنا بوضوحٍ أكثر، إذ ورد في كتاب الآثار لأبي يوسف الحديث بسنده وفيه: (فَيَقُولُ: ‌هَاهْ، كَالْمُضَلِّ شَيْئًا…)، فاكتست اللفظة هنا معنى اللهفة عند فاقِدِ ضالّته، وهو يبحث وينقّب عن حاجته شارد اللُّبّ مَنْخوب الفؤاد.

وجاءت بمعنى التعجب والإنكار في “غريب الحديث” للقاسم بن سلام من: (حديث “سفيان الثوري” عن “أبي الزناد” عن “المرقع بن صيفي” عن “حنظلة الكاتب”. قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غزاةٍ، فرأى امرأةً مقتولةً، فقال: “‌هاه! ما كانت هذه تقاتل، الحق خالداً فقل [له]: لا تقتلن ذريةً، ولا عسيفاً“، جعل النساء من الذرية).

وممّا جاء من الأخبار ويحتمل كِلا المعنيين السابقين ما أورده أبو محمد عبد الله بن عبد الحكم بن أعين المصري (ت: 214هـ) في «سيرة عمر بن عبد العزيز»، في خبر استخلافه، قال:

«فَقَامَ عمر حَتَّى جلس على الْمِنْبَر، فنعى للنَّاس سُلَيْمَان وَفتح الْكتاب، فَإِذا فِيهِ: (اسْتِخْلَاف عمر وَيزِيد بن عبد الْملك من بعد عمر). فَلَمَّا قَرَأَ ذكر عمر جثا هِشَام بن عبد الْملك على رُكْبَتَيْهِ، وَقَالَ: “هاه”! فَسَلَّ رجلٌ من أهل الشَّام سَيْفه وَقَالَ: تَقول لأمر قد قَضَاهُ أَمِير الْمُؤمنِينَ هاه؟!

فَلَمَّا قَرَأَ: (ثمَّ يزِيد بن عبد الْملك من بعد عمر)، قَالَ هِشَام: سمعنَا وأطعنا. فَسمع النَّاس وأطاعوا وَقَامُوا فَبَايعُوا لعمر».

وجاءَت أيضًا على لسان الفاروق عمر -رضي الله عنه- بمعنى الوعيد والتحذير في «مصنف عبد الرزاق الصنعاني» فيما رواه: (عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، وَأَبِي فَرْوَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: “يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنِّي وَأَدْتُ ابْنَةً لِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأَدْرَكْتُهَا قَبْلَ أَنْ تَمُوتَ فَاسْتَخْرَجْتُهَا، ثُمَّ إِنَّهَا أَدْرَكَتِ الْإِسْلَامَ مَعَنَا فَحَسُنَ إِسْلَامُهَا، وَإِنَّهَا أَصَابَتْ حَدًّا مِنْ حُدُودِ الْإِسْلَامِ، فَلَمْ نَفْجَأْهَا إِلَّا وَقَدْ أَخَذَتِ السِّكِّينَ تَذْبَحُ نَفْسَهَا، فَاسْتَنْقَذْتُهَا، وَقَدْ خَرَجَتْ نَفْسُهَا فَدَاوَيتُهَا حَتَّى بَرَأَ كَلْمُهَا، فَأَقْبَلَتْ إِقْبَالًا حَسَنًا، وَإِنَّهَا خُطِبَتْ إِلَيَّ فَأَذْكُرُ مَا كَانَ مِنْهَا”. فَقَالَ عُمَرُ: ”‌هَاهِ!، لَئِنْ فَعَلْتَ لَأُعَاقِبَنَّكَ عُقُوبَةً“، {قَالَ أَبُو فَرْوَةَ: ”يَسْمَعُ بِهَا أَهْلُ الْوَبَرِ، وَأَهْلُ الْوَدَمِ“، قَالَ إِسْمَاعِيلُ: ”يَتَحَدَّثُ بِهَا أَهْلُ الْأَمْصَارِ“}، ”أَنْكِحْهَا نِكَاحَ الْعَفِيفَةِ الْمُسْلِمَةِ“.)

وجاءَت أيضًا عن أبي هريرة -رضي الله عنه- فيما رواه عنه الإمام ابن المبارك في كتابه «الزهد والرقائق»: (قَالَ: أَخْبَرَنَا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: «مَنْ قَالَ لِابْنِهِ -أَوْ قَالَ لصَبِيَّتِهِ- ‌”هَاهْ!”، يُرِيهِ أَنَّهُ يُعْطِيهِ شَيْئًا فَلَمْ يُعْطِهِ، كُتِبَتْ كِذْبَةً». وهي بهذا المعنى دارجة كثيرًا في لهجاتنا بمعنى الحَثّ والإغراء، وكأن العرب اجتزأت بها عن قولهم: ها هو!

وجاءَت كذلك كما نستخدمها في معنى الاستفهام الإنكاري على مَن يُسمعك شيئًا قد تستعظمه، في خبرٍ جليلٍ مَهيب في كتاب «الزهد والرقائق» للإمام ابن المبارك أيضًا، قال: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عِيسَى قَالَ: أَتَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، مَشْربَةَ بَنِي حَارِثَةَ، فَوَجَدَ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ، فَقَالَ عُمَرُ: “كَيْفَ تَرَانِي يَا مُحَمَّدُ؟” فَقَالَ: “أَرَاكَ وَاللَّهِ كَمَا أُحِبُّ، وَكَمَا يُحِبُّ مَنْ يُحِبُّ لَكَ الْخَيْرَ، أَرَاكَ قَوِيًّا عَلَى جَمْعِ الْمَالِ، عَفِيفًا عَنْهُ، عَادِلًا فِي قَسْمِهِ، وَلَوْ مِلْتَ عَدَلْنَاكَ كَمَا يُعْدَلُ السَّهْمُ فِي الثِّقَافِ”، فَقَالَ عُمَرُ: ‌”هَاهْ!”، فَقَالَ: “لَوْ مِلْتَ عَدَلْنَاكَ كَمَا يُعْدَلُ السَّهْمُ فِي الثِّقَافِ”، فَقَالَ عُمَرُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَنِي فِي قَوْمٍ إِذَا مِلْتُ عَدَلُونِي”).

وجاءَت أيضًا على لسان سعيد بن المسيّب من السلف الأول في معنى الغيظ، بقريبٍ من المعنى السابق، فيما رواه عنه الإمام المُطّلبي الشافعي في كتابه «الأم»، قال: (أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ ابْنُ أَبِي يَحْيَى عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: “قَدِمْت الْمَدِينَةَ فَسَأَلْت عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِهَا فَدُفِعْت إلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فَسَأَلْته عَنْ الْمَبْتُوتَةِ، فَقَالَ: “تَعْتَدُّ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا”، فَقُلْت: “فَأَيْنَ حَدِيثُ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ؟” فَقَالَ: “هَاهْ!”، وَوَصَفَ أَنَّهُ تَغَيَّظَ، وَقَالَ: “فَتَنَتْ فَاطِمَةُ النَّاسَ، كَانَتْ لِلِسَانِهَا ذَرَابَةٌ فَاسْتَطَالَتْ عَلَى أَحْمَائِهَا، فَأَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ”).

وغير ما ذكرت الكثير الكثير من الشواهد، لم أتطرّق إليها لأن هدفي ليس الاستقصاء، وإنّما التمثيل على بعض استخدامات هذه الكلمة العربيّة التي بقيت هي وجُلّ معانيها منذ ذلك العصر الذهبي، حفظتها لنا لهجاتنا فيما حفظته. فإهمالُها وتركُ تدوينها مع ما يتهدّدها من تغيّرات اجتماعية وهجرات لعددٍ كبيرٍ من أبناء القبائل الناطقين بها من مواطنهم للعواصم والمدن والحواضر الكبيرة، فضلًا عن محاربتها ومحاولة إبعاد العامّة عن النطق بها جهلٌ وعدوان؛ وإن كان يصدر عن غفلة وحسن نيّة أحيانًا.

والله أحكم وأعلم.

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى