عام

طلبٌ من القلب..

قراءة في دالية المعرّي "تفدّيك النفوس"..

هل جرّبتَ أن تنصح عزيزًا أن يعدِل عن رأيه إلى رأيك -وفي كلٍّ صواب-؟ ما مهارات الإقناع التي تحتاجها لعرض إيجابيات رأيك وسلبيات الرأي الثاني أمام خبير بهما معًا؟ آفة الإقناع أن يقوم على فكرة تعليم جاهل أو تذكير غافل..

من جوانب حياة المعرّي النفسية أنه شديد الأُنس بأحبابه، رهين المحبسين الذي يعاند “من يُطيقُ له عنادا” ويقول إنه “إنسيّ الولادة وحشيّ الغريزة” يحزن لتغرّب من يحب، يئنّ لنأيهم..

ومن أقرب هؤلاء خاله (عليّ بن محمّد)، الذي كان حريصًا على العلم يجوب البلدان تجارةً وأدبًا، وتشير الروايات إلى عمق صلة المعري بأخواله، أكثر من صلته بأهل أبيه، ومن التعليل لذلك أن أخواله قريبون من أختهم (والدته)، وخاصة خاله عليّ الذي كان دائم الرعاية لها، لا ينقطع مدده وإهداؤه عنها وعن ابنها الضرير، حتى قيل إن كل رحلات المعري كانت بإنفاق خاله وعنايته..

سافر عليٌّ بن محمد إلى المغرب في رحلة تجارة وأطال الإقامة فيها، فغلب المعرّي حنينٌ إلى خاله الجليل المبجّل، وأرسل إليه داليّةً مقاطعها كالدوالي الوارفة حكمةً وحنينًا.. والدال قافية أثيرة عند المعري في مثل هذه الموضوعات التي يتجلّى فيها مفكّرًا متأمّلًا، خلاف اللام -مثلًا- التي يفضّلها في الوصف والفخر، والإشارة إلى القافية ابتداءً لأن الدال انفجارية قويّة، لم يكن اختيارها مصادفة، وهو الخبير بالقوافي الذي ألزمها ما لا يلزمها، فمما يقول “إن ما رويّه ألف أضعف مما رويّه دال أو حاء أو غيرها من الحروف الصحاح”، فالدال أقرب شاهد على لسانه حين يصف القوّة.

لماذا القوة والقصيدة رسالة إلى مسافرٍ عزيز؟ لم يكن يبثه شكوى رقيقة، ولا يصف أحوال المقيم إثر المسافر، القصيدة محاولة إقناع بالرأي، وثني عن استمرار، واستعطاف لينعطف الظاعن، فما بقي شجنٌ ولا وصفٌ ولا مديحٌ إلا ازداد قوةً على قوّة.. ووصلًا ممتدًّا امتدادَ ألف الوصل بصوتها المفتوح بعد الرويّ القويّ..

مطلع القصيدة:

تُفدّيكَ النفوسُ ولا تُفادى    فأدنِ القربَ أو أطِل البِعادا

وهو مطلع ساحرٌ رقيق بجملٍ قصيرة، فيه تسليم المحبّين، وانقياد الصادقين، الذين لا تتأثّر مودّتهم بالبُعد عن العين..

ويكمل استهلاله بالنداء المتودّد الذي يوثّق المشاركة لكل أثقال السفر رغم الإقامة، ويتحرّز بأن تلك التفدية غيض من فيض، كعادتنا حين نتردّد في الثناء على من يستحق خشية الاتهامات بالمبالغة والغلو:

أرانا يا عليُّ وإن أقمْنا    نُشاطِرًك الصبابة والسُهادا

ولولا أن يُظَنَّ بنا غُلوٌ    لَزِدْنا في المقالِ مَن استزادا

تحرّزه من المبالغة في المديح جزء من طبيعته غير المدّاحة، مما يجعل لمديحه إذا جاء قيمة أعلى، ومصداقية أرفع، وهو يزكّي مديحه في مفتتح “سقط الزند” ويقول: “لم أطرق مسامعَ الرؤساء بالنشيد، ولا مدحتُ طالبًا للنوال”، فجاء مديحًا لا أنبل ولا أجمل..

موضوع القصيدة دار على محاور: تقصّي أخبار المسافر (4أبيات)، ووصف رحلته ذهابًا(8 أبيات)، تخيّل عودته (6 أبيات)، مديح أخواله(5 أبيات)، وصف الشرق: الشام وبغداد(10 أبيات)، مديح خاله ووصف مقامه في المغرب(10 أبيات)، حجج وإقناع واستعطاف (12 بيتًا)..

ومن فكرة إلى فكرة يحضر الطلب، وأسلوب الطلب في البلاغة قسيمُ أسلوب الخبر، فالجملة إما إنشائية (طلبية -وهو الأكثر- وغير طلبية)  أو خبرية،  يجدّد طلبه بحُسن استبقاء وحُسْن توسّل، لا حُسن تخلّص..

 

وقيل: أفادَ بالأسفار مالًا .. فقلنا: هل أفاد بها فؤادا؟!

وهل هانت عزائمه ولانت؟! .. فقد كانت عرائكها شِدادا

طلبٌ، بعد خبر المطلع المادح، طلبٌ في استفهام يستعطف بالعاطفة التي لا تُشترى أن يعود إليهم، وسيؤكّد على هذا المعنى مرارًا، أن المال لن يجلب الأصدقاء الصادقين، أقوى حجة يريد أن يُقنعه بها: أن يلتفت للقلوب، وأعمال القلوب، يقول عن زخرف وجهته، إن سرّته المعالم فلن يسرّه الصديق:

فإن تجد الديارُ كما أراد الغريـــــــــبُ، فما الصديقُ كما أرادا!

ويستقصي، إن سرّه ظاهر صديق -بمؤثّر أو بغيره- فأعمال القلوب لا تُرى:

إذا الشعرى اليمانيةُ استنارت. .. فجدّدْ للشآميةِ الودادا

فللشامِ الوفاء، وإنْ سواهُ .. توافى منطقًا غدرَ اعتقادا!

وجاء الطلب (جدّد الوفاء) في أمر متلطّف،، كأنه يرى أن المرء ما يزال في فسحة من ظنه وفائه حتى يُمتحَن بالبديل، فهل يستجدّ جديدًا أم يجدّد ولاء قديمًا!..

 

يصف الرحلة، وصفًا خبريًّا كمن خبر ورأى وسمع فأجلّ:

إذا سارتك شهبُ الليل قالت: .. أعان اللهُ أبعدنا مُرادا

وإن جارتك شهب الريح كانت. ..أكلّ ركائبًا وأقلَ زادا

إذا جلّى ليالي الشهر سيرٌ .. عليك أخذت أسبغها حِدادا

تخيّرُ سُودَها.. وتقولُ أحلى ..عيونِ الخلقِ: أكثرُها سوادا

المسرى كله في عين المعرّي، الذي جعل الليل عينًا فاتنةً يجوبها المسافر، ويستمر في وصفه الذي يستدعي أملًا أن تكون الرحلة إيابًا، فيصف استقبال العائد الغالي وصفًا بديعًا شجيّا، استقبالًا حارًّا حافلًا تصطفّ فيه الحواسّ: ارتواء ظمأ، واستنشاق عبق، وبهجة خاطر، حتى الغراب يضمّخ بالزعفران حين بشّر بالقادمين:

إذا صاح ابن دأيةَ بالتداني .. جعلنا خِطْرَ لمّته جسادا

نُضمّخ بالعبير له جناحًا .. أحمَّ كأنه طُلي المداد

سنلثمُ من نجائبك الهوادي .. ونرشُفُ غِمدَ سيفك والنجادا

ونستشفي بسؤرِ جوادِ خيلٍ .. قدمتَ عليه، إنْ خفنا الجُوادا

يقول سنفعل، فقط أقبلْ من غيبتك، بقية الماء الذي تركه جوادك العائد هي أماننا من (الجُواد/العطش) فيا للشَربة الهانئة القراح! ثم يقول بيتًا لطيفًا عاطرًا نديًّا في ألطف الهدايا وكل ما في النص يوحي بهذه العلاقة اللطيفة، أن يكون الشيء زهيدًا في عين غيره وهو أثمن ما يكنز ويدّخر لأنه من رائحة راحل حبيب :

إذا هادى أخٌ منّا أخاهُ .. تُرابَك كان ألطف ما يُهادى!

 

ثم يمدح أخواله، ويصف مجدهم، كأنه يُمعِن في استعطاف الخال، ليفاجئه بهذا السؤال:

علامَ هجرتَ شرق الأرضِ حتى.. أتيت الغربَ، تختبرُ العبادا؟!

لماذا تُدخلنا في هذا الاختبار الصعب! على أيّ الغايات تغربت؟ كأنّ كل غربةٍ غرب وغروب!

طلب يفاجئه فيه بين فينة خبرٍ وأخرى، استفهام يتوسل ويستعطف، ثم بدأ يُقنعه بتعداد محاسن الشرق، الذي كان يظن الغربة بين أطرافه حتى نأى غربًا:

وكانت مصر ذات النيل عصرًا ..تنافس فيك دجلة والسوادا

مياهٌ لو طرحت بها لُجينًا .. ومُشْبِهَهُ، لمُيّزَتِ انتقادا

فإن تجد الديار كما أراد الغريبُ فما الصديق كما أرادا

 

في صُلب هذه القصيدة إقناعٌ بأنّ الغايات يجب أن تختبر، أن الآمال يجب أن تمحّص، أنّ الأحكام يجب أن تتجاوز الظواهر، أن في بعض السعي الحثيث للكمالات نقصٌ وفقد، يصل في إقناعه إلى معنىً نفسيّ عميق متّسق اتّساق المبنى والمعنى بين الظعن والتضييع:

ظعنتَ .. لتستفيدَ أخًا وفيًّا .. وضيّعتَ القديمَ المستفادا!

 

يستميله أكثر بأن الفقد لا يقتصر على فقد الصديق، بل يمتدّ للطبيعة،  للمعجم، للتكوين، الذي لن يستطيع أن يستبدله كلّه في غربته، لن يغنيه البحر عن الصحراء، لن تُنسيه السفنُ الإبلَ، وهو الماجد هو، في البرّ والبحر:

وسرتَ لتذعرَ الحيتان لمّا .. ذعرتَ الوحش والأُسد الوِرادا

وليلٍ خافَ قولَ الناس لمّا .. تولّى سار منهزمًا ..فعادا!

كأنّك من كواكبه سهيلٌ .. إذا طلع اعتزالا وانفرادا

قطَعْتَ بحارها والبرَّ حتّى.. تعاللتَ السفائنَ والجيادا

فلم تترك لجاريةٍ شراعًا.. ولم تترك لِعاديةٍ بِدادا

 

ثم يستعرض سلبيات الغربة، حيث لا استسقاء، ولا رعي، ولا ضيافة، في حال يعيشها الغريب وهو يتأمل نظرات الآخرين المتوجسة إليه :

بأرضٍ لا يصوبُ الغيث فيها . . ولا ترعى البداة بها النقادا

وأخرى رومها عربٌ عليها .. وإن لم يركبوا فيها جوادا

سوى أن السفين تُخال فيها .. بيوتَ الشَعرِ شكلًا واسودادا

تصيّدَ سَفرُها في كلّ وجهٍ .. وغاية من تصيّد أن يُصادا

تكاد تكون في لونٍ وفعلٍ.. نواظرها أسنتَها الحِدادا!

 

أما يكفي كلُّ هذا للإقناع؟!

بعد الاستثارة الخبرية يعود للطلب، الطلب من القلب!:

أقِمْ في الأقربين!.. فكلُّ حيٍّ .. يراوح بالمعيشة أو يُغادى

تتغرب من أجل الديار؟ ديارك أجمل، تتغرّب بحثًا عن الصديق؟ صديقك أوفى، تتغرب من أجل المال، إيمانك وعلمك وعقلك يخبرك أن الرزق غيبيّ، وأن المال كله لا يزيد في قدرك الرفيع به ودونه، ينتهي إلى درسٍ جماليّ:

وليس يزاد في رزقٍ حريصٌ .. ولو ركب العواصف كي يُزادا

ولو أنّ السحاب همى بعقلٍ .. لما أروى مع النخلِ القتادا

ولو أعطى على قدْرِ المعالي .. سقى الهضبات واجتنب الوهادا

 

أجمل مهارات الإقناع عند المعري تجلّت في خاتمته، المهذّبة، المحبّة، الناصحة، المستبقية، جمالها أنه يصرّح أنه لا يتعالم، لا يدّعي الخبرة الأكثر، المتلقي لا ينقصه الفهم والسداد:

وما زلتَ الرشيدَ نهىً .. وحاشا .. لفضلك أن أُذكّره الرشادا

ومثلك للأصادقِ مُستقِيدٌ .. وشرّ الخيل أصعبها قيادا

نراسلُك التنصّح في القوافي .. وغيرُكَ …منْ نُعلّمُهُ السَّدادا

فإنْ تقبلْ فذاكَ هوى أُناسٍ .. وإن تَردُدْ .. فلم نألُ اجتهادا!

ما أضخم كاف المخاطب في هذا الخطاب الإقناعي! الذي يُظن دائما أن من مهاراته ضخامة المتكلم..

النص الذي بدأ بخيارين لا يؤثّران في المحبّة:

“أدْنِ القربَ .. أو أطِلِ البِعادا”

ينتهي بخيارين لا يؤثّران في المحبّة والانتظار والوفاء:

إن تقبلْ وتعود.. أو تردّ النصيحة وتمضي..

لأنها التفاتُ طلبٍ من القلب، تمامًا مثل بناء القصيدة، أخبار ووصف يلتفت منها بطلب: سؤال أو أمر، انعطافٌ أسلوبيّ إثرَ استعطافٍ ورجاءٍ وحنين، عاطفةٌ يلْفِت فيها الذي لا يَرى إلى الجدير بأن يُرى!

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى