تقارير ودراسات

هل للحيوانات إدراك للأرقام والأعداد؟

الحيوانات تَعُدُّ وتَستخدم الصفر!

  • جوردانا سيبيليفيتش
  • ترجمة: سمية بنت منيف العتيبي
  • تحرير: إسلام خالد العمرات

أظهَرت الغِربانُ مُؤخرًا إدراكًا لمفهوم الصفر، إنَّه أحدثُ دليلٍ على موهبة الحيوانات في التجريد العددي والذي لا يزال مختلفًا عن فَهمنا للأرقام.

إنَّ ذَكاءَ الغرابِيّات -مثل الغداديف والغربان- معروف جيدًا، ففي الآونة الأخيرة، تَبيَّن أنَّ الغربان لديها قدرة عددية شوهِدت في عدد قليل من الأنواع الأخرى حتى الآن: ألا وهي إدراكُ مًفهوم المجموعةِ الفارغة (ф) والعدد صِفر.

لكن هذا ليسَ إلا غَيضٌ من فيض، حيث يحسب النحلُ العلامات عند التَنقُلِ نَحو مَصادر الرحيق، و تحصي اللبؤات عدَد مرّاتِ الزَّئير الذي تَسمعه من دخيلٍ قبل أنْ تُقرِّرَ ما إذا كانت ستُهاجم أو تَنسحب، ويتتبع النمل خطوات بعضهم البعض، كما تتعقب بعض العناكب عدد الفرائس التي صادتها الشّبكة، و يعتمد أحد أنواع الضفادع في طقوس التزاوج بأكملها على الرقم؛ فإذا صَرخ ذَكرٌ أنينًا متبوعًا بصوتٍ نابضٍ قصير يدعى “نقة”، يستجيب منافسه بوضع “نقتين” في نهاية ندائِه، ثم يستجيبُ الضِّفدع الأول بثلاث، والآخر بأربعة، وهكذا حتى حوالي ستة، عندما تنفد أنفاسهم.

كما يُمكن عمليًا لكلِّ حيوانٍ دَرَّسهُ العُلماء – كالحشرات، ورأسيات الأرجل، والبرمائيات، والزواحف، والطيور والثدييات- التَّمييز بين أعداد مُختلفة من الأشياء في مجموعةٍ أو الأصوات في تسلسل، فليسَ لديهم فقط إدراكٌ لمعاني “أكبر من” أو “أقل من”، بل لديهم أيضًا إدراك تَقريبي للكمية، مثل أنَّ: اثنين تختلف عن ثلاثة، وأنَّ خمسةَ عشرَ تختلف عن العشرين، وهذا التمثيل العقلي لحجم المجموعة يُسمّى مبدأ العد، حيث يقول جورجيو فالورتيجارا، عالم الأعصاب في جامعة ترينتو بإيطاليا: إنَّهُ يبدو أن هناك قدرةً مشتركةً بين الحيوانات، وقديمة أيضًا.

والآن، يَكشف الباحثونَ عن قُدراتٍ عَدَديّة أكثر تعقيدًا بِشكلٍ متزايد فيما يَدرُسونه من الحيوانات، حيث أظهرت العديدُ من الأنواعِ قدرةً على التجريد تَمتدُّ إلى إجراء العمليّات الحِسابيّة البَسيطة، في حين أنَّ قِلةً مُختارة أظهرت استيعابًا للمفهوم الكَميّ لـ “الصفر” -وهي فكرة عَويصة لدرجةِ أنَّ الأطفالَ الصغار جدًا يواجهون صعوبةً معها أحيانًا، وفي الواقع، أَظهَرت التَّجارِب أنَّ كُلاً من القرود والنحل يعرفون كيفيّة التعامل مع الصِفر باعتباره عددًا، ووضعه على خط الأعداد الذِّهني كما الواحد والاثنين، وفي ورقة بحثية نُشرت في مجلة علم الأعصاب في يونيو، أفاد الباحثون أنَّ الغِربان يُمكنها فعلُ ذلك أيضًا.

وتشير حقيقةٌ أنَّ هذه الأنواع الثلاثة من مجموعات تصنيفية متنوعة -الرئيسيات، والحشرات، والطيور- إلى أنَّ بَعض القُدرات العَدديَّة قَدْ تَطَوَّرَت مِرارًا وتكرارًا في جَميعِ أَنحاءِ المملكةِ الحيوانيَّة، والعلماءُ في حَيرةٍ حَول سَببِ مَنح الطَّبيعةِ للعديدِ من الحيوانات على الأقل مّوهبةً بدائية لإدراك الأرقام، وماذا لو كان تتبع هذه المَلَكة قَد يُخبرنا عَن الأصول العَميقة للرياضيات لدى البشر. ما تزال هناك أسئلة أكثر من الإجابات، لكنَّ عُلماء الأعصابِ وغيرهم من الخبراء، تعلّموا ما يكفي لتعديلِ وتوسيعِ وجهاتِ النظر حَول إدراكِ الحيوانات. قال برايان باتروورث، عالمُ الأعصابِ الإدراكي في جامعة كوليدج لندن ومؤلف الكتاب الذي سيصدر قريباً: “هل يمكن للأسماك أن تحسب؟” حتى في “العقول الصغيرة مثل تلك الموجودة في النحل أو حتى النمل، هناك آلية تُمكِّن المخلوق من قراءة لغة الكون”.

المقدرة على تمييز “العدد” منذ ما يَقرُب من 120 عامًا في برلين، حَصل حصان يُدعى كليفر هانز على مَكانة مشهورة: يبدو أنَّه يُمكنه إِجراء العَمليات الحِسابيّة، واستخراج حلول لعمليات الجَمع والطَّرح والضَّرب والقِسمة بِحافره، لكن سرعان ما أدرك طالبُ دراساتٍ عُليا في علم النَّفس أنَّ الحيوان كان يولي اهتمامًا وثيقًا للإشارات السُّلوكيّة الدَّقيقة مِن مُدَرّبه أو أفراد الجُمهور الَّذين يَعرفون الإجابات.

رَسَّخ الحادثُ الشُّكوك حَولَ القُدرات العَدديّة للحيوانات التي لا تزال قائمة حتى يومنا هذا. يقترح بعض الباحثين، على سبيل المثال، أنَّه في حين أن لدى البشر فَهمٌ “حَقيقي” للمفاهيم العَدديّة، فإنّ الحيوانات تُظهِرُ فَقط وَكأنَّها تُميّز بين مجموعات الموضوعات بناءً على الكَّميّة عِندما تَعتمدُ بدلاً من ذلك على خصائص أقل تجريدًا، مثل الحجم أو اللون.

تُلاحِظ الغِربانُ كميّات العناصر التي تراها، ولديها خَلايا عَصبيّة يَتمُّ ضَبطها وفقًا لهذه الكميّات، مما يُسمح لها بتمييز مجموعة من أربعة عَناصر من مجموعة مكونة من ثلاثة أو خمسة.

لكنَّ التجارِب الصَارِمة خِلال العِقدَين الماضيين أَظهرت أنَّه حتى الحيواناتِ ذاتِ الأدمغةِ الصغيرةِ جدًا يُمكن أن تُؤدي إنجازاتٍ لا تُصدَّق في الإدراك العددي، حَيثُ يَبدو أنَّ إحدى الآلياتِ المُشتركة بينها جميعًا هي نظام لتقريب العدد الَّذي يَكون صَحيحًا في مُعظمِ الأوقات ولكنَّه في بعض الأحيان غَير دقيقٍ بطرق معيَّنة، على سبيل المثال؛ تُعتَبَرُ الحيوانات أكثر فاعلية في التَمييز بَين الأَعداد المُتباعِدة في الحجم -لذا فإنَّ مُقارنة مجموعة من سِتِ نقاطٍ بثلاثِ نقاطٍ أَسهلُ من مقارنةِ سِت إلى خمسِ نقاطٍ، فعندما يَكون الاختلافُ بين عددين متماثلًا، يكون التَّعامل مَع الكَّمياتِ الأصغرِ أَسهلُ مِن التَّعامل مع الكمياتِ الأَكبر: التَّمييز بين 34 عنصرًا من 38 هو أصعب بكثيرٍ من التَّمييزِ بَين أَربعة من ثمانية. وقد انعكست نقاطُ القُوّة والضَّعف هذه في النشاط العَصبيّ للحيوانات، فَفي قِشرةِ الفَصِّ الجَبهيّ للقرود، وَجدَ الباحثونَ خلايا عصبيّة تَمَّ ضَبطها بِشكلٍ انتقائيّ على أعداد مُختلفة، والخلايا العصبيّة التي استجابت لثلاث نقاط على الشاشة استجابت أيضًا بشكل ضَعيفٍ لنقطتينِ وأربعِ نقاطٍ، ولكنْ ليسَ على الإطلاقِ للقِيمِ البَعيدة، مثل نقطة أو خمس، (يُظهِر البَشرُ هذا الإحساس التقريبيّ بالكميّة أيضًا، لكنهم أيضًا يربطون الأعداد برموزِ أرقامٍ محددة، وتمثل مجموعةً مختلفةً مِنْ الخلايا العَصبيّة هذه الكميّات الدقيقة). يبدو أن هذه الملاحظة تشير إلى أن “إدراك” العدد فِطريٌّ ومتجذرٌ بِعُمق في أَدمغة الحيوانات، بما في ذلك البَشر، قال فالورتيجارا: “وراء إدراك العدد، يَكمنُ هُناك قَانونٌ نَفسيّ فيزيائي قَديم جدًا وأَساسي”. قالت سكارليت هوارد -زميلة أبحاث ما بعد الدكتوراة، في جامعة ديكين في أستراليا والتي تُدرّس الإدراك العَددي في نحل العسل- بمجرد أن “تُدرك أن كل حيوان تقريبًا، أو ربما جميعُ الحيوانات، لَديها بَعضُ القُدرة على القِيامِ بِمهمّةٍ عَدديّة، ومن ثَمَّ تَبدأُ بالرَّغبة في مَعرفةِ: إلى أيّ حَدٍّ تَصلُ بِهم هذه القُدُرات؟”، فإذا كانت الحيوانات تَمتلكُ هذه القُدرة الطَّبيعية والمَتينَة لِتَمييز الكَميّات عَن بَعضِها، فَقد أَرادَ العُلماءُ تَحديدَ القُدرات الأُخرى الَّتي قَدْ تَظهَرُ مَعها. أَولًا كانت المَقدرة على الحِساب، فأثبتت العَديدُ من الأَنواعِ أَنَّها تَستَطيعُ بِشكلٍ أَساسيٍّ الجمعُ والطَّرح، ففي عام 2009، وَجَدَ الباحِثونَ بقيادةِ روزا روجاني، عَالِمَةُ النَّفس، وماري سكودوفسكا، زميلة جامعة بادوفا بإيطاليا، أَنَّه عِندما عَرضتْ على الكَتاكيت حَديثَةُ الفَقس مَجموعَتينِ مِنْ الكُرات، كانت الكَتاكيتُ تَميلُ إلى الاقترابِ مِن المجموعة الأَكبر. ثُم قَام الفَريقُ بإخفاءِ مَجموعات الكُراتِ وَراءَ شاشات، وَنَقْلِ بَعضها مِن خَلفِ شاشةٍ إلى أُخرى أَثناءَ مُشاه دةِ الكتاكيت، وبِغضِّ النَّظر عَن عَدد العَناصر التي تَمَّ نَقلها، فإن الكتاكيت تَختار باستمرارٍ الشَّاشة الَّتي يَكون وَراءَها عَددٌ أَكبر من الكُرات، حَيثُ يَبدو أَنَّهم يَقومون بِعمليّاتٍ حِسابيّة تُشبه عَمليات الجَمع أو الطَّرح لتتبّع العَدد المُتغيِّر لِكلِ مَجموعة، فَلم يَكن هُناك حَاجة إلى تدريبهم للقيام بذلك. قالت روجاني: “إنَّهم يَتعاملون بشكلٍ عَفوي مع هذه الأنواع من الأعداد”.

كما يُمكنُ للقُرود البَرّيّة أَن تَفعلَ شيئًا مُشابهًا، فأثناء مشاهدة القِرَدة، وَضع العُلماءُ عِدَّة قِطعٍ من الخُبز في صندوقٍ مُغلق، ثُمَّ قاموا بإزالة واحدةٍ أو أكثر منها بِشكلٍ دَوريّ، فَلم تَتَمكَّن القُرود من رُؤية عَدد القِطع المُتَبقّية، لكنها استمرت في الاقتراب من الصّندوق حتى تَمت إزالةُ آخرِ قِطعة -مما يشير إلى أنَّهم أجروا عَملية الطَّرح للوصولِ إلى كَمية الطَّعام الباقية. وفي سياق ذلك، يمكن تَعليم النَّحل عَملية حِسابيّة بَسيطة، ففي عام 2019، درَّبت هوارد وزملاؤها، الحَشرات على مُلاحظة ألوان وأعداد الأشياء التي رأوها، ثُمّ إضافة واحد إلى عدد الأجسام الزَّرقاء أو طَرح واحد من عَدد الأَجسام الصَّفراء. على سبيل المِثال، إذا طار النَّحل عبر متاهةٍ تَحتوي على ثلاثة أشكال زرقاء، ثم عُرض عليهم الاختيار بين عنصرين أو أربعة عناصر، فإنَّهم يختارون باستمرار المجموعات الأربعة. قالت هوارد: “إنهم قادرون على القيام بهذه المهام لأنه في بيئاتهم الطبيعية، عليهم أن يتعلموا الكثير”. لا أحد يعرف ما إذا كان النَّحل يَجمعُ أو يَطرح في البَريّة دون تدريب، حيث لم يُلاحَظ مِثل هذا السُّلوكِ مُطلقًا، لكنَّ العلماءَ أيضًا لم يكن لديهم سَببٌ للبحثِ عنه حتى الآن، ومع ذلك، فإن النَّحل يَمتلكُ بالفعل كل اللَّبِنات الأساسية لإجراءِ العَمليّات الحِسابيّة تَحت تَصرفه. وأضافتْ هوارد بأن: “بيئتهم يُمكن أَنْ تَكون نَوعًا خاصًا بها من ساحةِ التدريب”.

في الدِّراسات السُّلوكيّة، أَظهر النَّحلُ فَهمًا للعدد صِفر، وقد دُرِّبوا أيضًا على أداء أعمالٍ حِسابيّة بَسيطة، على الرَّغم أنَّه من غير المعروفِ ما إذا كانوا يستخدمون هذه القُدرة في البريّة. حَفَّزتْ هذه النَتائج البَاحثين على البَحثِ عن المَزيد من الأشكالِ المُجرَّدة للتَّمثيل العَدديّ في الحيوانات، ففي عام 2015، بَعد سَنواتٍ قَليلة مِن دراستهم الحِسابيّة على الكتاكيت، وَجدت روجاني وزملاؤها أنَّ الحيوانات تربط الأعداد الأصغر باليسرى والأكبر باليمين -تمامًا كما يُمثِّل البَشر مكانيًا القِيَم الصاعدة على خط الأعداد. قال أدريان داير، عالم الرؤية في معهد ملبورن المَلكيّ للتكنولوجيا الَّذي يَعمل مع نَحل العَسل وكان مُستشار هوارد للدكتوراة: “كان يُعتقد أنَّ هذا هو اختراعنا البَشريّ”، ولكنَّه قد يَكون “مجرّدَ شيءٍ موجود داخل بعض الأَدمغة، (وجزءًا) من كيفيّة معالجتنا للمعلومات”. (يقوم داير الآن باختبار ما إذا كان النَّحلُ يَستخدمُ مِثلَ هذا التَّمثيل لِخطِّ الأعداد). دُرِّبَت الحَشراتُ والطُّيور والقُرود على رَبطِ الرُّموز بعدد العناصر، قال داير: “أخذنا النَّحل وعلّمناهم كما لو كانوا في المدرسة الابتدائية: هذا الرمز يمثل هذا الرقم”. “وفهموا هذا الرَّبط” كما يُمكن للشَّمبانزي الذي دُرِّبَ على رَبط الأعداد برموز الأرقام أنْ يَتعلَّم أيضًا لمس الأرقام بترتيب تصاعدي. يستكشف الباحثون الآن أنواعًا أخرى من المهام العدديّة، فتَدرس روجاني وفريقها ما إذا كان بإمكان القرود تقسيم كميّة ما لتحديد مفهوم “الوسط”، الأمر الذي يتطلَّب منهم حِساب ومقارنة عدد العناصر في كلِ من يمين ويسار المجموعة، حيث قالت: “النتائج رائعة نوعًا ما” حتى الآن.

ومرارًا وتكرارًا، تَجدُ هي وآخرون دليلًا ليس فقط على إدراكٍ بسيطٍ نسبيًا وواسعِ الانتشار للعدد في الحيوانات، ولكن أيضًا على مخزون متزايد من أشكال الإدراك العددي الأكثر تجريدًا وتعقيدًا، لهذا السبب بالنسبة لبعض علماء البيولوجيا العصبية، فإن الحدّ الأقصى الحالي هو مَعرفة ما إذا كانَ فَهم بَعض الحيوانات للتَّجريدات العدديّة يمتد إلى المفهوم المعقد لـ “لا شيء”. كمية خاصة:كل الأعداد هي أفكار مجرَّدة، فيمكن أن يشير العدد “ثلاثة” إلى مجموعة من ثلاث نقاط، أو ثلاثة كراسي أو ثلاثة أشخاص. قال بتروورث: “إنَّ امتلاكَ إحساس بالعدد يَعني أنْ تَكون قادرًا على تقييم أو تَقدير حَجم المجموعة، بِغضِّ النَّظر عن عناصرها” والاختلافات الطفيفة بينهم، “وحتى عندما يكون لديك نحل يَعُدُّ البتلات، تختلف كلُّ زهرةٍ عن الأزهار الأخرى في بعض النواحي في موقعها، والتشكيل الدقيق لبتلاتها.” لكنَّ عددًا واحدًا يختلف عن الباقي، يقول روجاني: “الصفر هو كمية خاصة وغريبة”. “إنه ليس مجرَّد فكرة مجرَّدَة عن إدراك شيءٍ ما، بل إدراكُ غيابه.” فحتّى البَشر يكافحون مع الصِّفر؛ الأطفال الصغار جدًا، على سبيل المثال، لا يبدو أنهم ينظرون إلى المجموعة الفارغة على أنها كمية عددية في البداية، وبدلاً من ذلك، يعتبرونه مجرد عدم، فئة خاصة، لا علاقة لها بالقِيَم الأُخرى، في حين أنَّ الأطفالَ عادةً ما يفهمونَ أرقامَ العدِّ في سنِّ الرابعة، فغالبًا ما يستغرق الأمر عامين آخرين حتى يفهموا الصفر كرقم. هذا لأن استخدام الصفر بهذه الطريقة “يتطَّلبُ بَعضَ التَّجاوز للعالم التجريبي”، كما قال أندرياس نيدر، عالم الأعصاب في جامعة توبنغن في ألمانيا: اعترافًا بأن المجموعة الفارغة يمكن اعتبارها كمية، وأن “اللا شيء” يمكن تمثيله كشيءٍ، لكننا “لا نَخرج لشراء سمكة غير موجودة”.

وعلاوةً على ذلك، أضاف: “عندما تنظر إلى تاريخ الرِّياضيات، يَتَّضِحُ أنَّ [صفر] هو متأخر جدًا في ثقافتنا أيضًا”، فقد وَجَدَتْ الأَبحاثُ التَّاريخيَّة أنَّ المُجتمعاتِ البَشريّة لَمْ تَبدأَ في استخدام الصِّفر كَرقمٍ في حساباتها الرِّياضية حتى القرن السابع تقريبًا. قال آرور أفرقوس-ويبر، عالم الأخلاق الإدراكي في جامعة تولوز في فرنسا والذي يعمل مع هاورد وداير على النحل: “من هذا المنظور الإنسانيّ، لا يبدو أنَّ للصِّفر جذورًا بيولوجية، بل هو أكثر ارتباطًا بالبيئة والثقافة”. لكن نيدر يشك في ذلك، حيث كان يعتقد أنَّ بَعضَ الحيوانات قد تكون قادرةً على اعتبار الصِّفر كميّة، حتى لو لم يكن لديها إدراكٌ رمزيٌّ لها كما يفعل البشر، فَمِن المُؤكَّد أنَّ مجموعته أثبتت في عام 2016 أن القُرود لديها خَلايا عَصبيّة في قِشرتها أمام الجَبهية مضبوطة لتفضيل الصفر على الأعداد الأخرى، وقد ارتكبت الحيوانات أيضًا خطأً كاشفًا عند استخدام الصّفر؛ لقد خَلطوا المجموعة الفارغة في كثير من الأحيان مع العدد واحد بدلًا من العدد اثنين، قال نيدر: “إنَّهم ينظرون إلى المجموعة الفارغة، أو اللا شيء، على أنَّها كَميّة أقرب إلى الواحد على خط الأعداد هذا”. وفي عام 2018، وَجد هاورد وأفرقوس -ويبر واير وزملاؤهم دليلًا سلوكيًا على ذلك في النّحل أيضًا، فبالنِّسبة لهوارد، أشارت هذه النَّتائج إلى أنَّ ما أسمته “هذا الإدراك العددي، هذا المستوى العالي مِن فَهم المفاهيم العدديّة المُجرَّدة فطري”، ويمكن أنْ يَكون فَهم الصِّفر سِمة عامة عَبر المملكة الحيوانيّة أكثر مما كان يُعتقد.

يمكن للنَّحل، في هذه الدراسة، أن يُحصي المعالم -سلسلة من الخيام الصفراء- لمساعدتهم على التَّنقل نحو مصدرٍ غذائيٍّ.

و قد أثارت دراسة النَّحل الدَّهشة، ليس فقط لأنَّها أّظهرت أنَّ حيوانًا به أقل من مليون خليّة عصبيّة في دماغه (مقارنة بـ 86 مليار خليّة عصبيّة في دماغ الإنسان) يُمكن أنْ يُعامل الصِّفر على أنَّه كَميّة، ولكن لأن النّحل والثديّات تَباعدا في التَّطور منذ 600 مليون سنة، يَقول أفارجيس-ويبر: “كان سلفهم المشترك الأخير بالكاد قادرًا على إدراك أي شيء”، ناهيك عن العد، ووفقًا لنيدر، الذي لم يشارك في أعمال الحشرات، فإن هذا يعني أنّ القُدرة على استيعاب المجموعة الفارغة والأعداد الأخرى تطورت بشكل مستقل في السلالتين. قال هادي موبودي، عالم الإدراك بجامعة شيفيلد في إنجلترا: “هناك ركيزة عَصبيّة مُختلفة تمامًا هي التي أنتَجَت مثل هذه القدرة الإدراكيّة عالية المستوى”، ولسوء الحظّ، لم يَتمكّن الباحثون حتى الآن من دراسة النَّشاط العَصبي للنَّحل أثناء قيامهم بمهام عدديّة، مما يجعل من الصّعب مقارنة تمثيلاتهم للصّفر مع تلك الخاصة بالقُرود، وللحصول على إجاباتٍ حَول كَيف ولماذا تطورت القدرة على تحديد “لا شيء” أكثر من مرة، أدرك العلماءُ أنَّه يتعينُ عليهم استكشاف دماغ حيوان آخر. تاريخ مواز: وهكذا اتجه نيدر وفريقهُ إلى الغربان، الَّتي لم يَكن لها أسلافٌ مُشتركون مع الرئيسيات لأكثر من 300 مليون سنة، والَّتي تَطوَّرت لِتكون لديها أدمغة مُختلفة تَمامًا، فالطيور ليس لديها قِشرة الفَصِّ الجبهي. وبدلاً من ذلك، فإنَّ لديهم “مراكز ذكاء دماغية ” خاصة بهم، كما قال نيدر: ببنية متميزة، وتوصيلات ومسار تطوري.ومع ذلك، على الرَّغم من هذه الاختلافات، كَشف البَاحثون النُّقاب عن فَهمٍ رَقميّ مألوف للصفر، خلطت الغربان شاشة فارغة في كثير من الأحيان بصور نقطة واحدة أكثر مما فعلوا مع صور نقطتين، أو ثلاث، أو أربع نقاط، وكشفت تسجيلات نشاط دماغ الغربان أثناء هذه المهام أن الخَلايا العَصبيّة في منطقة من دماغها تُسمى “البوليوم”؛ تمثِّل الصِّفر كمجموعة إلى جانب الأعداد الأخرى، تمامًا كما هو موجود في قشرة الفص الجَبهي الرئيسي، يقول نيدر: “من وجهةِ نَظر فسيولوجيّة، هذا مناسب بشكل جميل”، “نرى الاستجابات نفسها تمامًا، نفس النَّوع من الشَّفرة، ممثلة في دماغ الغُراب كما في دماغ القرد.” وأحد التَّفسيرات لنفس الإطار العَصبي الذي يتطوَّر في مثل هذه العُقول المُختلفة هو ببساطة أنَّه حلٌّ فَعّال لمشكلةٍ حسابيّة شائعة، تقول أفارجيس-ويبر: “إنّها في الواقع مثيرة، لأنها تشير إلى أنها أفضل طريقة”، ربما توجد قيودٌ مادية أو قيودٌ داخلية أخرى على كيفية معالجة الدماغ للصفر والأعداد الأخرى، يقول فالورتيجارا: “يمكن أن يكون هناك عددًا محدودًا جدًا من الطُّرق التي يمكنك من خلالها بناء آلية لتشفير الأرقام”.

ومع ذلك، لمجرد أنَّ الغِربان والقُرود تبدو وكأنَّها تُرمز مفهومًا مجردًا مثل الصفر بالطريقة نفسها، لا يعني أنَّها الطّريقة الوحيدة، يقول فالورتيجارا: “يُمكن أنْ تَكون الحُلول المُختلفة قد تم اختراعها خلال التاريخ الطبيعي، أثناء التَّطور البَيولوجي، لإجراءِ حساباتٍ مماثلة”، ولذلك سَيَتعيّن على الباحثين دراسة الحيوانات الأخرى لمعرفة ذلك، ففي ورقة بحثية نُشرت للتو في مجلة القشرة المخية، على سبيل المثال، حدد فالورتيقارا وزملاؤه منطقة دماغية في أسماك الحمار الوحشي يبدو أنها مرتبطة بالعدد، على الرَّغم من أنهم لم يختبروا بعد قدرة الحيوانات على تقييم الصفر.وقد يَحملُ النَّحل أيضًا بعض المفاجآت لأن أساس عَدِّهم يصبح مفهومًا بشكل أفضل، ففي دراسة نُشرت العام الماضي، أظهر موبودي وزملاؤه: “أنَّ النَّحلة الطَّنانة تحسبُ باستراتيجية مختلفة تمامًا”، عند تقديمها مع ما يصل إلى أربعة أشياء، على حد قوله، ويُعتَقَد أنَّ النَّتائج التي توصلوا إليها تُشير إلى أنَّ الآليات الكامنة وراء فهم نحل العَسل للأعداد، بما في ذلك الصِّفر، قدْ تَكون في الواقع مختلفة تمامًا عمّا لوحِظ حتى الآن. لكن رُبَما يَكون السُّؤال الأكثر جَوهرية حَول التَّجريد العَددي في أَدمغة الحَيوانات المتنوعة، ليس كيف تعمل القدرة ولكن لماذا توجد، لماذا يَجِبُ على الحَيواناتِ التَّعرف على كَمياتٍ محدَّدة على الإطلاق؟ لماذا تأكد التطور مرارًا وتكرارًا من أنَّ الحيوانات يمكن أن تَفهم، ليس فقط أن أربعة أقل من خمسة، ولكن “أربع مربعات” هي بطريقةٍ ما نفس مفهوم “الدوائر الأربع”؟ وفقًا لـفالورتيقارا، قد يكون أحد الأسباب؛ هو أنَّ الحسابَ في نهاية المطاف مهم جدًا، حيث يقول: “يتعَّين على الحيوانات إجراء العمليات الحسابيِّة بشكلٍ مستمر، حتى الحيواناتُ البسيطة “، وأضاف “إذا كان لديك تمثيل تجريدي للعدد، فمن السَّهل جدًا القيام بذلك”. حيث يَسمح تجريد المعلومات الرقمية للدماغ بإجراء عمليات حسابية إضافية بشكل أكثر كفاءة. رُبَّما يَكون هذا هو المكان الَّذي يناسبه الصفر أيضًا، فإذا دَخل اثنان من الحيواناتِ المُفترسة إلى بيئةٍ وغادر واحد فقط، تَظَلُّ المَنطِقة خَطرة، لذلك يَفترض “روجاني” أنَّ الحيوان لا يحتاج فقط إلى القُدرة على الطَّرح في هذه الحالة، ولكن أيضًا لتفسير الصفر على أنَّه؛ “نتيجة للطرح العددي أو العددي الأولي الذي أُجريَ مُسبقًا”، والذي يُمكن للحيوان بعد ذلك ربطه بظروفٍ بيئية مُعيَّنة، يقول روجاني: في هذه الحالة، “عندما تصل إلى أدنى قيمة، وهي صفر، تكون البيئة آمنة”، وعند البحث عن الطعام، يمكن للصفر تعيين الحاجة للبحث في موقع مختلف. ومَع ذلك نيدر غير مُقتنع، حيث لا يَرى حاجةً مُلحَّة لِأنْ تَفهم الحيواناتُ الصِّفر على أنَّهُ عدد، لأن النَّظر إليه على أنَّه غياب عادةً ما يكون كافيًا، ويقول: “لا أعتقد أنَّ الحيوانات تستخدم العدد صفر ككميّة في حياتها اليومية”. فالاحتمال البَديل هو إنَّ فهم الصفر -والعد على نطاق أوسع- ربَّما نَشأ ببساطةٍ من حاجة الدِّماغ إلى التَّعرف على الأشياء المَرئية في البيئة، ففي عام 2019، عندما دَرَّب نيدر وزملاؤه شَبكة اصطناعية للتعرف على الأشياء في الصور، نشأت القدرة على التمييز بين عدد العناصر تلقائيًا، على ما يبدو كنتيجة ثانوية لتلك المهمة الأكثر عمومية. لمحة عن اللَبِنات الأساسية للرياضيات: فبالنّسبة إلى نيدر، فإنَّ وُجود مُواهبَ للتجريد العددي في الحيوانات يشير إلى: “أن هناك شيئًا ما تم وضعه بالفعل في أدمغة هذه الحيوانات، قد يُشكِّلُ أساسًا تطوريًا لما يمكن أن يتطور في داخلنا البَشرِّ إلى فَهمٍ كاملٍ للعدد صفر.” ولكن بقدر ما كانت إنجازات الحيوانات مثيرةً للإعجاب، فقد أكَّد أنَّ هُناك اختلافاتٌ جَوهريّة بين كيفية إظهار الحيوانات لتصور العدد وكيفيَّة قِيام البَشر بذلك، فَنحنُ لا نَفهمُ الكميّات فقط، بل نَربِطها برموزٍ رَقميّةٍ عشوائيّة، يقول نيدر: إنَّ المجموعة المكوَّنة من خمسة كائناتٍ تختلفُ عن الرقم (٥)، والمجموعة الفارغة ليست هي نفسها الرمز (٠).

ويَذكُر داير أنَّه حتى عندما يُمكن تَدريب الحيواناتِ على رَبطِ عُنصرين بالرمز ٢، وثلاثة عناصر بـ ٣، “هذا لا يعني أنَّه يُمكنهم وَضعُ هذه الرُّموز معًا [للحصول على ذلك] ٢ + ٣ = ٥”، “الآن، هذه مشكلة رياضية تافهة لطالب مدرسة ابتدائية.” كما أشار إلى أنَّ التَّجارِب المُصممة لاختبار هذا النَّوع من التَّفكير الرَّمزي في الحيوانات لم يَتم إجراؤها بعد. ومن خلال اتخاذ هذه الخُطوة إلى ما بعد العدد وبناء نظامِ تعدادٍ رمزي، تَمكَّن البَشر من تطوير مفهومٍ أكثرُ دقةً ومنفصلة للعدد، والتَّلاعُب بالكميات وفقًا لقواعدَ محددة، وإنشاء عِلمٍ كاملٍ حولَ استخدامها التَّجريدي -ما نسميه الرياضيات.

يأمل نيدر أنْ يساهم عَمله على الصِّفر في تَوضيح كَيف يُمكن أنْ يَنشأ الإحساس المجرد بالعدد من منظور أكثر تقريبيّة وعملية، ويقوم حاليًا بإجراء دراساتٍ على البشر لاستكشاف العلاقة بين التمثيلات العددية غير الرمزية والتمثيلات الرمزية بشكل أكثر دقة. ويتعاون فالورتيجارا وبترورث وبعض زملائِهم الآن مع كارولين برينان، عالمة الوراثة الجُزَيئيّة في جامعة كوين ماري بلندن، لتحديد الآليات الجِينيّة الكامنة وراء القدرة العددية، لقد حددوا بالفعل الجيناتِ الَّتي يبدو أنَّها مُرتبطة بإعاقة تَعلُّم الرِّياضيات لدى البشر تسمى عُسْرُ الحساب، ويَتلاعبون بالجينات المكافئة في أَسماك الزيبرا، يقول فالورتيجارا: “أعتقدُ أنَّ الجُزءَ الجيني من هذه القصة هو، بمعنى ما، مستقبل هذا المجال”، “وتحديد الجينات للعدد سيكون حقًا اكتشافًا كبيرًا”.

أعجبني المقال

المصدر
quantamagazine

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى