عام

التسليم على بياض

عن شعرية المرض الوجودية

 هل ألحّت عليك بعض الأشعار وأنت مريض-أو مرافق مريض-؟

كيف يستدعي الطريحُ أنين السابقين الذين غادروا سريره -ولو قبل مئات السنين- ؟

لماذا يتأثّر الأصحاء بشعر المرضى؟

 

(شعرية المرض) مصطلح اعتنى به د/ جابر عصفور في تأمله وهو مرافق لرفيقه أمل دنقل، وزاد، بمرضه هو، وأثّر فيه قارئًا وناقدًا؛ لخصوصية تجربة المرض بين انفعالات النفس الإنسانية، وتلك الشعرية ليست حصرًا للقصائد البيضاء التي شفّت بما شفّه الألم في أصحابها، الأمر أعمق من وصف الأعراض، أدق من تشخيص الحالة، أوسع من رصد الظواهر، شعريةُ المرض تحوّلٌ عميق في رؤية الشاعر للوجود، تغيّرٌ في الأولويات، انكشاف الداخل الذي لم يعد يبالي، إذ تسلسل الألم إلى التسليم على بياض الوسائد المعقّمة.

 

من أقدم الشواهد عندي على التسليم في شعرية المرض سينية لامرئ القيس، وهو يعاني قروحه، ثائرًا، غريبا:

“ألمّا على الربع القديم بعسعسا

كأنّي أنادي أو أكلّم أخرسا”

في الشِّـَدّة التي تضغط على الأحرف وفي التضعيف الواهن تهيئة للتشخيص:

“تأوّبني دائي القديمُ فغلّسا

أحاذرُ أن يرتدّ دائي فأُنكسا

فيا رُبّ مكروبٍ كررتُ وراءه

وطاعنتُ عنه الخيل..حتّى تنفّسا”

لا بأس، الصور تتوالى عن شريط الماضي، لكن تمكّن التبريح الوجودي في تأمل الحياة وقت المرض عند عجز الفارس عن لبس ثوبه، عجز يحتّم أن تهدأ النبرة، وتتباطأ الوتيرة، فلا تكاد تسمع ثلاث حركات متواليات، دون سكون أو علّة:

“وما خفتُ تبريحَ الحياة كما أرى

تضيقُ ذراعي أن أقومَ فألبَسا

فلو أنها نفسٌ تموتُ جميعةً

ولكنّها نفسٌ تساقط أنفسا

وبُدّلتُ قرحًا داميًا بعد صحّةٍ

فيا لك من نعمى تحوّلن أبؤسا”

تسليم بتناوب الصحة والمرض، الاقتدار والعجز، بتعجب المسالم من الطعان يقول: يا لكِ! وهو لا يملك شيئًا أمام تلاشيه، لا يستطيع دفع سريان الفناء في جوارحه، ليست القافية الهامسة المفتوحة وحدها المسالمة، التسليم في رؤية امرئ القيس لقروح تجربته كلّها لا تقرّح أديمه وحسب.

 

 

“ملومكما يجلّ عن الملامِ” أجلّ من أن تُختزل في وصف الحمّى، تلك القصيدة التي ما تغيّر ظنّي أنها أجود قصيدة كاملة -في رأيي- في الشعر العربي، لا لوصفها الدقيق الذي يستدعيه المرضى على مر القرون بعدها، بل للتجربة الفردية الناضجة، لتغير بواعث الشعر، فلا رغبة ولا رهبة ولا طرب مما قنّنه النقاد، تجربة ألم داخلي عصيّ على التشخيص، تجربة إنسانية مكتملة، من عنفوان ابتدائها الذي يتعب “بالإناخة والمقامِ” إلى رضوان ختامها الذي يرقب المقام المقام: “فإنّ لثالث الحالين معنى.. سوى معنى انتباهك والمنامِ”.

صوت المتنبي يتهادى متلطّفًا بيتًا فبيتًا، فكرة ففكرة، يفارق بلا سلام، ويجازي بابتسام، ويوقن أنه إن سلم لا يبقى، وأن القادرين لا يُتمّون، الحياة كلها لا تقدر على التمام، تهدأ حركات الأفكار إلى تأمله ألوان الوجود، ولوحات القدر، مسلّمًا بالتمتّع بالحركة “تَمتّعْ … ولا تأمَل“.. التسليم فيها لا يقتصر على استقباله ما وصل من الزحام، بل يتسع إلى آفاق النظر إلى ما ليس “في طبّهم”..

 

 

وتسليم العهدة إجراء ضروري للانتقال، وتسليم الأمتعة محطة حتمية للمسافرين، والسفر حاضر بكثافة في شعرية المرض، ولا أوضح شاهدًا من “سفر أيوب”، بتسليمٍ غالبٍ لا مغلوب، مقاطع قصيرة تلتقط أنفاسها تتوقف على سكون كل سطر، تترقب السكون -الأوسع قليلًا- متى يكون، وأجملُ الأفكار -على الإطلاق- تلك التي تتجه إلى “الصاحب في السفر” -سبحانه وبحمده-:

“لك الحمد مهما استطال البلاءْ

لك الحمد..مهما استبدّ الألمْ

لك الحمد..إن الرزايا عطاءْ

وإنّ المصيبات بعض الكرمْ”

 

 

والتسليم في شعرية المرض كتابة هادئة بعد النبر الهادئ، ككتابة أمل دنقل لقصيدة (الموت في لوحات)، يطول السطر الأول وأمثاله، وبينها منعطفات تلتقط أنفاسها، لا يحتمل السطر مرور كلمات أكثر، المسار واحد الآن، الخطوط مقطّعة، يضع علامة التعجب بعد (دون أن)، علامة التعجب التي يقال إنها (أكثر علامات الترقيم تعبيرًا، وأقلّها وضوحًا):

“مصفوفةٌ حقائبي على رفوف الذاكرة

والسفر الطويل..

يبدأ دون أن تسير القاطرة

رسائلي للشمس

تعود دون أن تُمسّ!

رسائلي للأرض

تعود دون أن تُفَض!

يميل ظلّي للغروب دون أن أميل!”

كان يتأمل تواصله وهو يموت -دون أن- يموت، كل ذاك الحراك لم يُمَسّ، فسكن يهمهم بأشياء أخرى “لا تُشترى”، شعرية المرض عند دنقل أعمق من الزهور والغرفة 8، كان يصالح، وهو الذي قضى حياته يحث أنْ “لا تصالح”، همهمات واهنة لا تقوى على النهوض ومغادرة الوسادة،  لحظات من (نعم) بعد عمر من الرفض واللاءات.

 

 

المرض مفاعل يشطر نوى العاطفة، فيوجهها إلى غير ما كانت عليه، عاطفة مختلفة عمّا عرف، تجربة المرض اشتعال في أطراف ثياب الشاعر، ثيابه الثقافية والفلسفية، تجبر ذاته العميقة أن تتكشّف على غير إرادة ولا رغبة.

 

والأعمال الأدبية التي لا تتجاوز وصف الظواهر لا تتحقق فيها شعرية المرض بمعناها العميق، كما هو حال كثير من الأشعار والروايات عن الأوبئة والأمراض مؤخرًا، التي لا تنقل تجربة نفسية مؤثرة عصرت صاحبها، فعصفت بقارئها، شعريةُ المرض ترجمةٌ جمالية لنظرة مريضٍ في وطأة احتياج: “نظر السقيمِ إلى وجوه العُوّدِ”، والتقاطٌ نفسيّ دقيق لشمعةٍ في نوبة ذعر: “إذْ قيل وهي تُعاني: تنطفي الآنا”.

 

وربّما “صحّت الأجسام بالعلل” وصحّت معها الآراء، والأفكار، والأبصار، في رؤية وجودية تتغيّر، رؤية إلى هذا العالم الصغير الذي يبتعد عن المريض شيئًا فشيئًا، فلا يبقى معالم، ولا ألوان، ولا ظواهر جديرة بالانتباه والتحديق.

 

والخلاصة، أنّ التسليم في شعر المرض صوتٌ هادئ النبرة، يلتقط أنفاسه بوهن، تسليم الطيّع الذي يتقبّل ويُقلَّب على بياض -وكان صعبًا قيادُه-، أمّا صوت التسليم في المعاني فإيذان انتهاء، وإذعانٌ وإلقاء عتاد، وتبقى تجربة المرض من أعمق التجارِب الإنسانية الفردية التي تعيد النظر في “تبريح الحياة” وقروحها، وجروحها.. فيسلّم؛ إذْ لم يبق “مكانٌ للسيوف ولا السهامِ”..

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى