الفلسفة

القلق دفعٌ للمجهول ولا يعدّ مرضًا

  • سمير شوبرا
  • ترجمة: غفران فراج
  • تحرير: آسية رياض الشمري

ليس القلق مشكلة أو بلاءً تعرض الفلسفة حلولًا لها، فما القلق إلا استجابة إنسانية لمحدوديتنا المعرفية أو فنائنا. وهو مرتبط بالفلسفة ارتباطًا وثيقًا لأن طرح الأسئلة والسعي لتبديد عدم اليقين هو ما يفسر طريقة استجابة البشر للقلق بالمفهوم الفلسفي. وقد أشار أرسطو في كتابه “الميتافيزيقا” أن: “كل البشر بطبيعتهم يرغبون في المعرفة”، فالكائن المتسائل في البعد الفلسفي هو الكائن القلق. القلق إذن، تصرف بشري جوهري يقودنا إلى الاستفهام عن الألغاز العظيمة التي نواجهها، والتفلسف اعترافٌ بالقلق البالغ الذي يحفز ويدفع إلى التساؤل. إذ تجمع الفلسفة بين المزاج الفضولي والحزين حين تدرك عدم اكتمال معرفتنا البشرية، كما تدرك العجز الذي يقيد أفعالنا وما ينجم عنها من سعادة.

ذكر توماس هوبز1651 في كتابه “اللفياثان”: “إن القلق يثير الفضول، فالقلق من المستقبل يدفع الناس إلى التساؤل عن أسباب الأشياء”. نحن نصنع ذلك التساؤل بشكل رومانتيكي ونسميه حب الحكمة لكنه فلسفيًا هو تعبير بالغ عن قلقنا”أنا قلق، لذلك أتساءل”. وترياق القلق هو تعرفنا على العالم وإضاءتنا للمجهول. فالبحث عن المعرفة يدفع بالمجهول إلى الوراء ويتجاوزه، مما يجعل العالم أكثر قابلية للتنبؤ، ونأمل أن يجعلنا أقل قلقا.

الأسئلة الجوهرية تكمن بداخلنا؛ والقلق مفتاح الغرفة الداخلية المقدسة، وهو ما يكشف أي إشكالية وجودية، كهواجس النهاية بالموت، والمعنى والعزلة والحرية، وتلك التي نحرص على إيجاد حل لها. مما يشعرك بالاطمئنان النفسي التعريف الجوهري بالإله بأنه عالم بكل شيء، إذ كيف لشخص أن يكون قلقًا بشأن احتمال معين وهو مطمئن أن الله بكل شيء عليم؟

إن لم نكن جاهلين وغير متأكدين، فسنكون كالآلهة، لكننا لسنا آلهة، نحن بشر وطبيعتنا القلق.

وبالتالي، لا يمكن فصل البحث الفلسفي عن القلق المرتبط به. إذ أن التساؤل يكشف عن قلقنا بشأن شكل الإجابة ومحتواها. ويتنوع القلق الفلسفي في أبعاد معرفية وميتافيزيقية وأخلاقية: ما الذي لا نعلمه؟ هل يمكننا أن نكون متأكدين؟ هل هناك حقائق حيوية لن نعرفها أبدا؟ ما هي طبيعة وجودنا؟ الهواجس المعرفية والميتافيزيقية حول طبيعة علاقة الكلمة بالعالم، تلك الأسئلة التي تنقل القلق العميق: هل أبعادها قابلة للفهم من قبل الفكر البشري؟ هل عقولنا منغلقة في عوالمها الخاصة، ومنقطعة عن الشيء الذي يضرب به المثل في ذاته؟ المواقف النظرية المتنوعة التي يملؤها تاريخ الفلسفة (التجريبية والمثالية والعقلانية) هي ردود فعل على هذا القلق المعرفي. كما يكشف البحث عن قلق أخلاقي عميق بشأن أفعالنا وكلماتنا وأفكارنا: هل أقوم بالعمل الصحيح؟ ماهي الطريقة الصحيحة لمعاملة الآخرين؟ ماهي الطريقة الصحيحة للعيش؟ هل سيتم مكافأتي على أفعالي المشروعة كما ينبغي؟

هل يمكن أن يكون التساؤل الفكري عقلانيًا بحتاً، وخاليًا من المشاعر، ومجردًا من الاهتمام الشخصي والتاريخ النفسي؟

هنا يجب أن نتساءل كعالم النفس فريدريك نيتشه الذي كان مولعًا بالأسئلة: ماهي المشاعر والتأثيرات التي تتحمل هذه الاستفسارات الميتافيزيقية والمعرفية والأخلاقية؟

كما ذكر نيتشه، الإجابة تكشف من الناحية النفسية. فالأسئلة العميقة التي لم تتم الإجابة عنها في الفلسفة تحمل في طياتها قلقًا كبيرًا بشأن إمكانية الإجابة غير الصحيحة. إن صحة الإجابة وقابليتنا للخطأ تثير قلقًا عميقًا في قلوبنا. ويجب علينا أن ندرك ذلك بشكل صحيح.

والقلق في التساؤل يتجلى بوضوح في الفكر الديني كما في “خواطر” (1670) بليز باسكال و”اعترافات” أوغسطين، والذي يظهر علاقة قوية بين الإيمان وعدم اليقين. وهو موجود أيضا في فكرة الوجودية التي يحركها الوعي، والتي تشير إلى أن أشكال المعرفة التقليدية المفعمة بالأمل قد حل محلها الأسئلة والأولويات الجديدة، وكذلك في عصر التنوير وتثمين العقل، مثل تلك التي ذكرها رينيه ديكارت.

على سبيل المثال، تأمل حالته الذهنية في كتابه التأملات(1641):”أدرك أنه لا توجد طريقة موثوقة أبدًا للتمييز بين اليقظة والنوم، هذا الاكتشاف يجعلني أشعر بالدوار.. أشعر وكأنني شخص سقط فجأة في دوامة عميقة تقلّبه”.

 التأملات النفسية بطابعها العقائدي، واعترافها الصريح بالمخاوف هي ما جعلت ديكارت حريصًا على تأمين مكان للعقل في التفكيرات الإنسانية، بعيدًا عن”الفظاعة” التي تصل لها الكنيسة. ولفعل ذلك فإن العقل يجب أن يوفر له يقينًا يفوق ضعفه البشري وقصوره الإدراكي. ووفقا لما ذكره ديكارت، فإن القلق ناجم عن عدم اليقين من تنفيذ المعتقدات: هل كان من الممكن أننا تصرفنا وعملنا -أخلاقيا وسياسيا- في وقت كنا ننخدع فيه بشكل منهجي؟ يقودنا هذا بلا شك إلى الإحجام عن تحمل الخطأ في التقييمات المعرفية، والتي تنم عن قلق رهيب، قلق”السعي إلى الحقيقة” وهو ما وصفه نيتشه-بدقّة-بأنه هوس بشري. يجب أن نكون متأكدين أننا لا نستطيع التسامح مع فلسفة تترك لنا احتمال أن نكون مخطئين، علـى اعتبار تعرضنا لذات القدر من القلق، والذي ربما يكون أكثر عمقًا وأقل تأثيرًا، كما قدمه ديفيد هيوم في مقالة عن الطبيعة البشرية(1739) معتبرًا أن القلق المزعزع لاستقرار العقيدة بشكل جذري تم تقديمه كتحد لنظرية المعرفة التقليدية والميتافيزيقيا.

العالم البراغماتي الأمريكي تشارلز ساندرز بيرس في مقالته الكلاسيكية “تثبيت المعتقد” (1877) اعتبر أن الشك المعرفي “اضطرابًا” وإنتاجًا للقلق. والنتيجة تدفعنا للتساؤل، والانتقال إلى حالة الإيمان، ووضع  قاعدة أساسية للعمل، كما تحثنا على المضي قدمًا في مجالات الفكر العالية، والبحث عن مخططات كبرى تشمل تجربتنا الحياتية. وهكذا إذا لم تخامر العاطفة القلق وما يرتبط به من شكوك فإن نتاج البحث لن يكون مثمرًا. تلك الاعتبارات يجب أن تفرض علينا إعادة رسم جذرية للحدود الجامدة بين الفكر والعاطفة: هل يمكن أن يكون السؤال الفكري عقلانيًا بحتًا، وخاليًا من المشاعر، ومجردًا من الاهتمام الشخصي والتاريخ النفسي؟

ولأن البشر كائنات متفلسفة فإنهم كائنات قلقة، ويمكن القول، بأن المتدينين يجدون أنفسهم يقبلون إرادة الله أو يحاولون تحديد مظاهرها: القلق المستمر بشأن التضحية والخطيئة والمغفرة والنجاة هي ذخرهم. المؤمنون موعودون بالنجاة، وهم منذرون-أيضا-بالعقاب الأبدي: ماذا لو كان تقديرهم لاحتمال النجاة غير صحيح؟ القلق الديني حول ما إذا كان الإيمان صادقًا بدرجة كافية، ولقد وجد في اللاهوت تعبيرًا عميقًا حول العلاقة بين الحياة والثواب، وبين النجاة والمعرفة الكالفينية قد يُنتج رعبًا ورهبة، كمثل: هل أنا واحد من المختارين أم أني مُدان إلى الأبد؟

وصف عالم اللاهوت الألماني مارتن لوثر يأسه من النجاة بأنه ناجم عن افتقاده للثقة في حكم الإله، مقتنعًا بأنه حُرم من النعم بسبب جرمه الخالد والمعايير العالية اللاإنسانية. ويدعي بولين أنه “من يكون بارًا، سيحيا بالإيمان” عارضًا ذلك الحل من خلال استراتيجية علاجية معرفية: كل ذلك لغز، ولكن إذا اعتبرنا أن لغزًا واحدًا تم حله من خلال الإيمان الراسخ، فعندئذ ستسقط جميع الألغاز أمامه.

عقلانيتنا التي نتباهى بها كثيرًا والتي اعتبرها أرسطو العلامة المميزة للإنسان، والتي ترفعنا فوق النبات والحيوان هي القلق. فنحن مخلوقات زائلة، وُضعت في هذا الفاصل الزمني المتلاشي، العابر وغير المستقر بين الماضي(مجال الندم والخطأ) والمستقبل(مجال التوقع وعدم اليقين). نقوم بتعديل حاضرنا بقلق باستجابتنا للذكريات والتوقعات. بل إن تعريفنا العملي للعقلانية يتضمن القلق: هل سنجد الوسائل الملائمة لتحقيق الغايات؟

لقد أُلقي بنا في عالم ينتظر البناء والانتهاء من قبل الفكر والفعل البشريُ، وتركنا لنتدبر أمر أنفسنا، صدمة الولادة دفعتنا من الظلام إلى النور، وتركتنا لفهم كل شيء، قلقنا البدائي مرئي واضح في تاريخنا. فنحن قلقون، نسعى للحصول على الراحة من خلال طرح الأسئلة، ونتيجة لذلك تظهر مخاوف أكبر أو أقل عند عدم معرفتنا للإجابات. وعندما ندرك أبعاد اهتماماتنا النهائية، نجد أن قلقنا غير قابل للاختزال، لأن خبراتنا المتزايدة من المعرفة -العلمية أو التقنية أو المفاهيمية- لا تجلب لنا سوى أعباء أكبر من عدم اليقين. وكما أشار نيتشه في “ميلاد التراجيديا” (1872): “كلما كبرت دائرة العلم  لمست قدرًا أكبر من الظلمة والجهل”. فالارتباك والقلق الناتج عن ذلك رفيقٌ حتميٌ للتساؤلات التي لا يمكننا التوقف عن تصاعدها.

رأى سورين كيركيغارد أن القلق هو المؤثر الأساسي على طبيعتنا البشرية بالإضافة إلى الوعي الهائل الذي تولده حواسنا. ففي اللحظة التي نبدأ في معالجتها بسؤال عن فحوى هذا الشعور، ما الذي سيرتفع ردًا على ذلك؟ نمارس الفلسفة لعلاج القلق ، إذن ، قد يزيل الإنسان كل ما يميزه -وذلك نقد يوجه أحيانا إلى الرواقية والبوذية-. لا ينبغي أن نتوقع أو نطالب بحل شامل خشية تحييد ذواتنا العاطفية والاستقصائية.

ولأن البشر كائنات متفلسفة فإننا كائنات قلقة، لا نعيش الحاضر، ونحن نادمون على الماضي وخائفون من المستقبل. ونتفلسف لنفهم ماضينا ولنجعل مستقبلنا أكثر قابلية للفهم. المجهول يسبب انزعاجا خاصًا. والتساؤل والروحانية التي تنتج عنه توفر الراحة. فبينما يكتفي القلق بالتساؤل، نزعم أن نجاح السؤال يزيل القلق وهذا أمر مُتوقع. ولا تنتهي تساؤلاتنا عندما لا نكون قلقين، بل عندما نشعر بالإحباط أو البهجة. فلم يعد هناك ما يُستفهم عنه أو نحاول فهمه فلقد تمت الاستنارة والفهم. والفلسفة هي الطريق الذي نأمل أن يوصلنا إليه. والقلق هو إصرارنا غير السّار والذي لا غنى عن رفقته.

اقرأ ايضًا: بين الاكتئاب والقلق

أعجبني المقال

المصدر
psyche

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى