عام

يمكن للقصص القديمة أن تكون أكثر واقعيةً من الخيال

  • باتريك د. نان*
  • ترجمة: رغد بنت إبراهيم الحميد
  • تحرير: ريم بنت علي الطيار

كل شيء ساكن بسبب في حرارة منتصف النهار شديد القيظ؛ بدت أشجار الصمغ منهكة وجافة من الحياة، اختبأ الصيادون بين أوراق الشجر، وكانت رماحهم الطويلة الحادة مستعدة للإطلاق في أي لحظة، حلقت الطيور العملاقة التي كانت موضع اهتمامهم ببطء وبأناقة وبلا ريبة، كان طول معظم هذه المخلوقات حوالي سبعة أقدام، يوفر لحم حيوان واحد القوت للقبيلة لفترة طويلة من الزمن -لكن كان الصيادون يعلمون بأن هذا المكسب له ثمن، ومن المعروف أن فصيلة طيور mihirung تهاجم بشراسة شديدة ومميتة في بعض الأحيان.

شارك Tjapwurung، وهو من السكان الأصليين في ما يعرف الآن بجنوب أستراليا ، قصة صيد هذه الطيور من جيل إلى جيل خلال فترة زمنية طويلة بشكل لا يصدق؛ آلاف السنين، ولفترة أبعد مما يظن المرء، انقرضت الآن هذه الطيور؛ على الأرجح الأنواع التي تحمل الاسم العلمي (جينيورنيس نيوتوني)، التي تم إحياء ذكرها في هذه الحكاية منذ فترة طويلة، ومع ذلك، فإن قصة Tjapwurung التي تعتبر بمثابة “إعادة الوجود” لهذه الطيور تنقل كيف لاحق الناس الحيوانات العملاقة، وفي أثناء هذه المطاردة بالذات، أي في الفترة ما بين 5000 أو 10000 عام، كانت البراكين نشطة في المنطقة -كما كتب عالم الأثنوجرافيا الهواة جيمس داوسون في كتابه لعام 1881م عن السكان الأصليين الأستراليين- حيث من خلالها تمكن العلماء من تأكيد هذا التاريخ الشفوي عبر تأريخ الصخور البركانية.

لم يكن من الممكن إثبات الآثار القديمة الاستثنائية لمثل هذه القصص حتى وقتٍ قريب، والتي بدورها تمثل المعرفة التي تم تناقلها شفهيًا بدرجةٍ أولى، وقد سمح هذا بإعادة التقدير والامتنان للمدى الكامل، والآثار المترتبة على طول عمر الذكريات التي تستند إليها هذه القصص، وهناك تاريخ شفوي آخر يحيط بشعب كلاماث في ولاية أوريغون -غرب الولايات المتحدة- الذين يروون عن وقت لم تكن فيه بحيرة كريتر موجودة، ولكن كان يوجد بركان عملاق شاهق فوق المناظر الطبيعية حيث توجد البحيرة اليوم، كما تنص عليه القصة، فإن إله البركان العنيد، والذي كان مغرمًا بجمال امرأة من الشعب، هدد شعب كلاماث بالغضب والنار ما لم تذعن له المرأة، لكن شعبها دعا حاميهم -إله منافس- الذي حارب آلهة البركان، مما تسبب في النهاية في انهيار منزله الجبلي عليه وامتلاؤه بالماء، وعلى مدى الـ 7600 عام تقريبًا، علّم شعب كلاماث كل جيل جديد أهمية تجنب بحيرة كريتر خشية إزعاج الإله الشرير بداخلها، وبدقة ملحوظة، وجد الجيولوجيون بأنه كان هذا هو وقت الانفجار النهائي للبركان السابق، جبل مازاما ، وتكوّن المناظر الطبيعية الموجودة اليوم. كان شعب كلاماث متواجدًا هناك طوال الوقت، حيث انتقلت ذكرياتهم عن ذلك الحدث الكارثي القديم إلى المعرفة العالمية اليوم.

كحال السكان الأصليين الأستراليين، أصبح شعب كلاماث قادرا على القراءة والكتابة خلال الـ 200 عام الماضية أو نحو ذلك، لكن قبل ذلك، كانت مجتمعاتهم شفهية؛ حيث تُنقل المعلومات والقصص شفهيًا من جيل إلى جيل.

في مثل هذه المجتمعات، يوجد عاملان بشكل عام يخلقان الظروف اللازمة للحفاظ على التاريخ الشفوي الدقيق لآلاف السنين “أُمناء القصص المتخصصون والعزلة الثقافية النسبية.

ما هي حدود هذه الذكريات القديمة؟ ما طول المدة التي يمكن خلالها نقل المعرفة داخل المجتمعات الشفوية قبل أن يُفقد جوهرها بلا عودة؟ يقترح علم تحديد الأعمار استنادًا على الأحداث التي تم تذكرها في القصص القديمة، أنه يمكن للمعرفة المتناقلة شفويًا في ظل الظروف المثلى أن تنجو لأكثر من 7000 عام، وربما 10000 سنة، لكن على الأرجح أنها لا يمكن أن تستمر لأطول من ذلك بكثير.

بعد أن أمضيت معظم مسيرتي المهنية كعالم جغرافي وأنثروبولوجي في جزر المحيط الهادي، حيث نمّيت احترامًا كبيرًا للمعرفة الشفوية -وبالخصوص لكل من قدرتها وطول عمرها-لقد ركزت مؤخرًا على التقاليد الأطول بكثير للأستراليين الأصليين، والقصص القديمة المماثلة من الثقافات الأخرى الموجودة منذ زمن طويل. كتابي لعام 2018م، حافة الذاكرة؛ الروايات، والقصص القديمة، والعالم ما بعد المنطقي The Edge of Memory: Ancient Stories، Oral Tradition، and the Postglacial World، يتعمق في طبيعة مثل هذه القصص من أنحاء كثيرة من العالم، ويقدم حجة قوية للاعتراف بأن التفاصيل التي تحتويها توفر أحيانًا سجلات أكمل عن الماضي البعيد من تلك التي يمكن الحصول عليها بسهولة بوسائل أخرى.

أستراليا، الجزيرة القارة، هي تقريبًا نفس حجم الولايات المتحدة، وصل الناس لأستراليا أول مرة منذ حوالي 65000 عام، وفقًا لبحوثٍ حديثة؛ من المحتمل أنهم قفزوا للجزيرة عبر خط والاس، وهو فجوة في المحيط والتي ثبت أنها واسعة جدًا بحيث لا يمكن للحيوانات الأخرى عبورها، وهو ما يفسر سبب امتلاك أستراليا لمثل هذه الكائنات الحية الفريدة، ومع ذلك، باستثناء عدد قليل من الاتصالات الهامشية، يبدو أن الثقافات الأسترالية قد تطورت بمعزل عن بقية العالم طوال الـ 65000 عام الماضية، على الأقل حتى استقر الأوروبيون هناك عام 1788.

حققت هذه العزلة الثقافية الوضع المثالي للبناء والحفاظ على القصص القديمة، كما إن قسوة البيئة التي لا جدال فيها في معظم أنحاء أستراليا جعلت من ذلك أفضل، حيث إنها القارة الأكثر جفافاً في العالم بعد القارة القطبية الجنوبية، فمعظمها صحراء.

بالنسبة إلى السكان الأصليين الذين يعتمدون على الصيد وجمع الثمار في أستراليا، كانت حتمية نقل معلومات دقيقة حول طبيعة وإمكانيات التضاريس القاسية في القارة أمرًا بديهيًا بدون هذه المعلومات، والتي تراكمت بشق الأنفس من أجيالٍ من الأجداد، قد لا يتمكن الأطفال داخل القبيلة من البقاء على قيد الحياة، ويبدو أن الحفاظ على القصة بعناية كان استراتيجية فعالة، في عام 1957 م، عندما اتصل عالم الأنثروبولوجيا دونالد طومسون بسكان بينتيوب (Bindibu) من السكان الأصليين الذين عاشوا في الصحراء الوسطى المحظورة في أستراليا، أمضى وقتًا كافيًا معهم حتى لاحظ بأنهم “تكيفوا مع تلك البيئة المريرة لذا يضحكون بعمق ويربون أبدان الأطفال في العالم “.

تُظهر خريطة أستراليا هذه 21 مكانًا حيث يحتفظ السكان الأصليون بذكريات عن العصور، منذ 7000 عام على الأقل، عندما كان مستوى سطح البحر أقل مما هو عليه اليوم. (تُنسب لـ: باتريك نان)

باختصار، أدت الظروف الفريدة لأستراليا إلى ظهور بعض أقدم القصص في العالم، يتذكر بعضهم الوقت الذي كان فيه سطح المحيط أقل بكثير مما هو عليه اليوم، وكان الخط الساحلي بعيدًا داخل البحر، وكان الأستراليون يعبرون بحرية أراضي هي الآن تحت الماء، هذه القصص معروفة فيما يقارب 21 مكانًا حول الساحل الأسترالي، ويتم تفسير معظمها على أنها ذكريات عن الوقت الذي كان فيه مستوى سطح البحر يرتفع بعد آخر عصر جليدي عظيم -وهي العملية التي انتهت منذ حوالي 7000 عام في أستراليا، بناءً على الأدلة، لابد أن هذه التواريخ الشفوية قد تم تناقلها لأكثر من سبعة آلاف عام.

تعد جزيرة فيتزروي، التي تقع على بعد حوالي 3 أميال من الساحل الشرقي لشمال كوينزلاند مثال على ذلك. اسم Yidiɲɖi الأصلي للجزيرة هو “gabaɽ”، ويعني “الذراع السفلي” لنتوء سابق على البر الرئيسي، يصف المصطلح حالةً كانت من الممكن أن تكون صحيحةً فقط عندما يكون مستوى سطح البحر أقل 98 قدمًا مما هو عليه اليوم، بعد انتهاء العصر الجليدي الأخير منذ حوالي 18000 عام، بدأ الجليد الأرضي بالذوبان وبدأت مستويات سطح البحر في الارتفاع.

يدرك العلماء كيف وضّحت هذه العملية كيفية تشكل كل السواحل في العالم تقريبًا -ومتى بدأت وانتهت، ومدى ارتفاع مستوى الماء في أوقات معينة، فقد زاد عمق المحيط مؤخرًا حول جزيرة فيتزروي بمقدار 98 قدمًا منذ حوالي 9،960 عامًا. فإذا كانت التسمية الأصلية لجزيرة Fitzroy باسم “gabaɽ” تعود إلى وقت كانت مرتبطة فيه بشكل واضح بالبر الرئيسي – ولا يوجد سبب وجيه للشك بخلاف ذلك -فإن هذه الذاكرة يبلغ عمرها 10 آلاف عام تقريبًا، هذا يعني أن هذه القصة قد تم تناقلها شفهياً عبر حوالي 400 جيل.

إن الأوصاف التي تشرح كيفية “غرق” الجزء البري بالجزيرة بسبب ارتفاع المحيط تشبه قصصًا مأخوذة من بعض سواحل شمال غرب أوروبا والهند، لكن هذه القصص القديمة لم يتم الحفاظ عليها بوضوح؛ فالكثير منها قد انزلق من عالم التسجيلات الشفوية إلى كونه “الأسطورة”.

أعزو هذا إلى حقيقة أن التاريخ الثقافي للأشخاص الذين يعيشون في هذه المناطق كان أقل عزلةً من أستراليا.

تحكي أحد أشهر الأساطير في ساحل بريتني في فرنسا عن مدينة تدعى يس تقع في خليج دورنينيز في حقبةٍ كان ارتفاع المحيط فيها أقل من يومنا هذا، الملك قرادلون -حاكم يس-حماها ببناء حواجز بحر مدروسة، تصرّف المياه الفائضة من حركات المد والجزر المنخفضة خارج المدينة عبر سلسلة من السدود، لكن في إحدى ليالي المد والجزر العالية، كانت ابنته داهوت قد استحوذتها الشياطين حيث قامت بفك وصاد البوابات مما أدى إلى فيضان المحيط إلى المدينة، وتحتيم هِجرتها. في يومنا هذا، موقع مدينة يس لا يزال مجهولًا، وبالسير على نفس منطق جزيرة فيتزروي، إن كانت مدينة يس قد وجدت -ولمَ علينا التصديق بأن روايةً مجهولة المغزى كهذه قد لُفقت-فغرقها قد حدث قبل أكثر من 8000 سنة.

في وقتنا الحاضر، يعتمد الكثير منا اعتمادًا كاملًا على اللغةِ المكتوبة –نتأثر ونمتص معانيها مراتٍ لا تحصى خلال يومنا-فيصعب علينا تخيّل حياتنا بدونها، وإذا واجهتنا أي تساؤلات، نبحث عن إجاباتها في صَفحاتِ كتاب أو على الشاشات.

أما في المجتمعات الأمّية، فقد كانوا يعتمدون على الروايات الشفهية، فهي معبّرة وبنفس القدر من الأهمية -كما أنها تُعبر عن قدر واسع من المعرفة والتجارب البشرية، فعلى سبيل المثال، في البيئات القاسية كأستراليا، ولأن هذه المعرفة تعتبر مفتاحًا للنجاة، تم تناقل هذه الأساليب من جيلٍ الى جيل؛ فالمهارات الأساسية، كإيجاد الماء والمأوى أو معرفة مكان تواجد كل نوع من الغذاء، تم تناقلها عبر الأجيال مع اختبارها وتصحيحها إذا لزم الأمر.

ولكن تم تبادل المعرفة أيضًا من جيل إلى جيل عبر الغناء، والرقص، والاستعراض، ودُرِّست الجغرافيا والتاريخ في مجتمعات السكان الأصليين الأستراليين عبر تناقل الناس للأغاني، والتي تذكر طرقًا في المنطقة، وكانت ذكرياتهم مُحَفَزة بأشكال أرضية معينة، حتى الفن الصخري القديم ربما يكون أُنشئ كوسيلة مساعدة للذاكرة؛ كتحفز رواة القصص على تذكر أجزاء معينة من المعلومات، وحتى اليوم، تحافظ العديد من جماعات السكان الأصليين على ذكرياتهم القديمة كالأغاني.

يمكن النظر لهذه التقاليد الشفهية كنوع من “الكتب” تحفظ في مكاتب عقول مستمعيها، وتتناقل هذه المعرفة عبر “قراءة” هذه الكتب بصوتٍ مسموع للأصغر سنًا، وهكذا، تمكنت هذه القصص العتيقة من الصمود ليومنا هذا -من أحداث بارزة كتأسيس بحيرة كريتر، أو إغراق أرض على حدود أستراليا إلى معلومات عن مسميات الأماكن وما يرتبط بها.

توقف الآن للحظة لاستيعاب ما يعنيه هذا.

للبشر ذكريات مباشرة لأحداث وقعت قبل ملايين السنين. يناقض هذا ما توصّل إليه علماء علم الإنسان وغيرهم عن صحّة واستمرارية هذا النوع من التقاليد الشفوية، العلم أيضًا رفض هذه التقاليد معتبرًا أيها مجرد تفاصيل انكشفت بسبب حب الاستطلاع لدى علماء الإنسان ولا تشكل أي أهمية.

في يومنا هذا، نجد أنفسنا مجبرين على أخذ هذه القصص العتيقة بجديةٍ أكبر، فالحافظ على هذه التقاليد -في أي حضارةٍ كانت-هو حقيقةٌ ملحّة وتساعدنا على معرفة هويتنا.


  • باتريك د. نان أستاذ الجغرافيا بجامعة صن شاين كوست (أستراليا).

أعجبني المقال

المصدر
discovermagazine

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى