تقارير ودراسات

الاستعمار الإداري في الجامعات

  • ليز موريش
  • ترجمة: مصطفى هندي
  • تحرير: أمل عربي عبد الوهاب

 

بدأت مدونتي في عام 2015 بتحليل نقدي لأساليب التسليع والمتاجرة وثقافة السوق المهيمنة على الجامعات، كنت أدرك أن عددًا كبيرًا من أعضاء هيئة التدريس في الجامعات الإنجليزية يتركون مهنهم، لكن لم أتوقع أن أنضم إليهم بهذه السرعة.

استقالت “سارة أحمد” مديرة مركز بحوث المرأة في غولد سميث بجامعة لندن، في أواخر الصيف الماضي، بسبب التحرش الجنسي من العاملين بالمركز بالطلاب. في نفس الوقت وصلت أيضًا إلى تلك اللحظة التي يستسلم فيها إيمانك بالنظام الأكاديمي أخيرًا ويتحول إلى كراهية لا حدود لها، وإن كان ذلك لأسباب مختلفة.

شهد العام الماضي حضورا مكثفا لإدارة الأداء التي تركز على النتائج فقط في العديد من الجامعات، وقد قمت بتدوين ذلك تحت عنوان “المخالفات الأكاديمية: الدراسات الجامعية في مهب الريح”، مما أدى إلى تتابع الدعوات للتحدث في جامعات عدة.

في المملكة المتحدة، الكثير من الهجوم على الإدارة ومعاييرها هو استجابة لتغيير الحوافز الحكومية وتغير الخريطة السياسية، والتي تتحكم في الأولويات المؤسسية والسمعة البحثية ومستويات التمويل عن طريق دعم آلية معينة من التميز البحثي. العديد من هذه المقاييس خارجٌ تمامًا عن سيطرة الأكاديميين. ومع ذلك، فهي أسلحة فعالة جدًا في يد إدارة الأداء، وطبيعة التدقيق والمراجعة المتبعة وحدها كفيلة بخلق بيئة تقتل الحرية الأكاديمية.

السلوك الأكثر إثارة للاعتراضات هو “القبض” على منح البحث. أظهر الاستقصاء الذي أجري عام 2015 في Times Higher Education، أن واحدة من بين ست جامعات بريطانية يحكمها نوع من “الأغراض الربحية” في بعض من أكاديمياتها على الأقل، ويبدو أن هذا الاتجاه مستمر في الانتشار على الرغم من أن معدلات نجاح المنح منخفضة بنسبة 12 في المائة حسب مجلس البحوث البريطاني. وجدت أنه من المزعج أن أستمر في مناخ قاسٍ بهذا الشكل، أولويته هي القيمة الاقتصادية وسط إهمال تام للقيم الأكاديمية ناهيك عن القيمة الأكاديمية للتخصص. إنه يشبه الحكم على الرياضيين بناءً على ذمتهم المالية بدلاً من عدد الميداليات الذهبية التي يفوزوا بها.

فرضت مؤسسات أخرى مزيدًا من الرقابة الدقيقة تحت مسمى فرض سياسات “حاسمة” جديدة لإدارة الأداء، هذه السياسات جعلت الأكاديميات أشبه بالشركات أو المصالح الحكومية، بدلا من مؤسسات علمية إبداعية. لذا، على سبيل المثال، في عدد من الجامعات البريطانية التي تتطلب بحوثًا مكثفة، يعتمد راتب الأساتذة على قدرتهم في توفير منح بحثية للجامعة، وهذا “مؤشر الأداء الرئيسي” الذي يحجب الأكاديميين عن أي مساهمة جادة في التدريس أوالمنح الدراسية أوالتوجيه الأكاديمي. في أفضل الأحوال، تَحُد هذه النظرة الضيقة للأداء من عمل قسم “الموارد البشرية” وتخرجه من سعة المفاهيم المؤطِّرة للبحث أوللعمل ككل إلى ضيق التعريفات المؤسسية لـ “الكفاءة”، التي تعمل على استبعاد الشخصيات الرافضة لهذه المعايير. الخبر الجيد هو اعتراف الإدارة في جامعة نيوكاسل في الصيف الماضي بأن الوقت حان للتخلي عن المقاييس القسرية والضحلة واعتماد منهجية تعتمد على المشورة المتبادلة لتحسين البحث.

(جامعة نيوكاسل على وشك إسقاط متطلبات البحث القاسية”، 8 يونيو 2016).

تطور خبيث آخر كان انتشار إدارة الأداء الاستباقية، بما في ذلك شرط إعلان النية للنشر في المجلات ذات معامل التأثير العالي وفي مجالات البحث المفضلة لدى الإدارة. حتى عند مراجعة الأقران لهذه “المخرجات” ونشرها، فهي تخضع غالبًا لمراجعات داخلية، حيث يُلزم الزملاء المقربون بتقديم مراجعات عليها. من الصعب إيجاد طريقة أكثر فاعلية لتلويث العلاقات الجماعية وزيادة الضغط النفسي، بالإضافة إلى تقييد الحرية الأكاديمية من هذه الطريقة. غالبًا ما يُعاد استخدام هذه الأحكام التي تحدد المسار الوظيفي كأداة للتقسيم الأكاديمي: أي فصل الباحثين عن المُوجِّهين. بعد أن كنتُ محظوظة بما يكفي للحصول على مهنة في الأوساط الأكاديمية لمدة تزيد عن 30 عامًا، أعلم أن هذين الكيانين لا ينفصلان.

لست أنا وسارة أحمد بأي حال من الأحوال الأكاديميات الوحيدات على مدى العامين الماضيين اللاتي استقالتا بعد عقود من المطالبة بالحصول على منحة تعاونية ومتعددة التخصصات وعلى فترات طويلة، بالإضافة إلى المطالبة بالتنمية الشخصية والممارسة المنعكسة. تختزل هذه المفاهيم قيمة البحث في مدى مساهمته في المحادثات حول السيطرة والامتياز، وتوضح حقيقة أن البحث الذي ظاهره الموضوعية قد لا يعدو كونه انعكاسا للمكانة الاجتماعية للباحث. جلبت النسويات إلى الأكاديميات الأدوات النظرية والعملية التي تثبت تأثير التجارب المختلفة للعرق والطبقة والجنس على العمل الأكاديمي. قدمت النسويات الأكاديميات حجةً وبرهانًا يقطع الأمل في وجود معايير أداء معقولة تسري على الجميع داخل الأكاديميات.

وعلى الرغم من أن الجامعات قد تكون لديها سياسات لدعم التنوع والاندماج، فمن الواضح أن هذه المبادئ ضعيفة داخليًا، لأننا نرى الآن تطبيق آليات تضمن تعميق فجوة اللامساواة. يُوضع جميع الباحثين الآن في مقارنة مع أكثر الباحثين استثنائية، والذين غالبًا ما يكونون غير مثقلين بأعباء أخرى كالأسرة وغيرها، بغض النظر عن مكانة الفرد وطموحه. يُطلب من الأكاديميين أن يكونوا منتجين حسب المفاهيم المحددة بدقة من قبل الإدارة، وأن يتنافسوا بشراسة، دون أن يدركوا ما وراء تلك المنافسة من غايات.

لقد وجدت هذا منفرًا تماما. تحولت الجامعات في المملكة المتحدة والولايات المتحدة وأستراليا -والعديد من الأنظمة الأخرى التي اعتمدت نموذجًا نيوليبراليًا- إلى ما يسميه ريتشارد هول -أستاذ التعليم والتكنولوجيا في جامعة دي مونتفورت- “آلات لصنع القلق والتوتر”. في ورقة بحثية صدرت عام 2016 بعنوان “إعادة هندسة التعليم العالي: استيعاب العمل الأكاديمي واستغلال القلق” يجادل وكيت بولز -المحاضر الأول في دراسات الاتصالات والإعلام في جامعة ولونجونج في أستراليا- أن القلق والتوتر مقصودٌ ومتجذر في نظام مهووس بتحسين الأداء.

هناك أيضًا تهديدات متنامية للحرية الأكاديمية في شكل تداخل بين وظائف التدقيق والوظائف التأديبية لإدارة الأداء. حتى وقت قريب، كنت قد قضيت حياتي المهنية بالكامل دون أن أواجه زميلًا واحدًا يخضع لإجراءات تأديبية أو مراقبة لتحسين الأداء. الآن، أصبح اللجوء إلى هذه الإجراءات أمرًا شائعًا تقريبًا في بعض الجامعات. ليس من الواضح ما هي النتائج التي يتوقع المديرون أن تظهر من نظام يعذب الموظفين بإثقالهم بأهداف غير قابلة للتحقيق ومراقبة ومراجعة مستمرة، بل إعلامهم أن أي انخفاض في “الأداء” قد يؤدي إلى فسخ عقودهم. إن انتحار ستيفان جريم – من الكلية الإمبريالية للعلوم والتكنولوجيا والطب- في عام 2014 الذي قيل أنه كان “يكافح من أجل تحقيق مقاييس منصب أستاذ”= كان يجب أن يؤدي إلى توقف هذا النوع من النظام العقابي بسرعة في أي مؤسسة تلتزم بأدنى المعايير الأخلاقية؛ بدلاً من ذلك، فسيُطبق نظام “الحوافز” على الفور في بعض الجامعات اعتمادًا على تجارب علم النفس سيئة السمعة في ستانلي ميلجرام، والتي أثبتت رغبة الأفراد في طاعة السلطة حتى لو تسبب ذلك في إلحاق الألم الشديد والأذى بالآخرين.

يركز عملي الأخير على مجال الدراسات الجامعية الحساسة CUS، إنها منهجية تدعو الباحثين إلى أن ينتقدوا الهياكل والافتراضات وعلاقات القوة التي تحكم الأكاديمية. في النهاية، احتفطت الحرية الأكاديمية بقدسيتها بموجب القانون -في المملكة المتحدة على الأقل- وهو ما تعكسه معظم الأنظمة الإدارية وبيانات الحكومة. ومع ذلك، من الواضح أنه في الممارسة الفعلية تتعامل الجامعات بدرجات مختلفة من التسامح مع منتقدي ممارسة التعليم العالي. من جهة، هناك جدل مثير حول تورط توماس دوكرتي -أستاذ اللغة الإنجليزية والأدب المقارن في جامعة واريك- في العصيان الإداري بعد أن قيل ​​أنه أدلى بتعليقات ساخرة واستخدم لغة جسدية سلبية تجاه رئيس قسمه. من جهة أخرى، نرى دفاع نائب رئيس جامعة شيفيلد، السير كيث بورنيت، عن حق أحد الأكاديميين، كريج برانديست، في كتابة مقال يشبه سياسة التعليم العالي في المملكة المتحدة بسياسة الاتحاد السوفياتي في عهد ستالين، وذلك بعد إحالة قسم الموارد البشرية في شيفيلد أستاذَ النظرية الثقافية والتاريخ الفكري إلى مجلس تأديبي.

هذا النزوع من الالتزام الإداري نحو الحرية الأكاديمية يعني أن ممارسة النقد تعني أن تعيش  في حالة من اللايقين. بعيدًا عن الاطمئنان الذي تبثه فينا القوانين المنشورة، يجب على المدونين والمغردين منا اعتماد استراتيجية الدفاع الأكاديمي النشط، على أمل تجنب الوقوع فيما ما يسميه باولز براثن وسائل الإعلام المدعومة من قبل إدارة الجامعة. وإذا شعر الأكاديميون الراسخون بالتهديد، فتخيلوا ضعف الباحث الشاب المدعو لهذا النوع من العمل.

في مارس من العام الماضي، أعادت Times Higher Education نشر مقالة كتبتها عن أسباب التوتر وتهديدات الصحة العقلية في الحياة الأكاديمية. وأوضح المقال -في يوم الصحة العقلية للأكاديميين- للطلاب شيئًا من الضغوط التي يتعرض لها محاضروهم. كان العديد من القراء سعداء بالمقال فأعادوا تغريد الرابط أو الرد أومراسلتي عبر البريد الإلكتروني لإخباري أن مقالتي تلقى صدى لدى الزملاء حول العالم. ولكن بعد أن تلقت المقالة 10000 زيارة على مدونتي وتصدرت موقع THE لمدة أربعة أيام، اعترض رئيسي سابقًا على ذلك واضطررت إلى طلب إزالة المقالة. وقد أدى ذلك إلى افتتاح عملية تأديبية شعرت أنها تحد من قدرتي على الكتابة بشكل أكبر حول هذا الموضوع، أوإجراء حوار صريح مع الطلاب حول الصحة النفسية في الجامعات. لذلك قررت استعادة حريتي الأكاديمية بالخروج من الأكاديمية.

يتضمن البحث في الدراسات الجامعية الحساسة حتمًا أن تكون ناقدًا لممارسات وظروف العمل المحلية لدينا، بالقدر الذي ننتقد به السياسة المؤسسية والحكومية. يجب أن نكون أحرارًا في توثيق تلك التجارب وإتاحتها للتحليل في ضوء السيطرة والامتياز. في الواقع، أنا أعتبر هذا التزامًا، وأنا متأثرة بهذا الاعتقاد من خلال الردود السخية والمشجعة المنشورة على مدونتي.

عندما بدأت في كتابة هذا المقال في الخريف الماضي، رأيت مخططا لإعلان كوبنهاجن يظهر على حسابي في تويتر، تقدم بعض المبادئ لضمان استقلالية الجامعة والحرية الأكاديمية ومكان العمل الإنساني: “تشمل هذه الحقوق الحق في تقرير المصير الفكري والمهني في سياق يضمن رفاهية المنظمة، والحق في عدم الطرد بسبب الميول، والحق في بيئة عمل لا تتسامح مع التنمر وغيرها من إساءات استخدام السلطة، والحق في انتقاد المؤسسة علنا، والحق في رفض أشكال التقييم غير اللائقة”.

كنت أعتقد أنني -وآخرين في المملكة المتحدة- نتمتع بهذه الحقوق بالفعل، ولكن ما أراه في الجامعات هو فشل متكرر في تماشي الإجراءات مع المبادئ المعلنة. هناك إدراك واسع الانتشار بأنه عندما تلغي الإدارة الحقوق الثابتة، فإن هذا يؤدي إلى تآكل ثقة الأكاديميين في النظام، وقد ساهم ذلك بالتأكيد في خيبة أملي. الأكاديمية بحاجة ماسة إلى بيان “المواطنة الأكاديمية” لمواجهة مشروع الاستعمار الإداري. من الواضح أنه لا يمكن أن يكون هناك حق تقرير المصير أو الحرية الأكاديمية في بيئة عمل تتسم بالرقابة والاستبداد، بغض النظر عن عدد مرات ذكر كلمة “التمكين” في الخطة الاستراتيجية.

في مقاله الرائع عام 1950، “فكرة الجامعة”  افترض العالم السياسي مايكل أواكشوت أن “المشاغبين من المفكرين” كانوا بأمان خارج أسوار الأوساط الأكاديمية، لكننا الآن نواجه أعضاء هذه الدائرة المركّبة في أفخم مكاتبها. في هذه المرحلة، ما أقدّره أكثر من أي شيء آخر هو أي فرصة لاستعادة الأكاديمية من سيطرة هؤلاء والكتابة وفقًا لما يمليه عليّ ضميري. لسوء الحظ، لا يمكن محاربة هذا النوع من الاستبداد إلا من الخارج؛ ولذا استقلت.

أعجبني المقال

المصدر
world edu

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى