عام

البربرية: ملاحظات على فكر ثيودور أدورنو

  • أنّا فيرينا نوستوف
  • ترجمة: المعتصم الحراصي
  • تحرير: عبد الله البراك

كثيرًا ما اقترن مصطلح “البربرية” -كما استخدمه أدورنو- بمقولته المشهورة “إنه من البربرية كتابة الشعرِ بعد أوشفيتز”، ولكن هذا التعبير في هذه الأيام -ولحسن الحظ- أصبح يقترن بسياقات أخرى كثيرةٍ في أعماله. لقد أسيء فهم مقصود أدورنو من تعبيره هذا، وكان أكثر ما أسيءَ فهمهُ يومَ نطق به أول مرة.

دعني أوضح: لم يكن التعبير السابق حكمًا قاضيًا بقطع ألسنة الشعراء والفنّانين وإخراسهم، بل نطق به أدورنو -قاصدًا على وجه الخصوص الشاعر “سيلان” وأغراضه الشعرية- مستحثًا الفنَّ والثقافةَ على أن تواجه الواقع -المعقد والمتناقض مواجهة تنبع بالأساس من نفس هذا الواقع-. ما أعنيه هو: أنْ يُكتَب الشعر بعد أوشفيتز كتابة منبثقة من معنى فلسفيٍّ ولغويٍّ معضل[1]، وأعني بذلك الهوَّة الفلسفية بين الدال والمدلول، الهوّة التي لا يجب على المرء -بل لا يقدر المرء- تخطيها بالكتابة أو أيّ طريقة أدبية أو جمالية أخرى. مع ذلك، لابدّ للشعر، والفنّ والتفكير بالذات، وهي شكل من أشكال التفاعل الجاد مع الوقائع الاجتماعية والسياسية- لا بدّ له من أنْ ينهض في وجه ما لن يستطيع تخطي تلك الهوّة إليه ويبلغه، وأعني بذلك “الهولوكوست”، لا بدّ له من فِعْل ذلك. لا مناص من “النطق” و “التكلم”، مع علمه أنه -أي المُخاطِب- لن يبلغ المُخاطَب، وأنه سيتلعثم في “الكلام”.

في الوقت الذي دار كثير من الجدل حول التعبير السابق في كليّته، لم ينل مصطلح “البربرية” بالذات وما يحمله من دلالات إلا قليلَ اهتمام. مع أنّ فهم هذا المصطلح بالأبعاد الكثيرة والمختلفة التي يوظفها أدورنو (وأحيانًا هوركهايمر) أقول مع أن فهمها شديدُ الأهمية لفهم ما يرمون إليه من مقاصد وخاصة في هذه المقولة السابقة.

والأهم مصطلح “البربرية” متعددُ المعاني والدلالات، وهو داخلٌ في عمق مشروع أدورنو الفكري بمواضيعه المختلفة. فقد استخدم أدورنو هذا المصطلح في نقده “للعقل التقني” و “للثقافة الشعبية” و “للتقدّم”. وباختصارٍ هو -أي مصطلح البربرية- داخل في نقد أدورنو لعموم “الفكر التنويري” بوصفه متمسكًا “بالعقل الأداتي” تمسكًا يصل إلى حدّ إقصاء أيّ مذهب فكريٍّ سواه. وأستطيع القول إنّ مصطلح البربرية -أدورنو لم يشرح مقصوده من المصطلح شرحًا يقطع أيّ شك- أستطيع القول هذا المصطلح بتشعب معانيه يعكس تعقيد فلسفة أدورنو النقدية بكليتها. فهذا المصطلح يظهر في كتابه “النقد الثقافي والمجتمع” في سياق حديثه عن “كتابة الشعر بعد أوشفيتز” كما ذكرنا، وهو كذلك يظهر في معظم أعماله وكتاباته مثل: “الديالكتيك السلبي” و “مينيما موراليا” و “جدل التنوير”. وكذلك يظهر في أبدع ما سطّرت أنامله من كتب كما يرى البعض، وأعني به كتاب “النظرية الجمالية”، الذي صدر بعد وفاته.

أرى أن أبعادًا أربعة متحدةً من جهةٍ، مفترقةٌ من أخرى تمكننا من فهم ما يرومُه أدورنو من استخدامه لهذا المصطلح. كلٌّ من هذه الأبعاد الأربعة يعكس شيئًا من أفكار أدورنو الراديكالية الدائمة الحضور في أعماله. أفكار تدعو إلى مواجهة أعباء سياسية وأخلاقية لماضٍ لا يمكن تغييره. ولم تقتصر هذه الدعوات والأفكار على الفنِّ والثقافة فحسب، بل بلغت العلوم التجريبية والسياسة، وشملت المجتمع بأسره، فرأته مركزًا يقصي ويستبعد أطرافه ومحيطه. فهي -أي أفكاره- في جوهرها متعلقة بتفاعلنا نحن مع الحقائق الاجتماعية والسياسية التي تكتنفنا.

 

البعد الأول:

إنّ أول ما أودُّ الحديث عنه من أبعاد هذه الكلمة هو “الهولوكوست” بما يمثله من تجسيد واضحٍ شديدٍ لمفهوم “البربرية”.  مما يتعلق بهذا البعد حالةٌ تحمل في داخلها معضلة عويصة تشي بما يشبه التناقض المنطقي. وهي مواصلتنا العيش على الرغم مما حدث في أُوشْفِيْتَز. فهذه الحادثة لكونها تمثل “النهاية الكبرى” للتسلسل المنطقيّ للأحداث يوحي بأنّ المجتمع البشري سيكفّ عن الحياة ولن يواصل العيش بعد تلك الأحداث الفظيعة. ولذلك، فإنك قد تلاحظ نوعًا من “البربرية” كائنٌ في صميم وجودنا؛ أي في استمرارنا في المعيش حتى بعد أوشفيتز. أي كلمة، بل أيّ حرف تحرّك به لسان آدمي بعد حادثة أوشفيتز دليل على أنّه لا مانع من استمرار الحياة. أي تقرير لفكرة أو مبدأ لهو في نفسه تأكيدًا منا لما كان يجب علينا منعه، ولكن منعه الآن ممتنع علينا؛ لأن الماضي لا يمكن تغييره.

لأوضح مقصدي: الفكرة التي نستنتجها بعد ما حصل في أوشفيتز هي “الكل” (أي الوجود برمته) بربري “والأشياء جميعها بلا استثناء بربرية”. من هنا نفهم أحد معاني قول أدورنو “بربرية فجّة أنْ يُكتَب الشعرُ بعد أوشفيتز”. فالشعر بربري؛ لأن كل شيء بربري. وكل ما يخطر ببالك فهو بربري، كتابتك تنفسك عيشك. بل إن مجرد التفكير بربري؛ لأنه شكل من أشكال الوجود بعد أوشفيتز.

 

البعد الثاني:

البعد الثاني من أبعاد هذه الكلمة يُشير إلى الفكرة التالية: أنّ الثقافة نفسها والفلسفة إلى جانبها عجزتا عن منع حادثة أوشفيتز من الوقوع، بل الأمر أشدّ فإنهما -أي الثقافة والفلسفة- ساهمتا -في أحيان- في تغذية الفكر النازي، ومن أجل ذلك أصبحتا متواطئتين معه بشكل راديكالي. (يشتد وضوح تقرير أدورنو هذا في موقفه الرافض لمصطلحات هايدجر المؤسسة لمذهبه الأنطولوجي، ورفضُه هذا يتعدّى فكر هايدجر الأصلي إلى ما تفرَّع إليه من مذاهب). إن الثقافة والفلسفة بعد فشل حركة التنوير يُعدان من أبعاد الاستمرار في الوجود ومن أشكالِه فهما بربريان.

يقول أدورنو:

“لا أرى أحدًا ناقِضًا عليَّ قولي: إن حادثة أوشفيتز مظهر من مظاهر فشل الثقافة. فوقوعها بين رائع وبارع من الفلسفات والفنون والعلوم التنويرية أمرٌ إذا يُسِّر لك استنباطه فإنّ العلوم وهذه “الروح” لم تستطع كبح جماح الإنسان ولا تغييره.  وأيما امرئ نافحَ عن ثقافة مهترئة بالية مذنبة فإنّني أعده مواليًا لها. وأما من اعتزلها وخلع ربقتها فأولئك الذين يدعون إلى البربرية، التي يظهر أنها هي عين الثقافة حين تكشف الثقافة عن نفسها.”

كما ذكرت سابقًا، ذِكْر أدورنو للبربرية (كما تحدثنا عنها في البعد الأول وهي صورتها العامة، أو البعد الثاني وفيه علاقة البربرية بالثقافة شكل من أشكال الاستمرار في الوجود والحياة) إن ذكره لها لا يعني إرادته إخراس الثقافة ولا الفنون ولا الفلسفة. وما يؤكد ذلك مبدؤه الذي أطلق عليه: “القانون الأخلاقي الجديد”[2]. تعبيره عن هذا القانون في كتابه “الديالكتيك السلبي” يصح فهمه على أنّه تصدي أدورنو ومواجهته للوضع البربري بصورته العامّة في البعدين الأول والثاني.

كانت الأفكار الباعثة لأوشفيتز قد فرضها هتلر على أناس غير أحرار بالمعنى الحقيقي للكلمة. هذا القانون الأخلاقي يقتضي ترتيب مبادئ الناس من جديد لأجل ألّا يدور الزمن دورته وتظهر أوشفيتز أخرى أو ما شاكلها من المآسي. عجيب هو افتراض أدورنو (كما توسع في شرحه هو وهوركهايمر في كتاب جدل التنوير) أنّ الناس غير أحرار. مما يعني لمّا يحرروا أنفسهم بعدُ مما أوقعوا أنفسهم فيه من الوصاية الفكرية.

لقد أثبتت واقعة أوشفيتز التقدّم المزعوم للحضارة لم يقضِ على البربرية في دواخلنا، ولم يكن تكبيلها أو كبتها فينا ناجعًا في دحرها، بل قام الجهل المتأصل فيها بإيقاد نار العودة، عودةٍ شديدة التطرف، عودةٍ ذاتِ خطر حوّلت ما كنّا نحلم به من عالم ذي فكر تنويريّ عالميّ إلى كارثة جسيمة انتفت بعدها أيّ محاولة للوصول إلى العالمية.

من أجل ذلك قرر أدورنو وهوركايمر لا يمكننا أن نأمل في الخلاص بمجرد التمسّك بالعقل الكليّ المزعوم (العقل المحض عند كانط). فلا وجود لأي سبيل يُـمَكِّنُ البشر أن يُحَرَّروا (أو أن يُحَرِّروا أنفسهم) من ذلك المبدأ البربري المتأصّل والمتجذّر فينا كما في صورته العامّة في ذكرنا له سابقًا، وبدلًا من محاولة استعادة عالمية غيبها الدهر إلى الأبد فإنّ مسؤوليتنا في ظل هذا القانون الأخلاقي الجديد محاسبة أنفسنا على هذا الفشل الذريع.

من المهم القول إنّ أدورنو يلمِّح إلى ردود ليست بربرية على الأوضاع البربرية العامة المذكورة سابقًا. ويجب علينا تركيز اهتمامنا على هذه الطرق أو الردود ونستجيب لندائها، وخصوصًا قانونه الأخلاقي الجديد الذي لا يدعونا إلى التفكير وحسب، بل أيضًا إلى العمل من أجل استعادة الإنسانية قبل وقوعها في البربرية، وعلى الرغم من أن “الكلّ” أو “عموم الموجودات” متصف بالبربرية، فالتطبيق العملي الوحيد أو “البراكسيس” الوحيد المناسب بعد ما حصل في أوشفيتز هو توجيه جهودنا جميعها للتخلص من بربريتنا.  إنّنا لو محّصنا الأمر لوجدنا أنه لا مناص من أن يظلّ هذا الأمر طوباويًا بعيد المنال، لقوله فيما سبق أنّ الوجود بقضه وقضيضه واقع في البربرية. ولكنّني أستطيع القول هناك نقطة بدء ما نستطيع توجيه جهودنا نحوها من أجل المسير نحو تحقيق هذا الحلم الطوباوي، على وعورة الدرب السالكة إليه.

خيال أدورنو يرسم له شرطًا اجتماعيًا لا في مكان محدد. ولهذا قلت إنّ هذا الأمر طوباوي؛ لأن الطوباوية في أصل وضعها اللغوي تعني: اللامكان. فلا وجود للمكان في رؤية أدورنو، أو بمعنى أخر تتحقق في “اللامكان” بمعناه الحرفي. من هذا المعنى المستمد يمكننا القول هذه الرؤية تأخذ أفكارنا وأفعالنا وتقودها إلى الهدف موقودة بشعورنا الداخلي بالمسؤولية بوصفنا نعيش داخل هذه الحالة المتناقضة.

أقول إذن: إن مسؤوليتنا -على الرغم من بربرية الوجود – تفكيك النزعات البربرية الغريبة التي يكثر ظهورها فيما يسميه أدورنو وهورخايمر بالبربرية الجديدة.  تكثر هذه النزعات أو الدوافع في أنماط الوجود السياسية والاجتماعية الخاصة (وهي اختيارنا الاستمرارَ في الحياة بعد “النهاية الكبرى” كما ذكرنا سابقًا في بداية البعد الثاني). دعوة أدورنو المبطنة في كتاباته لمواجهة هذه النزعات التي لم تزل تُـكَوِّنُ الوضع السياسي والاجتماعي لها نتائجها وتأثيراتها على أمرين: على طرق التفكير والتحليل -كما توسع في شرحه في كتاب الديالكتيك السلبي-، وعلى الطرق التي من خلالها سنواجه ظاهرة “التشيؤ” في الأفراد والمجتمعات (كما أسهب في الحديث عنه في كتاب جدل التنوير وفي كتاباته وتعليقاته على ظاهرة صناعة الثقافة).

 

البعد الثالث:

قد تَمْلك طريقة أدورنو في التفكير الحل؛ لأنها مدركة للهوّة الفاصلة بين الموضوع والمفهوم (المفهوم بمعناه الهيجلي). أي إدراكه بعدم إمكانية التوليف بين الاثنين. وبدلًا من ذلك يدعونا أدورنو إلى طريقة تفكير لا تعدّ نفسها متعالية على المفاهيم التي تريد استيعابها. عجيبٌ هذه الفكرة قريبة جدًا من فكرة دريدا (على الرغم من إيحائها بأنهما مذهبان ابستمولوجيان مختلفان) وهي: الموضوع ينفلت من قبضة المفهوم الذي يحاول أن يكتنفه. ولذا التفكير بطريقة غير بربرية (وهو ما يسميه أدورنو جانب الفلسفة غير البربري) مشروط بوعيٍّ دقيق بعنصر اللامسؤولية، وبالنشوة المنبثة من تقلبات الفكر الذي ينفلت من قبضة ما يحاول الحكم عليه.

يرى أدورنو عملية التفكير تحوم حول حمى “الشمولية” وتوشك أنْ تقع فيها، لأن التفكير بما هو تفكير يقتضي دائمًا الحكم على الشيء وتحديده وتحجيمه وتسميته وإعطائه معنى أو تأويليًا معينًا. وإذًا فأي مفهوم معرّض لأن يفقد الاحتمالات المختلفة والتأويلات المتنوعة والمعاني المتباينة التي تتعلق بالموضوع. على سبيل المثال: مصطلح “المجتمع” -وهو مفهوم واحد ثابت غير متناقض- يحاول استيعاب حقيقة سريعة التحرُّك شديدة التغيُّر وعدم الثبات (وهي المجتمع على أرض الواقع). وبمعنى أخر: قدر من العنف لا يمكن التغاضي عنه داخل أيَّ عملية تصوُّر لأيِّ مفهوم. فالتصوّر يعني أن تقوم بعملية تجريدٍ، ثم تختزلَ الموضوع إلى مفهوم واحد أو تأويل واحد من بين تلك التأويلات الكثيرة التي يحتملها السياق (كان أدورنو في محاضراته المسمّاة مدخل إلى الديالكتيك يعبِّر عما سبق بقوله: المفهوم “يـُعَـنِّـفُ الموضوع”).

إن الإنسان المفكر الذي لا يدرك هذا التناقض الإبستيمولوجي الجوهري يصبح دغمائيًا متسلطًا، فهو بذلك يصبح شموليًّا من حيث يدعو إلى نمط من التفكير ذي طريقتين شديدتي الإشكال من طرق المذهب التجريدي:

– أولاهما: طريقة وضعية تجريبية إمبيرقية تتوسل “الكم” و “الإحصاء” مذهبًا وأسلوبًا للتفكير والتحليل.

– وثانيهما: طريقة وجود (كينونة) وعمل بيروقراطية مفككة غير واقعية.

أما الفكر الذي يقابل هذه الطرق فهو الطريقة غير البربرية. هذه الطريقة تمتنع عن “الاستقراء” و”الاستنباط” ولا تتَّخذ من المفاهيم أو “المعقولات الأولية” ركنًا آمنًا تلجأ إليه كما تفعل الفلسفة الأولى.

أو كما يقول في أحد كتبه: العلاقة الصحيحة بين الكلي والجزئي -كما يقول أدورنو مشدِّدًا- هي التي “لا يملك الكائن الناطق (المفكر) أي سلطة عليها”. بل مجرد إشارتنا إلى انعدام السلطة هذا هو في نفسه “معيار للحقيقة”. وأي محاولة لتوليف وجمع ما لا أملك أنا (بصفتي كائنًا مفكرًا) أي سلطة عليه توحي بالضرورة بأنّي قد طبقت قدرًا معتبرًا من العنف أو القوة على هذه المفاهيم. أو كما يقول أدورنو في موضع آخر: لا ينبغي أن “يطبق” الجمع بين الموضوع والمحمول إلا من خلال تقليب الفكر بطريقة عشوائية وتعسفية لا تلجئنا إلى استعمال ذلك العنف الفكري.

لتجنب هذا الرأي ذي النزعة الشمولية فإنّ أدورنو يميل إلى تبني منظور متفرِّد، منظورٍ قادر على الاستجابة للمتغيّر وغير المتوقع، وواعيًا بحاجتنا إلى المفاهيم. وأدورنو نفسه أحيانًا يدعو إلى تبني نمطٍ للتفكير “جذموريٍّ” ومتشعبٍ، أو ما يسميه “الدروب ذات المتاهات” و “الممرات السرية” و “النماذج المتشابكة”، إلا أنّه -عجبًا- ما زال يتمسك بنموذج “المسارات”.

أفضل طريقة لفهم ما يوحيه إلينا أدورنو بإيماض الجفن هي التأمل في لوحة بول كيلي الموسومة: “دروب رئيسية وأخرى جانبية”. ففيها تتبدّى لنا طريق واسعة واضحة، ثم تجد بجانبها ممراتٍ صغيرةٍ مُشْتَبِهاتٍ وغير مُتَشابِهات، ينتهي أمدها في آفاق غير واضحة المعالم.

وهذا يجعلنا نفرّق بين “جذامير” دولوز وبين “جذامير” أدورنو. أدورنو لا يذهب في القول مذهبًا بعيدًا إلى حدّ أنْ يدعو إلى التفكير من غير مفاهيم. فلا وجود في نظره لفكرة بلا صورة أو بلا مفهوم. ولا هو يرى الداعي لذلك على الرغم مما ذكره من الهوّة الكبيرة بين الذات والموضوع. إنّ ما يشير إليه أدورنو في نهاية الأمر هو نمط من التفكير يطبّق تلك “القوة” الفكرية الضرورية على نفسه. متأملًا بذلك وناقدًا لتراث تنويري فقد ضميره ووعيه وتغرّب عن ذاته ونفسه.

 

البعد الرابع:

البعد الأخير الذي تظهر “البربرية الجديدة” واضحة في سياقه هو رفض أدورنو لتلك الثقافة التي صنعتها الرأسمالية. والتي شهدها أدورنو عيانًا في الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي أثناء وجوده في منفاه في الولايات المتحدة الأمريكية. في هذه الفترة ظهرت البربرية على شكل تضخّم في تصنيع السلع وجعلِ المنتجات الثقافية مبتذلة وغير ذات قيمة حقيقية. هذا السوق الشديد التوسع سريعُه، كَشَفَ -بتأثيره السريع على الوضع الاجتماعي والسياسي – تواطؤًا خفيًا مع البربرية. فهو متجذر في أيدولوجية نظام يحاول السيطرة على الجماهير. فقد روَّج هذا السوق وأذاع نوعًا من الثقافة الشعبية يقدِّم الرتبة والتكرار على التجديد والنقد والتمحيص، ويقدّم المتعة البلهاء غير الداعية إلى إعمال الفكر على ما نحتاجه من مواجهة ضرورية وفورية لمشاكل الواقع.

لم يكن ما ولدته وأنتجته الثقافة الرأسمالية – في رأي أدورنو- ذا ردّ ولا ردع للحدث الذي يمثل قمة البربرية (الهولوكوست) ولا قامت هذه الثقافة بعمل ما رآه أدورنو واجبًا أخلاقيًا إلزاميًا. ولم يرَ اهتمامًا أو اشتغالًا نظريًا ولا عمليًا لهذه الثقافة ومنتجاتها لحل ما تورّطت به في قضية أوشفيتز، وتحديدًا الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية، بل على العكس، فإن الرأسمالية ما فتئت تنتج المكرر والمتشابه حتى جعلت هذا التطابق والتشابه واقعًا على جميع الأصعدة والمستويات (بدءا من السوق وحتى المجتمع، السياسة، المترجِم)  وبذلك استبعدت ونفت المختلف والمتباين والمتنوع. خلقت هذه الثقافة المصنوعة مرّة أخرى قطيعًا من الجماهير التي تقاد ولا تقود. على الرغم من زعمها أّنها كانت تبث وتنشر مبادئ الحرية ومعانيها من أجل تحرير المجتمع.

كان أدورنو مدركًا أنّ هذه الثقافة منخرطة في سلسلة غير ذات نهاية من عمليات الإنتاج والتصنيع، منهمكةٍ فيها مضحيةٍ بفرص كانت في متناول اليد لتحرير الجماهير وإعتاقهم من قيودهم. وقد عزّزت من “لاعقلانية” هذه الجماهير وأظهرت زيف وخطأ إيمانها الكبير “بالعقل التقني”. وبحسب أدورنو فإنّ صانعي هذه الثقافة أيضًا يشيرون إشارة مبطّنة إلى أنّ العقلانية متفوّقة على نظيرتها، والتثقيف المزعوم متفوّق على البربرية البدائية المزعومة. وبناء على هذا القول فإنّ الرأسمالية لن تستطيع التغلب على غريزتها البربرية الكامنة فيها. وإنما تستطيع كبتها وكتمها فقط. أو كما يقول فرويد: فإنها ستظل تنتج بنفسها بواعثها النفسية السلبية التي ستفضي إلى تدميرها. كانت الحقيقة واضحة لدى أدورنو؛ لا تستطيع هذه الثقافة إلا أن تزيد من قوّتها التدميرية.

هنا، من الجيد أنْ أضمن كلامَ أدورنو من كتابه “مينيما موراليا”:

هَبْ أن متذوقًا للفنّ في القرن التاسع عشر حضر حفلة سيئة لفن الأوبرا. إن قرّر إكمال فصل واحد آخر قبل خروجه من المسرح فإنّ سببه “البربري” الوحيد لفعل ذلك هو أنّه لا يرضى أن يفسد عليه عشاءه مشهد غنائي سيئ. أما الآن فإن “البربرية” بلغت مبلغًا يجعلك لا تستطيع اتخاذ العشاء مهربًا وعذرًا لعدم المشاهدة. لا بد من أن تشاهد البرامج حتى نهاياتها، ولا بدّ أن تقرأ الكتب التي تكثر مبيعاتها من الغلاف إلى الغلاف، ولا بدّ من أنْ تشاهد الفيلم المعروض في أفخم دور السينما حتى خاتمته. هذا النهم في استهلاك كل هذه السلع لهو أمر كارثي. وهو أمر يجعل مستحيلًا أن يجد المرء سبيله للخروج. وكأنّنا في محل تجاري ضخم حيث المرء يبحث عن خريطة أو دليل يقوده، فكذلك هم الشعب، يبحثون عن قائد يخلصهم ممّا هم فيه.

ومع ذلك -وما زلنا في سياق الحديث عن بربرية الرأسمالية التي أكثر أدورنو من سردها في كتاباته- فإنّه يمكن للمرء -إذا ما دقّق النظر- أنْ يجد بين ثنايا كتابات أدورنو بصيصَ أمل يقودنا لتلك الطرق الممكنة من طرق الخلاص والنجاة. فأدورنو يدعونا أحيانًا إلى ما يسميه الزهد البربري. زهد في ذلك التطور والتقدّم في التكنولوجيا ووسائلها وأدواتها. وزهد في تلك الثقافة الشعبية. ولا أهم من هذه الدعوة في هذا الوضع الاجتماعي والسياسي. قد يدرك القارئ أنّ هذا الاعتزال أو الزهد صعبٌ تخيلُ بزوغِهِ في هذه الأيام مع كل ما يحدث. وهذا ما يجعل كتابات أدورنو شديدة الأهمية، وخاصة مفهومه عن البربرية ودلالاته الاجتماعية والسياسية.

وختاما، دعني أقتبس مقطعا أراه ذا أهمية كبيرة في هذا الشأن لروبيرت هوللت كنتور يقول:

الآن ندرك – بعد نصف قرن من صدور كتاب ديالكتيك التنوير- أنّنا نحن مقصد أدورنو وغرضه من الكتاب، إدراكًا ما كنّا مدركيه قبل عقد مضى لأنّ تلك الفترة من الشلل السياسي بعد الحرب قد انتهت الآن. إننا نمرّ الآن بمرحلة عودة الفزع الأكبر[3] كأنّه لم يَـفْـنَ بالأمس، أو هو ربما لم ينتهِ بعدُ أصلًا. إنّنا -بلا ريب – نحن الذين نعيش اللحظة التاريخية التي ما فاقتها أخواتها في كارثتها على مرّ التاريخ البشري والتاريخ الطبيعي. وما زلنا لم ندْرِ ردًا ولم نَحْرَ جوابًا عما نفعله بأنفسنا. إنّ ما يقرّر مصيرنا الآن وما سيقرّر مصير الأجيال التي تلينا هو ما انفلت من بين أيدينا إلى ماضٍ لا يمكننا تغييره ولا تبديله، وهو -صدقًا- قول القائل: لو كان…كيف كان يكون؟


[1] استخدمت الكاتبة كلمة Differend  وتعريفها وفقا لموقع oxfordreference: الظلم الناتج بسبب أن إمكانية التعبير عن مظلمة معينة ممتنعة، إما بسبب أن الخطاب المهيمن والسائد يقضي على فرصة التعبير عن هذه المظلمة، أو بسبب عدم وجود الخطاب الذي يعبر عن هذه المظلمة (الضحية)، أو بسبب أن إمكانية إثبات هذه المظلمة مستحيلة بسبب انعدام الأدوات والوسائل الكافية. يضرب لنا ليوتارد -وهو من صك المصطلح ومؤلف الكتاب الذي يحمل نفس الاسم- مثالا ينقله عن أحد منكري الهولوكوست. يقول فيه: (إن الشخص الوحيد القادر على إثبات وجود أفران الغاز المحرقة في العصر النازي هو شخص مات في إحدى هذه الأفران). وعلى ذاك فقس. (المترجم).

[2] على غرار قانون كانط الأخلاقي. (المترجم).

[3]  عصر الإرهاب: هي مرحلة من القلق والذعر والاضطراب في بداية الثورة الفرنسية عام 1789 اتسمت بأحكام الإعدام العشوائية. (المترجم).

أعجبني المقال

المصدر
criticallegalthinking

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى