عام

هل تشتعل شرارة غضبك على أتفه الأشياء؟ إليك الأسباب

  • مارجريت تارتاكوفسكي
  • ترجمة: ألين خالد

أينتابك الغضب كثيرًا؟ وتنفعل سريعًا، ويحكمُكَ غضبك، وتبدو حانقًا عابسًا بل كالحًا! وتشتطَّ غضبًا على أتفه سبب؟ وتفيضَ كما يفيض التسونامي فيغرق المدن، وتصبّ جام غضبك على من هم حولك، ولا تعرف لهذه المشاعر الكامنة فيك سببًا ولا علة، ولا تفهم ما تشعر به! كما لو كنت على حافة هاوية سحيقة توشك على السقوط.

فماذا يعني هذا كله؟ من أين تأتي رغبة الغضب الجامحة السريعة هذه؟

لهذه المشكلة أسباب عدة، ولعل من ضمن هذه الأسباب: سهولة تخطي حدودك! فتجيب بالموافقة في حين أنك إنما أردت الرفض، وتفعل الأشياء وأنت لست مرتاحًا بفعلها ولا مقتنعًا بها، فتستنزف مشاعرك وتنهك روحك.

ورغم ذلك؛ تغفل علاقة وترابط هذه الأمور بنوبات غضبك الحادة!

توضح لنا الأمر جولي هانكس[1] بقولها: “إنك تعتقد أن الناس تتطفل على حياتك وتستغلك، ضاربًا عرض الحائط بسماحك لهم بذلك.”

أو لربما السبب أنك لا تنام كفاية، أو أنك غارق بما تعد به نفسك سأفعل ذلك وسأقوم بذاك. وبهذا الصدد أردفت جولي: “مما يصعب عليك مواجهة نفسك، ومجابهة حقيقة ما تشعر به!”

لربما السبب إذن هو الاكتئاب. فتذكر جولي “أن الناس تخطئ فهم الاكتئاب على أن المكتئب لا يتزحزح عن سريره لحظةً واحدة، ناحبًا بكّاءً طوال الليل والنهار”

وأكملَت: “على كلٍ؛ تزايد انفعال الفرد وسرعة غضبه هي أحد علاماته.”

لربما السبب القلق والتوتر. فسّرتها جولي بأن “القلقِين المتوترين غالبًا ما يجابهون شعورًا داخليا بصعوبة موازنة أحاسيسهم. لذا حينما يواجه الفرد القلِق موقفًا صعبًا، تشتعل فتيلة غضبه مباشرةً وبسرعةٍ حادة.”

كما تناقش هذه المعضلة الطبيبة النفسية ريبيكا وونج[2] من وجهة نظرها، فتصدح بقولها إن كثيرًا من مرضاها يعانون من سرعة اشتعال فتيل الغضب بسبب مشاكلٍ في علاقاتهم الشخصية. كمن يغضب بسرعة البرق من أدنى موقف مع أطفاله، أو والديه، أو زملاء عمله، أو بسبب خصامٍ زوجي. فيشعر هؤلاء بالغضب العارم لعدم تقدير الطرف الآخر لهم، أو لتجاهله التام!

فلربما غلب ظنك بأن صديقك المقرب سيساندك، فلا يفعل. أو ربما ظننت بأن زوجك سيؤدي مهامه على أكمل وجه، فلا يؤدي! فإن تكررت هذه المواقف كراتٍ عديدة ستنقلب إلى شخصٍ غضوبٍ حانق، دون أن تفهم مالذي آلَ بك إلى هذه الحال.

إن نوبات الغضب كما تعرّفها ميشيل فاريس[3] على أنها “رغبة جامحة في إحكام قبضتنا بما حولنا.”

تقول فاريس: قبل عدة سنوات، عملتُ مع امرأة في مقتبل عمرها تعاني من إحباطٍ وخيبة أمل، وجل معاناتها بسبب تركيزها الكامل على أفعال من حولها.

لنعود مع جولي هانكس قليلًا، فكثيرًا من مرضاها ممن يعانون من نوبات الغضب لا ينفسّون عنها. وعلى هذا؛ فأحيانًا، تشعر أنتَ بغضبٍ مسبق من لا شيء! تشعر بامتعاض وحنق هكذا فقط، بسبب كتمانك غضبك في كل مرة.

على سبيل المثال: تحكي لنا جولي عن مريضة من مرضاها، تدعى سيندي[4] في عقدها الثالث من العمر، مفعمة بالحياة ولكنها تعبة أيضًا!

كانت سيندي عاملة رائعة، وسع حنانها ولطفها الجميع، عدا نفسها. لدى سيندي طفلان من ذوي الإعاقة، وزوجها للأسف لم يقم بدوره كأب، فبتر نفسه عن طفليه، وإن كان لابد من مراعاتهم؛ كان قاسيًا حانقًا غاضبًا على طفليه ذوي الإعاقة!

على العكس؛ كانت سيندي تكدح وتثابر وترهق نفسها لترى الجميع فرحين وسعداء.

فبلغت سيندي مبلغها، ووصلت أقصاها من حالها الذي لا يسر، واختلت بنفسها وجابهت مشاعرها. فتبين لها أنها هي من ترغم نفسها على حمل عبء القيام بمسؤوليات الوالدين بدلا من حمل عبء واجباتها كأم فقط، وهي من سمحت لزوجها بالتنصل من مسؤولياته كأب، وبأنه لا يساندها ولا يساعدها، وأحسَّت الوحدة تنهش روحها نهشًا.

لربما إذن حالُكَ هو نسخة من سيندي. تعلّق فاريس قائلة: “أغلبنا، يكتفي بأن يصبح راكبًا، على أن يكون ربّان سفينة نفسه فيخوض غمار بحورها.”

وتُكمل: “أيدولوجية مجتمعاتنا تنص على أن يكون الواحد منا لطيفًا متسامحًا لبقًا، ويقتلع كلمة “لا” من قاموس مفرداته. فنعاني من نوبات الغضب الجامحة لأن المجتمع مازال يؤمن بكون الغضب رجسٌ محظور!

فنرتعد خوفًا حين نهدأ بعد الغضب بظننا أننا جرحنا مشاعر شخصًا ما، أو من أننا قلبنا موازين علاقتنا مع من نحب رأسًا على عقب. إن هبة الواحد فينا هي قدرته على إحكام قبضته على دفة نفسه، فنعرف متى حدنا عن طريق الصواب، ونعرف متى نفعل ذلك ونتمنع عن فعل ذاك، أو عدم تحريك ساكن إزاء أي شيء.”

وعلى ضوء قصة سيندي، فإنها طوّعت تجربتها لخدمتها بدلًا من أن تجر الويلات على نفسها، ففهمت أنها بحاجة لأن تطلب من زوجها صراحةً بأن يترجل ويقوم بدوره زوجًا وأبا، وكيف أن عدوله عن إهماله فلا تحمل الحمل وحدها، سيدب الراحة في قلبها والأُنس في نفسها. والأهم؛ أنها نجحت بإحكام قبضتها على مشاعرها ونوبات غضبها.

تعلّمنا فاريس على أساليب التحكم بالغضب، وهي:

-تعرّف على بوادر غضبك، فهي تختلف من شخص لآخر.

-عبّر عن مشاعر الغضب الكامنة فيك دون أن تحط اللوم على غيرك.

-خطط مسبقًا لكيفية تصرفك مع نفسك حين تجدها في مواقفٍ صعبة التعامل.

-خذ نفسًا عميقا. يساعدك الشهيق والزفير على التريث.

-تنبه للأفكار التي تزيد من حدة هيجانك.

-لا تخجل من طلب مساعدة الناس لتهدئتك.

-بادر بإخبار الطرف الآخر أنك بحاجة لقسط قليل من الراحة حين يحتدم النقاش، لتحكم قبضتك على غضبك.

وكما تقول هانكس: “الغضب شعورٌ تابعٌ للشعور الأساسي، مندسٌ خلف إحباطٍ أو خوفٍ أو حزن، أو لربما الوحدة كما في قصة سيندي! فينفعل الفرد من أدنى سبب وتتشكل هذه الاعتراكات الداخلية على هيئة نوبات غضب. وإنهُ والحق يقال، لشعورٌ مميت مهلك، صعبٌ استيعابه.”

اقرأ ايضًا: كيف تحافظ على هدوئك عندما يدفعك أطفالك للجنون؟

لدى هانكس مع مرضاها تعبيرٌ أدبي بليغ. فهي تشبه مشاعرهم بالبحار، فتطلب منهم أن يتخيلوا سطح بحار أنفسهم، ومن ثم يكتبون أو يرسمون ما يشعرون به. وبعدها؛ تطلب منهم أن يعصفوا بأذهانهم ماهية المشاعر المتدفقة القابعة في قاع بحار أنفسهم، فيسهل عليهم تعدادها ومن ثم معالجتها.

وتردف: “على كلٍ، علينا أن نعي ونفهم الفرق بين سلوك الفرد الغاضب وسلوك الفرد المعنِّف! فبينهما بون شاسع. فبسبب خلط مفاهيم هذين المصطلحين تشكّلت لدينا فكرة أن الغضب رزيئة وبلوى.”

وتختم بقولها:” وللمرة الأخيرة، أنوِّه على أن الغضب شعورٌ نفيس وجوهري، وأن الخطوة الأولى لاستتباب صحة الفرد النفسية هي الاعتراف بحقيقة إشكالية نوبات غضبه، والتعامل معها برويّة وحكمة.”

اقرأ ايضًا: لماذا نغضب؟


[1] جولي دي آزيفيدو هانكس حاملة درجة الدكتوراه، وحاصلة على رخصة LCSW (حامل هذه الرخصة يعد اخصائي اجتماعي وبقدرته تقديم الاستشارات والعلاج النفسي) ومؤلفة كتاب “الدليل القاطع للنساء: كيف تشبعين احتياجاتك، وتضعي حدودًا لحياتك، وتطورّي علاقاتك.” وصاحبة المركز العلاجي النفسي Wasatch Family Therapy في الولايات المتحدة.

[2] ريبيكا وونج طبيبة نفسية تحمل ذات الرخصة التي تحملها هانكس LCSW وهي صاحبة مركز connectfulness للاستشارات النفسية في الولايات المتحدة، نيويورك.

[3] ميشيل فاريس طبيبة نفسية في كاليفورنيا، سان خوسيه. شغوفة بمساعدة الناس كيفية الحفاظ على علاقات صحية. كما انها تحمل رخصة LMFT (رخصة ترخص لحاملها مزاولة استشارات العلاقات الزوجية والعلاقات الشخصية). ومؤلفة الكتاب الالكتروني: “أربع خطواتٍ حتمية لبناء ثقتك.”

[4] جدير بالذكر أن اسم سيندي المذكور في قصتها اسمًا مستعارًا، وليس اسمها الحقيقي.

أعجبني المقال

المصدر
psychcentral

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى