عام

حيوان يتعوّد

  • فيصل الشثري

للإنسان قدرة عجيبة على تكييف نفسه وتوطينها وتعويدها كلَّ شيء تقريبًا، قد فاقت قدرته هذه قدرات حيوانات المعمورة ونباتاتها، لا يضارعه في هذا مضارع ولا ينازعه منازع، وعلى قُرب هذه الحقيقة من النفس إلا أنها لا تتبدّى للإنسان ولا يدركها حق الإدراك، فالبشر منذ آدم إلى يوم الناس ما زالوا يتعودّون ويتعوّدون إلا أن النسيان لا ينفكُّ عنهم فهم يتعودون وينسون أنهم تعوّدوا، فحُرِموا بذلك ثمرة الاعتبار بما وقع لهم. وظهور هذه الحقيقة وتجلّيها مفتقِرٌ إلى أحدِ أمرين: أولهما: تجربة قاسية تجلّي هذه الحقيقة للإنسان، ولا يجلّيها له إلا تجربة تنحتها في عقله بإزميل المعاناة والصبر فيتيقّنها بعدئذ حق اليقين، وثانيهما: توقّف للزمن أو ما ينوب عنه كغيبوبةٍ ممتدة لسنوات أو عزلة وانقطاع طويلٍ عن الناس فيرى الحقيقة حينئذ عين اليقين.

يصف دوستويفسكي أول الأمرين (=التجربة القاسية) في روايته «ذكريات من منزل الأموات» على لسان البطل “ألكسندر بتروفيتش” -بعد أن زُجّ به في سجون سيبيريا-:

(إنني أدخل هذا المكان منقبض الصدر ملتاع النفس مفعمًا شكًا وحذرًا، ومن يدري؟ لعلّي سأفارقه موجَعَ القلب أسِفًا عليه وحنينًا إليه … هذا ما كنت أحدّث نفسي به، تدفعُني إليه تلك اللذة الخبيثة التي تحضُّ المرءَ على أن ينكأَ جرحه، كأنه يستطيبُ الآلام ويستعذبُ العذاب. إن المرء ليجدُ لذّةً حادةً في بعض الأحيان حين يشعرُ بضخامةِ الشقاءِ الذي يعانيه، وفداحةِ النازلةِ التي ألمت به؛ فحين كنت أتصوّرُ أنني قد أُبارِحُ هذا المكان حين أُبارِحُه آسفًا حزينًا على فراقه كان ذلك نفسُه يُرعبُني ويملؤني خوفًا. وأوجست من تلك اللحظة أن «الإنسان حيوان يتعوّد» … وأن هذا التعريف يَصدُقُ على الإنسان بدرجةٍ لا يصدِّقُها العقل …)[1].

ويصوّر المرزوقي -وقد سُجن ثماني عشرة سنة في معتقل تزممارت- في كتابه «تزممارت … الزنزانة رقم ١٠» مشهدًا يصلُح للاستشهاد على الأمر الثاني (=اعتزال الناس)، يقول :

( وعلى ذكر الفيديو، فلا زلت أذكر أن أول مرة رأيت مع التلفزة بالألوان كانت في بيت أختي نجاة خلال مأدبة عشاء أقامتها على شرفي: كانت يوم السبت، وكانت الإذاعة الوطنية تبث سهرة غنائية متنوعة شارك فيها فنانون مشارقة ومغاربة. أخذت مكان في الصالون الكبير الممتلئ عن آخره بأفراد الأسرة، فتسمرت عيناي منذ الوهلة الأولى على شاشة التلفزة وهي تعرض أنهارًا من الصور الملونة البديعة. وفجأة، دارت بي الأرض دورتين لما جاء دور فنانة شرقية جميلة وقفت تغني بفستان ساطع يكشف نصف صدرها ويبرز مفاتنها بكيفية صارخة. غضضت طرفي على مضض حياء من الحاضرين. وتظاهرت بالسعال لحظة ثم شرعت أحك رأسي بيد بينما تماثلت بالبحث باليد الأخرى عن قلم مزعوم سقط على الأرض، كنت أعتقد أن أحدًا سيقفز على التلفزة ليطفئها ليحولها إلى قناة أخرى. ولكن، كم كانت دهشتي عظيمة واستنكاري كبيرًا لما رأيت عيون الحاضرين تنظر إلى التلفزة بهدوءٍ واهتمامِ من يتابع نشرة أخبار بالغة الأهمية. ثم جاء دور مجموعة من الشيخات فشرعن يرقصن على إيقاع بندير رنان وعواءِ كمانٍ متوجعٍ رقصًا فاضحًا اهتزّت فيه الصدور والتوت فيه الأرداف وتحرّكت فيه البطون صعودًا وهبوطًا بكيفية جعلتني أرخي رأسي على صدري من الارتباك والحرج. ما الذي تغير؟ المجتمع أم أنا؟ ماذا كان سيحدث لو أن أبي وعمي كانا حاضرين معنا في هذه السهرة؟ أنا على يقين قاطع بأن جميع الحاضرين كانوا سيلوذون بالفرار قبل أن تحل بساحتهم صاعقة عتاب أليم. التفت إليّ محمد العربي، أحد أبناء عمي الذي أعزهم كثيراً، فقال لي مداعبًا وهو يضرب على فخذي وقد فطن بحرجي الشديد: لقد تبدّلت الأحوال يا ضفدعي الجميل.)[2]

وقد تقلّب آباؤه في أحوال شتّى من سراء وضراء، وغنًى وفقر، وبداوة وحضارة، وتعوّدوا كلَّ ذلك، وهكذا نزع العرق في إنسان اليوم فهو كآبائه قادرٌ على أن يتعوّد كل شيء، غيرَ أنّه يعيش في عصر السرعة -كما يُقال- فكان أسرع تكيّفًا منهم وأخفَّ عقلًا وأقلَّ حاجةً لمعالجةٍ نفسٍ ورياضتِها، فتخبّط -وهو غير مدرك، ولا يُرادُ له أن يدرك- في لُجج التعوّد والإلف لكل حسنٍ وقبيح أراده الملأ والعلية لحاجات في نفوسهم، وإلف القبيح متلفةٌ للإحساس والعقل جميعًا”[3] كما يقول الأستاذ شاكر رحمه الله.

فتراه ألِف النور والضياء في الليل فأنار بذلك الكوكب، وكأني بأهل الأجرام من حولنا -إن كانوا- يتعجّبون من ظاهرة هذا النجم الساطع أبدًا، وفي ذلك تبديلٌ وأيُّ تبديل! والله عز وجل امتنّ على عباده فقال: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ [الإسراء : 12]، وها هو إنسان اليوم يحرمُ نفسهُ نعمةَ سكونِ الليل وهدوئه وهجوعه فاضطرب بذلك يومه ولا مزيّةَ حينئذ لنوم ليلٍ على صباح فلْينَمْ متى شاء.

وتَراهُ ألِف مخالفة الفطرة كحلقِ اللحية، وإعفاء الشارب إعفاءً يتأذّى هو وغيره به، وغير ذلك مما قال فيه النبي ﷺ :(الفِطرةُ خَمسٌ، أَوْ خمْسٌ مِنَ الفِطرةِ: الخِتان، وَالاسْتِحْدَادُ، وَتقلِيمُ الأَظفَارِ، ونَتف الإِبِطِ، وقَصُّ الشَّارِبِ)[4]، والتعرّي ولباسَ الشهرة والتقصّدَ لكلِّ لباسٍ أخّاذٍ لأعين الناس، لا يراعي في ذلك دينًا ولا يردعُهُ عرفٌ، وقد قال النبي ﷺ (مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ فِي الدُّنْيَا أَلْبَسَهُ اللَّهُ ثَوْبَ مَذَلَّةٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)[5].

وتراه تعوّد أن يأكل ثلاث أكلات كلَّ يوم، وقد سئل سهل التستري فقيل له: (الرجلُ يأكل في اليوم أكلةً واحدة؟ فقال: أكلُ الصدِّيقين، قيل له: فأكلتين؟ فقال: أكلُ المؤمنين، قيل له: فثلاث أكلات؟ فقال: قل لأهله يبنوا له مِعْلفاً!)[6].

وغير ذلك كثير، ويكفيك دليلًا على هذا أن تُبصِر أمرك وأمرَ الناس ومعاشهم من حولك وتُجيلَ الفكرة في ذلك فترى كيف أن شياطين الإنس والجن يجتالون الناس الليلَ والنهار حتى أروهم حسنًا ما ليس بالحسن. وما تركت أكثر مما ذكرت وربّما كان في المتروك ما هو أعظم خطرًا وأحوج إلى بصرٍ من المذكور. وليس الاستقصاء أردت، ولو أردته ما استطعت فإن البلاء قد فشا والشقّ يكبُرُ على الراقع. وإنما الذي أردته أن يُبصِر المرء بذلك أمر نفسه التي تتعوّد كلَّ شيء، فيعرف خصال الخير ثم يعوِّد نفسه عليه حتى تعتاده، ويعرِف خصال الشر ثم يعوِّد نفسه على نبذها، وألا يكون إمعة إن أحسن الناس أحسن، وإن أساؤوا أساء، ولكن يوطّن نفسه على الخير حتى يكون له سجية، وألا يمكّن الأعداء من نفسه فيكون ألعوبةً في يدهم فيعوِّدوه ما أرادوا.

واعلم أنك مهما اجتهدتَ فإنك لا تبلغ ذلك ولا تستطيعه إلا بعون من الله عز وجل

إِذا لَم يَكُن عَونٌ مِنَ اللَهِ للِفَتى
فأَكثَرُ ما يَجني عَلَيهِ اِجتِهادُهُ[7]

فالجأ إليه سبحانه وتعوّذ به، واجعل لذلك من دعائك نصيبًا. واصحب الأخيار واتخذ إخوان الصدق. فلنعم العون هم على خصال الخير، وقد قال سفيان بن عيينة: (قال لي أبي -وقد بلغتُ خمسَ عشرةَ سنة-: “إنه قد انقضْت عنك شرائعُ الصِّبا، فاتَّبعِ الخيرَ تكن من أهله“، فجعلتُ وصيةَ أبي قِبْلَةً أميلُ إليها، ولا أميلُ عنها)[8]؛ فاتّبع الخيرَ تكنْ من أهله واصحب أهله تفزْ فوزًا عظيمًا.


[1] ذكريات من منزل الأموات، دوستويفسكي، ص١٠٦. ترجمة سامي الدروبي، دار التنوير.

[2] تزممارت، أحمد المرزوقي، ص٣٥٠-٣٥١. المركز الثقافي العربي. وقد استفدت هذا النص من كتاب الأستاذ عبد الله الوهيبي “التبرج المسيس”.

[3] رسالة في الطريق إلى ثقافتنا، محمد شاكر، ص١١١

[4] متفق عليه.

[5] رواه أبو داود (4029) والنسائي في “السنن الكبرى” (5/460) وابن ماجه (3606) وأحمد في “المسند” (2/92) وغيرهم، وحسنه الألباني والأرناؤوط.

[6] الفوائد، ابن القيم، ص٢٦١. عالم الفوائد

[7] يُنسَب لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه

[8] صيد الخاطر، ابن الجوزي، ص٢٣٩. بتحقيق طارق بن عوض الله، مدار الوطن للنشر

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى