عام

الأزبكية.. موئل الذكرى والمكان!

تحرير: عبد الرحمن الجندل

لن تجد عاشقًا للكتب، محبًّا للمعرفةِ لا يعرفُ أو لم يسمع بـ: “سور الأزبكية”، ذلك المكان الضارب في القدم، الذي تنبعث منه رائحة الكتاب العتيق، والغبار المتشبث بالأغلفة منذ زمن!

منذ علمتُ بفوز رواية “الأزبكية” للروائي ناصر عراق بجائزة “كتارا”، حرصتُ على قراءتها لسببين: فوزها بالجائزة، وحبي للمكان!

لا زلتُ أتذكر جيدًا أني حضرتُ احتفاليةً في وسطِ البلد، أقيمت عن الرواية احتفاءً بالنَّصر الذي أحرزته في “كتارا”، تحدثَ بعضهم عن الكتابِ والكاتب، لم أتمكن يومها من الحكمِ على شيء لم أقفْ عليه، لكني عدتُ إلى البيتِ بصحبتها.

ومنذ ذلك التاريخ لم أتمكَّن من قراءتها لأسبابٍ عديدة، لكني كنتُ أحملها معي حيثما حطَّت بي الرِّحال.

وقبل أيامٍ شرعتُ فيها، لأني كنتُ أعلم أنَّ الرواية تعالجُ في مضمونها “الحملة الفرنسية على مصر”، ومع أحداث الرسوم المسيئة التي تبنتها فرنسا، ودافع عنها رئيسها، رأيتُ أنَّ الوقتَ قد حان لقراءة “الأزبكية” التي حاولَت أن تؤرخَ للحملةِ الفرنسية، وما صاحبَ ذلكَ من وقائعَ وأحداث.

الأزبكية، المكان الأثير الذي كانت تُحكَم منه مصر المحروسة، والمُستقَر الذي هبطَ فيه “نابليون بونابرت”، ومن هنا أتى عنوان الرواية، إذ اختزل الحيِّز المكاني، الحد الذي تنتهي عنده قاهرة الفاطميين، وتبدأ عنده قاهرة العثمانيين، والقاهرة الحديثة.

رواية الأزبكية في صفحاتها نقلت رسائل تاريخية لرجالاتِ الحملة الفرنسية، ورجالات مصر الذين تعددت أدوارهم فيما بعد، ومنذ الشرارة الأولى؛ تتضحُ لك عنايتها بالوقوفِ على إعادة الحدثِ العظيم الذي دهمَ مصر، وأسهمَ لسنوات ممتدة، بل ربما إلى اللحظة، في تشكيلِ معالم التاريخ المصري الحديث، ممثلًا بالحملةِ الفرنسية التي بدأت في 1798م، وانتهت بانسحابها في 1801م.

حاول الكاتبُ أن يضع القارئ في تلكَ الحقبة من عمر الزمن الفائت، منذ أبحرت سفن فرنسا، وحطَّت رحالها في أرض مصر، من خلال الحديث عن “أيوب السبع”، الشاب المصري النسَّاخ، الذي وجد نفسه مع ثلةٍ من أقرانه، يشكلون نواة لتنظيمٍ سري يستهدفُ قتل “الفرنساوي” المحتل، وطرده إلى شواطئ “طولون” التي أبحرَ منها.

في البداية راودني إحساسٌ ضئيل بأنَّ الكاتب يحاول محاكاة نجيب محفوظ، لكني لم أتأكد تمامًا، ثم رأيتُ ما جعلني متأكدًا إلى حدٍّ ما، فرسْمُ الشخصيات، وثيمة الجنس الشائع في حارات مصر القديمة، وحديث المقاهي، والفتوات، والعاهرات العابرات؛ كل ذلك مما يتفق مع روايات محفوظ!

ثم بدا لي ملمح آخر أثناء السَّرد، حين أَقْدم الكاتب على رصِّ أسماء “ثلاثية محفوظ الشهيرة” -وإن قصد بها الأسماء الحقيقية للأماكن أثناء حديثه عن انتشار الفرنساوية، عند تمكنهم من كل أحياء مصر- فقال: “وانتشروا في حواري العطوف وبين القصرين وقصر الشوق والسكرية، وبعضهم وصل حتى زقاق المدن”. وجميعها أسماء لرواياتِ نجيب محفوظ، وعند الربط بين المحاكاةِ الظاهرة، وذكر الأسماء، يظهرُ خيط التأثر بأدبِ “صاحب الثلاثية”.

اعتنى الكاتب بكلِّ شيءٍ في الرواية، بالتاريخ، وانعكاساته المعاصرة، وتركَ للمتلقي تنزيلها في ذهنه كما يريد -الحقيقة والخيال- من خلال خلقِ شخصيات، والاعتناء بها بما يتوافقُ مع الحقبة التي يتحدثُ عنها؛ إذ أكسبتها الأحداث روحًا خاصة، ومنحها السَّرد لحمًا ودمًا. وربطُ الأحداثِ بمحور الرواية ممثلًا بأحد هذه الشخصيات “أيوب السبع”، المحور أو المرتكز الذي تدور حوله فصول الرواية، والخيط النَّاظم لكلِّ الأحداثِ وإن ابتعدت في رأيي، حاول الكاتب أن يجعلَ من أيوب النسَّاخ، الثائر في وجه المحتل، شخصية بمواصفاتٍ شعبية، خرج من رحمِ الأحياء الفقيرة، ولم يكن لديه أدنى إشكال في أن يقود تنظيمًا سريًّا، وفي الوقت ذاته يعاشرُ فتاةً فقيرة في مكان خرب منذ قرعَ جسده النَّضر مطارق الجنسِ العنيف! بل، ووصل الكاتب في نقل القارئ إلى ما هو أبعد من ذلك، إذ جعل من أيوب مثالًا للابتعاد عن الفصام الذي يعتري الإنسان عند اختلاطِ الأفعال لديه بين حسنٍ وقبيح، إذ ظهر أيوب في بطن الرواية وهو على موعد مع الفتاة اللعوب “حسنات”، وفي الطريق إليها صلّى المغرب؛ كأنه يستغفرُ مقدَّمًا! ثم اتجه إلى خرابة الغرام الذي تقامُ فيها طقوس الجنون بينهما؛ وبهذا المونولوج المتناقض، أخرج الكاتب الصورة النمطية عن الثائر المحافظ المتدين البعيد عن مقارفة السوء، والاعتصام عن ضعف الجسد، وأهواء النفس.

عندما انسحبت فرنسا من مصر، انتقلَ أيوب إلى طورٍ آخر من الهمِّ الذي وجد نفسه مشاركًا فيه، وتطورَ لديه السؤال، لماذا لا يحكمنا حاكمٌ مصري عادل؟ كان هذا السؤال، هو الذي قاده للوقوفِ في وجه “محمد علي” القادم من ألبانيا، والذي دانت له مصر، وهو ذاته الذي كان سببًا في الغدرِ به في ليلة نصف مقمرة بطريقةٍ غادرة لا تليقُ بتضحيات شابٍ تمنى الحياة لوطنه وفق تصوره الذي عاشَ له.

وهذه التساؤلات التي وضعها الكاتب على لسانِ أيوب، تمجِّد بطرفٍ خفي ما يسمى “مصرية مصر” أو “مصر للمصريين”، والنأي بها عن الفضاءِ الإسلامي، إذ لم يعد مقنعًا لديه أنَّ مجرد كونه مسلمًا كفيل بأحقيةِ الحكم، فهو مستعمَرٌ بوجه أو بآخر، في إشارةٍ إلى الحكمِ العثماني.

تأخذك الرواية إلى تفاصيل التفاصيل في أزقةِ مصر القديمة، وتصورُ لك حال تلك الفترة؛ إذ تنفخُ في روح اللحظة التاريخية واقعًا يجعلها أكثر بهاءً وحيوية، وإيقاعًا يستدعيها من ماضيها إلى حاضرنا، دون أن تفقد نضارتها، أو تفقد دهشتها.

وفي خضم الحديث عن الإنسان المصري المُبتلَى دومًا؛ تتحدث الرواية عن روح المصري المسكون بالحياة: “عجيب أمر المصريين، يعشقون الحياة حتى في أحلك الظروف، ولا يتوقفون عن اختراع البسمات، وصناعة النكات حتى لو انهمرت فوق رؤوسهم أحجار المصائب، إنهم شعب فولاذي.. لكن يا خسارة.. لو يتعلمون القراءة والكتابة ويخوضون في المعارف الحديثة لتفوقوا علينا نحن الفرنسيين بسهولة ويسر”، هذا النَّص بكلِّ حمولته الحقيقية، تتّسقُ تمثّلاته على الإنسان اليمني المسكون بالحياة والجمال والإصرار، رغم الحروب التي أثقلت كاهله، لكنه يأبى الانطفاء!

قبل أن أنتهي من الحديث عن الرواية، أجدني بحاجةٍ إلى بيان موقع الرواية من الروايات التاريخية الشبيهة، وفي ظني –على سبيل المثال-  أنَّ رواية “ليون الأفريقي” لأمين معلوف، أو “موت صغير” لعلوان، وهما على ذات النَّسق الروائي التاريخي؛ تتفوقان على “الأزبكية” بعلوّ اللغة، ولذة السَّرد، وعدم الإغراق في تفاصيل لم تكن بحاجة لأن يثقل بها كاهل الرواية.

اقرأ ايضاً: سبع فوائد علمية لقراءة الكتب الورقية

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى