عام

البكور: لحياة تبدأ من الفجر

  • نور الهدى الهديب وشيماء الدهيّم

تصلي الفجر في غير وقتها؟

لديك مشكلة في الانضباط بأوقات العمل؟

صباحات مدارس الأبناء مزعجة؟

تعاني من الأرق واضطرابات النوم؟

لاتجد وقتًا للمحاسبة، والتأمل، والتخطيط؟

لديك الكثير من الأحلام والأهداف ولا تعرف من أين تبدأ؟

لا وقت لديك للورد القرآني؟

لا وقت للقراءة وتطوير النفس؟

إذا كانت إجابتك بلا عن جميع هذه الأسئلة؛ فهذه التدوينة ليست لك، أما إذا كنت تعاني من بعضها، فربما أساعدك في تجاوزها، لأني قد وجدت الحل.

كانت لي دوماً مذكراتي الخاصة، التي أكتب فيها أحلامي وطموحاتي، أتأمل فيها، أحياناً، وأتساءل بأسى: متى ستتحقق هذه الأحلام؟ كيف سأجد الطاقة والوقت الكافي لتحقيقها؟ أم أنها مجرد أمنيات، كأحلام العاجزين؟

تأملتُ كيف يمضي الزمن على جميع البشر بنفس عدد الساعات لكل يوم، فنرى إنسانًا قد حقق كثيراً مما يطمح إليه في أمور دينه ودنياه، كالحصول على إجازة في القرآن الكريم، أو مشروع ناجح، أو اختراع غيّر مسار البشرية، أو إصلاح فسادٍ، أو إنتاج علم ينفع الآخرين، أو ثروة طائلة متمتعاً بوافر الصحة، بينما نجد آخرًا متحسراً على الأوقات التي ضيعها، يُقلب هاتفه في تصفح أحلام الآخرين. كيف سيجيب حين يُسأل عن عمره فيم أفناه؟!

هل لدى هؤلاء الناجحين المنجزين مصابيح سحرية تساعدهم في تحقيق أهدافهم؟ أم أن لهم قوى خارقة وقدرات خاصة؟ طبعا لا؛ وإنما اجتمع لديهم الالتزام المستمر الذي يستعين بمصباح (البركة). “البركة تعني ثبوت الخير الإلهي في الشيء وهي جند خفي من جنود الله ﷻ”

إننا نحتاج البركة الآن أكثر من أي وقت مضى، في زمنٍ يمضي الشهر فيه كأسبوع، والأسبوع كيوم، واليوم كساعة، لتقارب الزمان، وقد أخبرنا النبي ﷺ في الحديث الصحيح (لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان فتكون السنة كالشهر، ويكون الشهر كالجمعة، وتكون الجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كاحتراق السعفة)[1]

وفي شرح الحديث يقول الإمام النووي رحمه الله: (المراد بقصره: عدم البركة فيه، وأن الانتفاع باليوم يصير بقدر الانتفاع بالساعة الواحدة)، ويقول الحافظ ابن حجر رحمه الله: (والحق أن المراد: نزع البركة من كل شيء حتى من الزمان). وهذا مُشاهدٌ الآن، فرغم سهولة المعطيات من حولنا إلا أن الأعباء تضاعفت، والانشغال أصبح سمة العامل والعاطل، والصغير والكبير.

بحثت عن طرق نيل البركة، ووجدت العلماء يذكرون طرقاً متعددة؛ أولها: التقوى (ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب)[2]، وكذلك الاستغفار، والدعاء، والبر، وصلة الرحم، كلها أعمال لا تقدر بثمن، ومن تمسك بها فهو الموفق، ولكني أضيف عليها طريقاً آخر، استعنت بالله للسير فيه، وهو طريق البكور، الذي دلنا عليه الحبيب ﷺ حين قال: (بورك لأمتي في بكورها)[3]، فهذا الحديث يحثنا على المبادرة للعمل والسعي منذ الصباح الباكر، والموفق من تحقق دعاء النبي ﷺ له بالبركة.

وقد قيل: “إنَّ أَوَّلَ اليوم بمنْزلة شبابه، وآخرَه بمنزلة شيخوخته، ومَن شبَّ على شيءٍ شاب عليه، ولهذا فإنَّ ما يكون من الإنسان في باكورة اليوم وأوَّله ينسحب على بقيَّة يومه، إن نشاطاً فنشاطٌ، وإن كسلاً فكسل، ومَن أمسك بزمام اليوم وهو أوَّلُه سلم له يومُه كلُّه بإذن الله، وأُعين فيه على الخير، وبُورِك له فيه”[4].

كانت المذيعة الأمريكية الشهيرة أوبرا وينفري في برنامجها (Super soul Sunday) تقابل كثيرًا من المؤثرين الناجحين، والسؤال الثابت في مقابلاتها دائماً: ما روتينك الصباحي، أوالطقوس الصباحية (morning rituals). وكانت إجابات معظم الناجحين تدور حول الصلاة (أيا كان دينهم)، ولو بحثت في موقع (بنتريست) مثلا عن كلمة (طقوس الصباح) ستجد أنّ معظمها يدور حول التأمل. بل وجدت كثيرًا من الكتب الإنجليزية التي تحث على استغلال فترة الفجر مثل:

كتاب نادي الخامسة صباحا لروبن شارما،[5] وكتاب معجزة الصباح لهال الرود،[6] وقد استفدت منها كثيراً، هذه الكتب تحاول أن تعلمنا نظاماً أصيلاً عندنا، ابتعدنا عنه لجهلنا أوتفريطنا، لذلك، هذه المقالة محاولة مني لبيان أهمية البكور في حياتنا من منطلق ديني، وهي دعوة لاستثمار وقت البكور الاستثمار الأمثل، لأنّ في هذا النظام عودة لفطرة الإنسان التي جعل الله له النهار معاشاً، والليل لباساً، وكلما اقترب الإنسان من فطرته؛ زاد تناغمه مع منظومة الخلق الكونية، فينطلق في يومه بكل حيوية مغموراً بالبركة والسكينة، مستشعراً رعاية الله وحفظه.

ولي مع البكور حكاية

قال ﷺ “بورك لأمتي في بكورها”

حين أسمع هذا الحديث تذهب بي الذاكرة إلى طفولتي، فأتذكر أبي حين يردده على أسماعنا وهو يوقظنا لصلاة الفجر. نشأت ولله الحمد في أسرة حريصة على الصلاة، لكني كنت غالباً أقوم إلى الصلاة قبل الشروق بقليل (كحال كثير من الناس)، ثم تزوجت وزوجي ولله الحمد محافظ على صلاة الفجر، لكن مع الانغماس في لجة الحياة في مرحلة لاحقة بدأت تفوتني أحيانًا صلاة الفجر، كان هذا الأمر مؤلماً جداً بالنسبة لي، ولم أعرف كيف أعالج الموضوع. ومع صعوبة تنظيم النوم بسبب الأطفال والالتزامات، وتوافه الملهيات أحياناً، طلبت من إحدى صديقاتي المحافظات على صلاة الفجر أن تتصل بي كل يوم فجرًا، ورغم أن اتصالها لم يكن سببًا مباشرًا لإيقاظي دائماً، إلا أنه كان معينًا لي بشكل كبير، ولفضلها؛ استمرت بالاتصال علي كل يوم لمدة عام كامل، فجزاها الله عني خيرًا.

حين بلغ أبنائي سن التكليف، اشتعل عندي حس المسؤولية بشكل أكبر، وأدركت خطورة تهاوني في صلاة الفجر أول وقتها، مما جعلني أعيد حساباتي، وذلك أنني لو لم أستيقظ لصلاة الفجر في أول وقتها؛ فلن يستيقظ أبنائي للصلاة في وقتها، وسيفقدون تدريجيا الإحساس بأهمية الموضوع، وعندما يكبرون سيصعب عليهم نقل تجربة لم يستشعروا أهميتها لأبنائهم، وسأساهم في إعداد جيل لا يستيقظ لصلاة الفجر.

في شتاء عام٢٠١٦ م اتخذت قراراً حازماً، وبدأت في برنامج البكور. وكانت الخطوة الأولى هي: القراءة والبحث عن الموضوع، فعرفت فضل هذا الوقت، وفضل التمسك بالعبادة فيه، وعن الوسائل المعينة على تأسيس روتين صباحي عبادي ناجح وعن المعيقات، وسبل التخلص منها. وقرأت وشاهدت سير الناجحين المهتمين بهذا الموضوع، لإيماني بأنه حتى لو لم يحصل تغيير في العادات مباشرة، فإن إشغال الفكر بالموضوع سيسهم في تغييري نحو الأفضل بإذن الله. ثم استعنت بمجموعة من الصديقات المهتمات بنفس الفكرة، فكنت أرسل لهن رسائل مكتوبة ومسموعة بما تعلمته، ليقيني أن العمل الجماعي والمشاركة أفضل من العمل الفردي، وأثر الجماعة في التحفيز والتشجيع وإثراء التجربة تبادل المعلومات ظاهر، فكنا نشجع بعضنا على أداء صلاة الفجر في وقتها، وعلى إيقاظ أهلنا وأولادنا للصلاة، وعلى تلاوة الورد القرآني، وأذكار الصباح، وصلاة الضحى والتهجد. لقد تغيرت ساعتي البيولوجية، فأصبحت أحب النوم في وقت مبكّر، وغدت صلاة الفجر أمراً أساسياً في بداية يومي، ولله الحمد. وبعد سنة وأربعة أشهر، تولدت لدي عادة الاستيقاظ للصلاة دون حاجة إلى منبه.

ثم انتقلت إلى الخطوة الثانية، وذلك بتجربة الكثير من الأفكار مع دائرة أكبر من المعارف، وعن طريق الإصرار وتكرار المحاولة مراراً تعلمنا الكثير من الطرق المعينة حتى صار يومنا يدور حول العبادة وليس العكس، وأصبحنا نرى يقينا: بركة البكور، فانعقد في قلوبنا حب البكور والإيمان ببركته.

لقد جعلت البداية في فصل الشتاء، حيث يكون وقت صلاة الفجر قريب من وقت خروجنا إلى العمل، فكان تطبيق البرنامج سهلاً نسبياً. وبفضل الله وحده، ثم بمساعدة مجموعة فذة من المشاركات ببرنامج البكور، وبالتدرج، استطعنا الاستمرار في البرنامج سنتين كاملتين في كل مواسم السنة: سواء في رمضان، أو في الصيف أو الشتاء، في العطلة أو في العمل، في الحضر أو في السفر. فتعلمت أن الهدف من البكور ليس الحرمان من النوم واضطهاد الراحة، وإنما الانشراح والبركة، لقد تعلمت ترك العادات المعاكسة للفطرة (السهر، النوم صباحاً لوقت متأخر)، لقد تعلمت أن أملك كامل يومي فأنطلق من قاعدة عبادية، وقد صليت الفجر في وقتها، وتحصنت بأذكار الصباح، وقرأت وردي من القرآن، وخططت لمهام يومي، وليس عندي ما يؤنب ضميري من مهام عالقة تنتظر الفرصة -التي ربما لا تأتي خلال زحمة اليوم- كي أنهيها. ولاحظ أبنائي انشراح نفسي في الصباح معهم، لم نعد نستيقظ في الدقائق الأخيرة التي تجعلنا نبدأ اليوم بتوتر وعصبية خارج السيطرة، أصبحنا نجلس للفطور معًا، ونتجاذب أطراف الحوار، ونحرص على التحصين قبل الخروج، لقد اكتشفنا الحياة الكاملة التي كانت تفوتنا إذا تأخرنا في الاستيقاظ.

لماذا أحتاج للاستيقاظ فجراً؟

البكور ليس هدفا بحد ذاته و إنما وسيلة لتحقيق الأهداف و الرؤى.

تأملت في نفسي وتساءلت لماذا أحتاج للاستيقاظ فجراً، وتوصلت إلى ثلاثة أسباب مهمة:

١– للإنجاز الحقيقي لابد من اتصال بالخالق

فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: (يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب كل عقدة مكانها: عليك ليل طويل فارقد، فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عقده كلها، فأصبح نشيطاً طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان)[7].

وقت البكور – قبل أن أحقق فيه النجاح- كان منبعًا للإحباط المطلق، بسبب عقد الشيطان الثلاث، ولتأخري في الوصول إلى العمل، وعدم تلاوة وردي اليومي، وألمي من فوات صلاة الفجر أحياناً، وقلقي على صلاة أبنائي من بعدي، وبعد أن منّ الله علي وانتظمت في برنامج البكور؛ اكتشفت أنّ هذا الوقت كنز لتحقيق كثير من الأهداف المعلقة.

في نظرية (الاختيار) لوليام جلاسير ذكر أن كل إنسان عنده خمس حاجات لابد أن يشبعها حتى يعيش حياة متزنة وهي: الحاجة للبقاء، والحاجة إلى القوة، والحاجة إلى الحرية، والحاجة إلى الحب والانتماء، والحاجة إلى الترفيه. وقد وجدت أن برنامج البكور حقق عندي الكثير من الحاجات، فإذا جلست بعد صلاة الفجر وقرأت وردي القرآني وخططت ليومي ومارست رياضتي أشبعت حاجاتي، لأني أنجزت أهم الأشياء التي أرغب بإنجازها وانتهيت منها فأكون حرة بقية اليوم.

وأيضًا أشبعت حاجة الانتماء لديني لأني التزمت بسنة النبي ﷺ، كما أشبعت حاجة القوة لأنّ الإنجاز والانضباط قوة، ويعطي إحساساً بالقدرة على إنجازات أكبر وأفضل. كما أشبعت حاجة الترفيه؛ إذا مارست إحدى هوايتي المحببة، أو خرجت في موعد مع صديقة لركوب الدراجة أو المشي. من الذكاء الاستثمار في هدف واحد يقربك من الله أكثر ويحقق لك الكثير من الأهداف.

٢– حُر الوقت

قرأت في قصص السيرة النبوية قصة بناء الكعبة في الجاهلية، واشتراطهم -لقدسية بيت الله الحرام- أن يكون المال الذي سيتبرع به الناس لبناء الكعبة من حر المال، وهو أنفس المال وأطيبه الذي لا تشوبه شائبة، وهو نادر جداً وثمين.

وعندما دخلت مع مجموعة لحفظ القرآن كنت أعاني في المراجعة، فتذكرت قصة بناء الكعبة، وتوصلت إلى أنّ مشكلتي الأساسية، هي أني لا أعطي القرآن حُر وقتي، وإنما فضلته. ثم تأملت كيف يثمر أي شيء نعطيه حُر وقتنا، ومع تزاحم مسؤولياتنا وانشغالاتنا، كيف نوفر وقتًا حُرًا للعبادة لا تشوبه شائبة؟ فوجدتُ أن الفجر، هو حُر وقتي، وقت الذي لا ينازعني فيه أحد، فجعلته للعبادة في خلوة تامة، فكيف لي أن أضيع هذا الوقت الثمين بالنوم؟

٣- كنز الروتين

ثبت بالاستقراء أنّ العظماء لهم شعائر وعادات صباحية، ونحن المسلمون لنا شعائرنا المعروفة، ويبقى أن نؤسس عاداتنا على وفق هذه الشعائر، فإذا كانت ساعة الصبح هي الوقت الوحيد الذي أستطيع أن أمارس فيه الرياضة، أو أخطط وأرتب يومي ومهامي وأولوياتي، أو أمارس فيه عبادة مهجورة -عبادة التفكر والتأمل-؛ فلابد أن أستغل هذا الوقت في تأسيس عادات نافعة ومفيدة. لذلك من يملك قائمة أهداف عالية وغايات راقية ويود تأسيس عادات نافعه لا يسأل أبدا لماذا نقوم الفجر.

وحين تتسع دائرة البكور

“إن تحريك جناح الفراشة في الصين سيتسبب بحدوث إعصار مدمر في أمريكا”

ما هو تأثير الفراشة؟

تأثير الفراشة: نظرية فلسفية فيزيائية تنص على أن رفرفة جناح فراشة في بلاد بعيدة قد تسبب عاصفة في بلاد أخرى، فالكون مترابط بهذه الطريقة، فأي عمل ولو كان صغيرًا سيؤثر ولو بشكل غير مباشر على أحداث أخرى، دون تحديد وقت معين فقد يحدث التغيير بعد يوم أو سنة أو أكثر.

عندما نشهد بعض الظواهر السلبية في المجتمع، أتساءل: ماذا يمكن أن أقدم لهم؟ كيف أساعدهم؟ كيف أقوم بواجب الأخوة الدينية؟ ثم أقرأ في سيرة النبي ﷺ لما بعثه الله عزوجل في أحلك أوقات الجاهلية فأمرَه فقال: (يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا)[8] أشعر أنّ الله ﷻ يريدنا أن نفهم أن تغيير أنفسنا والعالم من حولنا للأفضل ليس بقوتنا وقدرتنا وإرادتنا، وإنما نحتاج إلى قوة أكبر تعطينا مدداً وبصيرة ونوراً ليبارك الله في أعمالنا وأقوالنا ويسددنا؛ لذلك نحتاج إلى تحسين عبادتنا بكل وسيلة ومنها البكور فالإنسان لن يتغير إلا بتغير همته.

تأثير الفراشة واضح في الوالدين أو المربين، فعند الاستثمار في تربية ابن سوي صالح سيكون لذلك تأثير الفراشة في المجتمع، و من الصعب أن أربي أبنائي أو أغير أسرتي، وأصدقائي، وزملاء العمل، إلا إذا كنت قدوة صالحة تعيش بينهم.

من القصص الجميلة التي سمعتها قصة أحد الأساتذة، حين حدثني عن تجربة أبيه في تربية أولاده، فسألته عن البكور بالذات فقال: كان أبي عندما نكمل السابعة من العمر يبدأ بإيقاظنا لصلاة الفجر، وعندما يكون الجو باردًا في فصل الشتاء، كان يقوم قبلنا بساعة ليشعل النار في الحطب ليدفئ الحمام ويدفئ الماء، حتى لا نتأذى من البرد، فتعجبت من مجهود الأب كيف جاهد لإيقاظ أبناءه لصلاة الفجر في وقتها من عمر مبكر.

من المفاهيم الخاطئة اعتقاد بعضنا أن التدين شعيرة مقصورة على المساجد والمحراب، أو أن التدين الفردي غير مؤثر. وما علم أنّ السلوك الفردي الصادق المستمر مثل جناح الفراشة الذي يرفرف فيقلب الله به حال الإنسان وحال أسرته ومجتمعه إلى الأفضل.

كيف أبدأ؟

أحيانا يأتينا خاطر للتبرع بمبلغ معين، أو نستيقظ في منتصف الليل وتنتابنا رغبة بالصلاة، ثم يطرأ علينا ما يثبطنا: كيف أصلي اليوم ولا أصلي غداً؟، كيف أبدأ عبادة لا أستطيع المحافظة عليها؟ في هذه اللحظة يجب الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، واستغلال النفحة الإيمانية أيا كانت، وإذا هبت رياحك فاغتنمها. صحيح أن التدرج من سنن الله في الكون، وصحيح أن النبي ﷺ علمنا أن القليل الدائم خير من كثير منقطع، لكن النفحات الإيمانية إذا أقبلت فالمطلوب المبادرة إلى اقتناصها. وإذا راجعنا سير الصحابة -رضوان الله عليهم- نجد أن فيهم من أسلم فجأة كردة فعل لحدث معين.

النبي ﷺ يخبرنا أن المسلم بين إقبال وإدبار، فاستغلال الهمة والظروف المواتية، ولو كانت مؤقتة، أمر مطلوب. ولا يعني هذا أن أزيد في العبادة دفعة واحدة، بل التدرج مطلوب، والاعتدال مطلوب، ومراعاة حال النفس مطلوب. يقول النبي ﷺ (إذا نهيتكم عن أمر فَانتَهُوا و إذا أمرتكم بأمر فإتوا منه ما استطعتم)[9] (ولن يُشاد أحد هذا الدين إلا غلبه)[10].

من مشكلات التشدد في الطاعات دفعة واحدة أنها تشعر الإنسان أن العبادة عبء عليه، وهذا الشعور يجعل العبادة ثقيلة على النفس، وقد ينتقل هذا الشعورلمن حوله، فيبدأ مسلسل التهاون والتكاسل عن العبادات حتى تركها، ولذلك يجب علينا استثمار النفحة الإيمانية في البداية ثم التدرج وتحديد الأولويات ووضع الأهداف وتأسيس عادات سليمة تساهم في المحافظة على العبادة بكل سهولة وأريحية، وقد نستطيع إشراك من حولنا معنا بدون ضغط قد يتبعه نفور من الدين بالكلية.

إنّ مراحل البكور تنقسم إلى أربعة مراحل نتعلم فيها كيف نتحدى أنفسنا، ونعلو في المراحل خطوة بخطوة مع الاستمرار في المحاولة والتحسين المستمر ولو أخذت كل مرحلة سنة كاملة، ولا نبدأ بقوة ثم نترك كل شيء، فعن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ دخل عليها وعندها امرأة قال: من هذه؟ قالت: فلانة تذكر من صلاتها، قال: مه عليكم بما تطيقون فوالله لا يمل الله حتى تملوا. وقد (كان أحب الدين إليه ﷺ ما دام عليه صاحبه)[11].

المرحلة الأولى: صلاة الفجر، وهي أهمها، أولى الأولويات، والمهم التدرج في ذلك، فإذا كنت أصليها قضاء بعد فوات وقتها، فأحاول أن أصليها في وقتها، ثم إذا نجحت في ذلك أحاول أن أصليها في أول وقتها مع السنة الراتبة والخشوع فيها.

فإذا استطعت المحافظة على فريضة الفجر في وقتها في كل الفصول و الأحوال ننتقل للمرحلة الثانية من مراحل البكور وهي المحافظة على صلاة الفجر في وقتها ثم الجلوس للشروق، فهذا وقت توزيع الأرزاق، وحري بالمسلم أن يقضيه في طاعة وعبادة وذكر، وتخطيط لمهام اليوم، لينطلق في يومه وقد حلت عليه البركة.

فإذا تمكنا من ذلك نزيد إلى المرحلة الثالثة من مراحل البكور وهي: الاستيقاظ قبل أذان الفجر بربع ساعة، وقت السحر، وقت نزول الله ﷻ إلى السماء الدنيا، فإن وجدنا القوة من أنفسنا لصلاة التهجد فبها ونعمت، وإن لم نستطع ذلك فلا نخسر الدعاء في هذا الوقت الفضيل (من يدعوني فأستجيب له)[12].

ثم ننتقل للمرحلة الرابعة والأخيرة وهي أن نثبت وقت استيقاظنا يوميا في الصيف والشتاء، وفي أوقات العمل و الإجازات وفي السفر والحضر وجميع الظروف والأحوال.

عندما أشاهد فيديو عن التحفيز، أو كيف تقود الناس نحو هدف معين وضرورة أن يكون لديك رؤية واضحة..، أسأل نفسي دائماً: ما هدف البكور؟ وأجد أن الهدف الاستمرار في البرنامج مع نية صادقة وقلب مخلص هو (حياة تبدأ من الفجر مع عادات صباحية تجعل يومي كله بركة ونجاح)

حسنًا، كيف نصل إلى ذلك؟ نصل بإذن الله عن طريق خطة محكمة، ودعاء دائم بالثبات، والعمل بالأسباب المعينة على النجاح.

أسباب معينة على النجاح

(عن النبي ﷺ: من يتحر الخير يعطه)[13]

١– النية الصادقة

مما يبعث على التفاؤل لأقصى حد أن الله سبحانه ودود، يريد من عباده نية صادقة، وحسن ظنٍ به. عن ابن عباس رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى قال: إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك، فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وإن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة [14]

لكن هذه النية الصادقة لابد أن يتبعها عمل يؤكد صدقها، من يريد الاستيقاظ فجرًا فليعمل بالأسباب، من تقليل تناول الكافيين، والحرص على النوم مبكرًا، وضبط المنبه وغيرها من الأسباب التي تعينه على الاستيقاظ. يقول د. مشعل الفلاحي: هذا ينام وأمنية قيام الليل ترزح في قلبه ومشاعره ويصنع لها كافة الاستعدادات حتى يقوم بين يدي الله تعالى في ساعة نزوله تعالى للسماء الدنيا، وذاك ينام وليس في قلبه أدنى هم لصلاة الفجر، (قل هل يستوي الذي يعلمون والذين لا يعلمون)[15].

٢- الإصرار

حين أتأمل في قصة السيدة هاجر وكيف كانت تسعى بين الصفا والمروة، و لم يتغير شيء بعد الشوط الأول والثاني والثالث، فلماذا استمرت بالمحاولة؟ رغم بكاء ابنها الرضيع وعجزها عن حمله حتى لا يثقل حركتها لكنها تستمر في السعى بين جبلين بحثا عن الماء، ما دافعها للاستمرار؟ ولماذا تستمر رغم عدم تيقنها من النتيجة؟ صحيح أن النتيجة كانت استثنائية حين فجر الله ماء زمزم من تحت قدمي إسماعيل عليه السلام  لكن في بداية سعيها كانت النتيجة مجهولة.

في سعينا لتطبيق فكرة البكور في حياتنا نعرف النتيجة مسبقا ليقيننا بصدق حديث النبي ﷺ حين دعا أن يبارك الله لأمته في بكورها، فالسبب موجود والنتيجة مضمونة -بإذن الله- وهذا من أقوى ما يدفعنا للمحافظة عليها.

في برنامج تيدكس المشهور شاهدت تجربة معلمة لها خبرة ٣٠ سنة في التعليم، تقول: إنه بعد بحوث واستبانات واستقراء للطلبة ثبت أن الطالب الذي ينجح بمستوى امتياز ويكمل لآخر السلم التعليمي بامتياز يملك صفة واحدة، – هذه الصفة موجودة عند كل الناجحين-، ليست الذكاء ولا البيئة الداعمة، وإنما الإصرار.

من النعيم المعجل أن يجد المسلم لذة العبادة في الدنيا فيداوم عليها طمعاً بهذه اللذة، لكن ذلك لا يتحصل لكل أحد، وينبغي على من لم يجدها أن يداوم في المجاهدة لعله يبلغ لذة العبادة أو شيئاً منها. يقول ثابت البناني: (كابدت نفسي على القيام عشرين سنة وتلذذت به عشرين سنة)

إنّ الصلاة تعلمنا الإصرار والالتزام، فنحن نصلي في كل الظروف والأحوال، في السفر والحضر، والصحة والمرض، ونصر عليها بأقل المتطلبات، فإذا عجزت عن الوضوء أتيمم، وإذا عجزت عن القيام أصلي قاعداً، أو مضطجعاً، وهناك صفة خاصة لصلاة الخوف في الحرب. الصلاة مدرسة، والمداومة عليها سبيل للنجاح والبركة بعون الله.

٣- وضع قائمة بالأهداف التي من الممكن إنجازها في وقت البكور:

مثلا:  صلاة الفجر في أول وقتها – أذكار الصباح – صلاة الضحى – الذكر إلى الشروق – قراءة ورد من القرآن – حفظ قرآن ومراجعة وتدبر – إيقاظ أشخاص لصلاة الفجر – تأمل – رياضة – قراءة – دورة الكترونية – تخطيط – إفطار منزلي صحي، وغيرها.

المحافظة على البكور سيعينك على إنجاز هذه القائمة، كلها أو جلها، وعلى فرض تعذر أداء بعضها، فيمكن تقييم نفسي 7 من 10 مثلاً، وفي اليوم التالي اجتهد لتكون ٨ من 10، وهنا يرتفع الشعور بالإنجاز، مع التأكيد على أن ما لا يدرك جله لا يترك كله، ومع محاولة التعديل المستمر في هذه القائمة سأصل إلى البرنامج المناسب الذي يعطيني دافعاً أكبر للاستمرار.

٤- حيل تأسيس عادات

العادات تشكل حياتنا بشكل كبير، لأننا نقوم بها تلقائياً بدون مجهود وتفكير، فتحويل أي عمل إلى عادة يزيل جزءاً كبيراً من عبء القيام به، وتتوجه طاقة الإنسان إلى أعمال أخرى، أو إلى رفع جودة العمل نفسه وتطويره، مع ضرورة التنبيه هنا على أن إطلاق مصطلح عادة على العبادة في هذه النقطة هو من باب التجاوز لا التحقيق، مع التأكيد على أن العبادة تحتاج إلى استحضار النية و حضور القلب واستشعار الأجر العظيم من الله ﷻ ليجد الإنسان ثمرتها في الدنيا والآخرة.

ومن المهارات المفيدة التي نشجع على تعلمها:

أ –  صقل العادات

في قناة (علي وكتاب) على اليوتيوب المتخصصة في تلخيص الكتب، تكلم عن سحر التحسينات الصغيرة[16]، وذكر مثالاً لفريق الدراجات البريطاني وكيف فاز بالبطولة العالمية لأول مرة، فرغم استعدادهم وتدريبهم بأفضل الأجهزة والمعدات سنوياً، إلا أن أكثر ما ساهم بفوزهم ونجاحهم في تلك السنة هي الخطة التي وضعها المدرب وتضمنت تغيير نوع وسادة وغطاء النوم ليكون النوم أعمق ليلاً، إن الإنسان لا يفكر بهذه التغييرات البسيطة إلا حين يكون مشغولاً شغوفاً بالقضية التي يعمل لأجلها.

عندما تشغلني مسألة عدم محافظتي على صلاة الفجر في وقتها، أو عدم قدرتي على الاستمرار من بعد صلاة الفجر إلى الشروق، لا بد أن أبحث عن الأسباب، ثم أحاول معالجة هذه الأسباب، فأصلي مثلاً في مكان آخر غير غرفة النوم، أو أشعل الإضاءة، قد يكون هذا التغيير البسيط، أو غيره، سبباً لتأسيس عادة البكور عندي.

ب- تصغير الأهداف

تصف عائشة رضي الله عنها عمل النبي ﷺ أنه كان ديمة، والديمة هي المطر الخفيف الذي يسقي الأرض فتنبت وتزهر، لأنه دائم، لا جفاف ولا فيضان. وفِي حديث آخر (أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل)[17]، أن نعمل عملاً صغيرًا ونحافظ عليه، أفضل من أعمال كبيرة يتبعها انقطاع.

تساءلت مرة: إذا كان عندي طاقة لمَ لا أصلي ١٠ ركعات تهجد بدلاً من اثنتين؟ فاكتشفت أن المعركة الحاسمة ليست في أداء العمل مرة أو مرتين وإنما في تحويل هذا العمل ديمة. ومن القصص الجميلة ترويها لي إحدى صديقاتي عن أمها، تقول إنها في ليلة عرس ابنتها صلّت ركعتي تهجد قبل الفجر بنصف ساعة بعد توديع آخر الضيوف في صالة الحفل، رغم التعب، ورغم أن هذا الظرف النادر، إلا أنها لم تفوت هاتين الركعتين. وفتاة أخرى جعلت هدفها قراءة صفحة واحدة من القرآن يومياً، ورغم استصغار المقربين منها لهذا الهدف، إلا أنها تؤكد أنها لم تستطع الزيادة عليها إلا بعد تثبيت عادة الصفحة الواحدة. فالمطلوب إذن في مرحلة تكوين العادات أن أضع هدفًا أقل من قدرتي حتى أثبت عليه بدون تعب، ويصبح طبيعياً في يومي وأتدرب عليه فترة كافية، تمر فيها كافة الظروف والأحوال، ثم أزيد حسب القدرة والاستطاعة. وهذه من حيل تثبيت العادات (العادات الذرية من قناة علي وكتاب) [18].

ج – دمج العادات

من الطرق الناجحة لتأسيس العادات طريقة تسمى دمج العادات (Habits Stacking)، كأن ألتزم بقراءة أذكار الصباح قبل أن أقوم من سجادتي بعد صلاة الفجر، أو ألتزم بقراءة وردي من القرآن بعد الصلاة مباشرة، فزيادة عادة جديدة لعادة مثبتة يزيد نسبة نجاحها بشكل كبير.

ملاحظة خاصة للنساء: عند بداية تأسيس عادة البكور فلا تترك المرأة هذه العادة وقت عذرها الشرعي؛ لأننا نهدف إلى تأسيس عادة دائمة ونظام حياة، يمكن استغلاله بتلاوة أذكار الصباح فقط.

٥– الصحبة الصالحة

عن عُمَر بْن الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَامَ فِينَا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: “مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ بَحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ، فَلْيَلْزَمِ الْجَمَاعَةَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ، وَهُوَ مِنَ الاثْنَيْنِ أَبْعَدُ “[19].

إذا كنت مع جماعة فمهما فترت وضعفت ستعينك همتهم على التغيير للأفضل بإذن الله【واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا】[20]

 التخلص من المعيقات

أبرز المعقيات التي تواجهنا في البكور:  الكسل والسهر

١– الكسل

العقبة الأولى للنفس هي الكسل، وهو قدرة البدن وعدم رغبة القلب، أما العجز فهو هو رغبة القلب وعدم قدرة البدن، ونتغلب عليهما بالدعاء، لذلك يعلمنا النبي ﷺ في أذكار الصباح الاستعاذة من العجز والكسل.

٢–  السهر

قبل الكلام عن السهر، هناك حقائق لابد أن نعرفها عن النوم. النوم آية من آيات الله الكونية، قال تعالى “ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون”[21]، وهو أمر ضروري للحفاظ على صحتنا العقلية والبدنية فهو جزء لا يتجزأ من حياتنا، ونوم الليل هو الأصل، فقد جعل الله سبحانه الليل للراحة والنهار للعمل وطلب الرزق فقال: (وجعلنا نومكم سباتا وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار معاشا)[22]، وقد سمعت محاضرة في تيدكس عن النوم تنص على أن فطرة الإنسان كانت أن ينام في الليل ويقوم بالنهار إلى أن اخترع أديسون اللمبة.

حقائق يجب أن نعرفها عن النوم (من كتاب: هذا الكتاب سيجعلك تنام للدكتورة جيسامي هيبرد وجو اوسمار[23]) بتصرف بسيط:

  1. لا يوجد قدر مثالي من النوم يصلح للجميع.
  2. لا تقارن أنماط نومك بأنماط نوم الآخرين فالأمر يختلف من شخص لأخر.
  3. ستتغير احتياجاتك للنوم من وقت لآخر، فقد تحتاج للمزيد من النوم عندما تبذل جهداً أكبر في العمل، لكن يمكنك أن تنام لوقت أقل إن كنت مضطرا لذلك مثل أن يكون للأم طفل رضيع.
  4. هناك العديد من العوامل المسؤولة عن مدى طاقتك خلال اليوم، والنوم أحدها فحسب، وسيحاول جسدك أن يتعامل مع أحداث اليوم بغض النظر عن مقدار النوم الذي حصلت عليه. من السهل إحالة المزاج السيئ أو السلوك السيئ إلى قلة النوم، غير أن هناك مثيرات أخرى تساهم في هذا الأمر، حتى من ينامون جيداً قد يغضبون ويرتكبون الأخطاء.
  5. قد يختلف قَدْر النوم الذي تحتاج إليه عن قَدْر النوم الذي تريده، تأكد أن جسدك سيحصل على قَدْر النوم الذي يحتاج إليه، لذا من الأفضل أن تتقبل الأمر وتعمل وفق ما يمليه عليك جسدك.
  6. توقف عن إطالة النظر في الأجهزة الإلكترونية مثل حاسبك أو هاتفك قبل ساعة على الأقل من وقت ذهابك للفراش، حتى يبدأ إفراز الميلاتونين الطبيعي (الهرمون الذي يجعلنا نشعر بالنعاس ويفرزه الجسم في الظلام فقط).
  7. لا تتناول الكافيين قبل أربع ساعات من ذهابك للفراش، حيث إن الجسد يحتاج لبعض الوقت للتخلص منه.
  8. النوم والاستيقاظ في أوقات محددة يعتبر من الطرق البسيطة لخلق نظام للنوم، وسيعتاد جسدك النوم في ساعات محددة مما سيقوي من إيقاعك اليومي، وعليك ألا تغير من نظام نومك في العطلات، ولا تسمح لنفسك بالتأخر في النوم إلا لساعة واحدة. الهدف من الذهاب للفراش هو احتياج جسدك للنوم لا أن تظل راقداً في الفراش ساعات طويلة دون نوم.
  9. عندما تكون نائماً تحدث أمور مهمة: صيانة للدماغ، تجديد في الجلد والعضلات والدم وخلايا المخ – تحكم في ضغط الدم – تحكم في الوزن – تجديد في الجهاز المناعي. وعلى العكس من ذلك فإن السهر لا يعطي الفرصة للجسم لإصلاح نفسه؛ فتزيد الالتهابات وتؤدي إلى زيادة مخاطر الإصابة بأمراض القلب والسرطان والسكتات الدماغية وارتفاع صغط الدم والبدانة، وعندما تنخفض جودة النوم يزيد هرمون الجوع في الدم (الجرولين)، وتقل نسبة هرمون الشبع (اللبتين) وحينها يشجعك جسدك على تناول المزيد من الطعام وليس ذلك فحسب وإنما يغريك عقلك بأن تتناول الوجبات الخفيفة ذات القدر العالي من السكريات لكي تزيد من مستوى طاقتك مما يعني زيادة في الوزن.

كيف نستفيد من هذه الحقائق في برنامج البكور؟

من تعود على الاستيقاظ في ساعة معينة كل يوم، فسيستيقظ غالباً في نفس الوقت مهما كان وقت نومه في اليوم السابق، وذلك هدفنا المبدئي: أن نفتح أعيننا فجراً وقت الرحمات والنفحات بغير حول منا ولا قوة. وقد يظن البعض أن هذا سيقلل عدد ساعات النوم، لكن في الحقيقة ساعات نومك لن تتغير وإنما سيحصل لها إزاحة في التوقيت كما لو أنك سافرت.

من الاعتقادات الخاطئة والسائدة والتي تعيق أغلب الناس عن بدء الالتزام بنظام بكوري هو الاعتقاد أن النوم المبكر يساعد على الاستيقاظ المبكر، فيؤجل موضوع البكور حتى يضبط موعد نومه في الليل، وهذا من أكثر الأوهام انتشاراً، والصحيح أن الاستيقاظ في وقت مبكّر لأيام متتالية -بغض النظر عن موعد النوم- سيدفع الجسم إلى تعديل نظامه وبالتالي إلى تأسيس عادة جميلة هي عادة البكور.

السهر آفة العصر

السهر عادة يصعب كسرها عندما تتأصل فينا، وللأسف عاداتنا الاجتماعية ترسم صورة للسهر على أنه متعة للكبار، ولذلك نجد بعض الأطفال يتحمس للسهر كدليل على أنه مستعد للانتقال من مرحلة الطفولة إلى مرحلة أخرى، ويكون قدوته في ذلك الوالدين أو الإخوة الأكبر سنا. إنّ الحقيقة التي اتفق عليها معظم الأطباء: أن السهر منهك للجسد ويقتل الإنجاز، وأضيفُ عليها أنه يثبط عن العبادات، ويجعل التركيز ضعيفًا مما يدفعنا لاستجلابه بأنواع من المشروبات وهيهات. الأفضل لنا جميعا تحويل أنشطتنا للفترة الصباحية حين يكون الجسم منتعشاً بكامل طاقته، وأعود أبنائي الصغار على ذلك، وأغرس فيهم عادة البكور من الصغر فتسهل عليهم الطاعة عندما يكبرون بإذن الله.

الأسباب التي تدعونا للسهر:

تختلف أسباب السهر من شخص لآخر، ولكن في الغالب لا تخرج عن هذه الأسباب:

  1. الاعتياد.
  2. الرغبة بالاستمتاع بالهدوء خاصة للأمهات.
  3. وجبة عشاء ثقيلة.
  4. شرب منبهات في وقت متأخر.
  5. إنجاز مهام متأخرة.
  6. تأخير صلاة العشاء، فالصلاة تثقل كلما أخرناها، وما يثقل يؤجل أكثر. فلا يغرك اتساع وقت صلاة العشاء، فالأفضل كحال كل الصلوات تأديتها أول الوقت.
  7. التزامات عائلية، والحل محاولة دفع الأسرة لبرنامج البكور، فيكون نظام نومنا في البيت واحدا،ً فلا نتعارض، واذا لم أتمكن من ذلك أحاول الاستئذان للنوم مبكراُ مع بيان السبب للجميع.
  8. عادات ضرورية قبل النوم، كتنظيف الأسنان والاستحمام مثلاً، وغيرها. والحل القيام هذه العادات أبكر وقت ممكن، حتى إذا نعست أنام مباشرة، ولا أؤجل النوم لتأدية هذه الأعمال.
  9. ظرف طارئ واستثنائي، والحل كما سبق وبينا، أن من تعود الاستيقاظ ساعة معينة كل يوم سيستيقظ في نفس الوقت مهما تأخر في النوم. لكن مع ذلك، حتى و لو تعود جسمي على نظام معين للنوم والاستيقاظ في ساعات محددة لا أهمل أهم خطوتين قبل النوم:
  • ضبط المنبه
  • نية القيام

إن من أسوأ الخواطر التي تمنعنا من البكور الاعتقاد باستحالة الاستيقاظ لشدة التعب أو لعدم التعود، فيظن الواحد منا أن نومه لن يكفيه فلا يبذل السبب، ولا يضبط المنبه. وأحيانا يكون العكس تماماً، فمن لديه ثقه بتعود جسمه على الاستيقاظ، فلا يضبط المنبه ظناً منه أنه سيقوم كعادته. وأعرف من واظبت على صلاة الفجر منذ ٣٥ سنة إلى الآن، لكنها مستمرة بضبط ثلاث ساعات منبهة كل ليلة، تقول: لا أستطيع المجازفة بهذا الأمر.

وكذلك نية القيام، فعن النبي ﷺ قال: (من نوى أن يصلي من الليل فغلبه النوم كتبه الله له وكان نومه صدقة من الله)[24] فصدق التأهب للقاء الله هو مفتاح جميع الأعمال الصالحة.

ختاماً:

قد يكون التوقيت الأمثل لبدء برنامج البكور وقت الشتاء؛ لكن إذا بدأت التدريب في أصعب المواسم فإنك ستختصر على نفسك المراحل. ارفق بنفسك، تدرج، وشارك التدوينة صاحباً يبدأ معك التدرب على البكور لحياة مباركة تبدأ من الفجر.


[1] رواه أحمد.

[2] سورة الطلاق ٣.

[3] رواه الترمذي.

[4] فقه الأدعية والأذكار، عبدالرزاق البدر.

[5] نادي الخامسة صباحا

https://books.google.com.kw/books/about/The_5AM_Club.html?id=Nh9PDwAAQBAJ&printsec=frontcover&source=kp_read_button&hl=en&redir_esc=y

[6] https://halelrod.com/

[7] رواه البخاري

[8] سورة المزمل ١ -٢.

[9] رواه مسلم.

[10] رواه البخاري.

[11] رواه البخاري.

[12] رواه البخاري.

[13] السلسلة الصحيحة للألباني.

[14] رواه البخاري ومسلم.

[15] سورة الزمر ٩.

[16] https://youtu.be/tTG_2LSJJZk

[17] رواه البخاري.

 [18] https://youtu.be/zX4HcnDjzGA

[19] السلسلة الصحيحة للألباني.

[20] سورة الكهف ٢٨.

[21] سورة الروم ٢٣.

[22] سورة النبأ الآيات ٩-١١.

 [23] https://www.goodreads.com/en/book/show/51089069

[24] رواه النسائي وابن ماجه.

أعجبني المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى