عام

المنثور من سيرة الإمام ابن قيم الجوزية

  • عبدالله بن عبدالرحمن البراك

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين، وعلى مَن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فهذه ضميمةٌ مباركةٌ، تجمع المتفرق من سيرة الإمام العالم العامل الزاهد العارف، الفقيه المحدث الأصولي المتفنن، شمس الدين أبي عبدالله، محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن حَريز الزُّرَعي، المعروف بابن قيم الجوزية.

ولا يخفى ما لهذا الإمام من عظيم المنزلة ورفيع القدر، فقد ذكرَتْه ألسنُ الصدق بالدعاء والثناء، واستقرَّ في قلوب المتقين أنه من أهل العلم الربانيّين، الذين ينفون عن كتاب الله تحريفَ الغالين، وانتحالَ المبطلين، وتأويلَ الجاهلين، يدعون من ضلَّ إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يُحيون بكتاب الله الموتى، ويبصِّرون بنور الله أهلَ العمى.

وابن القيم أخصُّ تلاميذ شيخ الإسلام به، وأسبقهم مرتبة في نشر علمه وفضله، ومن أكثرهم تآليف، أسبغ الله عليه فيها من النضارة وجمال العبارة ما بَهَرَ عقول العلماء؛ وصار لها من القبول والانتشار ما لا يبلغه الوصف؛ لأن من دأبه فيها استقصاء أصول المسائل وآثارها، وإجراء مطيَّة فكره في أنجادها وأغوارها، وإبراز مقاصد الشريعة وحكمها وأسرارها[1].

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني -رحمه الله-: (ولو لم يكن للشيخ تقي الدين من المناقب إلا تلميذه الشهير الشيخ شمس الدين بن قيم الجوزية، صاحب التصانيف النافعة السائرة التي انتفع بها الموافق والمخالف؛ لكان غاية في الدلالة على عِظَم منزلته)[2].

وقال العلامة الشوكاني-رحمه الله-: (وله من حسن التصرف مع العذوبة الزائدة وحسن السياق ما لا يقدر عليه غالب المصنفين، بحيث تعشق الأفهام كلامه، وتميل إليه الأذهان، وتحبه القلوب… وأظنها سَرَت إليه بركة ملازمته لشيخه ابن تيمية في السَّراء والضّراء، والقيام معه في مِحَنِه، ومواساته بنفسه، وطول تردده إليه)[3].

وهذا «المنثور» يُعنَى بسيرة الإمام ابن قيم الجوزية، وأخباره، وأحواله المتفرقة؛ مما لم يجرِ له ذكرٌ فيما يلي:

  1. ترجمة ابن القيم في كتب التراجم والطبقات والتواريخ، التي حواها «الجامع لسـيرة الإمام ابن قيم الجوزية خلال ستة قرون»[4] للشـيخ علي العمران.
  2. حديث ابن القيم عن نفسه، وسـيرته التي خطَّها قلمه، وقد جُمِعت التقاطاتها في «الفهارس العلمية لآثار الإمام ابن قيم الجوزية» (2/955-960)[5].

ولعل القارئ الكريم يلتمس لي العذر في قلة ما أوردته من أخبار ابن القيم المنثورة في غير مظانّها-مع كثرة الطلب والتفتيش-، بخلاف حال شيخه ابن تيمية، فإن أخباره مستفيضة متكاثرة، ولعل مبعث هذا؛ الفرق بين الشيخ والتلميذ: علمًا وعملًا، دعوة وإصلاحًا، جهادًا واحتسابًا، فكان لذلك أثرٌ ظاهرٌ على المؤرخين في استرسالهم، والمترجمين عند استطرادهم. وهو ما تجلّى أيضًا في حجم جامعي سيرتيهما، فـ«الجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية» بلغ ستة أضعاف «الجامع لسيرة الإمام ابن قيم الجوزية» أو تزيد.

فرحم الله شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية، وجزاهما عن الأمة خير الجزاء، ونفعنا بعلومهما، وجمعنا بهما في مستقر رحمته، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

منزلته بين تلاميذ شيخ الإسلام:

(1): قال شهاب الدين ابن مُـرِّي: (ومن أراد عظيم الأجر التام، ونصيحة الأنام، ونَشْرِ علم هذا الإمام، الذي اختطفه من بيننا محتوم الحِمام، ويخشى دُروسَ كثيرٍ من علومِهِ المتفرقةِ الفائقةِ، مع تكررِ مرورِ اللَّيالي والأيام؛ فالطريقُ في حقِّه: هو الاجتهاد العظيم على كتابة مؤلفاته الصغار والكبار على جليّتها من غيرِ تصرُّفٍ فيها ولا اختصار، ولو وُجِدَ فيها كثيرٌ من التكرار، ومقابلتها وتكثير النُّسَخِ بها وإشاعتها، وجمع النظائر والأشباهِ في مكانٍ واحدٍ، واغتنام حياةِ من بقي من أكابر الإخوان…

وإذا جُمعتْ هذه المؤلفات العزيزة الكثيرة، ونُقِل من المسوَّدات ما لم يُنْقَلْ، وقُبِلَ رأيُ أبي عبد الله[6] في ذلك كله؛ لأنه على بصيرة من أمره، وهو أخبر الجماعة بمظانِّ المصالح المفردة التي قد انقطعت مادتها، وقُوبل كل ما يٌكتب مع أصلح الجماعة، على أصلح النُّسَخِ، وروجع شيخنا الحافظ جمال الدين[7] الذي هو بقية الخير؛ لثقته وخبرته وشفقته وتحرّقه على ظهور هذه المواد الصالحة في الوجود، ولسعة علمه وإحاطته بكثير من مقاصد شيخنا المؤلف، وروجع الشيخان العالمان، الفاضلان المحققان: شرف الدين القاضي[8]، وشمس الدين ابن أبي بكر[9]؛ فإنهما أحذق الجماعة على الإطلاق في المناهج العقلية وغيرها، وأَذكر للمباحث الأصولية، فيما يشتبه من المقاصد خوفًا من التصحيف وتغيير بعض المعاني، وروجع غيرهم من أكابر الجماعة أيضًا؛ كان في ذلك خيرٌ كثير، واستدراكٌ كبير، إن شاء الله تعالى)[10].

(2): قال جمال الدين بن عبدالهادي: (محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج الراميني… تفقه بشيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية… ويقال: أفقه أصحاب الشيخ هو، وأعلمهم بالحديث ابن عبد الهادي، وأعلمهم بأصول الدين والطرق[11] والمتوسط بين الفقه والحديث وأزهدهم شمس الدين بن القيم)[12].

محنته بسبب مسألة شد الرحال:

(3): قال ابن شاكر الكتبي (سنة سادس عشرين وسبعمئة… وفي سادس شعبان قدم البريد من الديار المصرية وعلى يده مرسومٌ سلطاني باعتقال الشيخ الإمام العلامة تقي الدين بن تيمية، فحضر ناصر الدين مُشِدّ الأوقاف والأمير بدر الدين ابن الخطير الحاجب إلى عند الشيخ تقي الدين، وأخبروه بصورة الحال، فقال: في هذا خيرٌ كثير، وأحضروا له مركوبًا، فركب معهم إلى قلعة دمشق، فأُخليتْ له دارٌ يجري إليها الماء، وكان من جملة المرسوم أن يكون معه ولدٌ أو أخٌ أو خادمٌ يخدمه، وأن يُجرى عليهم كفايتهم، فاختار أخوه زين الدين عبد الرحمن المقام معه لخدمته.

وكان السبب في ذلك أنه أفتى فتيا، وذكر فيها: «لا يُشدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» الحديث المشهور، وأن زيارة قبور الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يُشدُّ إليها الرحال، كقبر إبراهيم الخليل، وقبر محمد النبي صلى الله عليه وسلم.

واتفق أن شمس الدين ابن قيم الجوزية سافر إلى القدس الشريف، ورقا في الحرم على منبر وعظ، وفي أثناء وعظه ذكر هذه المسألة، وقال: «ها أنا من ههنا أرجع ولا أزور الخليل».

وجاء إلى نابلس، وعُمِل له مجلس وعظ، وذكر المسألة بعينها، حتى أنه قال: «ولا يزار قبر النبي صلى الله عليه وسلم إلا مسجده»، فقام عليه الناس، فحماه منهم والي البلد سيف الدين بهادُر.

وكتب أهل القدس ونابلس إلى دمشق بصورة ما وقع من المذكور وما صدر منه، فطلبه القاضي المالكي، فتودّد وصعد إلى الصالحية إلى قاضي القضاة شمس الدين بن مسلَّم، وتاب وأسلم على يده، فقبل توبته، وحكم بإسلامه وحقن دمه، ولم يعزِّره لأجل الشيخ تقي الدين بن تيمية[13]، فحينئذ قامت الفقهاء الشافعية والمالكية[14]

ولما كان يوم الجمعة الرابع والعشرون من شعبان، قعد قاضي القضاة جلال الدين بعد الصلاة بالمدرسة العادلية، وأحضر جماعة من جماعة الشيخ تقي الدين ابن تيمية كانوا معتقلين في حبس الشرع، فادُّعي على عماد الدين بن كثير صهر المزي أنه قال: «إن التوراة والإنجيل ما بُدّلت وأنها بحالها كما أنزلت»، وشهدوا عليه، وثبت ذلك في وجهه، فعزّر بالدّرّة في المجلس وأُخرج وطيف به، ونودي عليه: هذا جزاء من قال إن التوراة والإنجيل ما بُدّلت، وبعد ذلك أطلقوه. وأُحضر عبد الله الإسكندري وادُّعي عليه أنه قال عن مؤذني الجامع: «هؤلاء كفروا، أو إنهم كفار»، بسبب أنهم يقولون في المنارة: ألا يا رسول الله أنت وسيلتي، وشيءٌ آخر من هذا الجنس، فذكر أنه اعترف بذلك وغيره عند قاضي القضاة شمس الدين بن مسلّم، وأسلم على يده وقبل توبته وحقن دمه، وأبقى عليه جهاته وزوجته، فسيّروا إلى الحنبلي يسألونه عن ذلك. وأُحضر بعد ذلك الصلاح الكتبي الداراني، وادُّعي عليه أنه قال: «لا فرق بين حجارة طهّارة جيرون وحجارة صخرة بيت المقدس» فأنكر ذلك، فقامت عليه البينة.

وأُحضر ابن قيم الجوزية الذي عمل الفتنة من أصلها، وادُّعي عليه بما قال في المجلسين الذين عملهما بالقدس الشريف ونابلس، فأنكر ذلك. وكان قد سافر جماعة من أهل دمشق كلهم فقهاء وعدول، من جملتهم مدرّس الطرخانية، فشهدوا عليه بما قال، وثبت ذلك.

فعزَّر قاضي القضاة عبدَالله الإسكندري على حمار غير مقلوب، ومعه صلاح الداراني وشخص آخر؛ كان قد أساء الأدب عند دار الحديث، وقال: «كل من قال عن الشيخ تقي الدين شيء فهو كذب، وأريد أن أضربه بمداسي»، فشهدوا عليه، وضربوهم جميعًا بالدرّة في قفيّهم، وبعد ذلك أُعيدوا إلى الحبس.

فلما كان يوم الثلاثاء آخر النهار، حضر المالكية وأخذوا ابن قيم الجوزية إلى حبسهم، وأحضروه يوم الأربعاء إلى قاضي القضاة شرف الدين المالكي، وادعوا عليه، فما كان له جواب إلا أن قال: «إن قاضي القضاة الحنبلي حكم بحقن دمي وتوبتي»، فأُعيد إلى الحبس، وتركوه إلى حيث يحضر الحنبلي إلى البلد، ويسألونه كيف كان الحكم.

وسيَّر الحنبليُّ وغيره إلى قاضي القضاة جلال الدين يشفعون في المذكور ألا يكون الحكم إلا عنده[15]، فأحضره في سابع وعشرين من الشهر، وعزَّروه عنده في العادلية بالدّرة، وأُركب حمارًا وطيف به البلد، وراحوا به على الصالحية، وآخر النهار ردّوه إلى الحبس، وأعلموا نائب السلطنة بما فعلوه، فسيَّر مُشدّ الأوقاف لتسلم المذكور من قاضي القضاة جلال الدين، وصعد به إلى القلعة، وحبسه بها مقيّدًا، وأطلقوا الباقي، وسكنت الفتنة)[16].

(4): قال ابن الجزري: (ثم دخلت سنة ثمان وعشرين وسبعمئة… وفي يوم الثلاثاء العشرين من ذي الحجة أُفرج عن شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي إمام الجوزية، وأحضروه عند قاضي القضاة علاء الدين، فاستتابه وقبل توبته، وأعطاه مئتي درهم، وشرط عليه شروطًا، فالتزم بقبولها، وتاب على يده، وقال: أشتهي أحضر بين يدي مولانا وأستفيد من علومه، فأذن له بالتردد إليه، وراح إلى بيته، واجتمع بأهله وأولاده وأمه، وماتت أمه بعد ذلك بشهرين)[17].

(5): قال الذهبي: (قاضي القضاة، شيخ الشيوخ، علاء الدين أبو الحسن، علي بن إسماعيل بن يوسف التبريزي الأصل، القونوي الشافعي… لما أُخرج إمام الجوزية من القلعة أتاه فبشَّ به وأكرمه ووَصَلَه، وكانت تعجبه بحوثه)[18].

(6): قال ابن الوردي: (ثم دخلت سنة ثمان وعشرين وسبعمئة… وفيها: أخرج من سجن قلعة دمشق الشيخ شمس الدين محمد بن أبي بكر الزرعي إمام الجوزية بشرط أن لا يدخل في فتوى)[19].

حلمه ولين جانبه:

(7): قال ابن طولون: (أحمد بن الحسن بن عبدالله بن أبي عمر محمد بن أحمد بن قدامة… المعروف بـ«ـابن قاضي الجبل»… ومن حكاياته ما أخبرنا شيخنا الشيخ جمال الدين بن عبدالهادي… قال شيخنا[20] أخبرنا والدي: أن الشيخ شمس الدين ابن قيم الجوزية كان إذا بَحَث معه في مسألة يقول له: ست العيش؛ أرخي نقابك! فيسكت، ولا يعود يتكلم)[21].

ثناؤه على ابن مفلح بإتقان المذهب:

(8): قال برهان الدين بن مفلح: (قال ابن القيم لقاضي القضاة موفق الدين الحجاوي سنة إحدى وثلاثين: «ما تحت قبة الفلك أعلم بمذهب الإمام أحمد من ابن مفلح»)[22].

مراجعته لابن مفلح في اختيارات شيخ الإسلام:

(9): قال برهان الدين ابن مفلح: (محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج المقدسي ثم الصالحي… حضر عند الشيخ تقي الدين ونقل عنه كثيرًا… وكان أخبر الناس بمسائله واختياراته؛ حتى إن ابن القيم كان يراجعه في ذلك)[23].

رحلاته للحج[24]:

(10): قال ابن كثير: (ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين وسبعمئة… وخرج الركب الشامي يوم الاثنين ثامن شوال، وأميره عز الدين أيبك أمير عَلَم، وقاضيه شهاب الدين الظاهري. وممن حج فيه: شهاب الدين بن جهبل، وابن أبي اليسر، وابن جملة، والفخر المصري، والصدر المالكي، وشرف الدين الكفري الحنفي، والبهاء بن إمام المشهد، وجلال الدين الأعيالي ناظر الأيتام، وشمس الدين الكردي، وفخر الدين البعلبكي، ومجد الدين بن أبي المجد، وشمس الدين ابن قيم الجوزية، وشمس الدين ابن خطيب يبرود، وشرف الدين قاسم العجلوني، وتاج الدين بن الفاكهاني، والشيخ عمر السلامي، وكاتبه إسماعيل بن كثير، وآخرون من سائر المذاهب، حتى كان الشيخ بدر الدين يقول: اجتمع في ركبنا هذا أربعمائة فقيه، وأربع مدارس، وخانقاه، ودار حديث. وقد كان معنا من المفتين ثلاثة عشر نفسًا)[25].

(11): قال ابن الجزري: (عام اثنتين وثلاثين وسبعمئة… وفي يوم الثلاثاء السادس والعشرين من شهر الله المحرّم وصل المحمل السلطاني والسبيل والركب الشامي وأمير الركب الأمير عز الدين أيبك أمير عَلَم إلى دمشق المحروسة… وأقام بمكة شمس الدين محمد بن أبي بكر إمام الجوزية)[26].

(12): قال ابن كثير: (ثم دخلت سنة ست وثلاثين وسبعمئة… وخرج الركب الشامي يوم الاثنين ثامن شوال، وأميره قطلودمر الخليلي. وممن حج فيه: قاضي طرابلس محيي الدين بن جهبل، والفخر المصري، وابن قاضي الزبداني، وابن العز الحنفي، وابن غانم، والسخاوي، وابن قيم الجوزية، وناصر الدين بن الربوة الحنفي)[27].

إنكاره الذبح للجن:

(13): قال بدر الدين الشِّبْلي: (ونقلتُ من خط الشيخ العلامة شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر الحنبلي -رحمه الله- وحدثني به أيضًا، قال: وقد وقعت هذه الواقعة بعينها في مكة سنة إجراء العين بها، فأخبرني إمام الحنابلة بمكة، وهو الذي كان إجراؤها على يده، وتولى مباشرتها بنفسه؛ نجم الدين خليفة بن محمود الكيلاني[28]، قال لما وصلنا في الحفر إلى موضعٍ ذَكَرَه، خرج أحد الحفَّارين من تحت الحفر مصروعًا لا يتكلم، فمكث كذلك طويلًا، فسمعناه يقول: يا مسلمين! لا يحلُّ لكم أن تظلمونا، قلت أنا له: وبأي شيء ظلمناكم؟ قال: نحن سُكَّان هذه الأرض، ولا والله ما فيهم مسلمٌ غيري، وقد تركتهم ورائي مسلسلين، وإلا كنتم لقيتم منهم شرًّا، وقد أرسلوني إليكم يقولون: لا ندعكم تمرُّون بهذا الماء في أرضنا حتى تبذلوا لنا حقَّنا، قلت: وما حقُّكم؟ قال: تأخذون ثورًا، فتزيِّنوه بأعظم زينة، وتلبِّسونه، وتزفُّونه من داخل مكة حتى تنتهوا به إلى هنا، فاذبحوه ثم اطرحوا لنا دمه وأطرافه ورأسه في بئر عبدالصمد، وشأنكم بباقيه، وإلا فلا ندعُ الماء بجري في هذه الأرض أبدًا، قلت له: نعم أفعلُ ذلك.

قال: وإذا بالرجل قد أفاق يمسح وجهه وعينيه، ويقول: لا إله إلا الله، أين أنا؟ قال: وقام الرجل ليس به قَلَبَة، فذهبتُ إلى بيتي، فلما أصبحت ونزلت أريد المسجد، إذا برجلٍ على الباب لا أعرفه، فقال: الحاج خليفة ههنا؟ قلت: وما تريد به؟ قال: حاجةً أقولها له، قلت له: قل لي الحاجة، وأنا أبلِّغه إياها، فإنه مشغول، قال لي: قل له: إني رأيت البارحة في النوم ثورًا عظيمًا، قد زيَّنوه بأنواع الحلي واللباس، وجاؤوا به يزفُّونه، حتى مرُّوا به على دار خليفة، فوقفوا به إلى أن خرج ورآه، وقال: نعم، هو هذا، ثم أقبل به يسوقه، والناس خلفه يزفُّونه، حتى خرج به من مكة، فذبحوه وألقوا رأسه وأطرافه في بئر.

قال: فعجبتُ من منامه، وحكيتُ الواقعة والمنام لأهل مكة وكبرائهم، فاشتروا ثورًا وزيَّنوه وألبسوه، وخرجنا به نزُفُّه، حتى انتهينا إلى موضع الحفر، فذبحناه وألقينا رأسه وأطرافه ودمه في البئر التي سمَّاها.

قال: ولما كنا قد وصلنا إلى ذلك الموضع كان الماء يغور، فلا ندري أين يذهب أصلاً، ولا نرى له عينًا ولا أثرًا، قال: فما هو إلا أن طرحنا ذلك في البئر، قال: وكأن من أخذ بيدي، وأوقفني على مكان، وقال احفروا ههنا، قال فحفرنا، وإذا بالماء يموج في ذلك الموضع، وإذا طريقٌ منقورةٌ في الجبل يمرُّ تحتها الفارس بفرسه، فأصلحناها ونظفناها، فجرى الماء فيها، نسمع هديره، فلم يكن إلا نحو أربعة أيام؛ وإذا بالماء بمكة. وأخبَرَنَا من حول البئر أنهم لم يكونوا يعرفون في البئر ماءً يَرِدُونَه، فما هو إلا أن امتلأت، وصارت موردًا.

قال العلامة شمس الدين: وهذا نظير ما كان عادتهم قبل الإسلام من تزيين جارية حسناء، وإلباسها أحسن ثيابها، وإلقائها في النيل؛ حتى يطلع، ثم قَطَعَ الله تلك السُّنَّة الجاهلية على يديْ من أخاف الجن وقمعها؛ عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، وهكذا هذه العين وأمثالها؛ لو حَفَرَها رجلٌ عُمَرِيٌّ يَفْرَقُ منه الشيطان؛ لجَرَتْ على رَغْمهم، ولم يُذبح لهم عصفورٌ فما فوقه، ولكن لكلِّ زمانٍ رجال.

قال: وهذا الرجل الذي أخبرني بهذه الحكاية؛ كنتُ نزيلَهُ وجارَهُ، وخبرتُهُ فرأيتُه من أصدقِ الناس وأدْيَنِهِمْ وأعظمهم أمانة، وأهلُ البلد كَلِمَتُهم واحدةٌ على صِدْقِهِ ودينه، وشاهدوا هذه الواقعة بعيونهم، والله الهادي للحق)[29].

خطبته في جامع خيلخان:

(14): قال ابن الجزري: (عام ست وثلاثين وسبعمئة… وفي يوم الجمعة سلخ رجب الفرد أقيمت الجمعة بالجامع الذي أنشأه الأمير نجم الدين بن خليخان قبالة باب كيسان المسدود، وخطب فيه الشيخ شمس الدين إمام المدرسة الجوزية الحنبلي. وكان قد نودي له في البلد لذلك، فحضر خلقٌ كثير)[30].

تدريسه بالمدرسة الصدرية:

(15): قال ابن كثير: (ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين وسبعمئة… وفي يوم الخميس سادس صفر درس بالصَّدرية[31] صاحبنا الإمام العلامة شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي إمام الجوزية، وحضر عنده الشيخ عز الدين بن المنجا[32] -الذي نَزَلَ له عنها- وجماعة من الفضلاء)[33].

من أجوبته:

(16): قال أبو عبدالله الـمَقري: (سُئل شمس الدين ابن قيم الجوزية وأنا عنده بجامع بني أمية، عمَّن مات مُصِرًّا على كبيرة.

قال: «مذهب أهل السنة» -يعني أصحابه الحنابلة وأهل الحديث- «الوزن، {فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون * ومن خفَّت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم} [الأعراف : 7-8]، ومن استوت به الكفتان فهو في المشيئة»)[34].

(17): قال أبو عبدالله الـمَقري: (قيل لشمس الدين ابن قيم الجوزية وأنا عنده بجامع بني أمية: «من مات له ثلاثة من الولد كانوا له حجابًا من النار»، أرأيت إن أتى بعد ذلك بكبيرة، أيبقى ذلك الحجاب؟

فقال: الكبيرة خرقٌ له، لقوله عليه الصلاة والسلام: «الصوم جنة ما لم يخرقها»، وإذا انخرق لم يكن حجابًا)[35].

معارضته لقصيدة في الشتاء:

(18): قال ابن فضل الله العمري: (وبعد، فلما توالى بمدينة دمشق كُفِيَتْ في شتاء عامين آخرهما سنة خمسٍ وأربعين وسبعمئة من نوازل الثلج[36] ما لم يدفع، ووقع منه ما ضرَّ، وقد قال قومٌ إنه ينفع… كتبتُ إلى الشيخ الإمام العلامة شمس الدين ابن القيم بالجوزية الحنبلي:

أيُّ بَرْقٍ في صبحِ يومٍ أَضْنَاهُ
ما رأينا مِنْ مَشْرِقيَّة أَضْنَاهُ

ظَلَّ منه الظلامُ سَيْفًا طَرِيرًا
جَرَّبَ الثَّلجَ في الرِّقَابِ مَضَاهُ

أَبْعَدَ اللهُ يومَهُ مِنْ صَباحٍ
ما على وجْهِهِ المنيرِ وَضَاهُ

لا تَقَرَّى عَنْ مِثْلِهِ جُنْحَ لَيْلٍ
قد رَأينا سَودَاهُ بَيْضَاهُ

أشقرٌ جاءَ مُصْبِحًا ذا بَيَاضٍ
قمص الرَّكْب ثَوْبه وحضَاهُ

كم سَرَى في الدُّجَى يهزُّ عِنَانًا
مِنْ سَحابٍ مُصْرَفًا أمْضَاهُ

جاء لا جاء خاطبًا كلَّ نَفْسٍ
ونفيسٍ أَدْنى له أَمْضَاهُ

هَبْهُ أَعطى قُرَاضَةً مِنْ لُجينٍ
ما لهُ ما لهُ أَسَاءَ اقتضاهُ؟

حاكمٌ جارَ في القضاءِ علينا
بثَّ فينا أحكامَهُ وقَضَاهُ

جاءَ كالخَصْمِ سَاخطًا مكْفَهِرًّا
لو ترضَّينَاه لم نُطِقْ إرْضَاهُ

وأحال السَّحابَ تَرعَى عِشارَاهُ وتغري بسَيْرهِ إفضاهُ

جَعَلَ الأرضَ بالثلوجِ فضاءً
لا رأينا مِنْ بَعدِ هذا فَضَاهُ

أيُّ جمعٍ لم يَرْمِهِ بشَتَاتٍ
وبِناءٍ ما فَرَّقتْ أَعضاهُ

حيثُ أَفْنَى ببردِهِ كلَّ جِسْمٍ
ثُمَّ أَذْكَى بسَيْلِهِ رَمْضَاهُ

قد سَطَا بَرْقُهُ ومَدَّ خُطَاهُ
ثُمَّ والى إغمَادَهُ وإمْضَاهُ

هلْ سِوَى شمسِ الدِّينِ سَيْفٌ يلاقيهِ فيكفي في الردِّ مِنْهُ انْتضَاهُ

عالِـمٌ عالَـمٌ وَرِدْناهُ بَحْرَاً
وارتضَيْنَاهُ إِذْ حَمدْنَا ارتضَاهُ

أيُّ معنًى مستبهَمٍ ما جَلَاهُ
وظلامٍ مُحلَولِكٍ ما أَضَاهُ

هذه قصَّتي منهُ وحسبي
ومُرادي من عفوهِ إغْضاهُ

فأجاب:

أيُّ فضلٍ لله أَوْلى عطاهُ
وقبيحٍ منَّا أتمَّ غِطَاهُ

أظهَرَ الحُسْنَ مِثْلَ ما سَتَرَ القُبْحَ وأَبلى بالحالَتَيْنِ بَلاهُ

مَرَجَ الخيرَ في ابن آدم والشرَّ يُريدُ امتحانهُ وابتلاهُ

ثم خَلَّاهُ والشياطينَ والشهوةَ والدنيا لِمَا يُريدُ قَضَاهُ

فهو مُلقًى ما بينَ ربِّ البرايَا
وعدوٍّ لهُ يُريدُ عَنَاهُ

إن تولَّاه ربُّهُ فهوَ ناجٍ
أو تخلَّى عنهُ فسَلْ أعداهُ

بَرَمَ الأَمْرَ فوقَ سبعٍ فيأتي
مثلَ ما قدَّرَ المليكُ وشاهُ

ثمَّ يُهْدِي إلى اللسان ثناءً
وإلى القلبِ أُنْسَهُ وإضَاهُ

أَرسلَ الثلجَ عبرةً للبرايا
آيةً يقتضي الهُدَى والإِضَاهُ

ثمَّ خلَّاه في الجبال كَمِيْنًا
يرتجي الناسُ ماءَهُ وهَوَاهُ

وَهْوَ مَعْ ذَا مَخَافَة للبَيْتِ فَهْـيَ تَخْشَى ابْتِدَاءهُ وانْتِهَاهُ

وأخو الغيِّ في الجهالةِ ماضٍ
وسُيُولُ البلاء صَارتْ حِذَاهُ

نائمًا في طريقها مِلْءَ عينٍ
آمنًا والمخوفُ حقًّا إزاهُ

يا حليفَ الذنوبِ هذا نذيرُ الثَّلجِ قد جاءَنا وشقَّ المَلاهُ

آيةٌ إِثْرَ آيةٍ على القلبِ غِطًا يا ربِّ فاكشفْ غِطَاهُ

هذِهِ نوبةُ الغِرَاسِ فهل للنَّاسِ مِنْ نوبةِ البيوتِ بَرَاهُ

عادةُ اللهِ في العبادِ إذا ما
ضيَّعُوا أمْرَهُ يُحَلَّى سَلاهُ

آيةٌ ساقَهَا المهيمنُ أَهْدَتْ
لقلوبِ الوَرَى هُدًى واستِضَاهُ

خوَّف الناسَ كي يُنيبَ له
ناصحٌ نفسَهُ يخافُ جَزَاهُ

كمْ رأينَا طوفانَ سَيلٍ وما كان منَ الثلجِ مِثْلَ هذا وراهُ

هلْ أمانٌ لنا من السيلِ يأتي
بنَهَارِ ضُحًى ولَيْلٍ مَسَاهُ

رحمةٌ عمَّتِ البلادَ وذكرى
لمنيبٍ وللمُسِيءِ مَسَاهُ

والقوافي ليسَتْ تردُّ جيوشًا
أبْرَمَ اللهُ بالجيوشِ قَضَاهُ

وجيوشُ البلاءِ تُهْزمُ بالتوبةِ مِنْ مُخْلصٍ يُقِيْمُ دُعَاهُ

يَنْزِلُ الأمرُ بالبلاء فيلقاهُ دَعَاءٌ يعلُو يَرُدُّ بَلَاهُ

فترى مِنْ هذينِ حَرْبٌ شديدٌ
ينصُرُ الله فيه ما كانَ شَاهُ

غيرُ بِدْعٍ مجيءُ سَيْلٍ عظيمٍ
يَحْمِلُ السَّيْلَ فَوْقَ ظَهْرِ غُثَاهُ

يَغْسِلُ الأرضَ مِنْ خَبَائثَ فيها
ثُمَّ يُهْدِي إلى المَحَلِّ نَقَاهُ

نَحِّيا عن طريقه واتْرُكَاهَا
قَبْلَ أن يُكْثِرَ الجليدُ بُكَاهُ

آيةٌ للهلاكِ فِيْنَا إذا مَا
كَثُرَ الخُبْثُ بَينَنَا والإسَاهُ

فارتقبْ عندَهَا الذي قاله الصَّادِقُ حقًّا يأتي علينا فُجَاهُ

وخلالٌ ستٌّ تَجِيءُ إذا مَا
ظَهَرَ الظلمُ ثمَّ وَفَّى وَفَاهُ

كَشَّرَ الشرُّ والفَسَادُ وعمَّ الفِسْقُ حَتَّى بِنَا أَزَالَ خَفَاهُ

فإلى مَنْ نشكو سِوَى كَاشِفِ الضُّرِّ مُجِيبِ المُضْطَرِّ يُخْفِي نِدَاهُ

قَسْوةُ القلبِ أورثَتْ كلَّ هذا
وكَذَا يَكْسَبُ المُعَنَّى شِفَاهُ

فَرَعى اللهُ يومَ أَثْلَجَتِ الأرضُ ودِيُّ الرُّبَى وأَقْنَى عَطَاهُ

حَبَّذَا ذَاكَ مِنْ صَبَاحٍ سَعِيدٍ
بيَّضَ اللهُ أرْضَهُ وسَمَاهُ

فغدا حَاكِيًا ثناءَ ابنَ فضلِ الله إِذْ بَيَّضَ الإلَهُ ثَنَاهُ

جَاءَنَا في الدُّجَى شِهَابًا مِنَ الرَّحْمَنِ جلَّى عَنْ وَجْهِهِ ظَلْمَاهُ

نَصَبَ اللهُ سُلَّمًا للمعالي
ثمَّ نُوْدِيْ يا مَنْ يَرُومُ ارتِقَاهُ

فارْتَقَاهُ ولم يَهَبْ مِنْ عَدُوٍّ
خَابَ مَنْ كانَ هائبًا أعْدَاهُ

حَبْرُ عِلْمٍ وبَحْرُ فَضْلٍ فهذا
مِنْهُ يُهْدَى وذا يَرُومُ عَطَاهُ

فاتقِ اللهَ لا تَسَلْهُ ولكنْ
سَلْ لَهُ مِنْ وَليِّه إبْقَاهُ

خَطَبَتْهُ العُلا وليدًا يُفَدَّى
إِذْ رَأتْه قد حَازَ شَرْطَ الكَفَاهُ

طَوْدُ حِلْمٍ لَكِنَّهُ أَعْجَزَ الطَّرْفَ عُلُوًّا فاللهُ يُبْقِي عُلَاهُ

وبَقَاهُ فِنَا شَانِيْهِ فالله تَعَالَى يُطِيْلُ فِيْنَا بَقَاهُ

يا بَديعَ الزمانِ أَرْسَلْتَ عِقْدًا
قد حَوَى الدُّرَّ بهجةً وإضَاهُ

فأتاكَ الجوابُ كالثلجِ في كانونَ لكن لم يَحْكِ منه الإضاهُ

مِنْ فقيهٍ محدِّثٍ حنبليٍّ
طَبْعُهُ قد أَبَاهُ كُلّ الإبَاهُ

ليس يسوى سَمَاعَهُ غَيْرَ أنِّي
طَامِعٌ أنْ يُجيزَهُ أَعْضَاهُ

والمسؤول من سيدي أحسن الله تعالى إليه، وأتمَّ نعمته عليه، كما ورَّط خادمه في هذه الورطة؛ أن يستر عليها مِنْ ستر أعضائه، ويستر عليها ويغسل دَنَسَها بيسيرٍ من طهور مائه، ولا يُلقي قائلها تحت ألسنة الشعراء، ولا عقلهُ مُضغةً لأفواهِ البلغاء، فما لأهل السَّعَةِ وأهل الإعسار المفاليس؟ وكيف حال ابن اللبون إذا ما لُزَّ في قَرَنٍ مع البُزْلِ القناعيس؟ وكيف يجري طباع الحنابلة الثقال؛ مع ملوك الفصاحة وفي شأن المقال؟

والخادمُ وإن كان بالإقدام على الجواب قد استهدف؛ فإنه بالاعتذار قد استعطف، ودِيَةُ الخطأ حُسْنُ الاعتذار، وكفارة الذنب الاستغفار.

والله سبحانه وتعالى المسؤول أن يتولاكم بحفظه في الدنيا والآخرة، وأن يسبغ عليكم نِعَمَهُ ظاهرة وباطنة، وأن يمتِّعكم بالنعمة والعافية، ويجعل لكم من جميع الأسواء جُنَّة واقية.

دعاءُ محبٍّ لو يكونُ له سوى الدُّعاءِ لما أَهْدَى الدُّعَاءَ المجَرَّدَا

ولكنَّهُ جُهْدُ المقلِّ وغايةُ الزَّهيدِ وبذلُ المستطاعِ من النَّدى)[37].

إفتاؤه بعدم اشتراط المحلّل في المسابقة:

(19): قال ابن كثير: (ثم دخلت سنة ست وأربعين وسبعمئة… ووقع كلامٌ وبحثٌ في اشتراط المحلل في المسابقة، وكان سببه أن الشيخ شمس الدين ابن قيم الجوزية صَنَّف فيه مصنَّفًا[38] من قبل ذلك، ونَصَرَ فيه ما ذهب إليه الشيخ تقي الدين بن تيمية في ذلك، ثم صار يفتي به جماعة من الترك، ولا يعزوه إلى الشيخ تقي الدين بن تيمية، فاعتقد من اعتقد أنه قوله، وهو مخالف للأئمة الأربعة، فحصل عليه إنكارٌ في ذلك، وطلبه القاضي الشافعي، وحصل كلامٌ في ذلك، وانفصل الحال على أن أظهر الشيخ شمس الدين ابن قيم الجوزية الموافقة للجمهور)[39].

إفتاؤه بمسألة الطلاق:

(20): قال ابن كثير: (ثم دخلت سنة خمسين وسبعمئة… وفي يوم الثلاثاء سادس عشر جمادى الآخرة حصل الصلح بين قاضي القضاة تقي الدين السبكي، وبين الشيخ شمس الدين ابن قيم الجوزية، على يدي الأمير سيف الدين بن فضل ملك العرب، في بستان قاضي القضاة، وكان قد نقم عليه إكثاره من الفتيا بمسألة الطلاق)[40].

سبب تأليفه «تحفة المودود»:

(21): جاء على ظهر كتاب «تحفة المودود بأحكام المولود» نسخة المكتبة الظاهرية: (قال من نثق بقوله: إن سبب تصنيف هذا الكتاب أنه لما وُلِدَ الشيخ أمين الدين محمد[41] ابن الشيخ برهان الدين ابن المصنِّف، لم يكن عنده في ذلك الوقت ما يفعله الوالد مع الولد من البرِّ بشيء من الدنيا، فصنَّف هذا الكتاب، وأعطاه لولده برهان الدين، فقال له: «أتحفتك بهذا الكتاب، إذْ لم يكن عندي شيء من الدنيا أعطيك»، وسمَّاه «تحفة المودود بأحكام المولود»)[42].

مآل كتبه:

(22): قال شهاب الدين بن حجِّي: (ويوم السبت نصفه[43] توفي صاحبنا عماد الدين إسماعيل ابن الشيخ زين الدين عبدالرحمن بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن حريز الزرعي الأصل، الدمشقي، المعروف بابن قيم الجوزية -وقيم الجوزية هو أبو بكر-، وكان من أبناء الستين، وكان رجلًا حسنًا، اقتنى كتبًا نفيسة، كُتُبَ عمِّه الشيخ شمس الدين، وكان لا يبخل بعاريتها)[44].

منارة جامع خيلخان صورة التقطها المصور الفرنسي فيليس بونفيس لسور دمشق الشرقي سنة (1287هـ-1870م) تقريبًا، وتظهر في أقصى اليسار منارة جامع خيلخان

التراجم بجودة عالية

غاية المرام للحصني   منادمة الأطلال لابن بدران   منتخب الدرر الكامنة للسيوطي   الأعلام للزركلي   الفتح المبين للمراغي   ترجمان الزمان لابن دقماق


[1]  من مقدمة الشيخ بكر أبو زيد -رحمه الله- على مشروع «آثار الإمام ابن قيم الجوزية وما لحقها من أعمال».

فائدة: قال الأستاذ/ عبدالله الهدلق في «ميراث الصمت والملكوت» (ص50): (وسألته: [أي: الشـيخ بكر أبو زيد-رحمه الله-] هل ذكر شـيخ الإسلام في شـيء من كتبه أنه عربي النسب؟ فقال: لا أعرف هذا، ما أبعد شـيخ الإسلام عن ذكر مثل هذه الأمور! قال: لكنَّه عربيٌّ من بني نمير، قلت: وابن القيم؟ قال: لا، لم يكن ذا أصلٍ عربي).

[2]  من تقريظه على «الرد الوافر على من زعم بأن من سمى ابن تيمية شيخ الإسلام؛ كافر» (ص248).

[3]  «البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع» (ص121 الجامع لسيرة ابن القيم).

[4] يستدرك على الجامع -مما هو على شرطه- ترجمة الشيخ في:

  1. «ترجمان الزمان في تراجم الأعيان» (الجزء الثالث عشر، ق 136/و) لابن دُقْماق (ت: 809هـ)، «نسخة أحمد الثالث برقم (2927)».
  2. منتخب «الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة» (ق 93) للسيوطي (ت: 911هـ) «نسخة مكتبة عارف حكمت – مصورة د. محمد التركي».
  3. «منادمة الأطلال ومسامرة الخيال» (ص240-242) لابن بدران (ت: 1346هـ).
  4. «غاية المرام» (2/320) لمحمد أديب الحصني (ت: 1358هـ).
  5. «الأعلام» (6/56) للزركلي (ت: 1396هـ).
  6. «الفتح المبين في طبقات الأصوليين» (2/161-162) للمراغي (ت: قبل 1400هـ).

وهي مرفقة بهذا المنشور.

[5] وفات الفهرس أيضًا جملة من أخباره، فمن ذلك ما في: «الكلام على مسألة السماع» (ص337-340) » [بعض الحكايات في السماع]، و«إغاثة اللهفان» [مذاكرته لبعض رؤساء الطب بمصر] (1/23) [إنكاره على أهل السماع البدعي في المسجد الحرام ومسجد الخيف] (1/411-412)، و«إعلام الموقعين» (1/58) [تحصيله لأكثر فتاوى الإمام أحمد وكلامه]، و«زاد المعاد» (4/13) [تجربته للأدوية القلبية والروحانية]، و«هداية الحيارى» (ص294) [رؤيته لفتاوى شيخ الإسلام في الديار المصرية مجموعة في ثلاثين مجلدًا]، و«عدة الصابرين» (ص127) [استفتاء بعض قطاع الطريق له عن قتل المحرم للقمل]، و«روضة المحبين» (ص154) [بيتان له في النظر المحرم]، و«النونية» (2/570-572) [هدايته على يد شيخ الإسلام]، و«الرسالة التبوكية» (ص93) [شرحه لبيت (إذا ما وضعت القلب في غير موضعٍ) في كراسة مفردة]، و«نصيحة الأغبياء ببطلان الكيمياء» (ص277) [مناظرته لبعض المشتغلين بالكيمياء].

[6]  المقصود به: محمد بن عبدالله بن رشيّق (ت: 749هـ).

[7]  المقصود به: جمال الدين المزي (ت: 742هـ).

[8]  المقصود به: ابن قاضي الجبل (ت: 771هـ).

ولعل صواب العبارة (شرف الدين [ابن] القاضي)، لأن ابن قاضي الجبل إنما تولى القضاء في آخر عمره.

[9]  المقصود به: ابن قيم الجوزية (ت:751هـ).

[10]  «رسالة من الشيخ أحمد بن محمد بن مُرِّي إلى تلاميذ شيخ الإِسلام ابن تيمية» (ص193-197 الجامع لسيرة ابن تيمية).

وهؤلاء من أجلّة أصحاب شيخ الإسلام وتلامذته، وقد أشار ابن مري إلى أن لكلّ واحد منهم مزية تقتضي مشاركته في الإشراف على المشروع المقترح لتحقيق تراث الشيخ -إن صحّ التعبير-.

[11]  كذا في المطبوع، والأشبه أن تكون (والفِرَق).

[12]  «الجوهر المنضد» (ص112-114). انظر: «شذرات الذهب» (8/340).

قال ابن كثير في «البداية والنهاية» (ص42 الجامع لسيرة ابن القيم): (ولما عاد الشيخ تقي الدين ابن تيمية من الديار المصرية في سنة اثنتي عشرة وسبعمائة لازمه إلى أن مات الشيخ، فأخذ عنه علمًا جمًّا مع ما سلف له من الاشتغال، فصار فريدًا في بابه في فنون كثيرة، مع كثرة الطلب ليلًا ونهارًا، وكثرة الصلاة والابتهال).

وقال عنه شهاب الدين ابن رجب كما في «المنتقى من معجم شيوخه» (ص44 الجامع لسيرة ابن القيم): (وساد أهل وقته علمًا وعملًا، أصولًا وفروعًا، مع الخشوع والعبادة الطويلة والتواضع والصبر).

[13]  ومع ما كان لشمس الدين بن مُسَلَّم من مكانة وإجلال، إلا أن بعض القضاة ضيَّقوا عليه في أحكامه بسبب ذلك، فتألَّم وكَظَم، وسار للحج والمجاورة، فتوفي بالمدينة النبوية سنة (726هـ). انظر: «تاريخ ابن الجزري» (ص236-239 الجامع لسيرة ابن تيمية)، و«الوافي بالوفيات» (5/20)، و«مسالك الأبصار» (6/302 ط. دار الكتب العلمية).

[14]  ساق ابن شاكر في هذا الموضع ماجريات محنة شيخ الإسلام في مسألة شد الرحال على وجه مطوّل، وقدرٌ كبير منها مذكور في «الجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية».

[15]  أي: طلب قاضي الحنابلة ابن مسلّم أن يكون الحكم على ابن القيم عند قاضي القضاة جلال الدين القزويني الشافعي، خشية أن يتولى الحكم عليه شرف الدين المالكي فيحكم بإراقة دمه!

فجزاه الله عن المسلمين خيرًا، وأناله عظيم الأجر والثواب على ما استبقاه من علوم الإمام ابن القيم.

[16]  «عيون التواريخ» (4/438-443). انظر: «نهاية الأرب» (33/213-215)، و«تاريخ ابن الجزري» (2/111-114)،  و«البداية والنهاية» (ص552-553 الجامع لسيرة ابن تيمية).

وسياق ابن شاكر الكتبي لأحداث هذه المحنة وإن كان أمثل من غيره إلا أنه مستغرب؛ لأنه أوردها بسياق المتباعد عنها المتجرد منها، مع كونه ممن امتحن فيها وناله أذىً بسببها. ولعل ما أصابه من بلاء في هذه المحنة كان له أثرٌ في تجافيه عن الانتماء للشيخ والانتصار له عند حكاية أخباره في تاريخيه «فوات الوفيات» و«عيون التواريخ».

[17]  «تاريخ حوادث الزمان وأنبائه ووفيات الأكابر والأعيان من أبنائه» (2/277). انظر: «البداية والنهاية» (18/303)، و«عيون التواريخ» (4/513).

وفي هذا الخبر إشارة عزيزة إلى والدة الإمام ابن القيم -رحمهما الله-. لم أجدها في غير هذا الموضع.

[18]  «ذيل تاريخ الإسلام» (ص333). انظر: «الدرر الكامنة» (3/93-95).

[19]  «تاريخ ابن الوردي» (2/280).

[20]  أي: جمال الدين يوسف بن حسن ابن عبدالهادي (ت: 909هـ)، ووالده: حسن بن أحمد ابن عبدالهادي (ت: 880هـ)، يُعرف كلاهما بـ«ابن المبرد».

[21]  «القلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية» (2/162).

وكان ابن قاضي الجبل ذا إنكاءٍ في البحث -كما ذكر ابن مفلح في «المقصد الارشد» (1/94)-، وقد أورد ابن طولون في «القلائد الجوهرية» جملة من أخباره في ذلك.

[22]  «المقصد الأرشد» (2/519). انظر: «شذرات الذهب» (8/340).

[23]  «المقصد الأرشد» (2/519). انظر: «شذرات الذهب» (8/340).

[24]  قال الحافظ زين الدين ابن رجب في «الذيل على طبقات الحنابلة» (ص48 الجامع لسيرة ابن القيم): (وحجَّ مراتٍ كثيرة، وجاور بمكة. وكان أهل مكة يذكرون عنه من شدة العبادة وكثرة الطواف أمرًا يُتعجب منه).

ومن الكتب التي صنّفها ابن القيم وهو مجاور بمكة: «مفتاح دار السعادة» كما في مقدمته (1/126)، و«تهذيب سنن أبي داوود» كما في خاتمته (3/451).

[25]  «البداية والنهاية» (18/336). انظر: «تاريخ ابن الجزري» (2/469).

[26]  «تاريخ حوادث الزمان وأنبائه ووفيات الأكابر والأعيان من أبنائه» (2/516-517).

وقد ألّف ابن القيم كتابه «تهذيب سنن أبي داوود» في مجاورته هذه، جاء في خاتمة الكتاب (3/451): (ووقع الفراغ منه في الحِجْر -شرّفه الله تعالى- تحت ميزاب الرحمة في بيت الله، آخر شوال سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة، وكان ابتداؤه في رجب من السنة المذكورة).

[27]  «البداية والنهاية» (18/385). انظر: «تاريخ ابن الجزري» (2/873).

[28]  عقَّب تقي الدين الفاسي في «العقد الثمين» (4/44) على هذا بقوله: (وأظنُّه كان نائبًا فى إمامة الحنابلة بمكة، لا مستقلًّا بها؛ لأن الحكاية التى ذكرها عنه ابن قيم الجوزية كانت سنة ست وعشرين وسبعمائة، فإن فيها أُجريتْ عين بازان، وكان إمام الحنابلة فى هذا التاريخ بمكة القاضي جمال الدين محمد بن عثمان الآمدي، ولما مات فى سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة وَلِيَ الإمامة بعده ابنه محمد، إلى أن مات سنة تسع وخمسين وسبعمائة، على ما هو معروف عند أهل مكة. ولعل نجم الدين خليفة المذكور كان ينوب عن الأب وابنه. والله أعلم).

[29]  «آكام المرجان في أحكام الجان» (ص186-188 طبعة المعهد الألماني للأبحاث الشرقية). انظر: «العقد الثمين» للفاسي (4/45-46)، و«لقط المرجان» للسيوطي (ص148-149).

[30]  «تاريخ حوادث الزمان وأنبائه ووفيات الأكابر والأعيان من أبنائه» (3/866). انظر: «البداية والنهاية» (18/382)، و«عيون التواريخ» (5/163)، و«الدارس في تاريخ المدارس» (2/325)، وفيه -نقلًا عن تاريخ البرزالي-: (وكان قد نودي في البلد لذلك، فحضر خلقٌ كثيرٌ من الأعيان وغيرهم).

قال ابن بدران في «منادمة الأطلال» (ص376): (جامع خيلخان، خارج باب كيسان من الجانب القبلي، وقد أُدخل اليوم في بستان له يقال له بستان الأمير، ولم يبق من آثاره اليوم إلا بعض منارته، وقبر إلى جانبها، وقد شاهدته أنا ومحمد شعيب الجندي أحد تلامذة المدرسة السلطانية بدمشق سنة 1333، أنشأه نجم الدين ابن خيلخان سنة ست وثلاثين وسبعمائة، وأول من خطب به الإمام ابن القيم).

وهذه المنارة تظهر في صورة التقطها المصور الفرنسي فيليس بونفيس لسور دمشق الشرقي سنة (1287هـ-1870م) تقريبًا، وقد أرفقتها في آخر المنشور.

[31]  المدرسة الصدرية: نسبة إلى واقفها صدر الدين أبو الفتح، أسعد بن عثمان ابن المنجا التنوخي الحنبلي، توفي سنة (657هـ)، وقف داره على الحنابلة، قال ابن بدران: (والمحقق أن الصدرية محيت آثارها وصارت دورًا). انظر: «منادمة الأطلال» (ص239).

[32]  محمد بن أحمد بن عثمان بن أسعد بن المنجا التنوخي الدمشقي الحنبلي، ولد سنة (688هـ)، ولي حسبة دمشق، ونظر الجامع الأموي، ودرَّس في أماكن، وكان كثير الحشمة والمروءة، محبًّا لأهل العلم، توفي سنة (746هـ). انظر: «أعيان العصر» (4/262)، و«الذيل على طبقات الحنابلة» (5/131).

[33]  «البداية والنهاية» (18/450).

واستمرَّ ابن القيم في التدريس بالصدرية حتى آخر حياته، يدلُّ على ذلك ما حكاه ابن كثير في حوادث سنة (751هـ) من أنه (في يوم الاثنين ثاني عشر شهر شعبان ذكر الدرس بالصدرية شرف الدين عبد الله ابن الشيخ الإمام العلامة شمس الدين بن قيم الجوزية، عوضا عن أبيه -رحمه الله- فأفاد وأجاد، وسرد طرفًا صالحًا في فضل العلم وأهله). وبذلك تكون مدة تدريسه بها قريباً من ثمان سنين.

[34]  «المحاضرات» (ص244).

وقد حج المقري سنة (744هـ) -كما ذكر حفيده في «نفح الطيب» (5/280)- ودخل الشام بعدها، فلقاؤه بابن القيم كان في سنة (745هـ) تقريبًا.

فائدة: نقل أبو إسحاق الشاطبي الغرناطي في مواضع من كتابه «الموافقات» نقولًا تثبت استمداده من شيخ الإسلام ابن تيمية، حيث استشهد في غير ما موضعٍ بنقولات عزاها إلى بعض الحنابلة المتأخرين، والكلام فيها بنصِّه مأخوذ من كتاب «بيان الدليل على بطلان التحليل».

وقد استظهر بعض الباحثين كالدكتور يوسف البدوي في كتابه «مقاصد الشريعة عند ابن تيمية» (ص515-516) أن حلقة الوصل بين الشاطبي وشيخ الإسلام ابن تيمية هو أبو عبدالله المقري، باعتبار أن المقري من شيوخ الشاطبي، وكانت له رحلة مشرقية دخل فيها دمشق، والتقى فيها بابن القيم -كما هو مذكور في المتن- تلميذ شيخ الإسلام، فلا يبعد أن يكون المقري قد نسخ شيئًا من كتب ابن تيمية التي كانت بالشام أو بحوزة ابن القيم، أو حمل المقري معه شيئًا من كتب ابن تيمية وابن القيم.

قلت: هذا افتراضٌ بعيدٌ جدًا، فالمقري كان له موقف مناوئ من شيخ الإسلام، ويتجلى ذلك في عدة مواضع، كافترائه على الشيخ حادثة تشبيهه النزول الإلهي بنزوله (حكاها في رحلته «نظم اللآلي في سلوك الأمالي»، كما في «أزهار الرياض» 5/16 و«كفاية المحتاج» 1/265)، وتشنيعه عليه في مسألة شد الرحال («القواعد» ص323، القاعدة 810). فيبعد إزاء هذا الموقف الغليظ من الشيخ أن يكون له تشوّفٌ إلى كتبه ومصنفاته، فضلًا عن انتساخها والارتحال بها إلى الأندلس.

ثم إن ارتباط المقري بابن القيم لم يكن تلمذةً تورث الاحتفاء بمصنفاته أو مصنفات شيخه، بل المنقول عنه هو أجوبة لسؤالات متفرقة كما يظهر من سياق الخبرين، وهو شأن من جلس إلى ابن القيم اتفاقًا في حلقته بالجامع الأموي، فلم يحضر دروس ابن القيم بالصدرية مثلاً، ولم يستجزه في مروياته أو تصانيفه.

ويجدر التنبيه إلى أن صيت شيخ الإسلام بلغ الأندلس في وقت مبكر، وذلك في حياة الشيخ نفسه، فقد ذكر ابن عبدالهادي ضمن مصنفات الشيخ في «العقود الدرية» (ص96): (جواب عن مسائل وردت من الأندلس). كما أن عددًا من كتب الشيخ انتسخها بعض محدثي المغرب، لاسيما مصنفاته القديمة، ومنها كتابه «بيان الدليل على بطلان التحليل» -والذي استمد منه الشاطبي أكثر نقولاته عن الشيخ- فقد رواه التجيبي (ت: 730هـ) في «برنامجه» (ص273) إضافة إلى «الصارم المسلول» و«رفع الملام»، وقال بعدها: (سمعت ثلاثتهما من فِلْق فيه بدمشق).

والتجيبي استقرّ في آخر حياته بسبتة، واستجاز برنامجه جماعة من الأندلسيين، ومنهم ابن الحاج البلفيقي (ت: 773هـ) قاضي غرناطة -كما في مقدمة تحقيق «البرنامج»-، فلا يبعد أن يكون هو أو غيره قد انتسخ من التجيبي كتاب «بيان الدليل».

[35]  «المحاضرات» (ص243).

وقد نقلها حفيده أبو العباس بسياق مختلف، فقال في «نفح الطيب» (5/281): (ومن أخبار مولاي الجد -رحمه الله تعالى- أنه قال:… شهدتُ شمس الدين بن قيم الجوزية، قيِّم الحنابلة بدمشق، وقد سأله رجل عن قوله عليه الصلاة والسلام: «من مات له ثلاثة من الولد كانوا له حجابًا من النار»، كيف إن أتى بعد ذلك بكبيرة؟ فقال: موت الولد حجاب، والكبيرة خرق لذلك الحجاب، وإنما يكون الحجاب حجابًا ما لم يُخرق، فإذا خُرِقَ فقد زال عن أن يكون حجابًا، ألا ترى إلى قوله عليه الصلاة والسلام: «الصوم جنة ما لم يخرقها»، ثم قال: وهذا الرجل أكبر أصحاب تقي الدين ابن تيمية). انظر: «نيل الابتهاج» للتنبكتي (ص424-425)، و«البستان» لابن مريم (ص160).

[36]  قال ابن كثير في حوادث سنة (745هـ) من «البداية والنهاية»: (وفي صبيحة ليلة الثلاثاء سادس رمضان وقع ثلجٌ عظيمٌ لم يُرَ مثله بدمشق من مدة طويلة، وكان الناس محتاجين إلى مطر، فلله الحمد والمنة، وتكاثف الثلج على الأسطحة، وتراكم حتى أعيا الناس أمره، ونقلوه عن الأسطحة إلى الأزقة يحمل، ثم نودي بالأمر بإزالته من الطرقات؛ فإنه سدَّها وتعطلت معايش كثير من الناس، فعوض الله الضعفاء بعملهم في الثلج، ولحق الناس كلفة كبيرة، وغرامة كثيرة، فإنا لله وإنا إليه راجعون… وفي أول شوال يوم عيد الفطر وقع فيه ثلج عظيم بحيث لم يمكن الخطيب من الوصول إلى المصلى، ولا خرج نائب السلطنة، بل اجتمع الأمراء والقضاة بدار السعادة، وحضر الخطيب فصلى بهم العيد، وكثير من الناس صلوا العيد في البيوت).

[37]  «الشتويات» (ص181-184). وقد صوبت جملة من التصحيفات التي وقعت في المطبوع من نسخة الكتاب الخطية المحفوظة في مكتبة ليدن برقم (351)، وبقيت عدة مواضع تحتاج إلى مراجعة نسخة خطية أخرى للتحقق مما وقع فيها من سقط أو تصحيف.

[38]  استظهر الشيخ زائد النشيري محقق كتاب «الفروسية» في مقدمته (ص13) أن المراد بهذا المصنَّف: «بيان الاستدلال على بطلان اشتراط محلل السباق والنضال»، وأن كتاب «الفروسية» صنَّفه بعد هذه الحادثة.

[39]  «البداية والنهاية» (18/479-480). انظر: «تاريخ ابن قاضي شهبة» (2/1/446).

والمقصود بالقاضي الشافعي هنا: تقي الدين علي بن عبدالكافي السبكي (ت: 756هـ).

قال د. نور الدين مسعي في كتابه «الفوائد البهية في سيرة الإمام ابن قيم الجوزية» (ص71): (ويبدو أن ما ذكره ابن كثير هنا من أن الإمام ابن القيم أظهر فقط الموافقة للجمهور هو أدقُّ في العبارة من قول ابن حجر أنه رجع عما كان يفتي به، وذلك لأن الموجود في كتب ابن القيم فيما يتعلق بهذه المسألة مخالفٌ لقول الجمهور؛ فكأن الإمام ابن القيم أظهر الموافقة للجمهور في الظاهر، حتى ظنَّ بعض الناس رجوعه عن فتياه، وذلك درءًا للمفسدة والشر الذي قد يلحقه من القضاء، ولكنّه لم يرجع عن قوله في الواقع، ولهذا ذكر ما يدين الله به في مصنفاته).

[40]  «البداية والنهاية» (18/517). انظر: «تاريخ ابن قاضي شهبة» (2/1/670).

قال ابن كثير في «البداية والنهاية» (ص43 الجامع لسيرة ابن القيم): (وقد كان متصديًّا للإفتاء بمسألة الطلاق التي اختارها الشيخ تقي الدين ابن تيمية -رحمه الله-، وجرتْ له بسببها فصولٌ يطول بسطها مع قاضي القضاة تقي الدين السبكي وغيره).

[41]  لم أقف له على ترجمة.

[42]  «تحفة المودود بأحكام المولود» (ق1/و)، نسخة المكتبة الظاهرية المحفوظة برقم (7086). نسخها عبدالله بن علي بن أيدغدي الحنبلي سنة (807هـ). انظر: مقدمة «تحفة المودود» (ص36، 63) طبعة دار عالم الفوائد.

[43]  أي: نصف شهر رجب، من سنة (799هـ).

[44]  «تاريخ ابن حجي» (ص225). انظر: «تاريخ ابن قاضي شهبة» (3/630)، و«المقصد الأرشد» (1/265)، و«المنهج الأحمد» (5/180)، و«شذرات الذهب» (8/610).

قال ابن كثير في «البداية والنهاية» (ص43 الجامع لسيرة ابن القيم): (واقتنى من الكتب ما لا يتهيأ تحصيل عُشْرِه من كتب السلف والخلف).

وقال الصفدي في «أعيان العصر» (ص36 الجامع لسيرة ابن القيم): (وما جمع أحدٌ من الكتب ما جمع؛ لأن عمره أنفقه في تحصيل ذلك. ولما مات شيخنا فتح الدين [أي: ابن سيد الناس اليعمري] اشترى من كتبه أمهات وأصولًا كبارًا جيّدة، وكان عنده من كل شيء في غير ما فن ولا مذهب، بكل كتاب نسخٌ عديدة، منها ما هو جيد نظيف، وغالبها من الكرندات. وأقام أولاده شهورًا يبيعون منها غير ما اصطفوه لأنفسهم).

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى