عام

أحمد بن حنبل والشهرة وشبكات التواصل الاجتماعي!

طوبى لمن أخملَ اللهُ ذكرَه

ثمة مقولة شذرية تُكتب بماء الذهب، مفادها: “طوبى لمن أخملَ اللهُ ذكرَه“، أي لمنْ لم يجعله الله مشهوراً في الناس، بل مغموراً. هذه المقولة ليست لمنْ طلبَ الشهرةَ وسعى لها فاكتوى بنارها؛ كما أنها ليست لمن أتتهُ من تلقاء نفسها، ولكنه عانى منها، بعد أن خضع لها وطمِع بها؛ وإنما قالها: منْ لم يطلبها ابتداء، ومن لم يخضع لها أثناء، ومن لم يخسر من جرائها انتهاء. لقد قالها الإمام الكبير: أحمد بن حنبل رحمه الله، حيث رُوي عنه أنه كان يكررها، وأنه رغِب غير مرة في الخروج من بغداد، لإتقاء شرور الشهرة التي أُصيب بها رغم أنفه، على أنه كان شديد الحذر من مكدراتها المعنوية والمادية كما هو معلوم في سيرته المتفردة. لقد كان يدرك بوعي شديد، أن الشهرة يمكن أن تقتات على قيم الإنسان أو قيمته أو كليهما.

بلغة هذا العصر، يشبه هذا الصنيع من يكون -مثلاً- لديه عشرة ملايين متابع في إحدى شبكات التواصل الاجتماعي، ثم يختار طواعية التخلي عن كل ذلك، لأنه بات يدرك خطورتها وآثارها السلبية القريبة والبعيدة. قارن هذه الحالة النوعية من الوعي بخطورة الشهرة بحالة منْ يبيع قيمه وأخلاقه، أو يبيع ماء وجه، أو يُعرّض طفلاً أو عجوزاً لما لا يُسر؛ تلمّساً للشهرة وطلباً لها. أي بؤس يبحث عنه أولئك ؟! الباحث عن الشهرة يتسم بمجموعة  من السمات، ويمكن أن نجملها في مقاربتي الفراغ والامتلاء، وذلك كما يلي:

طالب الشهرة فارغ من احترام الذات 

هذه هي مقاربة الفراغ، وبيانها أن من يبحث عن الشهرة يكون فارغاً من الداخل، فلا يتوفر على احترام كافٍ لذاته، الأمر الذي يدفعه إلى تعبئة الفراغ بـ غاز الشهرة. واحترام الذات Self-Esteem هي سمة تشير إلى تقييمات إيجابية حيال قدرات الذات، من الناحية الذهنية واللغوية والنفسية، وعادة ما تجرى تلك التقييمات داخل تخوم الذات، أي في سياق معزول عن الإطار المجتمعي (تقييم للذات بلُحاظ الذات فقط). ويعد احترام الذات أحد أهم المكونات الرئيسة لصنع الشخصية المتميزة والمبدعة كما ثبت ذلك في دراسات كثيرة.

 

طالب الشهرة مملوء بالضآلة/التفاهة

هذه مقاربة الامتلاء، وحاصلها أن من يبحث عن الشهرة يكون ممتلئاً بالشعور بالضآلة أو حتى التفاهة، مما يحوجه إلى إفراغ ذلك بـ مفك الشهرة. في هذه الحالة، يفتقد الإنسان لما يُسمى بـ تقدير الذات Self-Respect، وهي سمة تشير إلى تقييمات إيجابية حيال القدرات السابقة للذات، ولكن ضمن السياق المجتمعي المحيط بالإنسان، وهذا يعني تقييماً للذات بقالب مقارن مع الآخرين.

 

 الشهرة بوصفها عبودية

إزاء التوصيفين السابقين، يمكن أن نصادف حالات متعددة، ومنها على سبيل المثال حالة ذلك الإنسان الذي قد يكون معتداً بذاته بشكل مُبالغ فيه، لدرجة توصله إلى الغرور (=فائض في احترام الذات)، وقد يكون ذلك مصحوباً بالشعور بالظلم من قبل المجتمع (=عجز في تقدير الذات)، وتسوء الأحوال كثيراً إذا كان هذا الإنسان متورطاً بما يُعرف بـ الضبط الخارجي للذات Locus of Control، أي عزو الأحداث السلبية إلى عوامل أو مصادر خارج الذات.

هذا النوع من الناس، يكون أقرب إلى الإحباط أو الإكتئاب، وهو مستعد لاقتراف بعض الأعمال المرذولة من أجل الظفر بالشهرة. وحالته أقرب إلى المرض منه إلى السواء، وإذا اشتهر بالغَ في تصوير نجاحاته، وهو يخفي داخله شعوراً بالنقمة على ذاته، مع عدم تخلصه في الغالب من الشعور بالضآلة أو التفاهة، ولا سيما أن الشهرة باستطاعتها أن تتحول  إلى عبودية. كيف ذلك؟

الشهرة لها حيلها الخفية الماكرة، حيث تبدو لطالب الشهرة في البدايات، كما لو كانتْ سُلَّماً لتحقيق أهدافه وغاياته التي قد تكون نبيلة أو فيها نبل في المراحل الأولى، ثم ما تلبث أن تتحول إلى مؤسسة استعباد له، فيتحول المشهورُ مع الوقت لا إلى مجرد موظف عندها، وإنما إلى عبد، لا حول له ولا قوة ولا خصوصية، فيُدفع قسراً إلى عمل يومي مضٍ، فيتابِعُ مئات أو آلاف الرسائل أو الصور أو المقاطع اليومية، ويحللها ويفسرها بقالب مقارن مع منافسيه، ويرد عليها بطريقة قد لا يحبذها هو، أو لا يرتضيها أو لا يقتنع بها، ولكنه يشعر بأنه مضطر لذلك، عندها يشرع في التنازلات، التي قد تزداد مع الوقت، فيَصلُ إلى التنازل عن قيمه وأفكاره، فيكذب ويخدع ويطعن ويسب ويخاصم ويفاجر. وهنا تتشكل له شخصية مختلفة: إنها شخصية العبد النكد. المشهور ليس موظفاً، بل عبد لا يستطيع أن يفك نفسه أو يريحها ولو بإجازة مرضية!

 

الشهرة والتفكير الكوارثي

هذه الحالة البائسة تُزيد من مشاعر الإحباط والإكتئاب لدى المشهور، وقد يقوده ذلك إلى نوع من التفكير الكوارثي، بل ربما فكر في التخلص من هذا الوضع بطريقة مرتبكة أو فاقدة للحكمة والتوازن. وفي حالة ضعف البعد الروحي لديه، فإنه قد يتخلص من ذلك الوضع بطريقة سيئة أو حتى مدمرة.

هل ندرك بعد ذلك حكمة مقولة: طوبى لمن أخمل الله ذكره، وهل يَحمد الُمخمَّلُ ذكرُهم الله على نعمة الطمأنيية والسكينة والحرية والخصوصية؟! وهل يحمد اللهَ من أصيب بقدر من الشهرة لغايات نبيلة، فراعى حقها ومستحقها، فلم يستزد منها، ولم تلوثه بغرور أو نزق أو  طمع أو كذب أو خداع؟

اقرأ ايضًا: عن قلق السعي نحو المكانة

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى