عام

يوم المخطوط العربي ولماذا نهتم بالمخطوطات القديمة؟

  • محمود زكي*

يوم المخطوط العربي هو يوم توعية إقليمي سنويّ في الرابع من أبريل، وتستمر فعالياتها غالبًا طوال الشهر، ترعاه المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو) بجامعة الدول العربية، وتحتفل به الدول العربية الأعضاء، كما تحتفل به أحيانًا جهات إسلامية وأجنبية.

يُمثِّل يوم المخطوط العربي، لكاتب هذه الأحرف مناسبةً خاصةً جدًا، وتذكُّر تفاصيل تأسيسيه هو ذكرى عزيزةً لديِّه، فهو من أرجى الأعمال والمشروعات التي أنجزها ولله الحمد.

كانت البداية في سنة 2013 حينما كنتُ أعمل خبيرًا باحثًا في معهد المخطوطات العربية بالقاهرة التابع للمنظمة، عندما لاحظتُ أن للكتاب، وللتراث المعماري وغيره، مناسبات دولية وإقليمية تحتفي به وتُذكِّر الناس به؛ فقلتُ: لماذا لا يكون للمخطوط العربي يومًا يختصُّ به ويتفرَّد؟ وهو الوعاء الذي حمل التراث الفكري والمعرفيّ لحضارة امتدَّ عطائها أربعة عشر قرنًا من الزمان، وما زالت مقوماتها حاضرةً، وذلك على امتداد رُقعةٍ من الأرض امتدت في وقتٍ ما من الصين شرقًا إلى الأندلس غربًا. فاقترحتُ الأمر على رؤسائي، ولاقى بفضل الله قبولاً ورعايةً لدى المسؤولين في المعهد والمنظمة، فشكر الله لأستاذنا الكريم الدكتور فيصل الحفيان، ولأستاذنا الدكتور عبد الله محارب رحمه الله تعالى.

وقد كان وأثمرت المبادرة بفضل الله، وأوُكِلَ إليَّ تنظيم التظاهرة في سنتي 2013 و2014. وكانت الفلسفة ورائه أن يخرُج تناول الكتاب المخطوط والتراث المعرفي عن قاعة الدَّرْس الأكاديميّ وعن المتخصصين، إلى فضائه العام الأوسع للجمهور العربي ومن بعده الجمهور الإسلامي والعالمي؛ بمختلف شرائحه لا سيما الأطفال والنشء. والتأكيد، من خلال مختلف أنواع الفعاليات العامة والأنشطة التفاعلية، على أهمية المخطوطات وما تحمله من نصوص ومعارف أصيلة، والاحتفاء به بالتقدير اللازم والتوظيف لما يَصْلُحُ منه في الواقع.

وقد أقمنا في العام الأول احتفالاً كبيرًا لاقى قبولاً وأثرًا حسنًا، شاركت فيه أكثر من جهة، وتجاوزت فعالياته وأنشطته العشرين نشاطًا متزامنًا في يوم واحد من شهور شهر مايو 2013. وقد عُنِيْنَا فيه عنايةً خاصةً بالفعاليات المجتمعية العامة من مثل الورش التطبيقية والعروض الحيّة، والأنشطة التفاعلية، والمعارض، أكثر من المحاضرات المباشرة المتخصصة. وكان الأطفال والشباب في القلب منها؛ من خلال العديد من الأنشطة والألعاب، والحكايات والمسابقات، وتجارب علمية ربطتهم بأعمال الرَّازي والبيرونيّ، وابن الهيثم وابن مَلَكا، مع ربطه بما يتصل مما توصلنا إليه من العلوم الحديثة؛ فتضافرتا جهتا النَّظر في الماضي والحاضر معًا.

ثم تطورت المبادرة في العام التالي 2014 ولمدة أسبوع، وشملت التظاهرة عدة عواصم عربية، بعد أن اعتُمد المقترح من أن يكون تاريخ اليوم هو الرابع من إبريل، وهو تاريخ تأسيس معهد المخطوطات العربية. كما تم لاحقًا الموافقة إقليميًا على اعتماد اليوم رسميًا في اجتماع وزراء الثقافة العرب.

فعاليات الأطفال والطلبة بمتحف المخطوطات – مكتبة الإسكندرية

 

واستمرت مسيرة يوم المخطوط العربي، عبر فريق معهد المخطوطات العربية، بينما كانت مساهمتي فيه محدودة ضمن إطار الجهات والمؤسسات التي التحقت بها، بعد انتقالي عن العمل بمعهد المخطوطات، ومنها إقامة معرض لصناعة المخطوط الإسلامي بكلية لندن الجامعية، حيث وظَّفتُ فيه تكنولوجيا التعرُّف على كود (QR code).

وكان اليوم المُحتفى به يحمل في كل عام شعارًا متميزًا، ولا ينسى القائمون عليه تكريم رجالات التراث وكتبه ومؤسساته، وقد اختار المعهد أن يكون شعار هذا العام هو “التراث في زمن الأوبئة”.

 

فما هو التراث؟ وما هو المخطوط؟ ولماذا نعتني بهما؟

التراث هو ما ورثه الإنسان عن أسلافه، وهو أنواع كثيرة منها المعتقدات والأفكار، والعادات والتقاليد، ومنه التراث المادي المعماري والأثري، ومنه التراث الشفوي. ومنه، وهو ما يعنينا في هذا المقام، التراث الفكري والمعرفي، الذي دوِّن وسُجَّل في كُتب بخط اليد، يعرف الواحد منها بالكتاب المخطوط، أو المخطوط اختصارًا، وفيه وصلنا فكر السابقين وإبداعهم، وفيه مستودع رؤيتهم للكون والحياة[1].

فمن خلال هذه المخطوطات وصلتنا السُّنَّة المُشَرَّفة، ومن خلالها وصلنا إبداع ابن خلدون في علم الاجتماع في مقدمة تاريخه، كما وصلنا قانون ابن سينا في الطب، وغيره الكثير من ذخائر التراث العربي والإسلامي.

يقول العلامة عبد السلام هارون رحمه الله في رسالة لطيفة صغيرة الحجم، جليلة القدر أسماها “التراث العربي” ننصح بها:

“يكفي أن تُقلِّبَ طرفَك في أثناء كتاب “كشف الظنون عن أسامي العلوم والفنون”؛ لحاجي خليفة، لتقرأ أسماءَ نحو مائتي عِلْم أو فن؛ كعِلم آداب البحث والمناظرة، والآلات الحربيَّة، والآلات الرَّصديَّة، وعلم انبساط المياه، وعِلم الأوزان والمقادير، والبيزرة، والبيطرة، وتدبير المدينة، وتدبير المنزل، وتركيب المداد، والجبر والمقابلة، والجِراحة، والجغرافيا، والجهاد، والحكمة، والرمي، والرياضة، والسياسة، والسيمياء، والشروط والسجلات، والصيدلة، والطبخ، والفتاوى، وقوانين الكتابة، والكحالة، والكيمياء، ومراكز الأثقال، والمرايا المحرقة، والمساحة، والمعادن، والمـُعَمَّى، والملاحة، والنبات، والهندسة، والهيئة … إلى غير ذلك الكثير”[2].

 حتى في مجال الأوبئة كان للعرب والمسلمين تراث ثري زاد عن 150 عنوانًا تناول الموضوع من جوانب مختلفة من الطب والفقه والحديث والأدب والتاريخ[3].

وينبغي الإشارة إلى:

أن هناك نصوص «معصومة»، وأُخرى «موروثة»؛ فالتراث الإسلامي (فيما عدا الوحي وما يستلزمه) نتاجٌ بشرىٌ.

وعليه فهو يتضمن من الأفكار والأفعال، الصحيح والخطأ، والسلبيات والإيجابيات.

والتراث ليس هو الإسلام، والحضارة الإسلامية ليست هي الإسلام، مثلما أن كل قول أو فعل للمسلمون ليس بضرورة الحال هو الإسلام.

 

لماذا نهتم بالتراث ومخطوطاته؟

تحت عنوان (الإيمان بالتراث) يقول عبد السلام هارون:

“وكما أنَّ الوطن هو المهد الأوَّل لجسم الإنسان، يحنُّ إليه كلَّما بَعُدَ به المطافُ في بلاد الله، ويَشعُر في قرارة نفسِه بحبِّه وتفديته، ويَدين له أبدًا بالإعزاز مهما أغرتْه المغريات، وباعدتْ بينه وبين أرضِه ضروراتُ العَيْش؛ كذلك يُعدُّ التراث الفكريُّ هو المهدَ الأوَّل لتفكيره ولنفسه. وأيُّ انفكاك بين المرْءِ ووطنه، أو بين المرء وتُراثه – يخلق منه امرأً تتجاذبه أطرافُ الضياع، وفقدان النفس. وضياعُ النفس مدعاةٌ إلى التفكُّك والتخلخل، والشُّعورِ بالبؤس والمذلة اللَّتَيْن لا تطيب معهما الحياة”[4].

ويقول الدكتور محمود الطناحي رحمه الله:

“نهضات الأمم، إنما تقوم على أساسين:

الأول: النظر فيما سَلَف لها مِن تراث، وإحياؤه.

والثاني: الإفادة من منابِعِ الفِكْر الخارجي، واستصفاء ما يتناسب مع فِكْرِها وتاريخها”[5].

ويرى الدكتور خالد فهمي أن وظائف التراث غير محصورة ولكن كُليَّاتِها ورؤسها الكبرى أربعة، هي:

الوظيفة الإحيائية: إعادة إحياء النفس، من خلال فهم الذات، والإيمان والأخلاق، وتقدير اتصال الأرض بالسماء.

الوظيفة الحضارية: تهيئة المجتمع بأسباب استعادة الوضع الحضاري من مصادر القوة فيه.

الوظيفة السياسية: قدرته على التوحيد وبناء الانتماء بما فيه من محددات متعددة للوحدة.

الوظيفة اللسانية: التعافي من أزمة اللسان العربي[6].

ومما يهم التأكيد عليه هنا:

أولاً: أن العلوم الشرعية واللغوية وغيرها من علوم التراث النقلي، لا وسيلة أخرى لمعرفته إلا من خلال ما وصلنا من التراث المكتوب، لذا تأتي أهمية النظر في المخطوطات، وتحقيق النصوص ونشرها.

فالكتب قديمًا قبل ظهور المطابع كان/ت تُنْسَخ من نُسخة المؤلِّف، وأحيانًا تُـْملَى على الطَلَبة والورَّاقين؛ فكانت النُّسخ المـُتحَصَّلَة تختلفُ فيما بينها. من هذه الجهة تزيد أهمية ضبط النص ونقده للوصول لنسخة أقرب للنسخة التي تركها مؤلفها في حال فقدان نُسخة المؤلف وخطِّه. وفي هذا الصدد تحضر نماذج خطيرة في إحالة المعنى وإلتباسه، من مثل قول النَّاسخ (أو المُحقِّق الناشر): «يجوز» وفي أصلها: «لا يجوز» أو العكس، وذلك في المسائل الفقهية، أو اراء الناس الفكرية ونسبتها إليهم، وغير ذلك.

وثانيًا: أن أية دراسة لماضٍ أو تاريخٍ لا تصلح بغير التراث، وأنه بدون المخطوطات والوثائق والآثار وغيرها فلا تاريخ.

وثالثا: أن تاريخ العلوم ضرورة عصرية. أعني: تاريخ العلوم الدقيقة من مثل الطب والفلك والرياضيات.

ورابعًا: فإن المخطوط الإسلامي، تراثٌ ثريَّ يُدرس من جوانب عدَّة تفتح آفاقًا بحثية ومعرفية رحبةً للغاية: فهناك النَّص وتحقيقه ونشره، وعلم المخطوطات، والتاريخ، ومنه تاريخ الفن، وعلم المكتبات، وعلم المتاحف، والترميم وغير ذلك من المجالات البحثية والمهنية.

المخطوط: العلوم والمجالات المعرفية

وإن في حواشي المخطوطات وطُّرَرِها من قيود المخطوطات مما يُعرف بالنُّصوص المـُصاحِبَة من مثل التملُّكات والسَّماعات والفوائد، ومن أنواع فنونها، من المـُعطيات التاريخية ما لا تجده في كتب التاريخ التقليدية والحوليات. وفيه ترى بوضوح مختلف الحالات النفسية والوظائف للأشخاص المشاركين في إنتاج المخطوط، وتنقُّلِه وتوزُّعِه، وتلقِّيِه. وهو رافدٌ مهمٌ غير مُعتنىً به كثيرًا في مجالات التاريخ الاجتماعي والاقتصادي والعمراني. فضلاً عن المجالات المعرفية المباشرة من مثل التاريخ الثقافي، والفكري، وتاريخ الأفكار، وتاريخ الكتاب، وكلها مجالات مهمة، قائمة على التراث المكتوب. ومن ذلك التعرُّف على الحركة العلمية في زمان ومكان مُعيَّنين، والعلوم التي كانت رائجة في مجالس العلم ومدارسه، وفي دورات الوراقة والاقتناء والمطالعة عامةً، وكذلك حظوظ الكتب وانتشارها وغير ذلك من الفوائد التاريخية. وهذا مجردُ مثالٍ لما أردنا الإشارة إليه في هذه العُجالة.

وأخيرًا نؤكد على ما بدأنا به كلمتنا أن الكتاب المخطوط والتراث ليس حكرًا على الأكاديميين والمتخصصين، بل ينبغي أن تصير الثقافة التراثية، في حدها الأدنى على الأقل، ثقافةً عامةً لكل مواطن عربي، ولكل مسلم.


  • باحث في علم المخطوطات

[1] التراث العربي: هوية الماضي وزاد المستقبل. شبكة الألوكة: 2009.

[2]  التراث العربي / عبد السلام هارون. القاهرة: دار المعارف: ص 10-11.

[3]  انظر: كتيبة الطاعون .. الجهود العلمية الإسلامية في مكافحة الأوبئة والطواعين / د. محمد علي عطا. موقع الأستاذ الدكتور محمد حماسة عبد اللطيف رحمه الله، 2020. وأدبيات الوباء في التراث العربي والدروس المستفادة لجائحة كوفيد-19 / محمود زكي. مكتبة قطر الوطنية، 2020.

[4]  السابق: ص 9-10.

[5]  دار العلوم ومكانها في البعث والإحياء / د. محمود محمد الطناحي، في: مقالات وأبحاث: ص 825.

[6]  مدخل إلى التراث العربي المخطوط/ د. خالد فهمي. مركز تراث للبحوث والدراسات، 2014: ص 46.

+1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى