عام

الإنسان أم الاقتصاد؟ جائحة كورونا وسؤال الأولويات

  • بيتر سي مانكال
  • ترجمة: حصة عبد العزيز
  • مراجعة: مصطفى هندي

 

تُوازن الدول الآن بين أرواح البشر وإنقاذ الاقتصاد، وينبئنا التاريخ أن الاقتصاد يفوز غالبًا.

في بداية انتشار كورونا، كانت الأولوية لصحة الإنسان؛ ونتيجة لذلك أُغلقت العديد من الشركات والمؤسسات، والتزمت الدولة بتقديم تريلونات الدولارات من المساعدات لأولئك المتضررين من الإغلاق أو من خسروا وظائفهم. لكن يتناقش الساسة وصناع القرار الآن حول آليات إعادة فتح الاقتصاد الأمريكي. الوقت المناسب لبدء فتح قطاعات الاقتصاد كان مطروحاً للنقاش، لكن التاريخ يظهر أنه في أعقاب الكوارث، تفقد الحياة البشرية -في الغالب- أهميتها وأولويتها بسبب الضرورات الاقتصادية.

كوني مؤرخا لأمريكا المبكرة، وكتبتُ عن أزمات التبغ وعواقب الأوبئة في أمريكا، رأيت من الممكن استلهام اعتبارات مماثلة في مواجهة تفشي الأمراض؛ وأعتقد أن هناك دروسًا بالغة الأهمية يمكن استخلاصها من جائحتين من القرن السابع عشر انتصرت خلالهما المصالح الاقتصادية لقلة مختارة على الاعتبارات الأخلاقية.

 

قصة التبغ

خلال القرن السادس عشر، أولع الأوروبيون بالتبغ، تلك النبتة الأمريكية. استمتع الكثير بما يثيره التبغ في الإنسان مثل الانتشاء وانخفاض الشهية؛ وأكد معظم الذين كتبوا على فوائده الطبية، حيث رأوا أنه دواء عجيب يمكن أن يشفي مجموعة متنوعة من الأمراض البشرية. (لم يرحب الجميع بتناول التبع؛ فقد حذر الملك جيمس الأول ملك إنجلترا من أنه يشكل خطرا وربما تحول إلى عادة سيئة).

بحلول أوائل القرن السابع عشر، أصبح الإنجليز يتوقون بشكل متزايد إلى إنشاء مستعمرة دائمة في أمريكا الشمالية بعد الفشل في القيام بذلك في أماكن مثل رونوك ونونافوت. لقد رأوا فرصتهم التالية على طول نهر جيمس، أحد روافد خليج تشيسابيك. وبعد تأسيس جيمس تاون Jamestown في عام 1607، سرعان ما أدرك الإنجليز أن المنطقة كانت مثالية جدا لزراعة التبغ.

لكنْ الوافدون الجدد لم يعرفوا أنهم استقروا في بيئة مثالية لنمو البكتيريا التي تسبب حمى التيفوئيد والزحار. ما بين عامي  1607 إلى 1624، سافر حوالي 7300 مهاجر -معظمهم من الشباب- إلى فرجينيا. وبحلول عام 1625 لم يكن هناك سوى 1200 منهم؛ حيث ساهمت انتفاضة البوهاتان المحلية عام 1622 ونقص الغذاء الناجم عن الجفاف في حصد العديد من الأرواح؛ لكن معظمهم لقوا حتفهم بسبب المرض. كان الوضع صعبًا للغاية لدرجة أن بعض المستعمرين كانوا أضعف من أن ينتجوا طعاما، فلجؤوا إلى أكل لحوم البشر.

وإدراكا منها أن مثل هذه القصص قد تثني المهاجرين عن سفرهم، عممت شركة فرجينيا لإنتاج التبغ في لندن كتيبًا اعترفت فيه بالمشكلات التي تواجه سكان المستعمرة الجديدة، لكنه شدد على أن المستقبل سيكون أكثر إشراقًا.

وهكذا استمر المهاجرون الإنجليز في النزح إلى أمريكا، بعدما جُمِعوا من جيوش الشباب الذين انتقلوا إلى لندن بحثًا عن عمل، ليجدوا أنفسهم أمام فرص ضئيلة للغاية. وافق العديد من العاطلين عن العمل واليائسين على أن يصبحوا خدامًا بعقود؛ مما يعني أنهم سيعملون لدى مزارع في فيرجينيا لفترة محددة من الوقت مقابل المرور عبر المحيط ويتلقون التعويض بانتهاء العقد.

ارتفع إنتاج التبغ؛ وعلى الرغم من انخفاض السعر بسبب الإفراط في إنتاج المحصول، تمكن المزارعون من جمع ثروة كبيرة.

 

من خدام إلى عبيد

جائحةٌ أخرى تركت أثرا عميقا على أمريكا المبكرة، على الرغم من أن ضحاياها كانوا على بعد آلاف الأميال. في عام 1665، ضرب الطاعون مدينة لندن؛ وفي العام التالي، أجهز الحريق الكبير على كامل البنية التحتية للمدينة. تكشف إحصاءات الوفيات ومصادر أخرى أن عدد سكان المدينة ربما انخفض بنسبة تتراوح من 15٪ إلى 20٪ خلال هذه الفترة.

كان لتوقيت الكارثتين المتزامنتين أثره السيء على المزارعين الإنجليز في فرجينيا وماريلاند. على الرغم من أن الطلب على التبغ قد ازداد، إلا أن العديد من الخدم المستأجرين الذين أتوا في الموجة الأولى من المجندين قرروا تكوين أسر وإنشاء مزارعهم الخاصة. كان المزارعون بحاجة ماسة إلى العمل في حقول التبغ الخاصة بهم، وفي نفس الوقت، العمال الإنجليز الذين ربما كانوا سيهاجرون لولا الكارثة وجدوا عملًا في وطنهم وهو إعادة بناء لندن.

مع عدد أقل من العمال القادمين من إنجلترا، بدا بديلٌ أكثر جاذبية للمزارعين ألا وهو: تجارة الرقيق. وصل أول الأفارقة المستعبدين إلى فرجينيا في عام 1619، ونمت أعدادهم بشكل ملحوظ بعد ستينيات القرن السابع عشر؛ وفي ثمانينيات نفس القرن، ظهرت أول حركة مناهضة للعبودية في المستعمرات. بحلول ذلك الوقت، كان المزارعون يعتمدون في مزارعهم على عمال الرقيق المستوردين.

ومع ذلك، لم يكن المزارعون بحاجة إلى إعطاء الأولوية للتبغ الذي يتطلب عمالة كثيفة. لسنوات، كان القادة الاستعماريون يحاولون إقناع المزارعين بزراعة محاصيل تحتاج عمالة أقل مثل الذرة. لكنهم كانوا مفتونين بالأرباح، ومولعين بمحصولهم المربح، وتتابعت عليهم السفن التي تنقل الرقيق. لقد تفوق الطلب على التبغ أي نوع من الاعتبارات الأخلاقية.

وإذا كانت العبودية القانونية أو المبرمة بعقد قد اختفت من الاقتصاد الأمريكي، فإن الاستغلال الاقتصادي ما زال مستمرا.

على الرغم من الخطاب الحاد المناهض للهجرة الصادر من المكتب البيضاوي في السنوات الأخيرة، إلا أن الولايات المتحدة تواصل الاعتماد بشكل كبير على العمال المهاجرين، بما في ذلك عمال المزارع. لقد أصبحت أهميتهم أكثر وضوحا خلال الوباء، حتى أن الحكومة أعلنت أنهم “ضروريون”. بعد أن أعلن ترامب حظر الهجرة في 20 أبريل، أعفى الأمر التنفيذي عمال المزارع وجامعي المحاصيل، الذين نمت أعدادهم بالفعل تحت إدارته.

لذا، حتى قبل أن تقرر الدول ما إذا كانت ستعيد فتح الأعمال غير الضرورية، كان هؤلاء العمال على الخطوط الأمامية، يعملون وينامون على مقربة من الخطر، ويضعفون مناعتهم بسبب التعرض للمواد الكيميائية، مع القليل من الرعاية الطبية المناسبة.

ومع ذلك، بدلاً من مكافأتهم على أداء هذا العمل الضروري، تفيد التقارير أن البعض في الحكومة يحاولون خفض أجورهم الزهيدة أكثر مما هي عليه، في حين يمنحون أصحاب المزارع خطة إنقاذ بمليارات الدولارات.

تعددت الأوبئة، والسردية واحدة: يتفوق السعي وراء الأرباح في نهاية المطاف على المخاوف المتعلقة بصحة الإنسان.

المصدر
theconversation
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق