الدين

عودة إلى المربع الأول!

  • أنس بن إبراهيم جبلي

حين لا تُصلِّي فأنتَ لا تُخفف عن نفسك تكليفًا، بل تزيد الأعباء على روحك.. تكاد الروح تتشقق لولا رِواؤها في الصلاة! راحة الروح في صِلتها بالسماء، ولا تسكن إلا بمعانقة وطنها الذي تنتمي إليه، ووجودها على الأرض موقوتٌ بوجودها في أجسادنا؛ فحين ننامُ فإنها تصعد، وحين نصلي فإنها تصعد، وحين نُسبِّح ونبتهل ونضرْع فإنها تصعد! وصعودها بالتسبيح والصلاة في جوف الليل الغابر يمتازُ عن سائر الأوقات؛ فالحقُّ تبارك وتعالى في تلك الساعة في السماء الدنيا، تقتبس الروح من نورهِ حينئذ أنوارًا لا يكون مثلها في غيرهِ من الأوقات، وهذا أحد أسرار الهزيع الآخِر من الليل وما فيه من خيرات تتنزّل على الناصبين أرواحهم للتعبّد في أرجى الساعات وأصفاها.

حين لا تـصلي فأنت تُسيء إلى حياتك في كل مستوياتها واتجاهاتها؛ إلى رزقك، وعلاقاتك، وفهمك، وسلامك النفسي! العبث بأمر الصلاة بريد الخِذلان، ومَن تجرأ على العبث، فيوشك أن يتساهل ويتهاون، ثم يقف على عَتبة الباب وينفلت أمره! نذهبُ بعيدًا بعيدًا حين نعمل على ترميم ثغرات حياتنا وتعثّراتها، ونتغافل عن المربّع الأول: الصلاة!

في الصلاة حلٌ لكثير من مشكلاتنا القديمة والقادمة، وقد تكاثفت النصوص التي تؤكد على مركزية الصلاة، كما تواطأت التجارب التي تُخبرُ عن حياتين: حياةٍ قبل الاهتمام لأمر الصلاة، وحياةٍ بعد جعْلِها في مكانها الذي يليق بمستوى تشريعها.. الصلاة صِلة الإنسان بالسماء، ومن أحسنَ صِلَتَهُ؛ حَسُنَت صِلاتُهُ.

لا يكاد أحدٌ مِنَّا إلا وقد ترك الصلاة عَمدًا أو عفوًا، وكلنا وجدَ ضيقًا لا يُترجم إلى لغة مقروءة إلا أن نقول: إنَّ ثمة نقصًا، إن ثمة ضيقًا لا يُدرى سببه! وبعد أن نهرع إلى الصلاة، ونخرّ إلى الأرض سُجَّدًا، ونكون أقرب ما نكون إلى السماء؛ يتبدد ذلك الضنك، وتُخبرك روحك حينها أنها أوت إلى ركنها الشديد.

للصلاة ناموس لا يقبل التساهل بميقاتها، والعوائد التي نرجوها بتأخيرها عن أوانها لا تأتي إلا ممحوقة أو مقروضة أو مبتورة! لا شيء يُزاحم الصلاة فيظفَر، وكما كبر مقتُ الله على تهوينها، فقد عَظُمَ عنده تعظيمها، ولم يتأخر أحد عن إقامة الصلاة في وقتها وعلى هيئتها المشروعة إلا وجدَ أثر تأخره ذلك في مُجمَل حياته وتفاصيلها: (لا يزال قوم يتأخرون [عن الصلاة] حتى يؤخرهم الله)، إنَّ عَتبة الطُمأنينة والسلامُ النفسيّ: إقامة الصلاة في وقتها.

في الصلاة استمدادٌ لمادة غذاء الروح، فلا أحد يجد نفسه بعد الصلاة كما كان قبلها، يلمسُ انشراحًا وتجددًا وفألًا، وقد صحَّ: (قُم يا بلال فأرحنا بالصلاة)، (وجُعِلَت قُرَّةُ عيني في الصلاة)، (كان إذا حَزبهُ أمرٌ صلَّى).. تطرُّق التقصير إلى الصلاة يعني رِقَّة صِلَة الفرد الضعيف الفاني بمصدر القوة والزاد، يعني فتح البابِ لتولِّج الشيطان ووقوع الخذلان، يعني تراخي الحبال بالسماء، يعني عَدم العمل على معالجة هذه الهوّة العميقة في النفس التي لا يملؤها سوى توثيق الصِلة بالله.

جعلَ الله في الصلاة مُتَّسعًا لأهل الإسلام كلهم، وسعت رجلًا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حاملًا خطيئتهُ بيده، وقَالَ: “يا رَسولَ اللَّهِ، إنِّي أصَبْتُ حَدًّا، فأقِمْهُ عَلَيَّ!” -ولَمْ يَسْأَلْهُ عن فعله-، ثم حَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى الرجل مع النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَلَمَّا قَضَى النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الصَّلَاةَ، قَامَ إلَيْهِ الرَّجُلُ فَقَالَ: “يا رَسولَ اللَّهِ، إنِّي أصَبْتُ حَدًّا، فأقِمْ فِيَّ كِتَابَ اللَّهِ!” فقَالَ له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هلْ حَضَرْتَ الصَّلَاةَ معنَا؟) قَالَ: “نَعَمْ”، قَالَ: (فإنَّ اللَّهَ قدْ غَفَرَ لكَ ذَنْبَكَ)، كما وسعت المقام النبويّ في صدر دعوته حيث جاء الإعداد للمهمة الكبرى بوسائل الإعداد الإلهية المضمونة: الصلاةُ في الليل: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ، قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا، نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا، إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا، إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا!)

تُعطينا الصلاة بقدْر ما نعطيها، وتفيض المعاني الإيمانية على القلب بقدْر ما يُبذل للصلاة من خشوع وتهيئة وآداب قبليّة وبعدية، واستيفاء الرُخَص في الصلاة الواحدة للازدياد من الراحة الجسدية الموهومة يُجهد الروح ويشقيها، وما أُهمِلَ أمر الصلاة إلا ونُزِعتَ البركة من الحياة نزعًا!

لا شأن للصلاة بأهوائك الفكرية أو اختياراتك الفقهيّة، ولا شأن لها بمظهرك أو أسلوب حياتك أو درجتك العلمية أو الوظيفية، ولا تقع ضمن معايير التصنيف أو التحيّز، ولا تتصل بالألقاب التي يخلعها الناس عليك أو ينبزونك بها، ولا تقع ضمن ملكية لمؤسسة دينية مهما علا صوتها أو خفت، كما أنها ليست مِلكًا لخطيبٍ أو واعظٍ أو عالِم.. الصلاة مُشترك المسلمين وشرطهم، هي علاقتك بالله، هي حبلك الممدود إلى السماء.

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. ما هذا يا أنس
    أخذ المقالب لبّي، كلمات جمعت بين منطق وعاطفة وتحفّز للعمل

    ما أجمل حين قلت: ” الصلاة صِلة الإنسان بالسماء، ومن أحسنَ صِلَتَهُ؛ حَسُنَت صِلاتُهُ.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى