عام

العلامة البشير الإبراهيمي وكتاب «الأغاني»

لئن كان للكتب حظوظٌ كحظوظ بني آدم، فإن حظ كتاب «الأغاني» يفلق الصخر كما تقول العامة، فلم يزل مذ كتبه مصنفه أبو الفرج الأصبهاني ملء سمع دنيا الأدب وبصرها، ملحوظًا بالعناية متلقًّى بالحفاوة (لا يبعد أن تكون الحفاوة مأخوذة من نهوض الإنسان للقاء من يحب محتفيًا دون أن ينتعل ذهولًا وفرحًا بمقدمه) من الوزراء والأدباء والعلماء وعامة القراء جيلًا بعد جيل حتى عصرنا هذا الذي فسدت فيه الحياة الثقافية بألوان من الفساد العريض، فنشأ من يحذِّر من الكتاب ويصدُّ الناس عنه جهلًا وهوًى بتعلَّات مختلقة ومعاذير أوهن من بيت العنكبوت.

لكن الحق غلَّاب، والصواب منصور، ولن يزال في الناس من يقوم به إلى يوم القيام، وسأوقفك الساعة على حال أحد أئمة العلم واللغة والإصلاح لعصرنا ممن عرف لهذا الكتاب قدره، وأنزله موضعه، وأسف لانصراف طلبة العلم عنه، وهو العلامة الجليل اللغوي البارع المصلح المجاهد محمد البشير الإبراهيمي (ت: 1385 – 1965) الرجل الثاني في تاريخ الدعوة الإصلاحية وتجديدها ببلاد الجزائر بعد العلامة عبد الحميد بن باديس، رحمه الله وجزاه عن أمته ولغته والعلم وأهله خير ما يجزي عباده المصلحين.

لم تكن صلة العلامة البشير الإبراهيمي بكتاب «الأغاني» صلة عارضة طارئة كصلة كثير ممن يحذر من الكتاب وحظه منه قراءة عجلى أو نقولٌ طيارة طالعها في مقال مبتسر، بل هي صلة ممتدة امتداد عمره، عميقة عمق معرفته، طويلة طول خبرته ومعالجته للكتب والتآليف، قرأ الإبراهيمي الكتاب مرات كثيرة في مدد طويلة، قرأه وحده وقرأه مشاركة مع غيره، وكان له في نفسه أعظم الأثر وأبلغه.

كتب رحمه الله لجريدة «الأهرام» بالقاهرة في أوائل الخمسينات كلمة فاخرة تحدث فيها عن تكوينه الأدبي والكتب التي قرأها وأسهمت في تشكيل وعيه اللغوي وذوقه النقدي وتطوير ملكاته البيانية، ومما قال فيها بعد أن ذكر مقروآته من الشعر: «وأما النثر، فأهمُّ الكتب التي تركت في نفسي وفي ملكتي آثارًا لا تمحى: كتاب البخلاء للجاحظ؛ لإبداعه في تصوير نقيصة البخل ولنفسية البخلاء وجمعه لنوادرهم في البخل، وانقياد اللغة له في الحديث عن الغرائز والأخلاق، وتعمُّقه في فهم طبقات الناس، ثم كتاب الحيوان له لجمعه بين العلم والأدب، وإحاطته بكل ما يتعلق بالحيوان من طباع وغرائز مختلفة وأقوال الحكماء والشعراء فيه، ثم كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، ولا تسألني عن خصائصه التي أثرت في نفسي وجلبت قيادي إليه حتى تركتني أجدِّد قراءته من أوله إلى آخره في كل عقدٍ من سني عمري، وكلما قرأته تجدَّدت آثاره في نفسي وتجاوبت أصداؤه بين جوانبي فبعث فيَّ روحًا جديدة، لا تسألني عن ذلك فكل أديب قرأه وكرَّر قراءته وجد في نفسه من التأثر مثل ما أجد، أو فوق ما أجد، وتجدَّدت عنده صوره من روعة الأدب العربي وجلاله»(1).

وقال في خلاصة تاريخ حياته العلمية والعملية التي كتبها بطلب من مجمع اللغة العربية بالقاهرة عندما انتخب عضوًا عاملًا فيه سنة 1961، ونشرتها مجلة «مجمع اللغة العربية» في المجلد الحادي والعشرين سنة 1966، في سياق حديثه عن مدة مجاورته بالمدينة المنورة وطلبه للعلم فيها: «وذاكرتُ صاحبنا الشيخ أحمد خيرات الشنقيطي سنين عديدة في اللغة والشعر الجاهلي، ومنه المعلقات العشر، وصاحبنا محمد العمري الجزائري أمهات الأدب المشهورة خصوصًا الكامل للمبرد، والبيان والتبيين للجاحظ، فقد ختمناهما مطالعة مشتركة فاحصة متأنية، وكذلك فعلنا بكتاب الأغاني من أوله إلى آخره»(2).

ولم يزل رحمه الله يحث طلبة العلم عليه ويرشدهم إليه ويبصِّرهم بمنزلته ويتحسَّر على انصراف كثير منهم عنه مع عظيم حاجتهم إليه !

فمن ذلك كلمته التي وجهها إلى أبنائه الطلبة «المهاجرين في سبيل العلم» إلى «الشرق العربي، أو إلى أطراف المغرب العربي، أو إلى أوربا»، وخصَّ منهم المهاجرين إلى جامع الزيتونة بتونس «لأنهم كثرة، ولأن في أحوالهم لغيرهم عبرة»، فقال لهم ناصحًا بحكمة ابن الستين وتجربته الأطول عمرًا والأعظم غناءً : «لا تقنعوا بالكتاب المقرَّر، واقرؤوا غيره من الكتب السهلة المبسوطة في ذلك العلم، تستحكِم الملكة ويتسع الإدراك، وسينتهي الإصلاح الذي تقوم به إدارات جامعاتنا إلى اختيار كتب سهلة ممتعة في كل علم تفرض عليكم قراءتها ومطالعتها، ثم كتب أخرى في المعارف العامة، كالتاريخ، والأدب، والحكمة، والأخلاق، والتربية، فوطِّنوا أنفسكم على ذلك من الآن، وروِّضوها على اختيار النافع المفيد من الكتب. ومن العار الفاضح أن لا نرى في الكثير من أبنائنا الذين تخرَّجوا من الزيتونة، واتجهوا بفطرتهم إلى الأدب، من استوعب كتاب الأغاني قراءة، ولا في من اتجهوا إلى علوم الدين من استوعب قراءة الصحيحين والسنن؛ ولعمري ما سلاح الأديب إلا الأغاني وأمثاله، ولا سلاح الفقيه إلا تلك الكتب وأشباهها»(3).

وذكر في مقام آخر أن الملكات الأدبية لا تكفي فيها القريحة والطبع حتى تمدَّها الصنعة بإمدادها، وأولها متن اللغة غير مأخوذ من القواميس اللغوية؛ لأنها لا تنتهي بصاحبها إلى ملكات لغوية ولا أدبية، وإنما يجب على من أراد أن يربي ملكته على أساس متين أن يأخذ اللغة من منثور العرب ومنظومهم، فيستفيد بذلك فائدتين: الأولى الكلمة ومعناها، والثانية وضعها في التركيب وموقعها منه وموقعه من النفوس، وحسنُ التركيب هو سرُّ العربية، ثم قال: «أما اللغة الحقيقية فهي أشعار العرب وأحاديثهم وخطبهم ومحاوراتهم، وأما كتب الأدب المحض فهي كتب الجاحظ والمبرد وابن قتيبة، وكتب المحاضرات من مثل عيون الأخبار ومحاضرات الأدباء والعقد الفريد ولباب الآداب للأمير أسامة بن منقذ، وكتب النقد ككتابي قدامة بن جعفر على صغر حجمهما والصناعتين للعسكري والعمدة لابن رشيق، حتى تنتهي إلى المحيط الهادي: الأغاني، وما أدراك ما الأغاني! محالٌ أن تكمل ملكة في الأدب لمن لم يقرأ هذه الكتب كلها قراءة تأنٍّ ودرس»(4).

هكذا أطلق علَّامة قطره ومصلح جيله – الذي أخبر الشيخُ بكر أبو زيد أنه قرأ مجموع آثاره عدة مرات(5)، وأنه أحد ثلاثة نفر تأثر بأسلوبهم البياني(6)، ولا يكاد يذكره إلا مقرونًا بوصف «السلفي»(7) اعتزازًا بسداد نهجه وصفاء مشربه – الثناء على كتاب «الأغاني»، ونصح به طلاب العلم لعهده، وجعله للأديب كالصحيحين والسنن للفقيه، ولعمري فما أثنى على الكتاب من جهل، ولا أوصى به من غفلة، بل لعله من أبصر أهل عصره به، وقد قرأه كما رأيت مرارًا كثيرة على مدى عمره قراءة متأنية متذوقة !

وهو في ذلك على جادة من سبقه من أهل العلم والأدب الذين عرفوا لهذا الكتاب قدره، ووزنوه بميزان القسط فلم يبخسوه حقه، سواء منهم أهل الأدب كالصاحب بن عباد وياقوت والرافعي، وأهل العلم كالطوفي وابن دقيق العيد وابن حجر، وغيرهم من هؤلاء وأولئك ممن ذكرنا مواقفهم وأوردنا عباراتهم في موضع آخر، فأين يقع منهم بالله عليك كلام بعض أغمار المعاصرين الذين شغبوا بالكلام فيه والتحذير منه واتهامه بما عميت عنه أبصار أهل العلم والأدب عشرة قرون!

وصدق شيخ العربية أبو فهر إذ يقول: «الحديث هذه الأيام عن كتاب ألف ليلة وليلة مؤسفٌ ومحزنٌ في الوقت نفسه، وفي ظني أن المعلَن حتى بهذه الكيفية المؤسفة المحزنة حول هذا الكتاب أقل بكثير إذا قيس بمثيله غير المعلن والذي ربما يكشف عن جوانب سيئة رهيبة مخيفة تضاف إلى غيرها من الجوانب التي تندرج في النهاية تحت عنوان فساد حياتنا الثقافية بوجه عام، هذا الفساد الذي لم يكن وليد هذه الأيام وإنما يرجع تاريخه إلى عشرات السنين. لذلك أرى أن المسألة قبل أن تكون احترامًا للتراث الذي ينبغي علينا احترامه والمحافظة عليه هي احترامٌ لعقولنا التي تمتَهن بمثل هذا الأسلوب الذي من صوره أن ينظر أحدنا إلى الأشياء نظرة مختلة …»(8) إلى آخر كلامه عن هذا البلاء الذي يثار حول بعض كتب الأدب التي قد وُجِدَت كما قال منذ مئات السنين، وخلال هذه السنين قرأها الناس، ولم يحدث مرَّة أن قيل إن شيئًا منها أفسد عقل جيل أو عرض إلى انحلال مجتمع!

وستبقى هذه الكتب كما كانت موردًا عذبًا من موارد الأدب، وظلًّا يفيء إليه شداة البيان، فمن اتخذها دستورًا للأخلاق، وفرقانًا للحلال والحرام، أو اعتمدها مصدرًا وحيدًا لتصوير حال المجتمع الإسلامي، فمن جهله بنهج قراءتها أُتِي، والأدب وأهله منه براء.


(1) «آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي» (4/ 374).

(2) «آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي» (5/ 276).

(3) «آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي» (3/ 203).

(4) «آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي» (4/ 159).

(5) «نثار السيرة» للعمران (35).

(6) «التعالم» (83).

(7) «طبقات النسابين» (197)، و«حلية طالب العلم» (163).

(8)  «جمهرة مقالات محمود شاكر» (2/ 1215- 1217).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق