عام

هل العقول الفوضوية أكثر إبداعًا؟

قد تصيب خبرات الحياة المتراكمة خزائن الذاكرة بالفوضى، ولكنها قد تشعل فتيل الإبداع.

  • كريستوفر بريجلاند
  • ترجمة: منال خلف اليشع بلنك
  • تحرير: جنات المقاوشي

نقاط مفاتحية:

تتضمن عملية التفكير الإبداعي استرجاع الذكريات التي تحمل خبرات الحياة الواقعية المُعاشة (فيما يعرف بالذكريات الدلالية)، وذلك من “دفتر ذكريات” الفرد، ومن ثم تركيبها معًا.

عادةً ما يمتلك الأفراد المتقدمون في العمر دفاتر ذكريات أكثر تكدسًا من غيرهم، وهذا أمرًا طبيعيًا لتفوقهم عن الأصغر سنًا فيما يمتلكونه من تجارب وخبرات في الحياة، ولهذا التكدس مزاياه ومضاره.

يعد التعثر في استرجاع وتذكر تفاصيل الأمور إحدى مضار العقل المكدس بالمعلومات والتجارب والذكريات، ولكن هذه التجارب والمعلومات التي تبدو غير ذات صلة ببعضها تتلاقح مثمرةً الإبداع.


ماذا إذا اختلست “ماري كوندو”[1] النظر داخل عقلك وأحصَت مستودعات ذاكرتك؟ هل ستتعثر في ذكرياتك المبعثرة هنا وهناك؟ في حال كنت من المتقدمين في السِّن فالاحتمالات تصب في اتجاه تحقيق هذا السياق؛ بفضل جزيل ما تملكته من الذكريات والخبرات مع العمر.

يحاكي كثيرًا “السحر المغير للحياة” الناتج من تنسيق أركان منازلنا، تلك المنفعة العائدة من تنسيق وتنظيم عقولنا وما بها من ذكريات تستقر في الذاكرة الدلالية. لكن كيف يمكن أن نُهَندِم دفتر ذكرياتنا المبعثر؟ وهل هذه البعثرة تجعلنا أكثر تشتتًا أم أكثر إبداعًا؟

يسعى هذا المنشور إلى الإجابة عن هذه التساؤلات بناءً على رؤى جديدة مأخوذة من ورقتين بحثيتين نُشرتا في شهر فبراير عام 2022 تتحدثان عن كيفية تنظيم العقل للذكريات الدلالية الناتجة من تراكم الخبرات المعاشة في الحياة. (ملاحظة: من منظور ما بعد إدراكي، التفكير الإبداعي المتمثل في عقد المقارنة بين المادتين العلميتين المطروحتين في هذا المقال، لهو مثال حي لمحاولة عقل متقدم في السِّن لإعادة ترتيب وربط نقاط -تبدو غير ذات علاقة- ربطًا جديدًا، على أمل أن يكون ربطًا مفيدا أيضًا.)

المعلومات المكدسة التي تعرقل العقل وهو يستعيد تفاصيل الأحداث، هي ذاتها التي يمكن أن تحفز إبداعه

إن ادخار كم هائل من الذكريات الدلالية والتجارب الواقعية المُعاشة على مدى الحياة، له من الجانب المشرق نصيبٌ ومن الجانب المظلم أيضًا، خصوصًا فيما يتعلق بمشكلة النسيان أو السهو المرتبط بالتدهور الإدراكي المصاحب للتقدم في السِّن.

مراجعة حديثة في الاتجاهات الرائجة في العلوم المعرفية (Amer, Wynn, & Hasher, 2022)، روجعت فيها دراسات عديدة خَلُصَت إلى أن العقول الفوضوية من كثرة ما تحويه من معلومات يمكن لها أن تجد صعوبة في استرجاع أو استدعاء معلومات مستهدفة. أما على الوجه الآخر، يمكن أن يحفز هذا الثراء المعلوماتي والخبراتي قدرات العقل الإبداعية الكامنة. حملت هذه الدراسة عنوان” البحث في التوجهات الحديثة في علوم الإدراك”.

أجرى هذه الدراسة ثلاثة من الباحثين، أحدهم من جامعة كولومبيا، وواحد من جامعة هارفارد، والآخر من جامعة تورنتو، وجد الثلاثي البحثي بعد تحليل العديد من التصويرات التي أجريت للأعصاب، بالإضافة لتحليلهم لمجموعة من الدراسات والأبحاث في علم السلوك، أن المتقدمين في السِّن قد يعانون عند محاولتهم تذكر معلومة معينة قابعة في الذاكرة العرضية من عجزٍ عن كبح المعلومات التي لا صلة لها.

غالبًا ما يؤثر انخفاض التحكم في الانتباه المصاحب للتقدم في السِّن في جودة استرجاع الذكريات القابعة في الذاكرة العرضية فلا يعود دقيقًا كشعاع الليزر، خصوصًا عندما تشوش معلومة -لا صلة لها- عملية التذكر للمعلومة المستهدفة. لذلك يتلعثم المتقدمون في السِّن أصحاب العقول المزدحمة عندما يحاولون تذكر مكان أو زمان حدث ما بوضوح.

فإذا كان لشخص ما عددٌ مَهول من الذكريات الدلالية سيكون أمر محاولة تذكر معلومةٍ بعينها عن مكان أو زمان ما مثل “البحث عن إبرة في كوم من القش”. لكنّ الوجه المشرق لهذا البحرِ المعرفيِّ المليء بمعلوماتٍ تبدو غير ذات صلة، والتي تظل تومض في وعي الشخص كلما حاول تذكر تفاصيل معيّنة، أنّ هذه الارتباطات المختلطة عشوائيًا تصقل التفكير الإبداعي الخلاق.

كما وضّح كلٌ من طارق عامر، وجودن وين، ولين هاشر: “يمكن أن تصيب المعلومات المكتظة الذاكرة باللغط عند استهداف معلومة بعينها، ولكنها يمكن أن تحقق منفعة كبيرة في إنجاز المهام التي تحتاج لعلم غزير.” لعل الوظائف الإدراكية المعتمدة على الذاكرة والتي ترتبط بالعملية الإبداعية تستفيد من التواجد الكثيف للمعلومات.

هل الشبكات العصبية الأقل انفصالاً تحافظ على تنسيق العقول الفوضوية؟

بالعودة إلى تشبيه “ماري كوندو” عن “تنسيق” عقولنا الفوضوية، وجدت دراسة حديثة أجراها علماء أعصاب في فرنسا أنّ الاتصال الوظيفيّ لكامل الدماغ والشبكات العصبية الأقل انفصالًا يرتبطان بتراكيب الذاكرة الدلالية التي بدورها تنبأ بوجود إبداع حقيقي. يقترح هذا البحث المبني على تصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي أن اتصال [2] السوائل في كامل الدماغ يدعم التفكير الإبداعي. نُشرت هذه النتائج[3] (Ovando-Tellez et al., 2022) في المجلة العلمية المُراجعة من الأقران “تقَدُّم العلم”.

نرى من الدراستين السابقتين معًا أن كلاهما أكدتا نظرية العالم “سارنوف ميدينك”، وعنوانها “التفكير الترابطي أساس التفكير[4] الإبداعي”، في عام 1962؛ فقد وصف التفكير الإبداعي -منذ ستين عامًا- على أنه: “صُنع روابطٍ بين عناصرَ يُثمر مجموعاتٍ جديدةً تلبي احتياجًا بعينه، أو تكون مفيدة بشكلٍ ما.”

من منظور البحث الذي أجراه عامر، وِين، وهاشِر، بخصوص كيفية تشكيل الذاكرة الفوضوية للإدراك، فيبدو أن إبداع المتقدمين في السِّن ينتفع من الربط العشوائي بين المعلومات الذي يحدث عند استدعاء معلومة معينة، إذا تمكنوا من ربط النقاط معًا بطريقة جديدة ونافعة.

علاوةً على ذلك، ما تقترحه نتائج الدراسة الحديثة لعام 2022 التي أجراها مارسيل أوفندو- تيلليز وآخرون، أن الأشخاص فائقي الإبداع ينتفعون من شبكاتهم العصبية الأقل نموذجية عن الطبيعي (أقل انفصالاً)، إذ باستطاعتهم الوصول لمعلومات دلالية تبدو غير ذات صلة، وإعادة تنسيقها لخلق حلول خلاقة.


[1] “ماري كوندو” هي كاتبة كتب ومقالات في طرق تنظيم وترتيب المنازل، واشتهرت بعد إصدار كتابها الشهير “سحر الترتيب” عام  2011 عن الطرق المناسبة والأفضل لتنسيق المنازل. “المترجم”.

[2] https://www.psychologytoday.com/us/blog/the-athletes-way/202202/fluid-whole-brain-connectivity-supports-creative-thinking

[3] https://www.science.org/doi/10.1126/sciadv.abl4294

[4] https://citeseerx.ist.psu.edu/viewdoc/download?doi=10.1.1.170.572&rep=rep1&type=pdf

مراجع المقال الأصل:

Tarek Amer, Jordana S. Wynn, Lynn Hasher. “Cluttered Memory Representations Shape Cognition in Old Age.” Trends in Cognitive Sciences (In press, corrected proof first available online: February 11, 2022) DOI: 10.1016/j.tics.2021.12.002

Marcela Ovando-Tellez, Yoed N. Kenett, Mathias Benedek, Matthieu Bernard, Joan Belo, Benoit Beranger, Theophile Bieth, Emmanuelle Volle. “Brain Connectivity–Based Prediction of Real-Life Creativity Is Mediated by Semantic Memory Structure.” Science Advances (First published: February 04, 2022) DOI: 10.1126/sciadv. abl4294

Sarnoff A. Mednick. “The Associative Basis of the Creative Process.” Psychological Review (1962) DOI: 10.1037/h0048850

أعجبني المقال

المصدر
psychologytoday.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى