فكر وثقافة

عن تاريخ الأفكار

  • يوسف جميل القرشي

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

عندما نتحدث عن تاريخ الأفكار فنحن بالضرورة نتحدث عن الإنسان، بل ربما نتحدث عن الإنسان أكثر مما نتحدث عنه إذ نتحدث عن ذاته المحسوسة أو الملموسة (أي الجسد).. ذلك أن جسم الإنسان ليس إنتاجاً إنسانياً، كذلك الكون والطبيعة بما فيها من كائنات، ليست صادرة عن الإنسان، بينما الإنسان يعيش متأثراً بها ، وربما مؤثراً من خلال القوانين المكنونة في تلك الطبيعة، ومن ثَمّ فمحاولة فهم هذا الوجود  وربما فهمه فعلاً هي خطوة للتعرف على مصدر هذا الوجود سبحانه وتعالى، فنحن نعرف الله سبحانه بآلائه وآثاره، إلى جانب الوحي. وكما أن التعرف إلى الله سبحانه يتم من خلال ما خلقه الله سبحانه، ففهم الإنسان يتم من خلال ما أنتجه الإنسان، فدراسة العمران والمدنية والحضارة والمجتمع والسياسة والاقتصاد وغيرها في النهاية هي طرق لفهم الإنسان من خلال ما أنتجه، وكل هذه النتاجات وغيرها متجسدة في الأفكار الإنسانية، لذلك عندما تفهم أفكار الإنسان فأنت تفهم الإنسان.

وتطور الأفكار هو في الحقيقة تطور مذهل للغاية لأن قدرة البشر على أخذ حدث ما وتحويله لفكرة مجردة، أو العكس هو عملية معقدة للغاية وإن كنا الآن نقوم بها دون إشكالية تذكر، فالجوع مثلاً له جانب حدثي متعلق بالشعور البيولوجي، لكن الإنسان استطاع أن يأخذ هذه الفكرة ليجردها إلى الشعور المفرط بالحاجة لشيء ما، وهذا وإن رآه البعض أمراً طبيعياً جدا، إلا أن هذا ليس إطلاقاً أمراً سهلاً حتى إن بعض علماء التطور البيولجي اضطروا إلى اعتبار هذه الميزة التي سموها بفكرة “الدمج المتقدم” علامة فارقة في السجل التطوري الإنساني، وهي “القدرة على تجريد شيئين من ذاتهما ودمجهما في شيء واحد جديد” وهذا حسب نموذجهم يحتاج إلى جهد معقد للغاية ووقت طويل جدا. وجزء من التعب الذي يحدث الآن في علم انترنت الأشياء و أبحاث الروبوت متعلق بإيجاد العموميات “الكومينالتيز” في كل شيء وتجريده عن ذات الشيء ليمكن تطبيقه .. المجاز وصعوبة فهمه من قبل الآلة مثال مهم جدا في هذا السياق.

وهذا بالمناسبة يجعلنا نرى الخلل الفظيع الذي حدث عندما غزت المدرسة السلوكية العلوم الإنسانية وصارت تريد دراسة الإنتاج الإنساني بنفس الطريقة التي تدرس فيها الخلق الرباني إن صح التعبير.

المهم: الأفكار هي الإنسان، وأنا أقصد الأفكار هنا بصيغتها العامة وليس ضمن إطار أكاديمي، و مما يجعل الأفكار مجالاً عجيباً أيضاً هو ما أحب أن أسميه بالفكرة الكائن، وحتى نفهم هذا المجاز فنحن بحاجة إلى إطار نظري صغير.

وهذا الإطار هو ما أحب أن أسميه بالنموذج البذري للفكرة؛ وفيه نفهم كل فكرة ضمن نموذج ثلاثي:

  1. جذر الفكرة: وهي السياق الذي أدى للوصول إلى الفكرة (قد يكون أحداثا سياسية، أفكارا سابقة، تأثيرات مالية واقتصادية).
  2. تربة الفكرة: وهي البيئة التي تمت زراعة البذرة الفكرية فيها، وأدت بالتالي إلى نمو أو موت الفكرة.
  3. ثمار الفكرة: وأعني بهذا الأفكار التي تفرعت وانبنت على الفكرة الأولى.

وهذا الإطار دائري أو مستمر، بمعنى أن كل فكرة لها جذر معين أو هي ثمرة لفكرة ما، وزرعت في تربة معينة لتنتج هي بذاتها ثمار أخرى وهكذا، حتى الوصول إلى الفكرة الأولى والتي هي محل نزاع كبير، وربما يكون الوعي بالذات أو بالخلق في اللحظة الآدمية هو أول فكرة، أقول ربما طبعاً لأنه ليس هناك جزم.

ومن خصائص أي فكرة أنها إذا خرجت إلى المجال العام فقد زالت أي ملكية لها، هناك مرجعية، لكن الملكية زالت وصارت ملكاً للعامة، وكل شخص يسمع بها ويفهمها سيصير لديه نسخة منها، فكأن الفكرة أصبح كائنا مستقلاً عن صاحبها، ولم يعد له سيطرة عليها. حتى ماركس أعلن أنه ليس ماركسياً بعد أن صارت فكرته جزء من ثقافة القارة الأوربية، والنيتشية أو النتتشاوية أصبحت شبيهة بدين نيتشة نفسه كان ليراه هرطقة .

و نقاش الأفكار أو المجردات بحد ذاته هو معيار لموقع أمة ما في السجل الحضاري، لأن الأمم المتأخرة لا تستطيع من حيث الأصل أن يكون لديها ترف نقاش التجريديات لأن الواقع هو الشاغل الأساسي، فلا تستطيع أمة مشغولة بالأحداث الأساسية المتعلقة بمفاهيم بسيطة مثل الحياة والشبع والصحة وغير ذلك أن تناقش المفاهيم التجريدية العالية مثل التقدم والنهضة والحرية وغير ذلك ، فهي بكل بساطة لا تملك ترف التفكير  في المركبات، لأن عناصر التركيب ليست موجودة.

هذا من حيث القاعدة العامة، لكن عصر التواصل الحديث هذا أتاح للأمم المشغولة بالبقاء على قيد الحياة أن ترى وتسمع لمن يتناقشون أعقد المركبات، وهذا أدى إلى نسخ نقاشية تستبعد العناصر المفروغ منها في النقاش الأساسي … مثلاً: عندما يتناقش أستاذان في ديمقراطية عريقة فكرة عزل الرئيس فهما يبنيان على كمية لا بأس بها من الأفكار المتراكمة حول حرية واستقلال المؤسسات والصحافة و الأجهزة الأمنية إلخ . وعندما يسمع شخص آخر موجود في مكان مشغول بالعيش ويناقش ذات الموضوع بحيثياته هو ، يبدو ويكأنه يلقي نكتة سخيفة قد تؤدي به إلى داهية.

 

عن تاريخ الأفكار بصفته مجالاً أكاديمياً

طبعا تاريخ الأفكار History of Ideas الآن أو التاريخ الفكري intellectual history هو مجال علمي أكاديمي يتبع أقسام التاريخ غالباً والفلسفة نادراً وله مدارسه و كتبه، لكنه في الحقيقة ينتمي إلى كل الأقسام وربما بالنسبة إلي: تنتمي إليه كل الأقسام في جزء منها، ويهتم هذا المجال الأكاديمي بمختلف مدارسه بدراسة أهم الأفكار والمفكرين في التاريخ البشري في سياقاتها المختلفة وربما يجب هنا أن نمر على بعض الأقسام الأكاديمية المشابهة له باختصار شديد حتى نفهم بالضبط ما هو مجال تاريخ الأفكار. (الفلسفة، الفكر السياسي، التاريخ الثقافي، علم الاجتماع)

 

بين التاريخ الفكري والفلسفة:

موضوع الفلسفة الأساسي هو دون شك الأفكار (أخذا بتعريف الأفكار باعتبارها الوحدة الأساسية لعملية الأفكار، لكن الفلسفة مهتمة ببنية الفكرة داخليا ونقاشاتها وحججها المنطقية، و التاريخ الفكري مهتم بالفكرة من الخارج عموما دون نقاش كبير لماهية الفكرة، بل بسياق تطورها وانتقالها، بالحديث عن أفلاطون مثلاً سنجد أن أستاذ في الفلسفة سيقوم بشرح حجج أفلاطون والمنطق الذي قامت عليه و التناقضات والخ. أما أستاذ التاريخ الفكري فسيقوم بشرح علاقته بأفكار أرسطو وسقراط مثلاً، وأثر البيئة اليونانية والخ.

 

بين التاريخ الفكري والفلسفة السياسية أو التاريخ السياسي:

هنا يصبح الوضع أحياناً صعباً لأن التاريخ البشري بالعموم تم تسجيله كتاريخ سياسي، ومعظم الأفكار التي يشرحها تاريخ الأفكار هي بالضرورة أفكار سياسية، لكن الفرق أن الفلسفة السياسية وتاريخها يشرح الفكرة باعتبارها فاعل سياسي، بينما نطاق التاريخ الفكري أعم وأشمل ويتناول الفكرة من حيث تفاعلها مع الأشخاص والأحداث سواء كانت سياسة أم لا.

 

بين التاريخ الفكري والتاريخ الثقافي:

التاريخ الثقافي هو إطار حديث نسبياً واسع جداً يدرس الأفكار أيضاً في جزء منه، لكنه يتعامل مع الفكرة من خلال أثرها الثقافي، فالفكرة هي مثل المقطوعة الموسيقية أ واللوحة أو القصيدة متعلقة أساساً في هذا المجال بأثرها الثقافي في المجتمع، وهذا يجعل بعض الأفكار ربما عديمة الفائدة ضمن السياق العمومي، وهذا ما جعل أبناء هذين المجالين أحياناً يطلقان الألقاب على بعضهما مثل كون التاريخ الأفكار ذي منهج نخبوي، وكون التاريخ الثقافي ذي منهج شعبوي.

 

بين التاريخ الفكري وعلم الاجتماع :

علم الاجتماع هنا بمعنى التاريخ الاجتماعي، والتفريق بينه وبين تاريخ الأفكار طويل لكن يمكنني أن أختصر هذا الاختلاف بشكل مخل وأقول إن التاريخ الاجتماعي يدرس الفكرة من خلال سياقها الاجتماعي وأثرها الاجتماعي، وتاريخ الأفكار مهتم لحد أكبر بالفكرة وعلاقتها بباقي الأفكار مع وجود سياق اجتماعي، لكن السياق الاجتماعي تابع للفكرة ـ بينما في الحالة الأولى الفكرة هي التابعة للسياق الاجتماعي.

 

بين التاريخ الفكري والإيديولوجيا:

ربما تقول الآن: لماذا لم نذكر الإيديولوجيا؟ بما أنها تعني حرفياً علم الأفكار، وهذا سؤال إجابته تأخذنا إلى عالم السياسة، فصاحب هذا المصطلح الفرنسي دو ترايسي أراد أن ينشأ مجالاً علمياً يدرس الأفكار كما هو واضح من الاسم، لكن نابليون أعطى المصطلح حمولة سلبية امتدت لتبلغ أوجها مع الماركسية، وأصبحت الكلمة تعني الإطار التفسيري الذي تستخدمه الجماعات السياسية لتبرير أو تكوين مواقفها السياسية وأصبح الكثير يعتبرها كلمة مضادة للعلمية والأكاديمية. ولذلك ترك الكل استخدامها.

 

هل هو علم جديد؟

هنا يأتينا سؤال لطيف: هل تاريخ الأفكار مجال حديث؟ والجواب: مثل معظم العلوم: نعم ولا . نعم لأن صورته الحالية هي مشروع حداثي غربي، بدأ نتاجه مع فرانسيس بيكون ثم مع شلة التنوير و مع هيجل الذي جعل الأفكار أساسا للحركة الإنسانية فيما عرف بالمثالية، وصولاً إلى تلميذه فيلهلم دلتاي الذي يعتبره الكثيرون المؤسس الفعلي لهذا المجال الأكاديمي .

و هنا طبعا يتم ذكر لف جوي ومصطلحة المشهور: الأفكار الوحدات / أو الفكرة كوحدة / Unit Ideas، والذي نقل المجال لأبعاد جديدة ،و سيطر لفترة طويلة على المجال الأكاديمي ، وفكرته تدور حول اتخاذ الأفكار وحدة لدراسة التاريخ، والنظر من منظور الفكرة من خلال خط ممتد من عمق التاريخ حتى الآن. ونهاية بالمدرسة ما بعد الحداثية مع فوكو وغيره والتي صارت معها الفكرة مفهوم نسبي جدا وربما غير حقيقي، واستبدلت هي وغيرها بمفاهيم مثل السردية.

هذا بالنسبة لنعم ـ أما لا:

و تاريخ الأفكار أيضاً ليس مجالاً جديداً؛ لأن فكرة التأريخ للأفكار وجدت سابقاً سواء ضمن تسجيل التاريخ نفسه، ولدى حضارات أخرى، أهمها بالنسبة لنا الحضارة الإسلامية.

 

تاريخ الأفكار في المجال المعرفي الإسلامي:

الحضارة الإسلامية لها قصب سبق في التاريخ الفكري لأنها أولاً: كانت حضارة ذات نتاج فكري خاص بها تم تسجيله بدقة شديدة ، سواء داخل البيت الإسلامي نفسه في كتب مقالات الإسلاميين، أو ما هو خارج عنها ككتب الملل والنحل والفرق، وثانياً: أنها حضارة عملت كناقل أمين للأفكار الفلسفية المختلفة والتي ترجمت داخل الحضارة الإسلامية وتم نقاشها ونقلها والزيادة عليها.

 

مناهج في دراسة تاريخ الأفكار:

  • الدراسات العرضية: التي تركز على المقطع الفكري العرضي، أي: الأفكار المعينة في قطعة زمانية أو مكانية.
  • الدراسات الخطية: التي تركز على تطور فكرة ما أو منظومة فكرية ما على مر العصور.
  • الدراسات العمقية: والتي تركز على النوعين معاً، بحيث تأخذ مجموعة أفكار و ربما إطارات فكرية كاملة في مرحلة ما وتدرس تاريخها على مر العصور.

تجدر بنا الإشارة طبعاً إلى تحول التاريخ الفكري أو تاريخ الأفكار مؤخراً إلى الدراسات النصية واللغوية مع تطور هذين المجالين وأنا أعتقد أن هذا سيدخل عالم الأفكار في حيز اللامعنى قريباً.

 

مثال تطبيقي عملي عن أثر السياق التاريخي في فهم الأفكار:

لن ندخل في التفاصيل هنا كثيرا ، لكننا يجب أن نعلم أن هناك تفريقاً مشهوراً بين الأفكار العضوية والأفكار النابعة من الهيمنة الخارجية، بمعنى أن هناك أفكاراً تنبع من المجتمع نفسه وأفكار أخرى تأتي بسبب سيطرة المجال الفكري لحضارة على حضارة أخرى، وربما يكون مصطلح واحد وله فهمان مختلفان، وأنا أحب هنا أن أضيف تقسيم أعتقد أنه أدق، وهو الأفكار العضوية أو الأفكار الذاتية، والأفكار المشتركة ..

دعونا ندخل في المثال حتى نستوعب، لدينا الآن ثلاثة مصطلحات : السلطة، الديمقراطية، الشورى؛ السلطة هو مصطلح مشترك إنساني، لأنه يمثل ظاهرة بشرية موجودة في كل المجتمعات، فليس هناك مصطلح في حد علمنا خلى من تجسد لفكرة السلطة، سواء كانت سلطة دينية أو سياسية أو قبلية، ومن ثَمّ فمن السهل مثلاً ترجمة الفكرة من لغة إلى لغة أخرى ، وفهمها في سياق آخر دون شرح كبير لكون الفكرة التي يمثلها المصطلح مشتركة لدى المجتمعات البشرية.

في المقابل مصطلح الديمقراطية هو مصطلح نشأ وتطور يونانياً ثم رومانياً حصراً (هذا لا يعني عدم وجود “تجسدات ديمقراطية” في حضارات أخرى لكن الكلام هنا عن المصطلح بذاته كنتيجة لنضوج الفكرة) ومصطلح الشورى على الكفة الأخرى هو مصطلح نشأ في ظل الحضارة الإسلامية، ومن ثَمّ فالمصطلحان حتى لو كان بينهما مساحات مشتركة، إلا أن جذر الفكرة  ، والتربة التي زرعت فيها و الثمار التي أدت إليها مختلفة كثيراً، وهذا يظهر عوار من يقول مثلاً إن : الشورى هي الديمقراطية الإسلامية، لأن المصطلحين ليسا من نفس العائلة الفكرية.

وهكذا عندما نقوم بدراسة مصطلح الشورى ضمن بيئته وتطوراته وتجسداته على مدى التاريخ ، يمكننا فهم آراء فقهاء السياسة الشرعية ، وآراء كتب الأحكام السلطانية، ثم كلام الجماعات الإسلامية الحديثة ، وغيرها . ويمكننا فهم أسباب تطور الفكر الديمقراطي بنفس الطريقة، بينما يمكننا دراسة ظاهرة السلطة في كل المجتمعات الإنسانية بشكل عرضي أو طولي أو عمقي. ودون هذا التفكير سيكون من السهل على غير المختص أن يقوم بدمج الشورى و بالديمقراطية بالسلطة وتقديمها باعتبار بعضها صورة لبعض، دون أن يعلم أنه يرتكب جريمة علمية.

ختاماً، يجب أن نذكر أن مجال تاريخ الأفكار مجال أكاديمي يكاد يكون غائباً عن جامعاتنا ومناهجنا التدريسية ،وقد أصابني هذا بالاستغراب لفترة من الزمان حتى قرأت لأستاذ التاريخ في جامعة هارفرد البروفيسور بيتر جوردن في ورقة له يذكر أن أحد الأسباب الأساسية لهذا هو أن مجال تاريخ الأفكار أو التاريخ الفكري هو مجال عابر للمجالات الأكاديمية ، وسوف تحدث الكثير من المشاكل حال طرحه كونه يتقاطع مع الكثير من المواد  التي تدرس في الكثير من الأقسام والكليات مثل الأقسام التي ذكرناها في الأعلى.

لكن عدم الاهتمام الأكاديمي بهذا المجال ينبغي ألا يمنع الدارسين من الاهتمام به والبناء عليه، فربما يكون له مستقبل في عالم تذوب فيه التخصصات في العلوم الإنسانية شيئاً فشيئاً.

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى