عام

دعوة إلى “التقدم إلى الوراء” لتشكيل المستقبل وامتلاكه

  • إبراهيم الحجي
  • تحرير: عبير الغامدي

هل من شك في أننا نمر بعصر متسارع؟ وصل إلى أقصى درجات سهولة التبضع على سبيل المثال، فأنت تبتاع سلعة متكئا على أريكتك في ثوان، ووصولها مضمون في وقت قياسي، عصرٌ لا نميز فيه الشراء السابق من الذي يليه، ولا نتبين أطراف معادلة البيع والشراء. عصرٌ تتوالى عالياً قفزاته لتسويق منتجاته دون هوادة، في مساحة تجبرك على الاقتراب حد ذوبان الحدود والمسافات، تقارب تصغي فيه إلى ما يجري في أقصى الأرض، وتشعرُ بأثر الفراشة فور رفرفة جناحها.

في سياق هذا العصر، وسرعة تقاذف أحداثه، سنسعى في هذا النص إلى إيضاح بعض الزوايا المعتمة حيال إحدى أهم معضلات واقعنا العربي المعاصر, وهي النزعة الاستهلاكية المادية، حيث أضحى الإنسان ذاته واحدًا من أدوات الاستهلاك في السوق الكبير، ذلك السوق المتوحش الذي قضى على ما تبقى في الإنسان من إنسانية، بوصفه كائنًا مركبًا من روح ومادة.  مختزلاً إياه في البعد المادي المصمت البغيض؛ ليكون في الهامش دومًا، على افتراض أنه ثمّة هامشًا أصلاً في المعادلة.

أعلم أن هناك من سينظر إلى هذه التقريرات بامتعاض. واصفًا ما أكتبه بأنه أضغاث أحلام، نسجها النفورُ من كل جديد؛ ذلك النفور الذي يصرخ بصوت عالٍ يجتر أدوات الماضي ويلوك أنساقه, أو يقع في أفخاخ نظرية المؤامرة، وكأني أسمع أحدهم يصرخ قائلاً: ماذا تريدون؟! لماذا أنتم ناقمون على عصرٍ تقنيٍ ذكي متسارع؟ ألم يوفر السوق كل احتياجاتكم؟ ألم تصبح وسائل الرفاه متاحة للجميع؟ ألم تُحسّن التقنيات من جودة الحياة التي تتطلعون إليها؟ هل المطلوب أن نعود إلى الوراء حتى نسلم من سيل انتقاداتكم؟

قد يبدو غريبًا حينما أقرر بأن الحل قد يكمن في التوقف والتقدم إلى الوراء، لا الرجوع إليه،  وثمة فارق كبير بين الأمرين. من أجل التبصر والتمحيص، توقفٌ من أجل التفكير والتأمل1، ومحاولة الإجابة عن سؤالٍ عريض مفاده: لماذا وصل الإنسان العربي إلى هذه المراحل من المادية المصمتة؟ أين يستقر الخلل؟

ذلك سؤال كبيرٌ جدًا، ولست أزعم هنا بأني أحيط بأبعاد ذلك السؤال والإجابة عليه، فهذا النص الصغير لا يطيق ذلك لشدة عمق السؤال وتعقيده، إلا  أن غاية ما نروم فعله أن نخوض غمار شرف المحاولة. متوسلين  بثلاثة مصطلحات رئيسة: المستقبل، النموذج، الحكمة. للوصول إلى تركيب الفكرة بطريقة محكمة وجلية، سأسعى إلى رسم خريطة النص بفرشاة هذه المصطلحات، تباعًا عبر تركيب تلك المصطلحات بطريقة تظهر لنا تضاريس الأفكار الرئيسة والفرعية.

 يقول لومباردو “إننا نعيش في اضطراب، إن عالمنا يفور ونحن في داخل القدر”2، ما يحدث داخل القدر واحدة من تمظهرات عصرنا المادي النفعي، فهو بات متسارعًا متغيرًا يفور من الداخل، ولا يبالي بالنتائج. أو بمن يشتعل أو يُشعل، لأن الإنسان داخل القدر فقد إحساسه بالمستقبل أو يكاد، ولم يعد قادرًا على استشرافه، أو الوعي به، فهو أسير اللحظة الراهنة، ولسنا هنا بمعرض الحديث عن الأبعاد الزمنية وحدودها، ومتى يكون الحاضر حاضرًا، والمستقبل مستقبلاً، لأن ما نرغب التأكيد عليه هو أن الإنسان -ولشدة تدفق وحدات الزمن وتزايدها في قالب مضطرب- لم يعد بمقدوره الوعي بالمستقبل واستشرافه والاستعداد الجيد له. وليس الخوف على البعد المستقبلي فحسب، بل هناك من يقر بأن ذلك التسارع الحاصل في عالمنا المعاصر سيدمر الوعي التاريخي والمستقبلي معًا، مما سيعظم من قوة القيود الحابسة للإنسان في زنزانة الحاضر3.

تلك المشكلات يعظم خطرها على مستوى الإنسان العربي المعاصر، بسبب وقوعه في زنزانة الحاضر من جهة، ومن جراء تورطه بالنموذج المستورد من جهة ثانية. ويخشى عليه من أن يُعدِم حتى حاضره وهنا تكمن كارثة. لقد وقع الإنسان العربي المعاصر في فخ نموذجٍ متوحش، يتحكم في كل تفاصيله المعيشة، فأصبح الإنسان وكما وصفه عبدالله البريدي “حيوان دولاري، متعاقد، نفعي، متسوق، لاهث” 4، وتحول بذلك إلى مجرد أداة ضمن ثنائية الاستهلاك والإنتاج، وفي زخم هذه الثنائية بهتت إنسانيتُه، على أن تلك الثنائية ترتد في نهاية مطافها إلى بُعد مادي مصمت. حيث بات السوق هو -كما في تعبير عبدالوهاب المسيري- المرجعية النهائية والمتحكمة في حلال ذلك النموذج وحرامه 5، ذلك النموذج المادي الذي نخر عظام المجتمع وجعلهِ أشتاتًا، أفرادًا وجماعات. فطغت لغة الحياد والنفع المادي، وتلاشت مشاعر الدفء والطمأنينة والتكافل الاجتماعي. تلك الإعدادات الخشنة  نحسب أنها لا تلائم فطرة الإنسان العربي، مما فاقم مستوى الإرباك لديه، وزاد من خلخلته، وأفقده انسجامه الذاتي،  فهو واقعٌ في إسار الحاضر عبر نموذج مستورد لا يلائم فطرته ولا أنساقه المجتمعية، فهو تكافلي النزعة، وإن تورط بقدر من الفردانية.

ذلك ما يدفعنا إلى أن نلحَ على الإنسان العربي بإزالة الغبار عن عدسته، حتى يتمكن من مطالعة واقعه، والتأمل فيه؛ للوثب نحو مستقبل أفضل، إن أكثر ما نحن بحاجة إليه من أجل إعادة بلورة تفكيرنا نحو المستقبل هي “الحكمة” . والحكمةُ هنا لا نعني بها ما نفهمه في لغتنا العادية من سداد الرأي و حسن التدبير،  بل ما نقصده هنا هو التعمق في التفكير والتحرر من رتابة الواقع، والبحث في شؤون الحياة بمعنى شمولي ونظرة ثاقبة عميقة. وهي بذلك – أي الحكمة- ستجرنا نحو “الوعي بالمستقبل” واستشرافه، من خلال قدح زناد الفكر وطرح الأسئلة الكبيرة متوسلةً بترسانة: ماذا لو؟ فاتحةً الأبواب نحو الألغاز العظمى للحياة، وطبيعة الحقيقة، والوجود، والمعرفة “6.

تلك الحكمة التي نرقُبُ أن تكون معولاً للبناء في ميادين المستقبل، دافعة العقل العربي نحو التحرر من قيود حاضرة، لما تملكه من أدوات تعين على تلقيح الأفهام والأذهان، حيث إنها تعد رأسًا للعلوم كما وصفها أرسطو 7. ولكي تكتمل أركان  التحرر يجب على العقل العربي أن يتوقف قليلاً، حتى يلتقط أنفاسه، ثم يتقدم ولكن إلى الوراء هذه المرة؛ لكي يُعمِلَ التفكير والتأمل بغية تفكيك ذلك النموذج المادي المتوحش وتحليله وتجريده وتصفيته والكشف عن أنماطه الكامنة وتحديد هويته، والانتقال مجددًا عبر منظار الحكمة إلى باحات المستقبل؛ من أجل تعميق الفهم  بشكل واع، حتى يتمكن من صياغة مستقبله وفق إعداداته الخاصة، والارتداد مجددًا إلى الوراء في حلقات مستمرة من الكَّرِّ والفَّرّ المتبصرين، متوخية لا لتشكيل المستقبل فحسب، بل امتلاكه أيضًا، فلربما وقفة تبصر يُدرك عبرها أنه يسير بالاتجاه الخاطئ، حينها ينحرف نحو الصواب؛ ليصل إلى تركيب نموذجٍ خاص بالإنسان العربي، يقوم على تأسيسه بذخائره الدينية والفكرية الخاصة، وسياقاته الفريدة، وأنماطه العربية المائزة، رادًا ذلك النموذج إلى مرجعية متجاوزة، تؤمن بالسببية الفضفاضة، فلا تقع في إسار الثنائيات الصلبة والنماذج المادية المصمتة، بل تتجاوزها بحثًا عن الرقعة المشتركة بين ما يميز الإنسان بوصفه إنسانًا كائنًا مركبًا مكونًا من روح معقدة غامضة مليئة بالأسرار، وأخرى ماديةٌ لها عناصرها الخاصة 8.

يجب أن نتنبه إلى أنه ما لم يكن لدينا نموذج واع عربي نستطيع من خلاله التعامل مع واقعنا المعيش وفهمه والاتكاء على ذلك النموذج؛ للنفاذ إلى مستقبل عربي طموح متألق؛ سنستمر حينئذ إلى ما نُقادُ إليه بوصفنا آلات منفذة للنموذج المادي المعاصر بلا أدنى مقاومة، وقد لا نكتفي بالتنفيذ والتلقي فحسب، بل إننا قد نبدع في حوسلة ذواتنا خدمةً لذلك النموذج وكأن لسان حالنا يقول: هل من مزيد من المادية والاستهلاكية واللهاث9؟

ومن يدري لعل الفرصة مواتية الآن! فمكر التاريخ عاد مجددًا برفقة فايروس كورونا هذه المرة، فتبدل معه كل شيء، وتغيرت معالم الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، حتى أصبح يتردّد على مسامعنا مصطلح “ما بعد كورونا”، وهذه تنبئ بوقوع محتمل لما يمكن وصفه بـ “تحول نماذجي“, على غرار التحولات الكبرى من قبيل الانتقال من الحداثة إلى ما بعد الحداثة. ومن هنا أقول لعلها دعوة لنا أن نستثمر هذه اللحظة التاريخية بأن ننير مصابيح حكمتنا العربية نحو بناء وتأسيس نموذج عربي واعٍ بمرجعية متجاوزة فضفاضة تؤمن بخصوصية الإنسان بوصفه غاية لا وسيلة.

وفي ختام النص، يحسن بنا التوقف مليًا بما يقرّره عبدالوهاب المسيري رحمة الله، حيث يقول: ” إن لم يطور الإنسان نظرية كبرى، فإنه سيقع فريسة النظرية الكبرى للآخر وضحية لما يسمى “إمبريالية المقولات”، أي أن يستورد الإنسان المقولات التفسيرية الكبرى من الآخر، ويقصر جهده البحثي والمعرفي على مراكمة المعلومات من خلال المقولات الجاهزة التي استوردها”10.

إن خيار الإنسان العربي بين يديه، فإما أن يكون أو لا يكون، فليختر ما يريد.


  1. ريتشارد سويدبيرغ ، (2017). قبل النظرية يأتي التنظير أو كيف نجعل العلوم الاجتماعية أكثر جاذبية . ترجمة حميد الهاشمي ، مجلة عمران العدد 20/5 ،  ص 180.
  2. توم لومباردو ، (2009). قيمة الوعي بالمستقبل، في: الاستشراف والابتكار والاستراتيجية نحو مستقبل أكثر حكمة. ترجمة صباح الدملوجي، ط1 ، بيروت: المنظمة العربية للترجمة، ص451.
  3. المرجع السابق ص 452-455.
  4. عبدالله البريدي ، الحياة “المعاصرة ” لا تحتوينا بل تلاحقنا ! – منصة أثارة ، 26 /10/2020 ؛ دعونا نناضل من اجل تدعيم حركة العلم .. الابحاث العلمية المفبركة خالقة للازمات وخانقة للحلول ، المجلة العربية 15/1/2018.
  5. عبدالوهاب المسيري (1999). موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية ، القاهرة : دار الشروق، المجلد الأول، ص 122.
  6. الآلوسي، حسام (2005). مدخل الى الفلسفة، ط1، بيروت المؤسسة العربية للدراسات والنشر.
  7. عبدالله ظهري (2017) . التسويق : عشق متعه ابداع ، المنهل للنشر والتوزيع ، ص171
  8. المسيري، مرجع سابق ، ص 139-144 ؛ 162 – 170.
  9. البريدي، الحياة “المعاصرة ” لا تحتوينا بل تلاحقنا، مرجع سابق.
  10. المسيري ، مرجع سابق ، ص 160

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى