عام

نظرية بديلة لاضطراب القلق العام

يقلق المصابون باضطراب القلق العام كثيرًا، لكن ما الذي يخافون منه بالفعل؟

  • د. نعوم شبانسر
  • ترجمة: تهاني بنت محمد فرحان
  • تحرير: عبد الرحمن روح الأمين

اضطراب القلق العام (GAD) هو اضطراب نفسي يُعرف بقلقٍ مزمن غير معروف السبب ومتفشّي اجتماعيًا. يُقدّر معدّل انتشار (GAD) على مدى الحياة بـ 4 ٪ إلى 6 ٪. يترافق هذا الاضطراب بشكل كبير مع اضطرابات القلق والمزاج الأخرى ويتنبأ بالعديد من النتائج الصحية السلبية بما في ذلك أمراض القلب ومشاكل النوم وارتفاع معدلات الوفيات الإجمالية، يتم تشخيص اضطراب القلق العام عند النساء بمعدّل ضعف معدّل الرجال وهو الاضطراب الأكثر شيوعًا في الرعاية الأولية.

يمكن تكيّفه بالجرعة المناسبة ممّا يساعد على توجيه انتباهنا وتحسين استعدادنا لمواجهة التهديدات المحتملة. ومع ذلك، يعاني الأشخاص المصابون باضطراب القلق العام (GAD) من قلق شديدٍ ومزمنٍ لا يهدأ، ممّا يجعلهم يشعرون بأنهم غير قادرين على التحكّم فيه. لم يعد القلق لصالحهم، بل استعبدهم. يميل الأشخاص المصابون باضطراب القلق العام إلى المبالغة في تقدير احتمالية حدوث عواقب سلبية والتنبّؤ بأن العواقب ستكون كارثية، تنتشر مخاوفهم لتشمل جميع مجالات الحياة اليومية بما في ذلك الصحة والأسرة والعلاقات والحالة المهنية والمالية.

القلق هو: عملية إدراكية متكلفة تظهر لمنع الأحداث السلبية أو الاستعداد لها. للأسف، القلق المزمن من GAD هو في حد ذاته محنة. بالنسبة للأشخاص الذين يعانون من اضطراب القلق العام، فإن الانشغال المستمر بالكوارث المستقبلية المحتملة يشكّل كارثةً حاضرةً مستمرة.

على الرغم من أن اضطراب القلق العام هو اضطراب منهك وذو نتائج اجتماعية، إلا أن فهمنا له أبعد ما يكون عن الاكتمال. حاولت العديد من النظريات خلال العقود القليلة الماضية شرح الآليات الكامنة وراء GAD. كان التنظير المبكّر بقيادة عمل عالم النفس بجامعة ولاية بنسلفانيا توماس بوركوفيك مبنيًا على فكرة أن القلق المستمر هو: آلية تجنّب، حيث يعمل الانشغال المعرفي بالنتائج السلبية على حماية الأفراد من تجربة المشاعر السلبية.

ظهر هذا الرأي بشكل أساسي من بحث أظهر أن القلق (على عكس الاسترخاء) يُقلّل من الاستجابة الجسدية للصور قبل التعرض لصورة تُثير الخوف. نظرًا إلى رد الفعل المنخفض للقلق أثناء التعرّض للمثيرات المخيفة كدليل على فشل المعالجة العاطفية والتي بدورها حالت دون إطفاء الخوف.

لذلك، فإن نموذج التجنّب المعرفي هذا يجادل بأن “القلق له طبيعة لغويّة لفظيّة ويعمل كاستراتيجية تجنّب لتثبيط الصور الذهنية الواضحة وما يرتبط بها من تنشيط جسدي وعاطفي … يمنع تثبيط الاستجابات الجسدية والصور الذهنية المعالجة العاطفية للخوف وبالتالي يطيل القلق”.

بعبارة أخرى، نعلم أنه يمكن التغلّب على المخاوف عند مواجهتها بالكامل (من خلال عمليات التعوّد والتعلم المثبط). يمنع القلق الأفراد من مواجهة مخاوفهم بالكامل. وبالتالي، فإنه يكافئ القلق على المدى القصير من خلال تقليل رد فعله السلبي على المحفّزات المخيفة. فإن الفشل في مواجهة الخوف بشكل كامل يمنع التخلّص منه. والنتيجة هي تبني استراتيجية القلق بينما يظلّ الخوف نشطًا مما ينتج عنه المزيد من القلق.

تّشبه هذه العملية من الناحية المفاهيمية عملية الإدمان والتي من خلالها يُقلّل استخدام المواد المخدرة من الانزعاج الفوري من خلال منع المستخدم من مواجهة ظروفه المجهدة عاطفيًا وحلّها فعليًا. يُصبح استخدام المواد نفسها بمرور الوقت مشكلة أكبر من أي مشكلة تم استخدامها في البداية لتجنّبها.

ومع ذلك، في الآونة الأخيرة تراكُم البيانات تُشير إلى أنه في حين تجربة القلق تتنبّأ باستثارة عاطفية أقلّ بسبب المحفّزات المكروهة اللاحقة فإنها تنتج في الواقع عاطفة سلبية متزايدة في الوقت الحقيقي لدى الأشخاص المصابين باضطراب القلق العام. بعبارة أخرى، بدلاً من السماح بتجنب الانفعالات السلبية فإن القلق في الواقع يؤدي إلى حالة عاطفية سلبية. يبدو أن ردود الفعل العاطفية للقلق تجاه المنبّهات المخيفة تبدو مثبّطة لأن القلق قد خلق خطَ أساسِ استيقاظٍ أعلى. إذا تم تنشيط بالفعل بسبب القلق فإن تقديم حافزٍ مخيفٍ لن يؤدي إلّا إلى إضافة الكثير إلى التنشيط المرتفع.

اقترح عالمَا النفس ميشيل نيومان من ولاية بنسلفانيا وساندرا ليرا من جامعة توسون بالنظر إلى هذا الدليل تفسيرًا جديدًا لـ GAD. وفقًا لنموذج تجنّب التباين (CAM) فإن ما يمنعه القلق ليس الاستثارة العاطفية السلبية بحد ذاتها، بل التقلّبات العاطفية السلبية الحادة.

يستشهد نيومان وليرا بدراسات مبكّرة تظهر أننا نختبر عاطفة سلبية أقل كرهًا عندما يسبقها عاطفة سلبية أخرى وأن المشاعر الإيجابية تزداد بعد شعور أقلّ إيجابية. يقترح المؤلفون أن القلق يحافظ على المشاعر السلبية (والإثارة العالية المصاحبة) من أجل تجنب تباين عاطفي سلبي حاد (أي ارتفاع حاد في المشاعر السلبية) وزيادة احتمال التباين الإيجابي (التحول نحو المشاعر الإيجابية).

وبالتالي، بدلاً من منع المشاعر السلبية، يقترحون أن القلق في الواقع “يزيد من المشاعر السلبية بحيث لا يلاحظ أي زيادة أخرى في التأثير السلبي أو الاستجابة الفسيولوجية استجابة للتعرّض للخوف”. هذه الفكرة مماثلة لفكرة أن بعض الناس يتبنّون التشاؤم المستمرّ كطريقة لتجنب تحطيم خيبات الأمل.

قد يكافئ القلق الأشخاص المصابين باضطراب القلق العام، وبالتالي يتم الحفاظ عليه لأنه يمنع الزيادات الحادة في المشاعر السلبية. يمكن الحفاظ عليها أيضًا من خلال حقيقة أن الحالة المزاجية السلبية أثناء القلق يمكن أن تعزّز الحاجة إلى مزيد من القلق من خلال أنظمة الكشف عن التهديدات فائقة الاستجابة التي تميز الأشخاص الذين تم تشخيصهم باضطراب القلق العام وعن طريق التعلّم عن أوجه القصور التي تُهيئ الأشخاص الذين يُعانون من اضطراب القلق العام لتفسير الغموض على أنه تهديد فيفشلون في إنهاء يقظتهم ولديهم تحيّز انتقائي متعمد تجاه المنبهات المرتبطة بالقلق.

علاوة على ذلك، على الرغم من حقيقة أن القلق المزمن مرهق وضارّ عاطفيًا وجسديًا إلا أن الأشخاص المصابون باضطراب القلق العام يميلون إلى تبنّي معتقدات إيجابية حول القلق باعتباره استراتيجية مفيدة للتكيّف ووسيلة للاستعداد للمتاعب وقوة تحفيزية تجاه حماية الذات. بشكل عام، تصبح أفكار القلق خرافة وقائية: بعد أن قلقت كثيرًا بشأن الكوارث التي لم تتحقق، يعتقد الأشخاص المصابون باضطراب القلق العام أن القلق في الواقع يمنع وقوع الكوارث. تشير نظرية CAM إلى أن دور القلق في منع الانعطافات العاطفية السلبية الحادة قد يكون سببًا مركزيًا آخر يتم تبنيه والحفاظ عليه.

قدمت نتائج الأبحاث الدعم لهذا النموذج على مدى السنوات العديدة الماضية مما يدل على أن الأشخاص الذين يعانون من اضطراب القلق العام (GAD) يميلون إلى أن يكونوا أكثر حساسية للتناقضات العاطفية السلبية. تتبعت إحدى الدراسات الحديثة التي أجراها نيومان وزملاؤه (2019) المشاركين الذين يعانون من اضطراب القلق العام (GAD) والضوابط على مدار ثمانية أيام وقياس قلقهم وتكافؤ الفكر (إيجابيًا أو سلبيًا) وإثارة القلق مرة واحدة في الساعة أي 10 مرات في اليوم. وجد الباحثون أن مدة القلق الأكبر وتكافؤ الفكر السلبي وعدم القدرة على التحكم في تسلسل الأفكار تنبأت بقلق متزايد – بالإضافة إلى انخفاض احتمالية حدوث تباين عاطفي سلبي واحتمال أكبر للتباين العاطفي الإيجابي بعد ساعة واحدة. تشير النتائج إلى أنه تماشياً مع نظرية CAM “أن القلق يقلل من احتمالية حدوث زيادة حادّة في التأثير السلبي ويفعل ذلك عن طريق زيادة تنشيط القلق والحفاظ عليه”.

إذا تم دعم النظرية بشكلٍ أكبر فقد يكون لها آثار على العلاج أيضًا. يصعب علاج اضطراب القلق العام وقد يكون هذا جزئيًا بسبب عدم فهمنا الكامل لطبيعة الخوف في اضطراب القلق العام. تقترح نظرية CAM أن الخوف الأساسي الكامن وراء القلق في اضطراب القلق العام هو التباين العاطفي السلبي. إذا كان الأمر كذلك، فقد يتطلع المعالجون بشكل مفيد إلى استهداف تجنب تباين المرضى على وجه التحديد – على سبيل المثال، من خلال المتابعة المتكررة للاسترخاء مع المحفزات العاطفية السلبية أو بتعريض المرضى للصور المتناقضة اللطيفة ثم غير السارة في تتابع سريع. قد تساعد مواجهة الخوف من تجارب التباين السلبية بشكل مباشر في إخمادها وبالتالي تحريرهم من فخ القلق في اضطراب القلق العام.

أعجبني المقال

المصدر
psychologytoday

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى