التربية والتعليم

أثر الاستعمار على تدهور نظام التعليم الإسلامي

  • فيصل مالك
  • ترجمة: أحمد سامي
  • تحرير: عبد الله البراك

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

في فيلمٍ وثائقي بثَّته قناة سي إن إن بعنوان: (جيل الإسلام) نُصَّ في جزءٍ مُخصَّصٍ عن التعليم الإسلامي في باكستان على ما يلي: “كثير من المدارس تُعلِّم نسخةً عتيقة من الإسلام لا تزال ترسف في قيود الماضي، ونادرًا ما يَدْرِس الطلبة الرياضيات أو العلوم…. “، ثم يمضي الفيلم الوثائقي مدحاً لعاملٍ في منظمة غير حكوميَّةٍ بأنه ” في طليعة معركة ” تجديد المدارس الباكستانية”.[1]

إنَّ تصوير الفيلم الوثائقي للمدارس[2] أنّها من بقايا الثقافة الإسلامية ما قبل الحداثية، وكونها في حالة جمود زماني، بعيدة عن الواقع، وأحيانًا في صراع مع العالم الحديث= هو انعكاس لخطابٍ أوسع موجود في وسائل الإعلام، ومراكز الفكر، والدوائر الثقافية، والهيئات الحكومية[3]، يفسِّر لنا التحديات التعليمية التي تواجه العالم الإسلامي نتيجةَ الافتقار للتجديد. وجهة النظر هذه تُفسِّر عدم قدرة المؤسّسات التعليمية في أجزاء كثيرة من العالم الإسلامي تلبية احتياجات سكانها على أنها[4] نتيجة عدم قدرتها على الانخراط في الحداثة. لقد حظت مقولة “التراث مقابل الحداثة” بدعم العديد من المؤرِّخين والأكاديميين الذين صوّروا المؤسَّسات التعليمية الإسلامية أنّها ذات دور محدود للغاية في تطوّر فكر الحضارة الإسلامية[5]. ورغم تصوير المعاهد التعليمية الإسلامية – مثل المدرسة – بأنها بقايا قديمة من العصور الوسطى لا يزال سائدًا في الخطاب الشعبي، فقد طُعِن بهذه الرواية من قِبَل العديد من المؤرخين والمفكرين والعلماء الآخرين على مرّ السنين[6]. متابعةً لأعمال الباحثين والمفكرين السابقين، تركز هذه الورقة على أنّ التعليم الحالي في العالم الإسلامي- بعيدًا عن بقايا الحضارة الإسلامية القديمة – هو بالأحرى نتيجة ثانوية للتطورات التي بدأت خلال الفترة الاستعمارية. لإثبات أن الوضع الحالي للتعليم في العالم الإسلامي هو حديث تمامًا، سأفحص الأسس الفلسفية للتعليم في العالم الإسلامي، وتأثير الاستعمار على هذه الأنظمة التعليمية. فمن ناحية السياق: تطوّرت أنظمة مدرسية مختلفة أساسها رؤية إسلامية للعالم الإسلامي، لقد ساعد التوحيد والنبوة والإيمان بالآخرة في تشكيل ودعم المؤسسات التعليمية القائمة في المجتمعات الإسلامية التقليدية. ومع ظهور الاستعمار الأوروبي بداية القرن الثامن عشر، خضع نظام التعليم في العالم الإسلامي لتحوّل جذري. أدخل الاستعمار الأوروبي نظريات ومعاهد تعليمية إلى العالم الإسلامي كانت ترتكز على نموذج علماني. ومع التعرض

للمفاهيم الجديدة الخاصة بالتربية والتعليم، أُزيحت المفاهيم القديمة للتعليم في كثير من بقاع العالم الإسلامي. نشأت المشكلة من حقيقة أن النظم المدرسية الجديدة مبنية على نظريات معرفية ووجهات نظر للعالم (أجنبية) عن النظرة الإسلامية للعالم، والتي خلقت بدورها أزمة تعليمية في العالم الإسلامي لازالت موجودة حتى يومنا هذا.

 

في هذه الورقة سأركز على ثلاث مجالات محددة:

  1. الأسس الفلسفية للتعليم في العالم الإسلامي.
  2. تأثير الاستعمار على النظم التعليمة في العالم الإسلامي.
  3. استكشاف الإصلاح التعليمي في العالم الإسلامي.

 

الأسس الفلسفية للتعليم في العالم الإسلامي:

اقرأ ! الوصية الإلهية والمعرفة:

غالبًا ما يبدأ المؤرِّخون المسلمون بذكر الآيات الأولى التي أُنزِلت على النبي محمّد ﷺ عند مناقشة التعليم في الإسلام. إن أوّل كلمة نزلت من القرآن كانت الوصية (اقرأ) بمعنى (read). يمكن من استقراء الآيات القليلة التالية استنتاج أنّ الإسلام منذ نشأته أعطى أهمية لطلب العلم من خلال الأمر الإلهيّ بالقراءة (96: 1) ورفع مستوى الكتابة والقراءة بالإشارة إلى القلم باعتباره آلةً لتعليم البشر (96: 4)، ولفحص العالم المشاهد من خلال الإشارة إلى الأصل الإنساني من العلق (96: 1-5)؛[7] وأخيرًا ربط تحصيل العلم بتحصيل معرفة الله (96: 1-5)[8]

إنّ الدعوة لطلب العلم موضوع متكرر في مواضع شتّى من القرآن. في الواقع إنّ كلمة المعرفة – العلم- ومشتقاتها تَرِد أكثر من 800 مرة في القرآن[9]. وتعتبر[10] ثاني الكلمات تكرارًا – بعد كلمة الله-. إن المعرفة الحقيقية من منظور قرآني ليست مجرد جمع لمعلومات وبيانات يمكن تفعيلها لأجل الشعب أو المجتمع أو المؤسّسات، المعرفة الحقيقية هي التي تحوِّل الإنسان وتربطه بوجوده والغاية منه وتجعله في انسجام مع الكون.في الإطار الإسلامي لا يمكن فصل السعي وراء المعرفة عن الأخلاق التي شرعها الله[11]، ولا عن الوقائع الميتافيزيقية التي يقوم عليها الوجود البشري. المعرفة الحقيقية يجب أن تقود المرء دومًا إلى الله.

 

فيما يتعلق بطلب العلم من خلال النماذج المؤسسية، فقد استُخْدِمَت ثلاث مرتكزات للتعليم في اللغة العربية والحضارة الإسلامية:

  1. التعليم: يعني المعرفة، الدراية، الإدراك والتعلّم.
  2. التربية: تعني الزيادة، والنمو، والتنشئة.
  3. التأديب: يعني أن يكون متحضرًا، ذا مروءة، وخلق[12]

من هذه المفاهيم يمكن للمرء أنْ يُستخلَص مفاهيم الوعي، والنمو، والتزكية جزءً من مساعي العملية التعليمية في النظرة الإسلامية للعالم.

 

ازدهار المعاهد التعليمية في العالم الإسلامي:

لقد حفَّز الجيل الأول من المسلمين خلال حياة النبي محمّد ﷺ التعلُّم وطلب العلم. كان التشديد على تحصيل المعرفة كبيرًا للغاية، لدرجة أنّه خلال المعركة الأولى للمجتمع الإسلامي – معركة بدر – وبعد هزيمة مكة – وضع النبي محمّد ﷺ شرطًا لبعض أسرى مكة لنَيْل حريتهم إنْ علّموا 10 من أطفال المسلمين القراءة والكتابة[13]. لقد كانت عملية التعلّم والتعليم بالنسبة للمجتمع الإسلامي الأول تُعقَد في منازل المسلمين الخاصَّة كبيت ابن الأرقم، ثم انتقل هذا الأمر إلى المسجد -المسجد الجامع-[14]

في حين كان المسجد ممثّلًا لبداية التطور التعليمي في العالم الإسلامي ظهرت معاهد أعقد في نهاية المطاف([15]). ومع مرور الوقت ومن خلال نظام الوقف الديني، ولِدت (المدرسة) التي ساعدت على تمهيد الطريق للتعليم المؤسَّسي الشامل في جميع أنحاء العالم الإسلامي[16]. ازدهر نظام المدرسة[17] في عهد (الوزير نظام الملك) – وزير دولة السلاجقة – وتوسَّعت أكثر مع مجيء العثمانيين بعد عدة قرون[18]، ثم صارت المدارس سائدة في بقاع كثيرة من العالم الإسلامي كما أنها مُتاحة بشكل عام لمستويات مختلفة من المجتمع. وتُشير السجلَّات إلى وجود مدارس في القاهرة ودمشق خلال حكم المماليك، وفي القرن الثالث عشر أُتِيح[19] للمسنّات و المطلّقات و الأرامل الانتظام في سلك التعليم. وأثناء الحكم الإسلامي لإسبانيا رُصِدت 17 جامعة و 70 مكتبة عامة تحوي مئات الآلاف من الكُتُب في قرطبة وحدها[20]. وهناك تقارير تُفِيد بأنه خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر الميلاديين كان عدد المدارس يُقارِب الألف في مدينة دلهي وحدها، وأن التعليم كان مُتاحًا لجميع طبقات المجتمع بما في ذلك العبيد[21]. حتّى أن كثيرًا من غير المسلمين في الهند في فترة الحكم المغولي التحقوا بالمدارس و الكتاتيب -جمع كُتّاب، وهو نوع من التدريس الابتدائي للأطفال[22]. وقد أعرب مسؤول استعماري في عام 1857 عن دهشته من عدد الهندوس الذين كانوا يرتادون المدارس التي يُديرها المسلمون في منطقة البنجاب[23]

وفي القرن الثامن عشر، سجَّل السياح الأوروبيون الذين يزورون أماكن مثل القاهرة دهشتهم من النسبة الهائلة للمتعلمين[24] وقد أشارت تقارير لباحثين فرنسيين في الجزائر أثناء بداية الاحتلال الفرنسي للجزائر في القرن التاسع عشر أن نسبة المتعلمين فيها أعلى من نظيرتها فرنسا[25] هذه مجرد أمثلة على الشبكات الواسعة للمدارس التي كانت سائدة في بقاع كثيرة من العالم الإسلامي. ومع ذلك، فإن السؤال الذي يَطرح نفسه: ماذا يُدرَّس بالضبط في هذه المدارس؟

 

المعقول و المنقول: العقلاني و الموروث:

عند مناقشة مقرر ما كان يتم دراسته وتدريسه في المدارس في العالم الإسلامي يجب التنبيه أنّه: عكس الفصل بين الديني والعلماني الذي من شأنه تمييز العالم الغربي في النهاية، لم تقسم المجتمعات الإسلامية التقليدية المعرفة بهذه الطريقة. لقد كان يُنظَر للدين في الحضارة الإسلامية بأنه مُمثِّل لرؤية شاملة للواقع حيث يكون العقل والفكر العقلاني في حالة اندماج مع المعرفة المقدسة. كانت المناهج الدراسية في المدارس والمدارس الإسلامية الأخرى تنقسم بشكل عام إلى علوم المعقول (العلوم العقلية) وإلى علوم المنقول (العلوم النقلية)[26] العديد من الموضوعات التي يمكن تصنيفها في العصور الحديثة على أنها علمانية – مثل الرياضيات و الطب وغيرهما – تندرج عمومًا في المجتمعات الإسلامية التقليدية على ضمن علوم المعقول[27] من المهم إذًا ملاحظة أنّ العديد من علوم المعقول (مثل الرياضيات و الطب وما إلى ذلك) تُصنَّف في الأزمنة المعاصرة علومًا علمانية، إلا أنّ هذه الموضوعات كانت تُدرَّس في العالم الإسلامي ضمن النموذج (البراديغم) الإسلامي. لم يرَ المجتمع المسلم إذًا أي حاجة أبدًا لفصل تلك المواضيع عن الدين، لذلك كانت علوم المعقول تُعتبَر فرعًا من فروع التعليم الديني، كما اعتبر المفكرون المسلمون البحث العلمي وسيلة لاستكشاف الحقائق الدينية[28] والتأمل في خلق الله. إنّ الحديث عن دراسة الطب أو علم الفلك أو غيرهما من العلوم وإسنادها على نموذج (براديغم) إسلامي قد يبدو غريبًا بالنسبة للبعض، فإنّ من المهم ملاحظة أنّه لا يمكن تدريس أي موضوع بعيدًا عن نموذج ونظرة عالمية ما. في حين أنّ العديد من التخصصات التي تُدْرَس وتُدَرَّس في الغرب و الجامعات العلمانية غالبًا ما تدعي العالمية، فإن التحليل العميق سيكشف أنها ترتكز على مجموعة متباينة من الأنساق والنماذج ووجهات النظر العالمية، سواء أكانت وضعية أم رديَّة أم نسبوية، أم تاريخانية…إلخ.

 

بمجرد إلقاء نظرة خاطفة على حياة و أعمال المفكرين البارزين الذين عاشوا خلال فترة ازدهار الحضارة الإسلامية، يمكن للمرء أن يجد العديد من الأمثلة التي توضح كيف نشأت المجتمعات الإسلامية وفق منهج تكاملي للمعرفة يكون فيها الدين والعقل والعلم و اﻷخلاق والميتافيزيقا في حالة اتّحاد وتناغم.

قسّم ابن سينا – العالم المسلم الموسوعي الشهير الذي عاش في القرنين العاشر والحادي عشر – الفلسفة النظرية فيما يتعلق بالمادة والحركة إلى ثلاثة أنواع من العلوم: طبيعية، ورياضية ولاهوتية/ميتافيزيقية[29]. لم يكن يرى هذه العلوم على أنها علمانية ودينية، بل اعتبرها أقسامًا ضمن إطار أكبر للمعرفة.

ومن الجدير بالذكر أنّه رغم اعتقاد ابن سينا بأنّ علم اللاهوت / الميتافيزيقا كان أشرف العلوم وأن العلوم الطبيعية كانت أدناها[30]، فإنّ هذا لم يُعِقْ منهجه في الطبيعيات، حيث أصبح عمله في علم الطب (القانون في الطب) المرجع الأساسي لعلم الطب في أوروبا لعدة قرون[31]. وقد أشاد المتكلِّم (اللاهوتي) الشهير الغزالي – الذي عاش بعد ابن سينا بجيل واحد فقط – بدراسة الطِّب والرياضيات، بل وادعى أن تَعَلُّم هذه العلوم من فروض الكفاية -التي تجب على بعض الناس في المجتمع-.فبالنسبة للغزالي إذًا، أي مجال دراسي ضروري لتنمية المجتمعات – مثل الطب والرياضيات والزراعة وغيرها – يُعتبَر من الناحية الاهوتية فرضًا دينيًا مجتمعيًا، وعلى الأقل يحتاج بعض أفراد كل مجتمع أن يكونوا ماهرين في مثل هذه العلوم[32]

 

كتب مُؤرِّخ وعالم اجتماع القرن الرابع عشر (ابن خلدون) في (مقدمته) عن مختلف العلوم التي كانت تُدرَّس في العالم الإسلامي في عصره، وأشار إلى أن العلوم المتضمنة المعقولات كانت علم المنطق و الفيزياء والهندسة والحساب وعلم الفلك والطب والجبر والبصريات وغيرها[33] وأشار أيضًا إلى التقدير الكبير الذي كان لعلم الرياضيات في بعض المجتمعات الإسلامية، حيث كان الأطفال يتعلمون هذا العلم في سن مبكرة[34]. وتجدر اﻹشارة أيضًا أنّ ابن خلدون – في تحديد العلوم المختلفة التي كانت تُدرَّس في العالم الإسلامي – لاحظ أنّ القرآن لعب دورًا محوريًا في تربية الأطفال على امتداد الحضارة الإسلامية[35] يمكن رؤية أحد الأمثلة على مركزية وتأثير التعليم القرآني في العالم الإسلامي من خلال تقرير لـفرانسيس مور – مُوظّف في شركة رويال أفريكان في انجلترا – حيث لاحظ في ثلاثينيات القرن الثامن عشر أنّ السكان المحليين في منطقة سِنيجامبيا أكثر معرفة باللغة العربية – لغة القرآن – من معرفة الأوروبيين باللغة اللاتينية [36]

 

يُرينا مخطَّط ابن خلدون للمواد المختلفة التي كان تُدرَّس في العالم الإسلامي – بجانب مركزية القرآن في نظام التعليم – أن الحضارة الإسلامية لم ترَ أيّ تناقض بين العقيدة والعلم والعقل والوحي، بل وطوّرت حضارة تكون فيها المعرفة في نظام مُوحّد غير منقسم إلى علماني/وديني. سهّلت إذاً المقاربة التكاملية للعقل و العلم والوحي التي كانت موجودة في المجتمعات الإسلامية إنشاء المعاهد التعليمية التي طوّرت المعرفة والبحث العلمي. وخلال الفترة بين القرنين التاسع والثاني عشر، كان هناك المزيد من الأعمال الفلسفية و الطبية و التاريخية و الفلكية والجغرافية المكتوبة باللغة العربية أكثر من أي لغة أخرى[37]. كان البحث العلمي في ظل الحكم العباسي غالبًا ما يُدعَم من الحكومة[38] وكان بيت الحكمة مرصدًا ومركزًا بحثيًا مشهورًا[39]. وخلال عصر السلاجقة، يجد المرء مستشفيات ومراصد فلكية بجوار المدارس[40]. وفي عهد العثمانيين، أُنشِئت مدارس مخصّصة لدراسة الطب، مثل المدرسة السليمانية الطِّبية التي أنشأها سليمان القانوني (1494-1566)[41]. وقد صَدَر في عهد الحاكم المغولي (أكبر) مرسومًا يقضي بتعليم كل صبي الحساب، والزراعة، والهندسة، وعلم الفلك، والطّب، والمنطق إلى جانب مواضيع أخرى[42]. وكان ” الدرس النظامي ” وهو المنهج الذي ابتكره عالم القرن الثامن عشر: ملا نظام الدين السهالوي – وارتبطت به مئات من المدارس في أزمنة معاصرة – يحوي علم الهندسة والطب والفلك في مقرراته[43]

 

تأثير الاستعمار على النظام التعليمي في العالم الإسلامي:

إنّ ازدهار الحضارة الإسلامية لم يكن بمعزل عن بقيّة العالم، بل إنّ التفاعلات بين الثقافات المختلفة ساعدت الحضارة الإسلامية، وبالتالي أثّرت الحضارة الإسلامية أيضًا على العالم الأوسع. كان هذا التأثير محسوسًا في أوروبا حيث كان هناك الكثير من التبادل الفكري والثقافي قبل الاستعمار. يمكن رؤية مثال على ذلك ما حدث في أوروبا من تطويرٍ للجامعات في العصور الوسطى تأثّراً بالأحداث الجارية في العالم الإسلامي، خصوصًا في إسبانيا المسلمة (الأندلس). حيث تأسست كليات الطب في أوروبا في أماكن مثل مونبلييه وبادو وبيزا على نمط كليات الطب الإسلامية في قرطبة[44]. وقد تُرجِمت ودُرِست أبحاث وكتابات العديد من العلماء المسلمين في أوروبا لعدة قرون. فأعمال القرن الثامن في كيمياء جابر بن حَيّان[45] وكتابات ابن سينا في الطب[46] وكتابات الزهراوي في القرن العاشر عن الجراحة[47] وعمل القرن الثالث عشر في علم الصيدلة للبيطار[48] مجرد أمثلة قليلة لأعمال العلماء المسلمين التي تُرجِمت وأثّرت في أوروبا لعدة قرون. غير أن التجربة الاستعمارية غيّرت بيئة التبادل المشترك إلى بيئة يسودها الهيمنة (والإخضاع)، حيث كان الاستعمار سببًا لتحولات كبيرة في النظم التعليمية في العالم الإسلامي.

 

الاستعمار وإبادة المعرفة:

في أواخر القرن الخامس عشر، كانت الأندلس/إسبانيا المسلمة على مشارف الاحتلال من قِبَل الملكية الكاثوليكية[49]، التي صاحبت الإبادةَ الجماعية الجسدية فيها إبادةٌ جماعية فكرية، أو ما أسماه جروسفوجيل بـ “مُبيد المعرفة”[50]. وإلى جانب قمع وقتل جماعة كاملة من المسلمين واليهود، قامت عملية حرق جماعي للمكتبات[51].

وكانت عمليات الحرق الجماعية للمكتبات في الأندلس إيذانًا ببدء المراحل الأولى للغزو الفكري والذي كان موازيًا للفتوحات السياسية للعصر الاستعماري. ومع اتجاه أوروبا الغربية نحو العلمانية، فإنها ستُصبِح في النهاية قوة عالمية متجانسة تفرض تقاليدها الفكرية على الثقافات والمجتمعات في جميع أنحاء العالم باسم التقدم. وأضحت النظرية المعرفية للعلمانية والتي تكمن في قلب عصر التنوير قوة جارفة لتدمير الأنظمة المعرفية للثقافات والمجتمعات الأخرى، بحيث صاحبت الإمبريالية السياسية عملية غزو فكري. وصار العلم – بعد علمنته وتطويره في الغرب خلال عصر التنوير – مع الفلسفة الطبيعية جنبًا إلى جنب= يُعرَض على أنه الوسيلة العالمية الوحيدة الصالحة لتحليل العالَم. وبالتالي أصبح العالِم الغربي – مثل المسؤول العسكري – جزء لا يتجزأ من المشروع الاستعماري[52]. فقد كان الادعاء بأن العالَم الغربي قد طوّر نظامًا معرفيًا متفوقًا على جميع الأنظمة المعرفية الأخرى في العالم أحد المبرِّرات المستخدمة للفتوحات السياسية الكبيرة ولاستعباد بقيّة العالم[53]. وبينما يُحوَّل المنتج المعرفي والعلمي للثقافات والمجتمعات الأخرى إلى أساطير ـ كان يُزعَم أن العلم القادم من الغرب = عالمي، ومن هنا أصبح العلم وسيلة للاستعمار الفكري[54]. ففي العالم الإسلامي أدى الاستعمار الفكري تدريجيًا إلى استبدال المنهج المعرفي الشامل والمتكامل بنظام معرفي علماني مجزإً ومختزل ومادي.

 

تحت ستار التقدّم، لم يبرِّر الاستعمار غزو المجتمعات الأخرى فحسب، بل أصبح العلم المادي الاختزالي المطوَّر وسيلة لاستغلال الطبيعة وتدمير النظم البيئية بشكل كامل[55]

 

وصف المفكر والشاعر الشهير محمد إقبال طبيعة العلم الكارثية الذي كانت تنتجه أوروبا وتصدره لبقيّة العالم على غرار العلوم الطبيعية:

الواقع أن العلوم الطبيعية مثل الطيور الجارحة تنقضوا على جسم الطبيعة الميت، ثم يذهب كل منها بقطعة من لحمه، فالطبيعة موضوعاً للعلم أمر مصطنع للغاية، وهذا الاصطناع ناجم عن العملية الانتقائية التي يمارسها العلم ابتغاءً للدقة[56]

استُجلِب هذا المفهوم العلماني للعلم والمعرفة عن طريق إنشاء أنظمة تعليمية علمانية جديدة في العالم الإسلامي. وزُرعت هذه الأنظمة في العالم الإسلامي من قبل المسؤولين الاستعماريين، كما قام على رعايتها رجال الدولة المسلمين الذين أرادوا استخدام التعليم أداةً لإقامة الدولة.

 

السياسات التعليمية الاستعمارية:

في عام 1835، قام توماس بابينجتون ماكولي – معلم بريطاني – بإعداد مناهجَ دراسية للمؤسسات التعليمية في جميع أنحاء الهند، والذي تضمن “العلوم الحديثة” بالإضافة إلى الإنجليزية. دعمت الحكومة الاستعمارية مناهج ماكلوي، وعملت على تقويض المناهج التي كانت تُدرِّسها المدارس التي أُنشِئت قبل الاستعمار[57]. واستمر تدريس هذا المنهج حتى اندلاع الانتفاضة الشهيرة عام 1857[58]. وبعد ذلك وضِعت سياسات جديدة لجعل التعليم تحت السيطرة الكاملة للنظام الاستعماري.

 

في مصر، خلال ثلاث سنوات من الاحتلال تحت حكم نابليون، وضِعت خطط لإنشاء مدرسة ابتدائية للمصريين لتعليمهم أجزاء من العلوم والفنون في سبيل إعدادهم للالتحاق بمدرسة طبية يديرها الفرنسيون[59]. كما خُطِّط لإنشاء مدرسة تدريب عسكري بنخب المماليك لإنشاء جيش حديث[60] والذي بشأنه أن يكون بمثابة وكيل للحكم الفرنسي في مصر.

وفي الإمبراطورية العثمانية، بدأ عدد متزايد من بلدان أوروبا بإنشاء مدارس داخل الإمبراطورية عن طريق نظام التنازلات حيث كانت الإمبراطورية في حالة تدهور[61]

 

أما في غرب إفريقيا فقد سعت الحكومة الاستعمارية للسيطرة على تأثير التعليم الإسلامي على السكان والحدِّ منه. ومع دخول عام 1857، بدأ الحاكم الفرنسي الاستعماري والجنرال لويس ليون سيزار فيدربه سلسلة من المراسيم القانونية والسياسات التعليمية، والتي سار عليها المسؤولون الاستعماريون الآخرون على مدار عقود من الزمان والذين سعوا للحدِّ بشكل منهجي من التعليم الإسلامي في منطقة سِنغامبيا وتقليل تأثير المدارس القرآنية التي كانت مهيمنة في تلك المنطقة لمدة 900 سنة[62]

أُدخِلت الأنظمة المدرسية الجديدة إلى جميع أنحاء العالم الإسلامي وكان لهذا نتائج حاسمة. وأوّل هذه النتائج الحاسمة هو بدء اكتساب التعليم العلماني -والتعليم من حيث أنه أداة لبناء الدولة القومية وتوسيع نقاط سيطرة الحكومة- رواجًا داخل العالم الإسلامي، ثانيًا بدأت عملية إدخال المدارس التي أقامها الاستعمار بعملية تقويض استقلالية وتأثير المدارس التي أسَّسها وقام عليها المسلمون قبل الحقبة الاستعمارية، وكذلك أنظمة المعرفة التي طوَّرها المسلمون قبل الاستعمار. وفي النهاية، غالبًا ما كانت هذه المدارس تهدف إلى استمالة النخب من السكان الأصليين وتدريبهم ليكونوا موظفين يخدمون مصالح الاستعمار، وبالتالي خَلْق نخبة جديدة في المجتمع المسلم مُتعاطفة مع المشروع الاستعماري. وفي هذا الصدد عندما يتوقف الاستعماريون عن استعمارهم الفكري، سيقوم المصلحون – الذين غالبًا ما يأتون من النخب – بالتقاط المشروع التجديدي الحداثي.

 

المصلحون والجيش والتحديث:

بدأ مشروع تحديث نظام التعليم في الدولة العثمانية في وقت مبكر من عام 1734، عندما أنشأ السلطان محمود الأول أولى المدارس العسكرية الحديثة[63] يتبعها كثير من المدارس في هذا النظام خلال سنوات قادمة، يرتبط معظمها بالرغبة في صنع جيش حديث، ويبلغ ذروته في إنشاء مدارس علمانية في إطار إصلاح التنظيمات ابتداءً من منتصف القرن التاسع عشر[64]. بلغت التغييرات الأساسية في التعليم أوجها عندما بدأ السلطان سليم الثالث برنامج (النظام الأول) عام 1789[65]. قُوبِل هذا التقليد الأعمى للغرب -والذي ميّز العديد من هذه الإصلاحات التعليمية- بانتقاد مفكرين مثل جمال الدين الأفغاني[66].

 

في عام 1908، بدأت مدرسة سانت لويس في غرب إفريقيا في محاولة الدولة الاستعمارية الفرنسية لإيجاد معاهد تعليمية تجمع بين عناصر من النظام التعليمي الفرنسي والتعليم الإسلامي. كان الأساس المنطقي وراء هذا النوع من المدارس =إنشاء نخبة من السكان الأصليين يعملون وكلاءً للمهمة الحضارية للدولة الاستعمارية[67]

 

في مصر، أظهرت كتابات لعلماء الأزهر –مثل الجبرتي وحسن العَطَّار– انبهارًا بالإنجازات الفكرية والعسكرية للفرنسيس في فترة حكمهم لمصر[68]. وبخصوص هذا الأمر واستنادًا على فكرة إنشاء جيش قوي، أنشأ محمد علي نظامًا موازيًا للتعليم تديره الحكومة يكون موجودًا بجانب نظام المدرسة والكُتَّاب المصري[69]. ومن أجل المساعدة في خَلْق نظام تعليمي جديد، أرسل محمد علي بعثة طلابية إلى أوروبا – فرنسا في المقام الأول- [70]، وفي عام 1844 أُنشِئت المدرسة العسكرية المصرية في فرنسا من أجل الطلاب الذين أرسلهم لدراسة العلوم العسكرية. وبعد محمد علي، قام علي مبارك – وهو مصلح مصري مشهور – على تحويل وتحديث نظام التعليم في مصر بعد سفره إلى فرنسا ودراسته نظام التعليم بها[71]. انتقد مبارك المدارس القديمة كالأزهر – أقدم معهد للتعليم العالي في مصر – قائلا: “لا دراية لهم بالتاريخ ولا الجغرافيا ولا الفلسفة”[72] مشيرًا بذلك إلى أنماط المعرفة الجديدة والتي تطوَّرت من خلال التفاعلات مع نظام التعليم والنظريات التعليمية القادمة من فرنسا. هناك شخصية أخرى مهمة ومعاصرة لعلي مبارك والتي قضت أيضًا بعض الوقت في فرنسا ألا وهي رفاعة الطهطاوي، والذي نَصَّ على وجوب وجود مدرس حكومي في كل قرية لتعليم القرويين “مبادئ الحكومة”[73] ولتعليمهم حب الوطن[74] إنّ ارتباط فكرة الطهطاوي عن التعليم بفكرة بناء الدولة ارتباطًا مباشرًا يُظهِر مدى تأثير النموذج الغربي في قطاعات معينة من نخب المجتمع الإسلامي، حيث تحمل فكرته عن استخدام المدارس لترسيخ الهوية الوطنية تشابهًا صارخًا مع السياسات التي اعتمدها الفرنسيون مع سكان الريف آنذاك[75]

 

في شبه القارة الهندية، أُنشئت جامعة محمد أنجلو الشرقية (MAO) (عُرِفت فيما بعد بجامعة عليكرة) في منتصف القرن التاسع عشر من قبل سيد أحمد خان والذي جعل جامعة كامبريدج نموذجًا ومثالًا لمدرسته[76]. لقد كان أحمد خان معجبًا جدًا بنظام التعليم العالي في بريطانيا. فقد قال لزميل له ذات مرة عن بريطانيا: “إذا أتيت إلى هنا … سترى كيفية التعليم، وتعليم الأطفال، وكيفية تحصيل المعرفة، وتكريم المجتمع “[77]. وفيما يتعلق بمنهج جامعة (MAO) التعليمي، فقد استُبدِلت أقسام علوم المعقول الفرعية والتي تناولت مواضيع مثل الفلسفة والفلك والطب والتي تُدرِّسها مدارس ما قبل الاستعمار بنظيرتها الأوروبية [78]. كانت حركته هذه ذات صلة، حيث أدت إلى بدء مرحلة جديدة في المعاهد التعليمية الإسلامية في الهند تتبنى خطابات المعرفة الناشئة عن أوروبا والتي جاءت لتحلَّ محلّ خطابات المعرفة ما قبل الاستعمار.

 

بالتوازي مع عمليّة الإصلاح التعليمي لأحمد خان، أنشأت مجموعة من العلماء الهنود (دار العلوم ديوبند) عام 1866[79]. تأثر منهج هذا الدار بشكل كبير بنسخة معدلة من منهج (الدرس النظامي)[80]. والذي يعود إلى عالم القرن الثامن عشر الملا نظام الدين السلاهوي[81]. وكانت محتويات (الدرس النظامي) واسعة للغاية وكان الهدف الأصلي لنظام الدين هو تطوير منهج دراسي يضم كلًا من علوم المعقول وعلوم المنقول، وكانت الهندسة، وعلم الفلك، والطب جزءً من المنهج الأصلي[82]. ثم جاء * الإصلاح الديوبندي لمنهج (الدرس النظامي) وأزال الأجزاء الرئيسية من مواد علوم المعقول والتي كانت في النسخة الأقدم من المنهج[83]، وحصر التركيز في المقام الأول على علوم المنقول. وكان تبرير بعض مؤسسي حركة ديوبندي لهذا الفعل هو أنّ الذي يريد تعليمًا”حديثًا “يمكنه الذهاب إلى الكليات والمدارس خارج نظام (المدرسة؟)[84]. هذا الموقف يوضح لنا كيف بدأ المسلمون في تقسيم تراثهم للمعرفة الموَّحدة، مفسحين المجال بذلك للأُطر والمواضيع العلمانية القادمة من الأنظمة الاستعمارية. وبهذا لم تعد فكرة التفوق المعرفي والعلمي الغربي مجرد ادعاء للمستعمِرِين، بل أصبحت متأصلة في أذهان السكان المستعمَرِين[85]

 

يمكن للمرء إذن أنْ يرى من اﻷمثلة المذكورة أعلاه، للإمبراطورية العثمانية، وغرب إفريقيا، ومصر، وشبه القارة الهندية، كيف أثّر الاستعمار بشكل كبير على نظام التعليم في بقاع كثيرة من العالم الإسلامي. ففي البداية كان هناك فرض مباشر من قبل الأنظمة الاستعمارية للمدارس العلمانية التي كانت غريبة عن الثقافة الإسلامية والتي قوّضت نظام تعليم ما قبل الاستعمار. ثم واصل الإصلاحيون المسلمون عملية إنشاء المدارس القائمة على أساس نموذج علماني غربي. ساعدت هذه المدارس الجديدة أيضًا في إدخال مفاهيم العلم وخطاب المعرفة الناشئة عن أوروبا العلمانية إلى داخل العالم الإسلامي، والتي من شأنها في نهاية المطاف تقويض واستبدال الخطابات العلمية و الأنظمة المعرفية الناشئة عن المجتمع الإسلامي من خلال إطار متكامل. وبينما كان هناك إصلاحيون يحاولون تطوير المعاهد التعليمية على أساس النماذج العلمانية الغربية، كان هناك حركات إصلاحية إسلامية مؤثرة – كحركة ديوبندي – تُنشئ مدارس ذات منهج ضيّق يركز فقط على علوم المنقول. أنبأ هذا التضييق في المناهج عن تقبُّل فكرة أنّ المدارس ذات دور أكثر محدودية في المجتمع والتنمية الفكرية من أسلافهم قبل الاستعمار.

 

استمر الإصلاح التعليمي في فترة ما بعد الاستعمار في الاتجاه التقليدي للمدارس العلمانية الغربية – في كلٍّ من البنية والمحتوى – وبالتوازي مع هذا فقد تضاءل دور المدارس في المجتمع. ومن ثم أدت هذه الاتجاهات في النهاية إلى أزمة تعليمية في المجتمعات الإسلامية.

 

استكشاف الإصلاح التعليمي في العالم الإسلامي:

لاحظ ابن خلدون – والذي كتب قبل الاستعمار الأوروبي بقرون- طبيعة أنّ المُحتلّ يقلِّد من احتلّه. يحدث هذا الأمر إما بسبب إعجاب المغلوب بالغالب وإما بنسبة خضوعهم إلى كمال المستعمِر ؟ وإما بسبب فشلهم في تحليل سبب هزيمتهم[86]. يصف هذا التشخيص الدقيق للمغلوبين الموقف الانهزامي السائد في العالم الإسلامي منذ فقدهم السلطة السياسية نتيجة الاستعمار واستمرار التقليد الأعمى للغرب الذي ميّز كثيرًا من حركات التجديد في العالم الإسلامي في حقبة ما بعد الاستعمار.

 

كان السبب المنطقي وراء القَبول الأعمى للأنظمة المدرسية القادمة من الغرب من قبل الإصلاحيين والحكومات هو الافتتان بالقوة الإقتصادية والسياسية للغرب، على أمل أنْ يؤدّي التبني لهذه المدارس العلمانية إلى النمو الاقتصادي والقوة السياسية للدول القومية. هذا الأمل لم يتبدّد وحسب، بل لن يكون من المبالغة القول بأنّ نظام التعليم العلماني الذي أُنشئ في العالم الإسلامي قد أدى إلى تفكك المجتمعات المحلية، وفقدان الثقافة، وتدمير أنظمة المعارف التقليدية[87]. وقد أشارت (الزيرة) إلى الآثار الضارة لاستيراد أنظمة التعليم العلمانية الغربية إلى العالم الإسلامي بقولها *: “ تكمن معضلة المجتمعات الإسلامية جزئيًا في حقيقة أنها استوردت أنظمة تعليم علمانية، وزرعتها في قلب المجتمعات الإسلامية التقليدية. بالنسبة لي، هذا يشبه زراعة نخيل في ألاسكا وتوقع أنْ تنمو بشكل طبيعي وتؤتي ثمارها. يعد الخلط بين الأساس الديني للمجتمعات الإسلامية و البناء العلماني لنظام التعليم الغربي سببًا رئيسًا للمشاكل التي تواجه جامعاتنا[88]

 

هذا الخلط بين نظام التعليم العلماني الغربي وبين المجتمعات الإسلامية غالبًا ما أدى إلى تكوين طبقة متعلِّمة معزولة ثقافيًا عن مجتمعها وتراثها الفكري، وفي أسوأ الحالات: تضمّنت بوادر لسياسات استعمارية جديدة سعت لإضفاء الشرعية على مجتمعاتهم من خلال تقليد الغرب وجعله معيارًا لكلِّ ما هو حقيقي وجميل ومقبول[89]. وصل مدى هذا الاستعمار الفكري لدرجة عدم منح الإسلام الشرعية إلا إذا أمكن تبريره من خلال منهجيّات البحث التي تستند على نظرية المعرفة العلمانية، وكذلك الأمر على المستوى الثقافي والسياسي لا يمكن أن يكون له شرعية إلا إذا تناسبت رؤيته مع المعايير التي طوّرها المفكرون الغربيون[90]. لم يقوِّض نظام التعليم العلماني النظرة الإسلامية للمعرفة الشاملة التكاملية فحسب، بل – في أحسن الأحوال – جعل الدين بمعزل عن المناهج الدراسية كالاقتصاد والسياسة والعلوم والثقافة وغيرها من المجالات. يُنظَر للدين في النموذج الإسلامي شاملًا لجميع أشكال المعرفة، وأنه جزء لا يتجزأ من كلّ موضوع وكلّ جانب من جوانب العملية التعليمية[91]. ولقد وصف (إقبال) هذا الفهم لحقيقة الدين من وجهة نظر إسلامية بقوله ” الدين ليس شأنًا إداريًا، إنه ليس مجرد فكر ولا مجرد شعور، وليس مجرد أعمال، الدين تعبير عن الإنسان برمّته”[92]، علاوة على ذلك، فإن الفكرة القائلة بتقسيم العالم إلى ما هو علماني وما هو ديني إلى مقدَّس ومدنَّس – والتي ميّزت العالم الغربي لقرون وميّزت نظام التعليم العلماني وإنتاج المعرفة – هي فكرة مناقضة للإسلام. يلمح إقبال إلى هذه النقطة بكلام شعري قائلا: “ لا يوجد في العالم ما هو مدنّس، كل ما هنالك هو مجال لسمو الذات روحيًا ؟”[93]

سيظل العالم الإسلامي ظلًا لما كان عليه في السابق بلا جوهر؟، ما لم تُتَّخذ خطوات جادة لمعالجة الأزمة التعليمية في العالم الإسلامي، وبذل جهود واعية لمواجهة علمنة المعرفة التي كانت قوة مُمنهجَة في العالم ؟([94]). لقد منع التقليد الأعمى للغرب العالم الإسلامي من الاستمرار في تطوير نماذج خاصة به من العلوم وأنظمة المعرفة التي تعكس الهوية الثقافية الإسلامية([95])، وتخدم احتياجات مجتمعاتهم، وتتوافق مع النظرة الإسلامية للعالم. إن مشروع بناء دولة من خلال استخدام نظام مدرسي علماني هو أمر أجنبي عن الإسلام حيث أنه لا يمكن إنشاء مجتمع حقيقي وعادل بدون الرجوع لأوامر الله والتعاليم النبوية، وفهم البُعد الأخروي. وتتضح مغالطة الفهم العلماني للمعرفة من حقيقة امتناع كون الذات البشرية الوسيلة الوحيدة لقياس الواقع[96]. لقد سلّطت الآيات الأولى من القرآن الضوء على حقيقة أن مصدر كل معرفة صحيحة هو الله، ومن ثَمّ فإنّ المعرفة المنفصلة عن الله ستؤدّي في النهاية إلى ضياع وضلال البشر.

 

وفي هذا الصدد فإنّ إعادة أسلمة المعرفة ليس مجرد تمجيد لتراث المفكرين المسلمين الكبار الذين عاشوا منذ قرون عديدة، بل هي تطوير نظرية المعرفة الإسلامية التي تخلق وحدة في المعارف[97] بحيث ترتبط جميع فروع التعلّم بالمبدأ الأساسي للحقيقة وهو توحيد الله.

 

لقد عرّف محمد نور أسلمة المعرفة على النحو التالي: “عملية عودة النظرة الميتافيزيقية للعالم، والإطار المعرفي والمبادئ الأخلاقية والقانونية إلى الإسلام وتمركزه في العملية التعليمية” [98]

 

دارت العديد من النقاشات في أواخر القرن العشرين حول تطوير أنظمة تعليمية من شأنها أْن تسدَّ احتياجات المجتمع الإسلامي وتتطوّر في إطار إسلامي حقيقي. فقد كتب مفكرون، مثل: نجيب العطاس، وسيد حسين نصر، وإسماعيل الفاروقي عن الحاجة إلى إعادة أسلمة المعرفة والأنظمة التعليمية.

 

وفي عام 1977 عُقِد المؤتمر الدولي الأول في مكة المكرمة لمناقشة القضايا والمشاكل المتعلقة بالتعليم في العالم الإسلامي، تلاه عدة مؤتمرات في الموضوع نفسه في أجزاء من العالم الإسلامي[99]. وفي حين دارت نقاشات كثيرة وإنشاء عدد غير قليل من الجامعات الإسلامية منذ ذلك الحين – مثل الجامعة الإسلامية في ماليزيا – فمازال هناك الكثير من العمل الذي يتعيّن القيام به لإنشاء معاهد تعليمية رائدة من شأنها إحداث تغيير ذي صلة بالعالم الإسلامي. ليس فقط في العالم الإسلامي، لكن على الصعيد العالمي، فإنّ تأثير قرون من المعرفة المنتجة في سياق الاستعمار سوف يستغرق أجيال عديدة لتحليلها وفهمها[100]

 

النتائج:

في حين أنّ النقاشات التي دارت حول أسلمة المعرفة ساعدت على إثارة الجدل حول إنتاج المعرفة، التعليم، ودور الإسلام في نظرية المعرفة، فقد تم أيضًا انتقادهم بسبب بعض القيود في الأدبيات الحالية حول هذا الموضوع. لقد لوحِظ أنّ الكثير من هذه الأدبيات كان رجعيًا حيث ركّز على الجدل ضد الغرب بدلًا من توفير وسيلة ملموسة يمكن من خلالها تنفيذ الأُطُر المفاهيمية للأسلمة في إنتاج المعرفة والتعليم[101]. لقد خلقت علمنة المعرفة والمجتمع والأفراد مشاكل هائلة في العالم بطرق متعددة: بيئية، وسياسية، واجتماعية، ونفسية، الخ..

 

المشروع الناجح لأسلمة المعرفة من شأنه أن يُعالِج المشاكل التي تواجه عالمنا الحالي، ويعيد النهج الشامل للمعرفة التي تمسّ الحاجة إليه، مع دمج للحقائق الروحية والميتافيزيقية في مجالات المعرفة المختلفة التي جُرِّدت من أهميتها الروحية. مقولة إقبال في هذا الصدد في أوائل القرن العشرين خير شاهد على مشروع أسلمة المعرفة، وقد عاش قبل استخدام المصطلح:

تحتاج الإنسانية اليوم إلى ثلاثة أشياء: تفسير روحي للكون، وتحرر روحي للفرد، ومبادئ أساسية لتأطير عالمي يوجَّه تطور المجتمع البشري على أساس روحاني” [102]

 

من خلال تسليط الضوء على التحولات التي حدثت خلال الحقبة الاستعمارية، من المأمول أنْ تفهم الأجيال الحالية والمستقبلية من التربويين أهميتها وأنْ تساهم في عملية إعادة دمج النظرة الإسلامية للعالم ونظرية المعرفة والأخلاق في المناهج التعليمية. علاوة على ذلك يُؤمل أيضًا أنْ تبدأ هذه الورقة في إلهام الطلاب والخبراء في مختلف التخصصات مثل: علم النفس، والأعمال، والفنون، إلخ. لإعادة التفكير في النماذج التي توجد ضمنها مجالات تخصصهم والمساهمة في دمج الروح الإسلامية في مجالات المعرفة الخاصة بهم. نسأل الله أنْ يرشدنا إلى تلك المعرفة التي تعيدنا إليه وتتيح لنا إفادة أرواحنا في هذه الحياة وفي الآخرة إنْ شاء الله.

اقرأ ايضًا: الإزاحة الثقافية: تداولٌ فكري؟ أم نفيٌ وجودي؟


[1] http://www.cnn.com/TRANSCRIPTS/0908/13/se.01.html

([2]) Plural of madrasa.

([3]) Farish Noor, Yoginder Sikand, and Martin van Bruinessen, eds., The Madrasa in Asia: Political Activism and Transnational Linkages (Amsterdam: Amsterdam University Press, 2008), 11.

([4]) International Crisis Group (ICG). 2004, October 7. Pakistan: Reforming the Education Sector. Islamabad/Brussels: International Crisis Group & Arab Human Development Report, 2003, Building a Knowledge Society. New York: United Nations Development Programme.

([5]) For examples of influential academics of the past see Goldziher, Ignaz, “The Attitude of Orthodox Islam toward the Ancient Science” in Studies on Islam, ed. Merlin L. Swartz (New York: Oxford University Press, 1981), 185–215 & Makdisi, George. The Rise of Colleges: Institutions of Learning in Islam and the West (Edinburgh: Edinburgh University Press, 1981). For examples of more recent writers see Hoodbhoy, Pervez, Islam and Science: Religious Orthodoxy and the Battle for Rationality (London & New Jersey: Zed Books Ltd, 1991) & Huff, Toby E. The Rise of Early Modern Science: Islam, China and the West (Cambridge: Cambridge University Press, 2017).

([6]) For examples of historians and academics who have put forth a more nuanced view of Islamic educational institutes in Muslim civilization, see Ekmeleddin, Ihsanoglu, History of the Ottoman State, Society & Civilization (Istanbul: Research Centre for Islamic History, Art and Culture IRCICA, 2002) & Langohr, Vickie (2005) “Colonial Education Systems and the Spread of Local Religious Movements: The Cases of British Egypt and Punjab,” Comparative Studies in Society and History 47, no. 1 & Robinson, Francis, 1997, “Ottomans-Safavids-Mughals: Shared Knowledge and Connective Systems,” Journal of Islamic Studies 8, no. 2 & Sahin, Abdullah. 2018. “Critical Issues in Islamic Education Studies: Rethinking Islamic and Western Liberal Secular Values of Education,” Religions 9, no. 11: 335, & Iqbal, Muzaffar. The Making of Islamic Science (Kuala Lumpur: Islamic Book Trust, 2009).

([7]) Alaq literally means to cling, has been interpreted as referring to an embryo or a stage in the development of the fetus; see The Qur’an: A New Translation, trans. M. A. S. Abdel Haleem (New York: Oxford University Press, 2010), 428.

([8]) Take, for instance, that the commandment in the first aya is not just ‘Read!’ but to Read in the name of God; the commandment to read is repeated in aya 3 and this time followed immediately with a description of God.

([9]) Al-Attas, Islam and Secularism, 78 & Cook, Classical Foundations of Islamic Educational Thought, x & Muhammad Abdel Haleem and Elsaid M. Badawi, Arabic-English Dictionary of Qur’Anic Usage (Leiden & Boston: Brill, 2008), 635.

([10]) Al Zeera, Wholeness and Holiness in Education, 63.

([11]) bu Hamid Al-Ghazali, Kitab Al-‘Ilm: The Book of Knowledge, Book 1 of the Ihya ‘Ulum Al-Din: The Revival of the Religious Sciences, trans. Kenneth Honerkamp (Louisville: Fons Vitae, 2015), xxx.

([12]) Cook, Classical Foundations of Islamic Educational Thought, xxvi.

([13]) Kuldip Kaur, Madrasa Education In India: A Study of Its Past and Present (Chandigarh: Centre for Research in Rural and Industrial Development (CCRID), 1990), 6 & Safiur-Rahman al-Mubarakpuri, The Sealed Nectar: Ar-Raheeq-ul-Makhtum. (Riyadh: Darussalam, 2002), 276.

([14]) Shawkat Omari, “Towards an Islamic Vision of Parallel Education Institutions,” ed. Hussein Abdul-Fattah and Fathi Malkawi, in The Education Conference Book: Planning, Implementation, Recommendations, and Abstracts of Presented Papers: A Conference on “Towards the Construction of a Contemporary Islamic Educational Theory” (Amman: Islamic Studies and Research Association, 1990), 176-177 & Sajid Muhammad Qasmi, Madrasa Education Framework (Dehli: MANAK Publications Pvt. Ltd, 2005),12-15.

([15]) George Makdisi, The Rise of Colleges: Institutions of Learning in Islam and the West (Edinburgh: Edinburgh University Press, 1981), 10.

([16]) Ibid., 27-28.

([17]) Ibid., 31

([18]) Feyyat Gokce, “Minority and Foreign Schools on the Ottoman Education System,” e-international journal of educational research 1, no. 1 (2010), 42 & Ekmeleddin Ihsanoglu, History of the Ottoman State, Society & Civilization (Istanbul: Research Centre for Islamic History, Art and Culture IRCICA, 2002), 2, 371.

([19]) Cook, Classical Foundations of Islamic Educational Thought, 244.

([20]) Ahmed Basheer “Contributions of Muslim Physicians and Other Scholars: 700-1600AC” in Muslim Contributions to World Civilization, ed. Syed A.Ahsani, Ahmed Basheer, and Dilnawaz A. Siddiqui (United Kingdom: International Institute of Islamic Thought, Association of Muslim Social Scientists, 2005), 73.

([21]) Kaur, Madrasa Education In India, 21.

([22]) Kaur, Madrasa Education In India, 92 & Langohr, Vickie (2005) “Colonial Education Systems and the Spread of Local Religious Movements: The Cases of British Egypt and Punjab.” Comparative Studies in Society and History 47, no. 1, p. 169.

([23]) Vickie Langohr, “Colonial Education Systems and the Spread of Local Religious Movements,” Comparative Studies in Society and History 47, no. 1 (2005), 168, 169.

([24]) Ihsanoglu, History of the Ottoman State, Society & Civilization Vol. 2, p. 247.

([25]) Ibid., 247-248.

([26]) Cook, Classical Foundations of Islamic Educational Thought, XX & Francis Robinson, “Ottomans-Safavids-Mughals: Shared Knowledge and Connective Systems,” Journal of Islamic Studies 8, no. 2 (1997), 152.

([27]) Cook, Classical Foundations of Islamic Educational Thought, XX & Kaur, Madrasa Education In India: A Study of Its Past and Present, 170.

([28]) Cook, Classical Foundations of Islamic Educational Thought, XX.

([29] (Al Zeera, Wholeness and Holiness in Education, 69.

([30]) Ibid., 69.

([31]) Ahmed “Contributions of Muslim Physicians and Other Scholars,” 80.

([32]) Abu Hamid Al-Ghazali, Kitab Al-‘Ilm, 38

([33]) Ibn Khaldun, The Muqaddimah: An Introduction to History, trans. Franz Rosenthal (Princeton: Princeton University Press, 2005), 370-390

([34]) Ibid., 376.

([35]) Ibid., 422-424.

([36]) Ware III, Rudolph T., The Walking Qur’an: Islamic Education, Embodied Knowledge, and History in West Africa (Chapel Hill: University of North Carolina Press, 2014), p. 106.

([37]) Ahmed, “Contributions of Muslim Physicians and Other Scholars,” 87.

([38]) Ibid., 76.

([39]) Kaur, Madrasa Education In India, 7.

([40]) Ihsanoglu, History of the Ottoman State, Society & Civilization Vol. 2, 373.

([41]) Ibid., 391, 405

([42]) Kaur, Madrasa Education In India, 34

([43]) Ibid., p. 52 & Hamid Mahmood, The Dars-E-Nizami and the Transnational Madaris in Britain (Queen Mary: University of London, 2012), 9, 10, 78 & Qasmi, Madrasa Education Framework, 49, 55-57.

([44]) Ahmed, “Contributions of Muslim Physicians and Other Scholars,” 77.

([45]) Ibid., 81.

([46]) Ibid., 80.

([47]) Ibid., 80.

([48]) Ibid., 82.

([49]) Grosfoguel, “The Structure of Knowledge in Westernized Universities,” 78.

([50]) Ibid., 79.

([51]) Ibid., 79.

([52] (Thésée ,“A Tool of Massive Erosion,” 29.

([53]) ElMessiri, “The Gate of Ijtihad,” 17 & Hamed Ibrahim “Reflections on Technology and Development: A Cultural Perspective,” in Epistemological BIAS in the Physical & Social Sciences, ed. Abdelwahab M. ElMessiri (Herndon: International Institute of Islamic Thought, 2006), 259.

([54]) Rafik Habib, “Modernizing vs. Westernizing the Social Sciences: The Case of Psychology” in Epistemological BIAS in the Physical & Social Sciences, ed. Abdelwahab M. ElMessiri (Herndon: International Institute of Islamic Thought., 2006), 130 & Thésée “A Tool of Massive Erosion,” 33.

([55]) Al Zeera, Wholeness and Holiness in Education: An Islamic Perspective, 86.

([56]) Muhammad Iqbal, The Reconstruction of Religious Thought in Islam (Lahore: Sang-E-Meel Publications, 2010), 44.

([57]) Qasmi, Madrasa Education Framework, 69-70

([58]) Ibid., 69-70

([59]) James Dunne-Heyworth, An Introduction to The History of Education in Modern Egypt (London: Frank Cass & Company Ltd, 1969), 98.

[60]Ibid., 100

([61]) Gokce, “Minority and Foreign Schools on the Ottoman Education System,” 48.

([62]) Ware III, The Walking Quran: Islamic Education, Embodied Knowledge, and History in West Africa, 164, 191, 203.

([63]) Kemal Cicek, The Great Ottoman-Turkish Civilisation (Ankara: Yeni Turkiye, 2000), p. 657.

([64]) Vernon O. Egger, A History of the Muslim World Since 1260; The Making of a Global Community (Upper Saddle: Pearson: Prentice-Hall, 2008), 309, 339.

([65]) Ihsanoglu, History of the Ottoman State, Society & Civilization Vol. 2, 424.

([66]) Adel Hussein “Bias in Western Schools of Social Thought: Our Heritage as the Starting Point for Development” in Epistemological BIAS in the Physical & Social Sciences, ed. Abdelwahab M. ElMessiri (Herndon: International Institute of Islamic Thought, 2006), 95.

([67]) Ware III, The Walking Quran: Islamic Education, Embodied Knowledge, and History in West Africa, 196.

([68]) Abdur-Rahman Al-Jabarti, Napoleon in Egypt: Al-Jabarti’s Chronicle of the First Seven Months of the French Occupation of Egypt, 1798, trans. Schmuel Moreh (Princeton: M. Weiner Pub., 1993), 36, 38, 185, 186, 195, 198

([69]) Jeffrey C. Burke, “Education,” in The Islamic World, ed. Andrew Rippin (London & New York: Routledge Taylor & Franchis Group, 2008), 313 & Bayad Dodge, Al-Azhar: A Millennium of Muslim Learning (Washington: The American International Printing Company, 1961), 114 & Mona Russell, “Competing, Overlapping, and Contradictory Agendas: Egyptian Education Under British Occupation, 1882-1922,” Africa and the Middle East, Comparative Studies of South Asia XXI, no. 1-2 (2001), 50

([70]) Dunne-Heyworth, An Introduction to The History of Education in Modern Egypt, 105 & Ghulam N. Saqib, Modernization of Muslim Education in Egypt, Pakistan, and Turkey: A Comparative Study. (Lahore: Islamic Book Service, 1983), 84.

([71]) Mitchell, Colonising Egypt, 64 & Paula Sanders, Creating Medieval Cairo: Empire, Religion, and Architectural Preservation in 19th Century Egypt (Cairo: American University of Cairo Press, 2008), 33.

([72]) Michael J. Reimer, “Contradiction and Consciousness in ʿAli Mubarak’s Description of Al-Azhar,” International Journal of Middle East Studies 29, no. 1 (1997), 62.

([73]) Mitchell, Colonising Egypt, 109.

([74]) John W. Livingston, “Western Science and Educational Reform in the Thought of Shaykh Rifa’a Al-Tahtawi,” International Journal of Middle East Studies 28, no. 4 (1996), 552

([75]) Weber, Peasants Into Frenchmen, 307.

([76]) Egger, A History of the Muslim World since 1260, 342

([77]) David Lelyveld, “Disenchantment at Aligarh: Islam and the Realm of the Secular in Late Nineteenth Century India,” Die Welt des Islams 22, no. 1 (1982), 86 & Syed Mahmood, A History of English Education in India (1781-1893) (Calcutta: Baptist Mission Press, 1895), 86, 87.

([78]) Lelyveld, “Disenchantment at Aligarh,” 86 & Mahmood, A History of English Education in India (1781-1893), 89.

([79]) Kaur, Madrasa Education In India, 55 & Mahmood The Dars-e-Nizami and the Transnational Madaris in Britain. 11 & Barbara Metcalf, “The Madrasa at Deoband: A Model for Religious Education in Modern India,” Modern Asian Studies 12, no. 1 (1978) 111 & Qasmi, Madrasa Education Framework, 38, 41.

([80]) International Crisis Group (ICG), Pakistan: Madrasas, Extremism and the Military, (Islamabad/Brussels: International Crisis Group, 2002), 5 & Kaur, Madrasa Education In India, 121 & Qasmi, Madrasa Education Framework, 67-68.

([81]) Muhammad Farooq, “Objectification of Islam: A Study of Pakistani Madrassah Texts,” Pakistan Journal of History and Culture 31, no. 1 (2010), 36.

([82]) Ibid., p. 36 & Kaur, Madrasa Education In India, 52 & Mahmood, The Dars-e-Nizami and the Transnational Madaris in Britain, 9, 10, 78 & Qasmi, Madrasa Education Framework, 49, 55-57.

([83]) International Crisis Group (ICG). Pakistan, 6 & Metcalf, “The Madrasa at Deoband,” 117-118.

([84]) Qasmi, Madrasa Education Framework, 44.

([85]) Thésée, “A Tool of Massive Erosion,” 34.

([86]) Ibn Khaldun, The Muqaddimah, 116.

([87]) El-Mously, “Reflections on Technology and Development,” 250-251.

([88]) Al Zeera, Wholeness and Holiness in Education, 139-140.

([89]) AbdulHamid A. Sulayman, Revitalizing Higher Education in the Muslim World (Herndon: International Institute of Islamic Thought, 2007), 10 & Al Zeera, Wholeness and Holiness in Education, 55, 134-135.

([90]) Wan Mohd Nor Wan Daud, Islamization of Contemporary Knowledge and the Role of the University in the Context of De-Westernization and Decolonization (Kuala Lumpur: Penerbit UTM Press, 2013), 7 & ElMessiri “The Gate of Ijtihad,” 19, 20, 50, 51

([91]) Abdul Haq, Educational Philosophy of the Holy Quran, 183

([92]) Iqbal, The Reconstruction of Religious Thought in Islam, 10

([93]) Ibid., 136.

([94]) Abdelwahab M. El-Messiri, “Introduction,” in Epistemological BIAS in the Physical & Social Sciences, ed. Abdelwahab M. El-Messiri (Herndon: International Institute of Islamic Thought, 2006), p. xix.

([95]) Habib, “Modernizing vs. Westernizing the Social Sciences,” 127.

([96]) El-Mously, “Reflections on Technology and Development,” 258.

([97]) Al Zeera, Wholeness and Holiness in Education, xxv.

([98]) Daud, Islamization of Contemporary Knowledge, 18

([99]) Ashraf, Sayyid Ali, “Islamic Education: Evaluation of the Achievements of Previous Conferences,” ed. Hussein Abdul-Fattah and Fathi Malkawi, in The Education Conference Book: Planning, Implementation, Recommendations, and Abstracts of Presented Papers: A Conference on “Towards the Construction of a Contemporary Islamic Educational Theory” (Amman: Islamic Studies and Research Association, 1990), 73-74.

([100]) Thésée, “A Tool of Massive Erosion,” 35.

([101]) See Sahin, Abdullah. 2018. “Critical Issues in Islamic Education Studies: Rethinking Islamic and Western Liberal Secular Values of Education,” Religions 9, no. 11: 335. & Henzell-Thomas, Jeremy & Sardar, Ziauddin Rethinking Reform in Higher Education: From Islamization to Integration of Knowledge (Herndon: International Institute of Islamic Thought, 2018).

([102]) Iqbal, The Reconstruction of Religious Thought in Islam, 156.

أعجبني المقال

المصدر
yaqeeninstitute

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. مقال رائع ما شاء الله
    ولكن إوراد مصطلحات زي لاهوتي وميتافيزيقي علي المصطلحات التراثية قد يؤدي الي تشويه التراث لان هذه المصطحات مصطلحات حداثية اصلا ولا يجب ذكرها الا في حالات اضطرارية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى