الدين

شريعة الربانيين

(حول العلاقة بين الفقه والأخلاق)

د. هيثم بن فهد الرومي

حمل المقال PDF

هل من شأن القوانين أن تغرس في الناس الفضائل حبًّا وعلمًا وعملاً؟ أم أن القوانين مختصة بما يمكن أن تسن العقوبة في حال مخالفته، مما هو مختص بالحد الأدنى من الفضيلة، مما يلحق الناس الأذى بتركه والتفريط فيه؟ إن من المؤكد أن الفضيلة أوسع مدى من أن تحيط بها القوانين الوضعية، ولا أحد من واضعي القوانين يدعي إمكان ذلك، ولا أنه مقصود من وضع القوانين أصلاً. يقول جون لوك (ت1704م): (القوانين تفقد سلطتها إذا لم تقرن بالعقوبات، والعقوبات في هذه الحالة تصبح منعدمة انعدامًا مطلقًا؛ لأنها عاجزة عن إقناع العقل … إن تغيير آراء البشر لا يتم إلا من خلال نور الأدلة والبراهين، وهذا النور لن يبزغ أبدًا من جراء العذاب الجسماني أو توقيع العقوبات البرانية)[1]. ويقول جيرمي بنثام (ت1832م): (الأعمال كلها عمومية أو خصوصية تدخل في دائرة علم الأخلاق، فهو مرشد يأخذ بيد المرء في جميع أحوال الحياة وكافة علاقاته مع غيره، وليس هذا من الممكنات في علم القوانين، ولئن كان ممكنًا وجب التحرز منه؛ لأنه لا يجب أن يكون للقانون سلطة مستمرة في سير الأفراد الشخصي، فعلم الأخلاق يقضي على الإنسان بفعل كل ما فيه منفعة الأمة ومنفعته الشخصية، لكنْ كثير من الأعمال النافعة للأمة لا يأمر بها علم القوانين، بل هناك أعمال مضرة لا يجب على علم القوانين منعها وإن حظرتها الأخلاق)[2]. ومعنى هذا أنه يمكن أن يكون الإنسان ممتثلاً للقوانين لا يخالفها بحال، ومع ذلك فهو قبيح السريرة، عديم المروءة، فاسد الضمير، لا يردعه عن الشر وسائر أفعال السوء إلا مخافة العقوبة.

إذا علمنا هذا، فهل الأمر في الشريعة كذلك؟ ثم إذا أجبنا بالنفي -كما سنفعل- فما الأدوات والوسائل التي جاءت بها الشريعة لبسط سلطانها على فضاء الفضيلة الفسيح الذي يتجاوز نطاق القوانين؟

إن الجواب على مثل هذا السؤال الضخم يمتهد في أربع مقدمات وخمسة تقريرات، فأما المقدمات فيمكن إجمالها فيما يأتي بيانه:

المقدمة الأولى: في أن من مقاصد الشريعة استصلاح الناس في الظاهر والباطن:

قال الله تبارك وتعالى: (ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون) [آل عمران:79].

وقد اختلف المفسرون في المراد بالربانيين، فقال علي رضي الله عنه: (هو الذي يربي علمه بعمله)[3]. وقال سعيد بن جبير (ت95ه): (حكماء أتقياء)[4]. وقال سفيان بن عيينة (ت198ه): (علموا وعملوا ثم علموا)[5]. وقال البخاري (ت256ه): (ويقال: الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره)[6]. وروى الخطيب (ت463ه) بإسناده إلى محمد بن عبدالواحد قال: (سألت ثعلبًا عن هذا الحرف: رباني، فقال: سألت ابن الأعرابي فقال: إذا كان الرجل عالمًا عاملاً معلمًا قيل له هذا رباني، فإن خرم عن خصلة منها لم يقل له رباني)[7]. وقيل غير ذلك. وقال ابن جرير (ت310ه) بعد أن ساق الأقوال وذكر أن الرباني منسوب إلى الربان الذي يرب الناس، وهو الذي يصلح أمورهم ويربها ويقوم بها: (فإذا كان الأمر في ذلك على ما وصفنا، وكان الربان ما ذكرنا، والرباني هو المنسوب إلى من كان بالصفة التي وصفتُ، وكان العالم بالفقه والحكمة من المصلحين أمور الناس بتعليمه إياهم الخير، ودعائهم إلى ما فيه مصلحتهم، وكان كذلك الحكيم التقي لله، والوالي الذي يلي أمور الناس على المنهاج الذي وليه المقسطون من المصلحين أمور الخلق بالقيام فيهم بما فيه صلاح عاجلهم وآجلهم وعائدة النفع عليهم في دينهم ودنياهم، كانوا جميعًا مستحقين أنهم ممن دخل في قوله عز وجل: (ولكن كونوا ربانيين). فـالربانيون إذًا هم عماد الناس في الفقه والعلم وأمور الدين والدنيا، ولذلك قال مجاهد: وهم فوق الأحبار. لأن الأحبار هم العلماء، والرباني الجامع إلى العلم والفقه البصر بالسياسة والتدبير، والقيام بأمور الرعية، وما يصلحهم في دنياهم ودينهم)[8].

فمن راجع هذا الموضع وغيره من كلام الله تعالى، وكلام المفسرين علم يقينًا أن الشريعة لم تأت لتكون رسومًا ظاهرية يأتمر الناس بها وينتهون عن زواجرها، ثم لا يكون من مقاصدها إصلاح نفوسهم وأحوالهم في الدين والدنيا والآخرة. ومن أول ذلك أن يكون القائم على شؤونهم في الدين والدنيا ربانيًّا قاصدًا إلى الصلاح والاستقامة وحسن التدبير، بالتربية على الفضائل والكمالات ما أمكن، لا على مجرد كف عادية الناس بعضهم على بعض. وهذا القصد لا يكون في إرادات النفوس من دون أن يكون له أثر في واقع الناس في شرائعهم التي تنتظم بها أمورهم.

 

المقدمة الثانية: في أن العمل بالشريعة حتم لازم على المسلمين في عام أمورهم وخاصها:

الدين لا بد فيه من سلطان يقيمه ويحكم به؛ فإن الشرائع مهما بلغت في الكمال فإن الناس لا يدخلون كافة تحت طوعها اختيارًا، بل لا بد فيها من قهر وإكراه، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وأطر على الحق، وذلك يكون على مراتب معلومة، فمنها ما يكون بالقلب، ومنها ما يكون باللسان، ومنها ما يكون باليد، وقد أفاض الفقهاء القول في ما يندرج تحت كل مرتبة، وما هو مختص بالإمام وما هو غير مختص به، على ما هو معلوم ومشهور في مظانه. وبالجملة فالناس لا بد لهم من الخضوع لله تعالى وحكمه، والرضا بشرعه. قال الله تعالى: (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور) [الحج:41]. قال قتادة (ت117ه): (هذا شرط الله على هذه الأمة)[9]. والكثير من الناس لا يرى بأسًا في الخضوع للقوانين التي يختار الناس من يضعها، ويرى أكبر البأس بقهر الناس على شرائع الله تعالى إذا لم يخترها الناس، والله تعالى قد نبأنا في كتابه أن المؤمنين لا خيرة لهم مع شرعه وأمره، كما قال تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبينًا) [الأحزاب:36]. فرد الشريعة من شرائع الله عصيان، والعصيان يجب النهي عنه لأنه منكر، والولاة يجب عليهم تغيير المنكر، ومن ثم فالواجب على الناس كافة الدخول في شرائع الله تعالى والانقياد لها.

والناس لم يزل منهم من يزعه القرآن، ومنهم من يزعه السلطان وأكثرهم كذلك. فإن الأقل في الناس من يزجره واعظ الله في قلبه عن المحارم والمظالم حتى يكون من المتقين، والأقل من الناس من يرضى عند الخصومة لحكم القضاء إن كانت القضية عليه إن لم يكن للقضاء يد قاهرة يخضع لها. ولذا كان مما تمتدح به العرب في جاهليتها أن يحكم الحاكم العاقل العدل بين الخصوم فيمتثل الخصوم لأمره، مع أنه لم يكن لهم يومئذٍ سلطة جامعة، وفي هذا يقول زهير بن أبي سلمى:

متى يشتجر قوم يقل سرواتهم
همُ بيننا فهمُ رضًا وهمُ عدل

هم جرَّدوا أحكام كلِّ مُضِلَّة
من العُقم لا يلفى لأمثالها فصل

بعزمةِ مأمورٍ مطيعٍ وآمرٍ
مطاعٍ فلا يلفى لحزمهم مثل[10]

أما أكثر الناس فإنما يحملهم على الطاعة الرهبة ومخافة العقوبة العاجلة. وقد تفطن لهذا ساسة الأمة الكبار وخلفاؤها الربانيون، فروي عن عثمان رضي الله عنه أنه قال: (لما يزع السلطان الناس أشد مما يزعهم القرآن)[11]. قال القاضي أبو الوليد ابن رشد (ت520ه): (المعنى فيه أن الذين ينتهون من الناس عن محارم الله مخافة السلطان أكثر من الذين ينتهون عنها انتهاء لأمر الله ﷻ)[12].

والأمة التي لديها شريعة تؤمن بها فالحتم عليها أن تحكم بها؛ لأن أحوال الأمة لا تنتظم إلا إذا تناسب ما تؤمن به مع ما تحكم به. وإن خضع غيرها من الأمم لقوانين هي من صنع أنفسهم، فإنما يمكن ذلك عند فقدان الغايات التي تتجاوز حدود القوانين إلى ما فيه الخير والصلاح للناس في دنياهم وفي آخرتهم، فيكتفون بما يحصل به كف العادية وعقوبة الجناة وانتظام المعايش. أما عند المسلمين فاقتران الشرع الهادي بالسيف الناصر أمر مقرر في شرائع الله تعالى، ولا يمكن إقامة ملة ذات شريعة إلا بإلزام الناس بها وقهرهم وأطرهم عليها. ومع ذلك فمن سوء الفهم أن يظن ظان أن كل حكم شرعي فلا بد من أن يكون في تركه عقوبة منصوصة في الشرع أو في اجتهاد الفقهاء. وإذا كان من رجال القانون من ينبه إلى هذا المعنى ويؤكد عليه[13]، فما الظن بالشريعة التي هي أرحب أفقًا وأوسع مدى في ارتباط الأحكام بالأخلاق كما سيأتي بيانه[14].

 

المقدمة الثالثة: في أن الأخلاق لا قوام لها إلا بالدين وحده:

هناك جدل لا ينتهي حول علاقة القانون بالأخلاق. وفلاسفة القانون في هذا الشأن على مذاهب كثيرة، وهي على هذه الكثرة لا تخلو من إشكالات ظاهرة في ضبط علاقة القانون بالأخلاق[15]، وفي دافع المسؤولية الخلقية، بل في طبيعة الفعل الأخلاقي نفسه. ومهما يكن الحال فإن القانون بدون أخلاق قاصر في نفسه، ومن ثم فحاجته إليها حاجة ماسة في قيام القانون ذاته ووفائه بغرضه. وههنا يقع من لا يؤمن بمرجعية الدين أو لا يؤمن بالله أصلاً في ورطة لا يمكنه الخلاص منها؛ من حيث يقينه بالحاجة إلى الأخلاق من جهة[16]، وفقده السلطة عليها من جهة أخرى.

إنه لا يأطر النفوس على الامتثال للقوانين شيء كالدين، وهذا أمر يلاحظه العقلاء في المدة القريبة في حالتي الوجود والعدم بحيث يستقر في قلوبهم أنه حق وصدق. وممن سجل انطباعاته وملاحظاته حيال هذا من متأخري العلماء الشيخ مصطفى صبري (ت1373ه) حيث قال: (لا يمكن ادعاء بقاء الأخلاق على نزاهتها في البلاد المقطوعة صلة حكومتها بالدين. كما لا يمكن ادعاء وجود واسطة لصيانة الأخلاق من السقوط أفضل من الدين)[17].

ولذا فإنا ألفينا الفلاسفة الأوائل يوجبون على الجمهور (اتباع الشرائع؛ لما بهرهم من منفعة الشرائع وحاجة العباد إليها)[18]. وكذا كان في الفلاسفة الإسلاميين من يتكلم بكلام كثير فيه تعظيم للشريعة وبيان لحاجة الكافة إليها، مع أنه في نفس الأمر مقدِّم للفلسفة ومقالاتها، وفيها ما هو مشهور من إنكار النبوات ونسبة الأنبياء إلى التخييل للتأثير على الناس بما يؤول إلى منافعهم ودلالتهم على الخير والكف عن الطبائع السيئة. وهذا مشهور في كتاباتهم سواء في فلاسفة المشرق كأبي زيد البلخي (ت322ه)، ومسكويه (ت421ه)، وابن سينا (ت428ه)، أو فلاسفة المغرب كابن رشد (ت595ه)، وغيره، مع أنهم في ذلك على درجات متفاوتة[19].

وذات المنطق القديم نراه يتجدد في زماننا الذي ظهرت فيه الخصومة بين القانون والأخلاق، وأدت فيه العلمانية إلى إبطال أعظم مؤثر على النفوس في استمساكها بالقوانين والعادات الصالحة وهي الأديان، بما فيها من بقايا الخير والحث على مكارم الأخلاق، ثم بتنا نسمع ونرى دعوة يتعالى صوتها مع مر الأيام تدعو إلى استعادة الدين لدوره في الفضاء العام، وربما كان بعض من يدعو لذلك ممن لا يؤمن بالله تعالى أصلاً[20]. ومهما قلنا في ذلك إلا أن فيه إشارة واضحة إلى الحاجة إلى الشريعة وأنها ضرورة في صلاح أحوال الناس، من المؤمن والملحد على حدٍّ سواء. يقول د.سيد نصر: (إن أشد دعاة العلمانية قد بدأوا يهتمون علانية بالمخاطر الأخلاقية التي تمخض عنها تطبيق العلم مهما كانت براءته لتؤدي إلى نتائج أبعد مما تصور واضعوها والمدافعون عنها)[21].

إن إدراك حقيقة (الحاجة إلى المعنى) إدراك ملح ومقلق لمن ليس لديهم معنى مشرّفٌ يمكنهم التصريح به، وهم يدركون جيِّدًا المأزق الذي سيقعون فيه متى حاولوا رد الفضائل إلى الضمير الفردي. يقول د.محمد دراز (ت1377ه) أثناء حديثه عن كانت (ت1804م): (لقد أبصر كانت الصخرة التي تصطدم بها الأخلاق القائمة على الضمير الفردي)[22]. ولذا فالذي نراه أنهم يغمغمون بكلام لا معنى له إلا الرجوع إلى المعاني التي تعود في حقيقتها إلى الدين كالحب والعاطفة والواجب والضمير والتضامن والإنسانية، ومهما أطالوا الحديث في تأويلها بما لا يستبشعه جمهور الناس فإنها فارغة من المعنى إن لم تعد إلى معنى غيبي غير مادي، وكلما أوغل موغل في البعد عنه عاد إليه من حيث لا يشعر، فكان كلامه كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا ووجد الله عنده. وأنت لو عمدت إلى بعض فلاسفة الأخلاق من الغربيين لوجدت قصارى ما لديهم محاولة البرهنة على الأخلاق التي هي دينية في أساسها بغير الحجج الدينية، وكلما أفضى بهم طرد الحجة إلى الابتعاد عن تلك الأخلاق أدخلوا عليها من التعديل ما يسوقها إليها، إلا أن تجري بهم مسالك الاطراد إلى القول بنفي الأخلاق، والفرار إلى مذهب أخلاق القوة والأنانية وحب الذات والأثرة، وهي تؤول في أظهر تجلياتها إلى معاني النفعية المطلقة بلا محسنات تقربها إلى حمى الأديان[23].

إننا في هذا الزمان الذي يعيش (أفول الواجب) و(الشر السائل)، لنعيش زمن تساقط الأصنام الفكرية التي وضعها فلاسفة العلمانية لتحل محل الدين في قوة إلزامه وهيمنته على التصورات، بحيث تكشفت للناس المآلات الحقيقية لإصرار الإنسان على أن يصنع مرجعية أخلاقية يبنيها بنفسه مستبعدًا لكل مرجعية تستند إلى الغيب. إنها مآلات تعود بالناس إلى حالة أقل من مرتبة الأنعام كما قال الله تعالى: (أولئك كالأنعام بل هم أضل) [الأعراف:179]، فالأنعام لديها من الحس والهداية والضرورة ما يحجزها عما يتهالك عليه ضلال البشر تحت راية أخلاق القوة والوجودية وما بعد الحداثة.

إن الإنسان بلا دين إنسان هلوع منوع جزوع، يطغى عند الغنى، ويجزع عند الفقر، ويجهل عند الشهوة، ويظلم عند القدرة. وأخلاق السوء هذه متولدة من كونه متمركزًا حول ذاته؛ لأنها المعنى الذي يراه يستحق الاهتمام، أما الدين فينزعه من ذلك إلى أن يكون الله تعالى غايته، ومتى تحول المركز تحولت معه اهتماماته وأخلاقه، فأعطى لله، وأقدم بالله، ورضي بأقدار الله، واستبدل بأخلاق الأثرة أخلاق الحب والإيثار والجود والإحسان والبذل والصبر والنصيحة. وإن الإيمان بالغيب ومراقبة الله تعالى ووازع الشرع لهي أقوى المؤيدات للالتزام الصادق بالقوانين الظاهرة، ولا يمكن للأنساق التي تتبنى العلمنة والاختزال المادي لدلالة العالم أن تنتج منظومة قيم متعالية، ومن ثم فالقاعدة التي تبنى عليها القوانين هي قاعدة مادية توجد مع المادة وتغيب بغيابها[24].

إن الغياب الطويل بل القصير لرقابة القانون في المجتمعات التي تغفل وازع الشرائع في النفوس ليؤثر في المجتمعات أسوأ التأثير. والأمثلة التي يعرفها الناس -دون كبير استذكار- في واقعهم القريب لجماعات كثيرة من الناس في (العالم المتقدم) لا تلبث أخلاقهم أن تنقلب بمجرد غياب القانون وانشغال القائمين عليه -من جراء كارثة طبيعية أو انبعاث شغب لأي سبب من الأسباب- إلى أخلاق الهمج الذين لا يرعون حرمة، ولا يحفظون حقًّا، ولا يميزون بين ظالم ومظلوم[25]. ولئن كان الشاعر العربي يقول:

سيذكرني قومي إذا جدَّ جِدُّهم
وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر[26]

فإن الناس في مثل تلك المواقف التي يعاينون ويعانون فيها من آثار استبعاد أخلاق الفضيلة عن ميدان القانون، ليعلمون حق العلم أن الحاجة إليها كالحاجة إلى القانون، بحيث لا تنتظم أمور العالم إلا بها.

لقد مرَّ بالناس عقود كانوا يظنون فيها أن الحديث عن الأخلاق عبث لا حاجة إليه، وأن ضبط أحوال الناس بقوانين السياسة الجيدة، كفيلة بالاستغناء عن المثل والفضائل. ويعبِّر عن هذا المعنى بصورة مؤلمة ألدوس هكسلي (ت1963م) في (عالم جديد شجاع) حيث يقول على لسان مصطفى موند: (إن الحضارة لا حاجة لها إلى النبل أو البطولة. إن تلك الأشياء ما هي إلا أعراض للقصور السياسي. أما في مجتمع منظم تنظيمًا جيدًا كمجتمعنا فلا تتاح لأي أحد فرصة أن يكون بطلاً نبيلاً)[27].

إن مثل هذه الدعوات لا تحتاج إلى كبير جهد لبيان تهافتها، بل هي أشبه بالبيوت التي يبتنيها الأطفال على الشواطئ الرملية فتتآكل مع أدنى موجة، ثم تخر مع موجة أقوى منها. أما عند حلول الأزمات والكوارث الطبيعية أو الحضارية فإن هذه الدعوات تبدو مثارًا لسخرية غاضبة طال كبتها.

ولقد اقترح جماعة من الباحثين في أعقاب الأزمة المالية العالمية (2007-2009م) دمج الأخلاقيات والقيم في التمويل، باعتبار ذلك خطوة ضرورية لضمان الاستقرار، وتحسين أداء النظام المالي نفسه. وهذا ما كان ينادي إليه مؤيدو التمويل الشرعي، (وبالرغم من تشابه وظائف النظم المالية الإسلامية والتقليدية، فإن الاختلافات الجوهرية بين النظامين -كما أكَّد ذلك العديد من الباحثين- هي استناد التمويل الإسلامي إلى القيم التي ننادي اليوم بالرجوع إليها)[28].

إن الأخلاق التي لا قوام لها إلا بالدين وحده ستظل مثل نار عظيمة تتأجج، فيهتدي بها الحيران، ويأنس لها الوحشان، ويستدفئ بها المقرور، ومهما اتخذها فرد أو جماعة من الناس ظهريًّا، فلسوف يمسهم من وحشة الظُّلمة، وصولة الزمهرير ما يجعلهم يفيؤون إليها ولو بعد حين.

يقول المؤرخ والكاتب الإنجليزي اللورد أكتون (ت1902م): (الآراء تتغير، وقواعد السلوك تتغير، والعقائد ترتفع وتهبط، ولكن القانون الأخلاقي مكتوب في أسفار الخلود)[29].

 

المقدمة الرابعة: في أن مكارم الأخلاق منها ما هو ضروري وما هو حاجي وما هو تحسيني:

يجري في كلام بعض أهل العلم عدُّ مكارم الأخلاق ضمن رتبة التحسينيات والتكميليات، وذلك أن مقاصد الشريعة على ثلاثة أقسام، فمنها الضروري والحاجي والتحسيني. قال أبو إسحاق الشاطبي (ت790ه) في شرح القسم الثالث منها: (أما التحسينيات، فمعناها الأخذ بما يليق من محاسن العادات، وتجنب الأحوال الدنيّات، التي تأنفها العقول الراجحات، ويجمع ذلك قسم مكارم الأخلاق)[30]، ثم جعل يذكر أمثلة لها في العبادات والعادات والمعاملات وغيرها.

وربما ذكر بعضهم مكارم الأخلاق كقسم من أقسام الأحكام الشرعية، كما فعل ابن فرحون (ت799ه) لما قسم الأحكام فقال: (اعلم أن الله سبحانه وتعالى شرع الأحكام لحِكَمٍ، منها ما أدركناه ومنها ما خفي علينا، رعيًا لمصالح العباد ودرءًا لمفاسدهم، تفضلاً لا وجوبًا، وهي تنقسم إلى خمسة أقسام) ثم شرع في عدها، وذكر القسم الرابع فقال: (القسم الرابع: شرع تنبيهًا على مكارم الأخلاق، كالحض على المواساة وعتق الرقاب، والهبات والأحباس والصدقات، ونحو ذلك من مكارم الأخلاق)[31].

وهنا يتبادر سؤالان مفادهما: هل مكارم الأخلاق مقصورة على طائفة من أحكام الشريعة دون غيرها؟ وهل مكارم الأخلاق في رتبة هي أقل رتب مقاصد الشريعة؟

والجواب عن هذين السؤالين معًا كالآتي:

أما الشريعة فعامة أحكامها مكارم أخلاق ومحاسن آداب، والله جل شأنه يهدي إلى صراط مستقيم، ويدلنا على سبيل لا تبلّغنا إلا إلى ما فيه مراشدنا في الدنيا والآخرة، ومنَّ الله تعالى على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة، ويتمم لهم مكارم الأخلاق. روى الترمذي وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سئل رسول الله ﷺ عن أكثر ما يدخل الناس الجنة، فقال: (تقوى الله وحسن الخلق)[32]. ومتى علمنا أن حسن الخلق في الدين بهذه المثابة كان من الممتنع أن يكون أثره في شرائع الدين مقصورًا على الجوانب التكميلية منها. قال الجويني (ت478ه): (فلا يخفى أن الشريعة مجامعها على مكارم الأخلاق والنهي عن الفواحش والموبقات)[33]. وقال الأبياري (ت616ه): (استقراء الشريعة أيضًا يرشد إلى طلب مكارم الأخلاق بأمور كلية، والنهي عن سفسافها)[34]. وقال الشاطبي (ت790ه): (الشريعة كلها إنما هي تخلق بمكارم الأخلاق)[35].

فإذا علمنا ذلك فإنا نقطع بأن مراد من سمى مكارم الأخلاق في التحسينيات لا يعم سائر ما جاء في الشريعة من المكارم والمحاسن؛ فإن من مكارم الأخلاق ما هو من الضرورات، ومنها ما هو من الحاجيات، ولا يصلح بحال من الأحوال أن نعد الصدق والعدل والأمانة والبر والصلة والوفاء بالعهود في رتبة التحسينيات والتكميليات، بل هي في أعلى رتب الفضائل والمكارم، واختلالها مفضٍ إلى الكذب والفجور والزور والبهتان ونقض العهود وأكل أموال الناس بالباطل، وفي ذلك فساد المعايش واختلال الأحوال. ولكن هذه المكارم لها أفراد وجزئيات لا تحصى، والشريعة لا تلزم بكل هذه الأفراد والجزئيات؛ فإن الحرج مرفوع عن هذه الأمة، والتزام سائر مكارم الأخلاق فيه مشقة، كما قال أبو الطيب (ت354ه):

لولا المشقة ساد الناس كلهم
الجود يُفقر والإقدام قتَّال

وإنما يبلغ الإنسان طاقته
ما كلُّ ماشيةٍ بالرحل شِملال[36]

ومما يؤكد ذلك أننا متى تصفحنا كتب الفقهاء تيقنَّا اشتمالها على مكارم الأخلاق في الضروريات والحاجيات والتحسينيات معًا[37]. ولذا فإن جملة من المحدثين والمعاصرين لما اشتغلوا بتتبع الأخلاقيات الفقهية في المجالات المختلفة وجدوا وفاءهم في مصنفات الفقهاء، مع أن الأخلاقيات التي يشتغلون بها ليست مقصورة على رتبة التحسينيات والتكميليات، بل تنتظم سائر المراتب[38].

ويبقى هنا بيان أن من عدَّ مكارم الأخلاق في التحسينيات فمراده ما كان من قبيل الفضائل والكمالات والأوصاف الزائدة على ما هو ضروري وحاجي، مع التنبه إلى أن بعضها مما يجري الخلاف في تعيين رتبته، كما أن اعتبارها من التحسينيات لا يقضي عليها بأنها من المندوبات بالضرورة، فإن من التحسينيات ما هو من الواجبات، كما قد علم مما يذكره الأصوليون من الأمثلة[39].

 

  • فإذا علمت هذه المقدمات، فإن المراد ههنا ينتظم في خمسة تقريرات، بيانها كالآتي:

 

التقرير الأول: في أن الفقه مشتمل على الأخلاق، وإن كان بيان ذلك ليس من غرض كتب الفقه:

شريعة الإسلام شريعة أخلاقية، وفقه المسلمين فقه أخلاقي، وإن كانت مصنفات الفقه لم توضع أساسًا على هذا الحد؛ وذلك أن مصنفات الفقه تذكر الأحكام التي يجري بها حكم القضاء مما تدخله المنازعة والمشاحة، دون ما تجري على المسامحة والتغافر والتغافل والمروءة بين الناس.

ولأبي إسحاق الشاطبي (ت790ه) في هذا المعنى تقرير يحسن تأمله، حيث يقول: (إنما عُني الفقهاء رضي الله تعالى عنهم بتقرير الحدود والأحكام الجزئيات التي هي مظان التنازع والمشاحة والأخذ بالحظوظ الخاصة، والعمل بمقتضى الطوارئ العارضة، وكأنهم واقفون للناس في اجتهادهم على خط الفصل بين ما أحل الله وما حرم، حتى لا يتجاوزوا ما أحل الله إلى ما حرم، فهم يحققون للناس مناط هذه الأحكام بحسب الوقائع الخاصة، حين صار التشاح ربما أدى إلى مقاربة الحد الفاصل، فهم يزعونهم عن مقاربته ويمنعونهم عن مداخلة الحمى. وإذا زل أحدهم بُيِّن له الطريق الموصل إلى الخروج عن ذلك في كل جزئية، آخذين بحجزهم تارة بالشدة، وتارة باللين. فهذا النمط هو كان مجال اجتهاد الفقهاء، وإياه تحرَّوا. وأما ما سوى ذلك مما هو من أصول مكارم الأخلاق فعلاً وتركًا، فلم يفصلوا القول فيه؛ لأنه غير محتاج إلى التفصيل. بل الإنسان في أكثر الأمر يستقل بإدراك العمل فيه. فوكلوه إلى اختيار المكلف واجتهاده؛ إذ كيف ما فعل فهو جار على موافقة أمر الشارع ونهيه، وقد تشتبه فيه أمور، ولكن بحسب قربها من الحد الفاصل، فتكلم الفقهاء عليها من تلك الجهة فهو من القسم الأول. فعلى هذا كلُّ من كان بعدُه من ذلك الحد أكثر، كان إعراقه في مقتضى الأصول الكلية أكثر)[40].

ومن العلماء الذين كانت لهم عناية ظاهرة بإبراز هذا المعنى والتنبيه عليه وبيان أثره في الفقهيات، الشيخ أنور الكشميري (ت1352ه) في شرحه على البخاري. فمن ذلك قوله: (ليس في الفقه إلا باب التنازع، والسر فيه أن باب المسامحات لا يأتي فيه التكليف، ولا يجبر عليه أحد. إنما هو معاملة الرجل مع الرجل على رضاء نفسه، فلم يذكروا في الفقه إلا أحكام القضاء، وهي التي مما يجبر عليها الناس، وقليلاً ما ذكروا أبواب الديانات. والناس إذا لم يروا مسألة في الفقه يزعمونها منفية عندهم، مع أن الفقهاء إنما تكلموا فيما في دائرة التكليف. والتي ليست كذلك لم يتعرضوا لها، وإن كانت جائزة فيما بينهم)[41].

وقال في موضع آخر: (وإرجاع الأبواب كلها إلى أبواب الفقه ليس بشيء؛ فإنا نجد أبوابًا كالمروءة وغيرها، لا نجد لها أثرًا في الفقه. كيف وأنها لا تليق بموضوع الفقهاء. فهذه تكون جائزة في نفسها، فإذا جرت إلى الفقه عادت إلى عدم الجواز، فليتنبَّه في تلك المواضع)[42].

ويشرح هذا قوله في موضع آخر: (الناس كثيرًا ما يتعاملون فيما بينهم ويسامحون فيه ولا يتنازعون بشيء. وقد يجوز ذلك في نظر الشارع أيضًا، إلا أن الفقهاء لا يتعرضون إليه لكونه من الديانات عندهم، وجُلُّ أحكامهم من باب القضاء. ومن لا خبرة له بذلك يظنها خلاف الفقه، ولا يدري أن ما ذكر في الفقه هو حكم القضاء وذلك في الديانة)[43].

ولعل في هذا بلغة وكفاية. وليعلم أن المراد ههنا ليس ذكر أمثلة على ما في الفقه من مكارم الأخلاق، فلذلك موضعه الذي سيأتي، ولكن المقصود بيان طبيعة مصنفات الفقه من متون وشروح موضوعة لبيان مقاطع الحقوق في أصل وضعها، لا لبيان خصال المروءة ومكارم الأخلاق التي لا تلزم الناس عند المحاققة، ولا لبيان الفضائل والرغائب. قال إمام الحرمين الجويني (ت478ه): (وليس الكلام في الأجر والفضيلة من شأن الفقهاء)[44].

فمن توخى كلام الفقهاء في مكارم الأخلاق والفضائل والمسامحات والمروءات فعليه أن يعرف مظان ذلك، فإن الدين كامل والشريعة تامة، ومن أراد معرفة التمام فليتعرف إلى عامة علوم الشريعة وأغراضها ومصنفات أهل العلم في كل شعبة منها. وليكثر من قراءة كتاب الله تعالى، وتفسير أهل العلم به؛ فإن القرآن العظيم ليس مدونة تقنين. والذين ينظرون إليه كذلك لا يفقهون حقيقة الإنسان وأنه لا يحكم بالقوانين فحسب. قال الفخر الرازي (ت606ه): (من عادة القرآن أن يكون بيان التوحيد وبيان الوعظ والنصيحة وبيان الأحكام مختلطًا بعضها بالبعض؛ ليكون كل واحد منها مقويًّا للآخر ومؤكدًا له)[45]. فبيان الشرائع في القرآن يختلط بالوعظ وبيان الحكم والعلل، فيخاطب العقل ويلامس الوجدان. حتى قالت الجن لما سمعته: (إنا سمعنا قرآنًا عجبًا * يهدي إلى الرشد) ]الجن:1-2[. بخلاف مدونات التقنين المجردة التي لا وعظ فيها ولا تعليل، بل لم توضع على هذا الأساس أصلاً. أما الشريعة فهي أجل وأعظم من أن تكون مجرد قانون، بل هي حياة ونور وسبيل ومنهاج، ومن الأوهام التي تستولي على أذهان كثير من الناس سيطرة مفهوم القانون الذي هو الذراع الإلزامية للدولة الحديثة على تصوراتهم، فلا يفهمون الحياة إلا من خلاله، والحق أن الشريعة أجل من ذلك وأسمى، وأوسع وأجمل.

والناس لا تنتظم أحوالهم بالقانون وحده[46]. وإن كانت بعض الأمم والحضارات تحاول دائبة أن تعثر على نموذج قانوني لترتيب مجتمع مثالي، فإن ذلك منافٍ لطبيعة الإنسان، مهما بلغ هذا القانون من الدقة والتفصيل. وإذا تأملنا أساليب التشريع القرآن الكريم وجدنا تربية إيمانية عميقة الأثر، وقواعد تشريعية عظيمة النفع، وأحكامًا تفصيلية قليلة؛ وذلك أن (كثرة القوانين في مجتمع ما وتشعبها والتعقيدات التشريعية علامة مؤكدة على وجود شيء فاسد في هذا المجتمع. وفي هذا دعوة للتوقف عن إصدار مزيد من القوانين، والبدء في تعليم الناس وتربيتهم. فعندما يتجاوز الفساد في بيئة ما حدًّا معيَّنًا يصبح القانون عقيمًا، فيسقط في يد فئة فاسدة من منفِّذي العدالة، أو يصبح خاضعًا للتحايل الظاهر أو الخفي من جانب بيئة فاسدة)[47].

 

التقرير الثاني: في أن الإيمان باليوم الآخر الذي يجازى الناس فيه بأعمالهم له أكبر الأثر في فاعلية القوانين ووفائها بأغراضها:

إن الإنسان متى رُدَّ إلى الطبيعة فإنه يفقد قيمته إلا بقدر منفعته المادية. ولسوف تنحدر به هذه السبيل إلى أن يتخلق بأخلاق المنفعة المادية التي لا تؤمن بما وراء المادة، فيعود إنسانًا ظلومًا جهولاً يبتغي في الأرض العلوَّ، ويذرعها بالبغي والفساد.

والقانون إن كان غرضه أن يكف الناسَ عن الشر ويحجزهم عن العدوان، فإن رقابة القانون قاصرة أن تحيط علمًا بكل الشرور فضلاً عن أن تعاقب عليها. ومهما تذرَّع القائمون عليها بما يقدرون عليه من وسائل الضبط والمراقبة، فإن النفوس غير المتهذبة ستظل طاوية على ما فيها من الشر حتى تسنح لها سانحة الانفلات. فالقوانين -كما مضى- لا تزرع في الناس حب الخير، وبذل السلام، وإيتاء النصفة، بل تبعث فيهم الخوف من العقوبة العاجلة، ومتى زال الخوف لأي عارضٍ كان الأمر موكولاً إلى شيء وراء القانون. وما الشيء الذي هو وراء القانون؟

إن الناس لا يمكن أن تصلح أحوالهم إلا بالإيمان بالغيب. وهذا الغيب هو الله ﷻ، وكتبه، وملائكته، ورسله، ويوم الدين الذي يجزى الناس فيه بأعمالهم، والجنة والنار. قال أبو العالية (ت93ه) في قول الله تعالى: (الذين يؤمنون بالغيب) [البقرة:3]: (يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وجنته وناره ولقائه. ويؤمنون بالحياة بعد الموت، وبالبعث. فهذا غيب كله)[48].

فالإيمان بربٍّ عظيم مقتدر يسمع ويرى، وله الأسماء الحسنى والصفات العلى، فلا تخفى عليه خافية، ولا يعزب عنه مثقال ذرة، يأمر الناس بالخير وينهاهم عن الشر، وهو مطلع عليهم محيط بأعمالهم، وله ملائكة مسيرون وكَّلهم بحفظ أعمال الناس، ليجزيهم عليها في يوم عظيم هو يوم الحساب، كل ذلك له أثره العظيم في استقامة أحوال الناس وصلاحها، وألا يكون محركهم للزوم الأحكام واتباع الأمر والنهي مجرد سطوة القانون، واتقاء مغبة المخالفة.

قال عمر رضي الله عنه: (من خاف الله لم يشفِ غيظه، ومن اتقى الله لم يصنع ما يريد، ولولا يوم القيامة لكان غير ما ترون)[49]. وقال عمر بن عبدالعزيز (ت101ه): (التقيُّ مُلْجَم)[50]. ومن ثم رأينا في بيان القرآن أنه إنما يجترئ على الشر والبخل ومنع المعروف، ويقصر في أسباب الخير والإحسان وبذل المعروف من غاب عنه الإيمان بالله وشهود اليوم الآخر، وما يكون فيه من الدين والحساب. كما قال الله تعالى: (إن الإنسان خلق هلوعا * إذا مسه الشر جزوعا * وإذا مسه الخير منوعا * إلا المصلين * الذين هم على صلاتهم دائمون * والذين في أموالهم حق معلوم * للسائل والمحروم * والذين يصدقون بيوم الدين) [المعارج:19-26]. وقال تعالى: (كل نفس بما كسبت رهينة * إلا أصحاب اليمين * في جنات يتساءلون * عن المجرمين * ما سلككم في سقر * قالوا لم نك من المصلين * ولم نك نطعم المسكين * وكنا نخوض مع الخائضين * وكنا نكذب بيوم الدين * حتى أتانا اليقين) [المدثر:38-47]. وقال تعالى: (أرأيت الذي يكذب بالدين * فذلك الذي يدع اليتيم * ولا يحض على طعام المسكين * فويل للمصلين * الذين هم عن صلاتهم ساهون * الذين هم يراءون * ويمنعون الماعون) [الماعون:1-7]. وقال تعالى: (ويل للمطففين * الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون * وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون * ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون * ليوم عظيم * يوم يقوم الناس لرب العالمين) [المطففين:1-6]. قال الحسن البصري (ت110ه) في الآية: (إن القوم والله لو ظنوا ذلك -يعني البعث- لقاربوا العدل)[51].

وقال الرسعني (ت661ه) في قول الله تعالى: (الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان وما يدريك لعل الساعة قريب) [الشورى:17] : (فإن قيل: كيف طابق ذكر اقتراب الساعة وذكر إنزال الكتاب والميزان؟ قلتُ: براهين وجوب الإيمان بالكتاب والاعتصام بالعدل قطعية، وشهود ثبوتها مقبولة عند حاكم العقل، فالمعتاد لمعظم الناس عن الأخذ بذلك إنما هو الركون إلى الحياة الدنيا والسكون إلى شهواتها والاغترار بزينتها، فوعظهم بقرب مجيء الساعة مُعَرِّضًا بفناء الدنيا وذهاب ما اغتروا به من شهواتها وزينتها، استمالةً لهم إلى الدين المنجي من عذابها)[52].

فالإيمان باليوم الآخر له أثره في الانحجاز عن المآثم والمظالم. والكثير من الذنوب جاء الوعيد عليها في الآخرة مع أن جملةً منها له عقوبته الدنيوية تقديرًا أو تعزيرًا. والناس معادن كمعادن الذهب والفضة، وطبائعهم شتى، فمنهم من تزجره عقوبة الدنيا دون الآخرة، ومنهم من تزجره عقوبة الآخرة دون الدنيا، ومنهم من ينزجر بهما معًا. ولئن كان في الناس من يردعه عن القتل آية القصاص، فمنهم من لا يزجره إلا التخويف من غضب الله ولعنته، كما في قول الله تعالى: (ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابًا عظيمًا) [النساء:3].

وهذا التكامل الذي لا تعرفه القوانين الوضعية في الجزاء على الأعمال السيئة لا يكتفي بأن يكف الناس عن الشرور في الظاهر مع انطواء أنفسهم عليها في الباطن، بل يعمل على إصلاح البواطن وتزكيتها وعلى أن تحب النفوس فعل الخير ولو لم تقدر عليه، وأن تكف ديانة لله تعالى عن فعل الشرور وانطواء النفوس عليها قدر الطاقة والجهد. قال نجم الدين الطوفي (ت716ه): (وما فائدة الشرع إلا كف الطباع عن الشر الذي جبلت عليه)[53].

وبعض من لا يفقه أسلوب التشريع يحسب إذا قرأ العقوبة الأخروية في نصوص الكتاب والسنة قَصْرَ العقوبة عليها، فيؤدي به ذلك إلى الغلط والمغالطة في أحكام كثيرة. وقد جاء في النصوص ذكر عقوبات أخروية لما وردت فيه العقوبة في الدنيا، ولكن الكثير من الناس متى نصب بين عينيه خوف الآخرة حجزه ذلك عن المظالم، حتى ليتحرز أشد التحرز عما يقارب ذلك. كما أن بعض المحرمات هو مما يشق ضبطه أو يتعذر، فيكثر التذكير فيه باليوم الآخر، وأن من نجا في الدنيا فإن الآخرة لا ينجو فيها إلا من اتقى الله. وقد جاء عند أبي داود وغيره من حديث رويفع بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: (من كان يؤمن بالله وباليوم الآخر فلا يركب دابة من فيء المسلمين حتى إذا أعجفها ردها فيه، ومن كان يؤمن بالله وباليوم الآخر فلا يلبس ثوبًا من فيء المسلمين حتى إذا أخلقه رده فيه)[54].

فاستعمال أخلاق الخوف من الله تعالى وخشيته واتقاء اليوم الآخر، مما يحمل الإنسان على اجتناب المحارم وتنكب سبيلها، بل ربما حملته على التورع والتذمم مما يخشى منه سوء العاقبة على نفسه، وإن كان في الأمر سعة وجدل عند الفقهاء. ومن تتبع ذلك في أخبار الصالحين وسيرهم وجد من ذلك شيئًا كثيرًا.

وقد روي عن قيس بن سعد رضي الله عنه أنه قال: (لولا الإسلام لمكرت مكرًا لا تطيقه العرب)[55]. بل من المستملحات في مثل هذا قول علاء الدين ابن النفيس الطبيب المشهور (ت687ه): (وقد صدنا عن مباشرة التشريح وازع الشريعة، وما في أخلاقنا من الرحمة، فلذلك رأينا أن نعتمد في تعرف صور الأعضاء الباطنة على كلام من تقدمنا من المباشرين لهذا الأمر)[56].

ولك أن توازن في هذا بينهم وبين ما يشهده العالم في الأزمنة المتأخرة من آلات التخريب والدمار الشامل واستعمالها في المدن العظيمة، حتى يعم الفساد ويطول الأخضر واليابس. وهذا ما تسلم إليه أخلاق ما بعد الحداثة في أظهر تجلياتها. يقول د.عبدالوهاب المسيري (ت1429ه): (قام الإنسان الغربي بعملية الإبادة النازية وغيرها من عمليات الإبادة، لا على الرغم من حضارته الغربية وحداثته، وإنما بسببها)[57].

إنه لا يمكن بحال أن يؤمن الإنسان إيمانًا صادقًا بيوم يبعث فيه الناس ويحاسبون على أعمالهم، ثم لا يكون لذلك الإيمان أثر في حياته الدنيوية، وشتان بين امرئ يظن الموت نهاية كل شيء، وآخر يؤمن بأن الموت هو البداية الفعلية للحياة الخالدة. ولذا فإن الإيمان بالبعث له أثره على من يؤمن به ولو كان من غير أمة الإسلام.

وقد روى الإمام عبدالرزاق (ت211ه) في تفسير سورة الغاشية أن عمر رضي الله عنه مرَّ براهب فوقف، فنودي الراهب فقيل له: هذا أمير المؤمنين، قال: فاطلع فإذا إنسان به من الضر والاجتهاد وترك الدنيا، فلما رآه عمر رضي الله عنه بكى، فقيل له: إنه نصراني! فقال عمر: (قد علمت ولكن رحمته؛ ذكرت قول الله: (عاملة ناصبة * تصلى نارا حامية) [الغاشية:3-4]، فرحمت نصبه واجتهاده وهو في النار)[58]. ويقول ابن حزم (ت456ه): (ثق بالمتدين وإن كان على غير دينك، ولا تثق بالمستخفِّ وإن أظهر أنه على دينك)[59].

إن الشريعة بما فيها من العلم النافع والحث على العمل الصالح لتربي النفوس تربية صادقة، بحيث يستقيم باطن الإنسان كما يستقيم ظاهره، فلا يكون خضوعه شكليًّا لا أثر له في أخلاقه الباطنة. ولذا فقد شدد الفقهاء القول في الحيل ومنعوها، وبينوا للناس وجوب الانقياد لأحكام الله تعالى والخضوع لها، وألا يحتالوا عليها كما يحتال بعضهم على بعض، فإن الله تعالى لا يخادع[60].

قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت728ه): (وقد أنكر جمهور السلف والعلماء وأئمتهم هذه الحيل وأمثالها، ورأوا أن في ذلك إبطال حكمة الشريعة وإبطال حقائق الإيمان المودعة في آيات الله، وجعل ذلك من جنس المخادعة والاستهزاء بآيات الله، حتى قال أيوب السختياني في مثل هؤلاء: (يخادعون الله كأنما يخادعون الصبيان لو أتوا الأمر على وجهه لكان أهون علي)، ثم تسلط الكفار والمنافقون بهذه الأمور على القدح في الرسول ﷺ، وجعلوا ذلك من أعظم ما يحتجون به على من آمن به ونصره وعزره، ومن أعظم ما يصدون به عن سبيل الله، ويمنعون من أراد الإيمان به، ومن أعظم ما يمتنع الواحد منهم به عن الإيمان، كما أخبر من آمن منهم بذلك عن نفسه، وذكر أنه كان يتبين له محاسن الإسلام إلا ما كان من جنس التحليل، فإنه الذي لا يجد فيه ما يشفي الغليل)[61].

 

التقرير الثالث: في أن الشريعة مشتملة على عناصر وأدوات واقعية من شأنها الارتقاء بالناس إلى ارتسام مكارم الأخلاق:

جاءت في الشريعة تدابير كثيرة، من شأنها ألا يكون الأخذ بالأحكام أخذًا ظاهريًّا فحسب، دون أن يكون لها أثر في إصلاح النفوس وتزكيتها، ولا ريب أن الناس يتفاوتون في هذا، ولكن الشأن في تقرير هذا الأصل، ولذلك أمثلة كثيرة منها ما يأتي بيانه:

  1. الكثير من الأحكام الفقهية موكولة إلى ديانة المسلم، ومعاملته لله تعالى على النصيحة. حتى إن الحكم الشرعي لها سواء كان تكليفيًّا أو وضعيًّا ليختلف باختلاف النية. وللفقهاء في ذلك كلام يطول ذكره، ومن راجع الكتب التي تعنى بذكر الأشباه والنظائر ككتاب السيوطي (ت911ه) وغيره، اطلع من ذلك على الشيء الكثير. حتى قال الشافعي (ت204ه) عن النية إنها تدخل في سبعين بابًا من العلم[62]. وسرد السيوطي جملة كبيرة من الأبواب التي يمتد إليها تأثير النية. وإذا تحدثنا عن النية فنحن نتحدث عن أمر خفي في سريرة الإنسان، تبنى عليه أحكام دنيوية، ويوكل فيها إلى صدقه، وحسابه على الله تعالى يوم القيامة[63].

فيعلم من هذا أن الفضائل تكون فضائل على الحقيقة إذا صدرت عن نية صادقة في فعل الخير، أما إذا كانت ابتغاء مصلحة عاجلة فليست بفضيلة على الحقيقة. وقد قال الله تعالى: (وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون) [التوبة:54]. قال مقاتل بن سليمان (ت150ه): غير محتسبين[64].

نعم، قد يجبر المكلف على بعض الواجبات المتعينة عليه ويجزئ عنه ذلك، فتكون تصرفاته كتصرفات المختار، وتترتب عليها آثارها، ولكن هذا الإجبار إنما يكون في الحقوق المتعلقة بالغير كالنفقة والديون والزكاة[65]. ولا ريب أن من فعل هذه الحقوق تديّنًا واحتسابًا لله تعالى فإنها من أعمال البر التي يثاب الإنسان عليها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت728هـ): (ولكن أكثر الناس يفعلون ذلك طبعًا وعادة لا يبتغون به وجه الله تعالى، كما يفعلون في قضاء الديون من أثمان المبيعات والقروض وغير ذلك من المعاوضات والحقوق، وهذه كلها واجبات، فمن فعلها ابتغاء وجه الله كان له عليها من الأجر أعظم من أجر المتصدق نافلة. لكن يتصدق أحدهم بالشيء اليسير على المسكين وابن السبيل ونحو ذلك لوجه الله تعالى، فيجد طعم الإيمان والعبادة لله، ويعطي في هذه ألوفًا فلا يجد في ذلك طعم الإيمان والعبادة، لأنه لم ينفقه ابتغاء وجه الله)[66].

وهذه الأعمال الموكولة في معرفة أحكامها إلى ما في نفس المكلف مما لا يطلع عليه غيره ليست مقتصرة على ما يدخل فيه القضاء، بل إن الكثير من شؤون التعبد وفتاوى المفتين تعود في صحتها وسقوط المطالبة بها على ما يعلمه المكلف من نفسه مما لا يكون لغيره سبيل للإحاطة به.

كتحقيق وقوع المشقة وقدرها في الكثير من مسائل الرخص في العبادات، على نحو ينتقل به المكلف من أعلى درجات الأخذ بالعزيمة والحزم عند انتفاء الداعي، وأعلى درجات التيسير ورفع الحرج عند تحقق وجوده، والمرجع في ذلك ديانة المكلف، ويقينه بصدق الجواب يوم الحساب.

وكالكثير من المسائل المبنية على اليقين والشك وغلبة الظنون واستفتاء القلب وتحقيق المناط الخاص، في مسائل العبادات والبيوع والإجارات والوكالات والحوالات والضمانات واللقطة والنكاح والطلاق والدعاوى وأبواب شتى من المعاملات، مما يحيل فيه المفتي والقاضي كلاهما إلى ما في نفس المكلف.

ولكن هذا يجري على أنحاء شتى، فإنه لا يلزم من سقوط المطالبة بالواجب في القضاء سقوطه في الديانة، ولا يلزم من سقوطه في الديانة سقوطه في القضاء، فإن أمر القضاء يقوم على ما يمتهد بين يدي القاضي من الحجج والبينات لا على ما في نفس الأمر على الدوام. وما سقطت المطالبة به قضاءً مع ثبوته في الديانة فلا تسقط المطالبة به في الآخرة. وقد روى الجماعة من حديث أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله  ﷺ قال: (إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي نحوَ ما أسمع، فمن قضيت له بحقِّ أخيه شيئًا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار)[67].

وهذه السمة التي تتفرد بها شريعة الإسلام اليوم من المزاوجة بين الديانة والقضاء في أفعال المكلفين تصبغ على الأوضاع المدنية هيبة واحترامًا وسلطانًا على النفوس، يغدو به الفقه شريعة مدنية ووازعًا أخلاقيًّا في نفس الوقت، فلا يكون الإنسان بحاجة على الدوام إلى رقابة قانونية مصلتة عليه[68].

يقول الشيخ محمد أبو زهرة (ت1394ه): (إن جعل القوانين مستمدة من الدين من شأنه أن يقلل الفرار من أحكامها؛ لأن الناس يستشعرون الخشية من الله إذ يحاولون الفرار. ويحسون من داخل نفوسهم مراقبة الله إذا ضعفت مراقبة الإنسان. وإن ربط القانون الإسلامي بالدين جعله مرتبطًا كل الارتباط بقانون الأخلاق، وبما تطابقت الجماعات الإنسانية قاطبة على أنه فضائل. فلا تنأى فروع هذا القانون ولا قواعده عن الأخلاق الكريمة. فكانت الشريعة بحقٍّ أول قانون تلتقي فيه الشريعة بالأخلاق، ويكونان صنوين متحدين متلاقيين. ومن قبلها كان ذلك حلمًا للفلاسفة والمصلحين يحلمون به، فإن حاولوا تطبيقه أيقظتهم الحقيقة، وأيأسهم الواقع المستقر)[69].

  1. من مقاصد العقوبات والجزاءات الشرعية استصلاح الناس وتزكية نفوسهم. بل لقد جاء فيها ما يجعل توبة المجرم قبل القدرة عليه مسقطة للحد عنه، كما في قول الله تعالى بعد بيان عقوبة المحاربين: (إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم) [المائدة:34]. قال أبو القاسم الخرقي (ت334ه): (فإن تابوا من قبل أن يُقدر عليهم، سقطت عنهم حدود الله تعالى، وأخذوا بحقوق الآدميين، من الأنفس والجراح والأموال، إلا أن يعفى لهم عنها). قال موفق الدين ابن قدامة (ت620ه) معقِّبًا: (لا نعلم في هذا خلافًا بين أهل العلم)[70].

أما في غير حد الحرابة فهل للتوبة أثر في سقوط الحد؟ في ذلك خلاف مشهور عند أهل العلم، والمذهب عند الحنابلة وغيرهم أن التوبة تسقط الحد فيما هو من حق الله تعالى دون حق الآدميين، إذا كانت قبل ثبوته عند الحاكم، أما بعده فلا يسقط. قال الشيخ منصور البهوتي (ت1051ه): (ومن وجب عليه حد سرقة، أو حد زنا، أو حد شرب، فتاب منه قبل ثبوته عند حاكم، سقط عنه بمجرد توبته قبل إصلاح عمل؛ لقوله تعالى: (واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما) [النساء:16]، وقوله بعد ذكر حد السارق: (فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه) [المائدة:39]، وقوله ﷺ: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له)[71]، ولإعراضه ﷺ عن المقرِّ بالزنا حتى أقرَّ أربعًا. فإن ثبت عند الحاكم لم يسقط بالتوبة؛ لحديث: (تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني من حد فقد وجب)[72]. رواه أبو داود والنسائي)[73].

أما العقوبات التعزيرية فباب واسع في استصلاح الناس، والقضاة يتفاوتون في صحة النظر وجودة الفقه وحسن السياسة، ولكن من تتبع أحكام القضاة المنقولة رأى جملة كبيرة من العقوبات الاستصلاحية التي يمكن نمذجتها وتعميمها والاستفادة من حسن آثارها. ومن ذلك ما حكاه يحيى بن عمر (ت289ه) في (أحكام السوق) أنه كانت امرأة بالقيروان تجمع بين الرجال والنساء، فأمر بها سحنون (ت240ه) وكان قاضي البلدة، فنُحِّيت من دارها، وطُيِّن باب دارها بالطين والطوب، وأمر أن تُجعل بين قوم صالحين. فنُقلت إلى ذلك الموضع[74]. وهذا تدبير حسن شريف، فيه نظر بعين الرحمة والرأفة ومنفعة الخاص والعام.

فمن تأمل في هذا وغيره علم أن من مقاصد العقوبة في الشريعة تهذيب النفس البشرية واستصلاحها وعلاجها وتربيتها، لتكف عما أقدمت عليه من السوء وتصير إلى حال من الصلاح والاستقامة. بل إن بعض العقوبات الشرعية جاء أمر المكلف بها، مع نصب الرقيب عليه من نفسه لتنفيذها، كما في خصال الكفارات التي شرعت عقوبة على بعض المخالفات المعلومة، كالحنث في اليمين، والقتل الخطأ، والجماع في نهار رمضان، والظهار، وغير ذلك. أما خصال الكفارة نفسها فتختلف باختلاف العمل، ومنها ما هو على الترتيب وما هو على التخيير، وهي في الجملة إما إعتاقٌ أو إطعام مساكين أو كسوتهم أو صيام. وهذه الكفارات مع تحقيق وقوع المخالفة أصلاً في الكثير من الأحوال، مما لا يختص به ولا بتنفيذه حاكم ولا غيره، بل المسؤول عنه نفس المكلف، وهي صورة من صور محاسبة النفس ومراقبة الله تعالى[75].

  1. الأمر والنهي في الشريعة لا يقتصر على جانب الإلزام وحده. وذلك أن الأحكام التكليفية التي تدور عليها الأعمال خمسة، وهي الوجوب والاستحباب والإباحة والكراهة والتحريم.

فالواجب والمستحب كلاهما مطلوب، ولكن الواجب حتم ملزم، والمستحب غير حتم ولا ملزم. ومع ذلك فكلاهما مما يحب الله تعالى فعله ويجزي عليه الجزاء الأوفى، ويسبغ على فاعليه ما يرتقي بهم إلى درجة محبة الله تعالى لهم. وجاءت في الشريعة فضائل وأجور كثيرة تبين ما لنوافل الطاعات والقربات والإحسان والتفضل من الأجر الكبير والثواب الجزيل. وقد روى البخاري وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (إن الله قال: من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه)[76].

ومن شأن هذه المستحبات فيما يجري بين الناس من المعاملات أن ترتقي بنفس المسلم عن صرامة الحقوق التي قد تورث الجفوة إلى فضاء فسيح من مكارم الأخلاق التي تعود بالناس إلى رحاب المحبة والتكرم. ولئن كانت هذه المستحبات غير لازمة في الشرع؛ لأن فيه إيجابًا لما هو غير واجب من جهة فصل الحقوق، غير أن مكارم الأخلاق تدعو إليها.

إن الكمالات غير مقدور عليها لكل أحد، ولكن القادرين على التمام من ذوي النفوس التواقة لا تسكن قلوبهم محبة الله تعالى، ويعلمون مواقع رضاه من الأقوال والأعمال ثم تراهم غير عابئين بها. وهؤلاء المسلمون على مر التاريخ لا تزال ترى منهم العباد والنساك والزهاد والمخبتين والمنفقين وأهل الورع والديانة والساعين بين الناس بالمعروف والباذلين السلام للعالم. ولهؤلاء فضل على من دونهم، وهم أسوة لهم يذكّرونهم على الدوام بأن أبواب الخير مشرعة ميسورة، وأن الفضيلة أن تأتي البر وأنت طائع مختار غير مجبر، ويملؤون فضاءات رحبة من الفضيلة الاختيارية، لا يلزمهم بها قانون، ولا يحاسبهم على تركها حاكم. وهذه الفضاءات ليس لها مقياس عقلي وموضوعي يمكن أن يصنع له العقل نظرية إلزامية، بل هي مما يتفاوت فيه أهل الفضل وتتنوع فيه مشاربهم ومواردهم[77].

وكذلك الحرام والمكروه كلاهما منهي عنه، ولكن النهي عن الحرام حتم ملزم، وترك المكروه غير حتم ولا ملزم، ولكن كليهما مما لا يحبه الله تعالى، ويثيب عباده على تركهما واجتنابهما. والمقربون من عباد الله إليه هم الذين يتقربون إليه بالنوافل بعد الفرائض، ويكفون عن المحرمات، ثم يعتصمون بالورع عن المكروهات[78]. وأنت أيضًا متى تأملت أحوال المسلمين رأيت من مشاهد الورع ما لا يدخل تحت سلطة القانون ولا تدركه رقابته. ومتى تصفحت فتاوى المفتين رأيت فتاوى كثيرة يسأل أصحابها عن كيفية التخلص من المال الحرام في المعاملات المختلطة، بل في المعاملات التي تشتبه أحكامها عليهم.

ومما يذكر في هذا المقام ما لا تحصى أمثلته في بلاد المسلمين من المشروعات والأوقاف التي تقوم في جوهرها على أخلاق التورع ومباعدة مواطن الشبهات، ومن كان له معرفة بأنواع الأوقاف الإسلامية أدرك طرفًا من هذا. ومن ذلك مثلاً ما حكاه أهل التاريخ عن وقف في مدينتي المنستير وسوسة في البلاد التونسية يقال له (حبس القُلَّة)، والقلة وحدة لكيل الزيت، وهو وقف لزيت الزيتون الذي يتشكل من القطرات التي يتورع الناس عنها ويتركونها تعفُّفًا وتحرُّجًا من أن تكون لغيرهم[79].

  1. جاءت الشريعة بتدابير شتى فيها شدٌّ لأواصر التراحم والتحابِّ بين المسلمين. ولا ريب أن المجتمعات التي يسود فيها التراحم هي أقرب إلى الفضائل من المجتمعات التي تشيع فيها الأثرة والتقاطع. وهذه التدابير لا تفضي إلى التراحم والتحابِّ اتفاقًا من غير قصد الشارع إليها، بل نبَّه الشارع إلى أنها من مراداته، كما في قول النبي ﷺ: (لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم) رواه مسلم وغيره[80]. والمحبة من أحوال القلوب، ولكن الشارع دلَّنا على ما يغرس المحبة فيها، ونبَّه باليسير على الكثير. قال الوزير ابن هبيرة (ت560ه): (أرشد إلى ما يغرس الحب، وهو إفشاء السلام، وذلك لأنه ﷺ نبه بأيسر ما يأتي به العبد منها بذلك على ما فوقه)[81].

ومن التدابير التي تغرس في نفوس المسلمين المحبة والتناصر والتراحم والتوادّ ما هو معلوم ومشاهد في تعبداتهم الظاهرة من الاجتماع عليها، كما في اجتماعهم في الصلوات المكتوبة وفي الجمع والأعياد على قبلة واحدة، واصطفافهم لها وتقاربهم ولين بعضهم بأيدي بعض حتى تستوي الصفوف. وقد كان النبي ﷺ متعهّدًا لهذا الأمر متفقّدًا له، وقد روى مسلم وغيره عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: كان رسول الله ﷺ يسوّي صفوفنا حتى كأنما يسوي بها القِدَاح، حتى رأى أنا قد عقلنا عنه، ثم خرج يومًا فقام حتى كاد يكبر، فرأى رجلاً باديًا صدره من الصف، فقال: (عباد الله لتسوُّن صفوفكم، أو ليخالِفَنَّ الله بين وجوهكم)[82]. قال النووي (ت676ه): (معناه: يوقع بينكم العداوة والبغضاء واختلاف القلوب. كما يقال: تغير وجه فلان عليَّ، أي: ظهر لي من وجهه كراهة لي وتغير قلبه عليَّ؛ لأن مخالفتهم في الصفوف مخالفة في ظواهرهم، واختلاف الظواهر سبب لاختلاف البواطن)[83]. قال ابن رجب (ت795ه): (وقد روي أن تسوية الصفوف وإقامتها توجب تآلف القلوب)[84]. وروى أبو داود عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: كان رسول الله ﷺ يتخلل الصف من ناحية إلى ناحية، يمسح صدورنا ومناكبنا ويقول: (لا تختلفوا فتختلف قلوبكم)[85]. وعند أبي داود أيضًا أن رسول الله ﷺ قال: (أقيموا الصفوف، وحاذوا بين المناكب، وسدوا الخلل، ولينوا بأيدي إخوانكم)[86]. وعنده أيضًا من حديث ابن عباس رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: (خياركم ألينكم مناكب في الصلاة)[87]. قال أبو عيسى الترمذي (ت279ه): (وروي عن عمر أنه كان يوكّل رجلاً بإقامة الصفوف، ولا يكبر حتى يخبر أن الصفوف قد استوت. وروي عن علي وعثمان أنهما كانا يتعاهدان ذلك، ويقولان: استووا. وكان علي يقول: تقدم يا فلان، تأخر يا فلان)[88]. واجتماع الناس بما يعقد أسباب المحبة بينهم باب من أبواب التراحم المشرعة، فبها يتعارفون ويتعاطفون ويتناصرون ويشد بعضهم من أزر بعض، حتى إن الجماعة لو لم تكن دينًا يرجى ثوابه لكانت تدبيرًا فيه غاية النفع والصلاح[89].

ومن ذلك أنهم يجتمعون خلف إمام واحد يأتمون به. وهذا الإمام لا يقدمه حسبه ونسبه ولا جاهه وماله، وإنما يقدمه القرآن، فأحق الناس بالإمامة أقرؤهم لكتاب الله تعالى. وفي هذا التدبير ما فيه من استعمال التواضع وخفض الجناح للمؤمنين، وأن يقدموا من قدمه الله تعالى. وقد روى مسلم أن نافع بن عبدالحارث لقي عمر رضي الله عنه بعُسفان، وكان عمر يستعمله على مكة، فقال: من استعملت على أهل الوادي؟ فقال: ابن أبزى. قال: ومن ابن أبزى؟ قال: مولى من موالينا. قال: فاستخلفت عليهم مولى؟ قال: إنه قارئ لكتاب الله ﷻ، وإنه عالم بالفرائض. قال عمر رضي الله عنه: أما إن نبيكم ﷺ قد قال: (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا، ويضع به آخرين)[90].

ومن ذلك أيضًا اجتماعهم في صيام شهر رمضان، وما يجري فيه في أمصار المسلمين من صنوف البر والإحسان وائتلاف القلوب على الخير. واجتماعهم في مناسك الحج والعمرة في لباس واحد ودعوة واحدة ونداء واحد[91]. إلى تدابير أخرى كثيرة لا تحصر أصنافها ولا أفرادها، يظهر فيها لمن تأملها كيف أن الشارع لم يجعل من الأمر بالتحابِّ دعوة مثالية لم يضع لها تشريعات وخطوات ينبعث الناس منها إليها بدواعٍ من تلقاء أنفسهم.

  1. من الأوصاف الشرعية المعتبرة وصف العدالة، وهو وصف تتعلق به جملة من الأحكام الظاهرة في الولايات والوصايا والشهادات وغيرها، وهو وصف مركَّب من خصال ظاهرة وأخرى باطنة. وذلك أن الشريعة أناطت جملة من الأحكام بوصف العدالة، والغرض من اشتراط العدالة فيها أن من توفرت فيه خصال العدالة فهو من الأتقياء الذين يغلب على الظن صدقهم وأمانتهم وأن مثلهم لا يتعمد الكذب؛ لأن خوفه من الله تعالى يزعه عن ذلك، كما كان يزعه عن شهوات نفسه وملذاتها.

قال أبو عبدالله محمد بن عبدالرحمن البخاري (ت546ه): (الصدق زين وجمال كل مخبر، لكن لا اطلاع للعباد على الصدق المحض في الشهادة؛ إذ هو غيب عنا، فلا يمكن بناء الأحكام عليه، فبنيت الأحكام على دليل الصدق وهو العدالة؛ فإن العدل ينزجر عن عامة محظورات دينه، فالظاهر أنه ينزجر عن هذا ولا يقدم على الكذب)[92]. وقال العز بن عبدالسلام (ت660ه): (الغرض من شرط العدالة حصول الثقة بصدق العدل في الشهادات، واجتناب الخيانة في الولايات)[93].

وللفقهاء في شرح معنى العدالة كلام يطول[94]. ومن الإشارات المستحسنة فيها قول قاضي الأندلس المنذر بن سعيد (ت355ه): (اعلم أن العدالة من أشد الأشياء تفاوتًا وتباينًا … والأصل في هذا عندي والله الموفق للصواب أن من كان الخير أغلب عليه من الشر، وكان متنزهًا عن الكبائر، فواجب أن تُعمل شهادته؛ فإن الله تعالى قد أخبرنا بنص الكتاب أن: (من ثقلت موازينه * فهو في عيشة راضية) [القارعة:6-7])[95].

والمراد بيانه هنا أن شعب الإيمان شتى، ومنها الظاهر والباطن، ولا يحكم على الإنسان بالعدالة والصلاح والاستقامة بأحدهما دون الآخر. فإن الإنسان ربما صلح ظاهره مع فساد في باطنه، إما عن سوء قصد وابتغاء غرض من أغراض الدنيا، أو عن سوء فهم لحقائق الإيمان ومعانيه. ولم يزل أهل العلم يحذّرون من أن يغتر الإنسان نفسُه بصلاح ظاهره، أو أن يغتر غيره به.

قال عمر الفاروق رضي الله عنه: (لا تغرنكم صلاة امرئ ولا صومه، ولكن انظروا من إذا حدث صدق، وإذا اؤتمن أدى، وإذا أشفى ورع)[96].

وقال ابن سيرين (ت110ه): (كان يقال: المسلم المسلم عند الدرهم)[97].

وقال سفيان الثوري (ت161ه): (انظر درهمك من أين هو، وصلِّ في الصف الأخير)[98].

وقال الفضيل بن عياض (ت187ه): (دانِقٌ حلالٌ أفضل من عبادة سبعين سنة)[99].

ونظر حذيفة المرعشي (ت207ه) إلى الناس يتبادرون إلى الصف الأول، فقال: (ينبغي أن يتبادروا إلى أكل خبز الحلال، ولا يتبادروا إلى الصف الأول)[100].

وهكذا كان في المسلمين رجال أتقياء لديهم حسٌّ عالٍ، فكانوا كالذين أقامهم الله للناس ليقوموا في مشاهد الصدق في معاملاتهم ولا يخادعوا أنفسهم بتقوى زائفة، وأعمال يتنفلون بها من حيث ضيَّعوا الفرائض الواجبة عليهم. ولذا قال الفقهاء إن تضييع الأصل مخل بالفرع، وإن النوافل إنما تعتبر بعد تقديم الفرائض؛ لئلا يغتر مغرور بما جاء في نصوص كثيرة من ذكر مكفرات الذنوب، فيظن ظانٌّ أن ذلك مما يسقط عنه العظائم من تفويت حقوق الله تعالى وحقوق الناس. وقد جاء في الحديث القدسي: (وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه)[101]. قال الوزير ابن هبيرة (ت560ه): (إنما تسمى النافلة نافلة إذا قُضيت الفريضة، وإلا فلا يتناولها اسم نافلة)[102].

ومن ثمَّ فلا يضيِّع إنسان ما افترضه الله تعالى عليه من الفرائض، ويجترئ على المحارم، ثم يحسب أنه بالإكثار من النوافل بلغ مرتبة المحسنين المتقين. بل يعلم أن خير ما تقرب به إلى الله تعالى امتثال فرائضه واجتناب محارمه.

وكان التابعي الجليل بلال بن سعد الذي قال فيه عبدالله بن المبارك إن محله بالشام ومصر، كمحل الحسن بالبصرة- كثير التنبيه على هذا المعنى[103]. فمن ذلك قوله رحمه الله تعالى: (الذكر ذكران: ذكرٌ باللسان حسن جميل، وذكر الله عند ما أحل وحرم أفضل). وقال: (ذكرُك حسناتِك ونسيانُك سيئاتِك غِرَّة). وقال الإمام الأوزاعي (ت157ه): سمعت بلال بن سعد يقول: (إن أحدكم إذا لم تنهه صلاته عن ظلمه لم تزده صلاته عند الله إلا مقتًا)، وكان يتأول هذه الآية: (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) [العنكبوت:45]. وقال الأوزاعي أيضًا: سمعت بلال بن سعد يقول: (لا تكن وليًّا لله في العلانية وعدوه في السر)[104]. وقال: (إن العبد ليعمل الفريضة الواحدة من فرائض الله ﷻ وقد أضاع ما سواها، فما زال يمنّيه الشيطان فيها ويزين له، حتى ما يرى شيئًا دون الجنة)[105].

وليس من مقاصد هذا التقرير أن العدالة التي يشترطها الفقهاء في الأحكام العملية كالشهادات ونحوها ما كان بهذه المثابة من الكمالات[106]، ولكن الشأن أن يعلم أمران: الأول أن العدالة شرط في جملة من الأحكام العملية، ولهذا الاشتراط أثره في أعمال المسلمين وأخلاقهم. والثاني أن هذه العدالة يتصل فيها ظاهر الإنسان بباطنه، فلا تكفي فيه العدالة الظاهرة والستر في الجملة([107]). وبهذا يعلم المرء المسلم أن تصحيح الظواهر والاستكثار من النوافل لا يغني عنه شيئًا إن كان مضيِّعًا للفرائض.

قال حمدون القصار (ت271ه): (من ضيَّع عهود الله عنده فهو لآداب شريعته أضيع؛ لأن الله تعالى يقول: (وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا) [الإسراء:34])[108]. وقال أبو حامد الغزالي (ت505ه): (من توجه عليه رد وديعة في الحال، فقام وتحرَّم بالصلاة التي هي أقرب القربات إلى الله تعالى عصى ربه بذلك، فلا يكفي في كون الشخص مطيعًا كون فعله من جنس الطاعات ما لم يراعِ فيه الوقت والشرط والترتيب)[109].

  1. من العلم ما هو فرض على الأعيان كمعرفة أحكام التعبدات الواجبة، ومنه ما هو فرض على الكفايات كالعلم بأحكام سائر شرائع الدين التي فيها حفظ الملة وصيانة الديانة وبقاء الشريعة. وذلك أن العلماء قالوا إنه يفترض على المسلم أن يتعلم أحكام ما هو واجب عليه في أية حال كان. فعليه بعد معرفة ما يصح به عقد إيمانه أن يتعلم أحكام ما وجب عليه من الفرائض، كالطهارة والصلاة، والصيام إذا وجب عليه الصيام، والزكاة إن كان له مال فيه زكاة، والحج إن وجب عليه، وكذا معرفة أحكام النكاح وعشرة النساء إن أقدم عليه، وأحكام البيوع إن كان يتَّجر. وهكذا فكل ما كان واجبًا عليه أن يفعله، وما كان واجبًا عليه أن يجتنبه، فعليه معرفة أحكامه لئلا يضيّع حقًّا أو يرتكب محرَّمًا[110].

سئل عبدالله بن المبارك (ت181ه): ما الذي لا يسع المؤمن من تعليم العلم إلا أن يطلبه؟ وما الذي يجب عليه أن يتعلمه؟ فقال: (لا يسعه أن يقدم على شيء إلا بعلم، ولا يسعه حتى يسأل)[111].

وفي سنن الترمذي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: (لا يبع في سوقنا إلا من قد تفقه في الدين)[112]. قال أبو بكر الآجري (ت360ه): (وصدق عمر رضي الله عنه. إذا كان الإنسان لم يتقدم في طلب العلم لما يحل من البيع ويحرم منه، ولا الصحيح منه ولا الفاسد، أكل الربا وأكل الباطل)[113]. وقال الضحاك (ت102ه): (ما من تاجر ليس بفقيه إلا أكل من الربا شيئًا)[114]. وفي المدونة عن مالك (ت179ه): (لا أحب للرجل أن يقارض رجلاً إلا رجلاً يعرف الحلال والحرام، وإن كان رجلاً مسلمًا، فلا أحب له أن يقارض من يستحل شيئًا من الحرام في البيع والشراء)[115]. وقال أبو الليث السمرقندي (ت373ه): (لا يحل للرجل أن يشتغل بالبيع والشراء مالم يحفظ كتاب البيوع)[116].

وحكى ابن الحاج (ت737ه) عن شيخه أبي محمد ابن أبي جمرة (ت699ه) أنه (أدرك بالمغرب المحتسب يمشي على الأسواق، ويقف على كل دكان، فيسأل صاحب الدكان عن الأحكام التي تلزمه في سِلَعِه، ومن أين يدخل عليه الربا فيها، وكيف يتحرز عنها، فإن أجابه أبقاه في الدكان، وإن جهل شيئًا من ذلك أقامه من الدكان، ويقول: لا نمكنك أنك تقعد بسوق المسلمين؛ تطعم الناس الربا أو ما لا يجوز)[117].

وفي هذا التدبير وقاية وتنبيه لمن همَّ بالعمل من الأعمال قبل وقوعه في المخالفة، فإن معالجة النفوس والأعمال قبل وقوع المخالفة أسهل وأخف. كما أن فيها تذكيرًا بجانب الديانة الذي يغفل عنه الناس عند معافسة الأموال ومكابدة شؤون الحياة[118].

ومن ثم كان الفقهاء يكثرون الوصية للتجار بالقرب من أهل العلم والفقه؛ ليكونوا في أمر تجارتهم على بصيرة. قال قوام السنة الأصبهاني (ت535ه): (قالوا: وليجعل بكوره إلى العالم قبل غدوه إلى السوق، فيسأله عن وجوه المعاملة)[119]. وقال ابن البزاز الكردري الحنفي (ت827ه): (على كل تاجر يحتاط لدينه أن يستصحب فقيهًا ديّنًا يشاوره في معاملاته)[120]. وقال ابن نجيم (970ه): (كان التجار في القديم إذا سافروا استصحبوا معهم فقيهًا يرجعون إليه. وعن أئمة خوارزم أنه لا بد للتاجر من فقيه صديق)[121].

ومن أجل ذلك فقد نبَّه بعض أهل العلم أن الذين كانوا يشتغلون بصرف الدنانير والدراهم في أسواق المسلمين هم أهل الثقة من أهل الإسلام، وأنه متى تولى هذا الشأن غيرهم فشا الغش والربا. قال أبو الحسن علي بن يوسف الحكيم المديوني (ت759ه): (عُلم بالنقل والاستقراء من كتب الفقه والتواريخ أنه كان في الزمن القديم لا يشتغل بصرف الدنانير والدراهم إلا من وثق به من أهل الإسلام، ولا يدخل في ذلك الأعاجم ولا أهل الذمة من اليهود وغيرهم، ممن يتهم في كسبه، أو كان جاهلاً بسببه)[122].

 

التقرير الرابع: في أن أثر التقوى ظاهر في سيرة الفقهاء وفي اجتهاداتهم في الأصول والفروع:

وذلك أنه من الممتنع أن تأمرنا الشريعة بتقوى الله تعالى والاستعداد للآخرة والتزود لها، ثم لا يكون لذلك أثر في اجتهاد المجتهدين وفتاوى المفتين. وليس المراد هنا بيان مقامات الزهد والورع والترفع عن الدنيا، بل بيان أن الشريعة قاصدة إلى غرس التقوى في نفوس أهلها، وهذا جليٌّ في عملية الاجتهاد نفسها، كما هو جليٌّ في آثار الاجتهاد في الأحكام والفتاوى والنوازل والأقضية. ولا يمكن بطبيعة الحال أن يتواتر الأمر في الشريعة بمكارم الأخلاق ومحاسنها والحضِّ عليها والإعلاء من شأنها، ثم لا نجد أثرًا لذلك في مصادر الاستدلال ومناهجه، ولا في الأحكام الفرعية المبنية عليها والمستنبطة منها.

ومتى نظرنا إلى الفقهاء الذين بقيت آثارهم وآراؤهم، وحفظت الأمة اتفاقهم وخلافهم، رأينا في سيرهم وتراجمهم وأخبارهم ما نعلم به أن هؤلاء الفقهاء في الجملة كانوا من سادات الأتقياء، وكانوا على جانب محفوظ من التقوى والزهد والتورع والتعبد، لا سيما فقهاء الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار الذين حفظت مذاهبهم. ومن استقرأ أخبار الأئمة الأربعة المتبوعين مثلاً وقع في قلبه يقين بأنهم من كبار الأولياء الذين أكرمهم الله فصيَّرهم من أئمة الخير والهدى، وأنهم إنما بلغوا هذه المنزلة من الإمامة في الدين بعد الرسوخ في العلم بما في قلوبهم من اليقين والتقوى؛ فإن تقوى العالم وعمله بعلمه مما يحفظ الله به علمه ويبارك له فيه. أما من لا يعمل بعلمه فهذا قد جاء التحذير منه في الشرع، وتواصى العلماء بالتحامي عنه وعدم قبول فتواه ولا مضائها[123]. وقد عُلم أن من أكبر أسباب تحريف الأديان السابقة فساد علمائهم وأحبارهم؛ لأن العالم الفاسد من أكبر ما يصد الناس عن سبيل التقوى والهدى والعمل الصالح. والله تعالى يقول: (يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله) [التوبة:34].

إن التسلط على الناس ونهب أموالهم وادعاء السلطان الروحي عليهم ومحاكمة ضمائرهم من أعظم ما أفسد أديان الناس في أوروبا الحديثة والقديمة. يقول جون لوك (ت1704م): (فكل إنسان يحمل شعار المسيح ينبغي عليه أولاً وقبل كل شيء أن يشن حربًا على شهواته ورذائله … فمن الصعب على إنسان لا يكترث بخلاصه الروحي أن يقنعني باهتمامه البالغ بخلاصي)[124].

ويصوِّر ول ديورانت (ت1981م) وضع رجال الدين وأثرهم في أوروبا العصور الوسطى فيقول: (واجتمعت عوامل كثيرة لتجعل الطبقات الوسطى والعليا في أواخر القرن الخامس عشر وأوائل القرن السادس عشر أكثر الشعوب الأوربية تشككًا، نذكر منها إخفاق الحروب الصليبية، انتشار الأفكار الإسلامية في العالم الغربي بتأثير الحروب الصليبية، والتجارة، والفلسفة العربية، وانتقال البابوية إلى أفنيون، وانقسامها السخيف على نفسها في عهد الانشقاق الكبير، وتكشف عالم وثني يوناني روماني مليء بالحكماء والفن العظيم، رغم خلوه من الكتاب المقدس ومن الكنيسة، وانتشار التعليم وتحرره المتزايد من السيطرة الكهنوتية، وفساد أخلاق رجال الدين ومنهم البابوات أنفسهم، وانهماكهم في شؤون الدنيا، مما يوحي بعدم إيمانهم بما يجهرون به من عقائد، واستخدامهم فكرة المطهر لجمع المال لأغراضهم الخاصة، ومعارضة طبقات التجار وأصحاب المال الناشئة لسيطرة رجال الكنيسة، وتحول الكنيسة من منظمة دينية إلى سلطة دنيوية سياسية. هذه العوامل كلها وكثير غيرها هي التي أدت إلى النتيجة السالفة الذكر)[125]. ويقول: (ولم يكن هذا التعدد في المناصب أخطر التهم التي وجهت للكنيسة، بل كان أخطر منه ما اتهم به رجال الدين من فساد في الأخلاق. وها هو ذا واحد منهم هو أسقف تورشيلو يقول: إن أخلاق رجال الدين فاسدة يشمئز منها العلمانيون)[126]. ثم ينقل عن مؤرخ كاثوليكي قوله: (لا غرابة وتلك حال أعلى طبقات رجال الدين أن تنتشر الرذيلة وينتشر الشذوذ باختلاف أنواعه بين طوائف الرهبان المنتظمة، وبين القساوسة من غير الرهبان، وأن يزداد هذا الانتشار يومًا بعد يوم. قصارى القول إن الفضيلة قد فقدت معناها على وجه الأرض. ولكن من الخطأ أن نظن أن فساد رجال الدين كان أسوأ في رومة منه في غيرها من المدن؛ ذلك أن لدينا أدلة تثبتها الوثائق على فساد أخلاق القساوسة في كل بلد تقريبًا من بلدان شبه الجزيرة الإيطالية)[127].

إن شريعة الإسلام تعنى عناية بالغة بإصلاح المسلم لنفسه قبل أن يتجه إلى غيره (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون) [البقرة:44]. بل إن القرآن المكي في جملته كان في تزكية النفوس وإصلاحها، والتأكيد على جهاد النفس في ذات الله وابتغاء مرضاته. بل إن تجاوز الإنسان ذلك إلى محاولة إصلاح الناس وأحوالهم العامة قبل إصلاح نفسه لدليل على الضعف والتهرب. والكثير من محاولات استعمال العنف والسلطة الموجهة للآخرين قبل استصلاح النفس وتهذيبها هي من وجوه ذلك، فإن (تربية الناس مشقة، ولكن أشق منها تربية الذات)[128]. وقد بيَّن غير واحد من أئمة العلم أنهم كانوا يتعلمون العلم أولاً لأجل إصلاح أنفسهم، لا لأجل التصدر للناس وابتغاء العلو عليهم. فقال عبدالله بن يزيد بن هرمز (ت148ه): (ما تعلمت العلم يوم تعلمته إلا لنفسي)[129]. وقال ابن وهب (ت197ه): سمعت مالكًا يقول: (ما تعلمت العلم إلا لنفسي، وما تعلمت ليحتاج الناس إلي، وكذلك كان الناس)[130].

وما زالت تتوالى النصيحة بذلك من أهل العلم، وأن يتعلم الإنسان العلم لا لينال به لعاعة من الدنيا، بل يحتسب بذلك الثواب العظيم من الله تعالى؛ أنْ رَفَعَ الجهلَ عن نفسه بما تصح به عباداته ومعاملاته أولاً، ثم بما يجري على يديه من الخير والنفع للناس. قال ابن شيخ الحزَّاميين (ت711هـ): (وعليك بطلب الفقه ومعرفة الأحكام احتسابًا لله تعالى، لا تنوي به أن تكون قاضيًا ولا مدرِّسًا ولا صاحب جامكية)[131].

ولهذا فقد كان من دأب المسلمين في تلقي علم الشريعة أن يتلقوه عن أهله الراسخين فيه؛ ليتلقوا منهم العلم والأدب، ويقتدوا بهم في أخلاقهم وخشيتهم، ولئلا يكون التعليم مبتوت الصلة عن تعاهد الأستاذ لتلميذه بآداب الشريعة وأخلاق أهل العلم. قال أبو القاسم البرزلي (ت841ه): (علم الشرائع لا يدرك إلا بالتعليم الحسن)[132].

والله تعالى علم نبيه ﷺ ما لم يكن يعلم، وأنزل عليه القرآن والحكمة، ثم أمره بأن يقتدي بأئمة الهدى من الأنبياء من قبله، كما قال تعالى: (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده) [الأنعام:90]، وأوحى إليه من قصصهم وأخبارهم ما ثبَّت به فؤاده، كما قال تعالى: (وكلاً نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك) [هود:120]. ولو كان أحد مستغنيًا عن القدوة بما حسن الله من أخلاقه وجمل من آدابه، لاستغنى عنها رسول الله ﷺ، ولكن هذا سبيل التقوى والهداية والانتفاع بما يتعلمه المرء من العلوم. قال ابن الجوزي (ت597هـ): (رأيت الاشتغال بالفقه وسماع الحديث لا يكاد يكفي في صلاح القلب، إلا أن يمزج بالرقائق، والنظر في سير السلف الصالحين … وقد كان جماعة من السلف يقصدون العبد الصالح للنظر إلى سمته وهديه لا لاقتباس علمه، وذلك أن ثمرة علمه هديُه وسمتُه. فافهم هذا، وامزج طلب الفقه والحديث بمطالعة سير السلف والزهاد في الدنيا؛ ليكون سببًا لرقة قلبك)[133].

ومع ما سبق تمهيده فليعلم أن مصنفات الفقه الإسلامية في الأصول والفروع، مع أنها في أصل وضعها -في غير التعبدات- مرصودة لبيان الحقوق التي يكون بها الفصل في الأقضية، فلا يعني هذا أنك واجد فيها ما تجده في مدونات التقنين الوضعية من الجفاف والتجريد المحض، بل إنك متى أجلت الطرف وسرحت النظر رأيت كتبًا وفصولاً وأبوابًا يتضوع منها أرَج التقوى وطيبها. فتقرأ في مباحث أصول الفقه عن المندوب والمكروه والاحتياط ومراعاة الخلاف واتقاء المشتبهات وعدالة الرواة والمفتين وغير ذلك. وتقرأ في كتب الأشباه والنظائر أنه إذا اجتمع الحلال والحرام غُلِّب الحرام، وأن الإيثار في القرب مكروه وفي غيرها محبوب، وأن الخروج من الخلاف مستحب، وأن الرخص لا تناط بالشك ولا بالمعاصي، وأن الميسور لا يسقط بالمعسور[134]. وتقرأ في كتب الفروع عن السماحة والفضل والتورع والإحسان، وترى التعليل بأعمال القلوب ومكارم الأخلاق مما يدور في استدلالات الفقهاء. بل إنك لتجد من رهافة الحس ولطافة التأمل في طائفة من الاستدلالات والتعليلات ما يطول عجبك من كيفية تطرق مثله إلى ذهن الفقيه، إلا أن يكون ممن عمر الله قلبه بالتقوى. ولك أن تتأمل مثلاً في كلام الفقهاء عن مناسبة قول (غفرانك) بعد الخروج من الخلاء، حيث قال بعضهم: يسأل المغفرة من تركه ذكر الله في تلك الحالة. وبغض النظر عن معالجة هذا القول والاعتراضات والنقاشات حوله، إلا أن طروء مثله فيه إلماحة إلى مدى تعلق قلوب هؤلاء بالله تعالى، حتى ليستشعرون التقصير عند الغفلة عن ذكره في موضع يُكره ذكر الله تعالى فيه باللسان[135].

بل إن وقوف المرء عند حدود الله تعالى وما افترضه عليه من الواجبات، والتزام ذلك ليله ونهاره رأس التقوى وأساسها. قال سعيد بن المسيب (ت94ه): (من حافظ على الصلوات الخمس في جماعة فقد ملأ البر والبحر عبادة)[136]. ولما قيل لمحمد بن الحسن (ت189ه): ألا تصنف كتابًا فى الزهد؟ قال: (حسبكم كتاب البيوع)[137]. وقال شيخ الشام أبو عبدالله ابن الجلَّاء (ت306ه): (من حافظ على الفرائض في أول مواقيتها فهو عابد)[138].

 

التقرير الخامس: في أن لمكارم الأخلاق أثرًا ظاهرًا في الفروع العملية:

والغرض في هذا التقرير ذكر طائفة من كلام الفقهاء في سياقات مختلفة عن مكارم الأخلاق والتعليل بها، وبيان أحوال الاستدلال بها ومراتبه، وكل ذلك يجري على سبيل ذكر المثال لا الاستقصاء؛ فإن الاستقصاء في ذلك شيء يطول جدًّا، كما أنه ليس من الغرض تحرير هذه المسائل وبيان أثر التعليل بمكارم الأخلاق فيها، بل المقصود أن يعلم أن دخول هذه المادة في مصنفات الفقه له أثره في الأحكام ذاتها، وليس مجرد مثاليات لا تحقيق لها في الوجود. وفيما يأتي ذكره من كلام السادة الفقهاء مثال على ما ذُكر:

  1. قال الإمام مالك (ت179ه) في المخالعة: (يجوز له أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها إذا أحبت فراقه، وليس من مكارم الأخلاق أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها)[139].
  2. قال الإمام الشافعي (ت204هـ): (السلف حال، والوديعة حالة، فلو أن رجلاً أسلف رجلاً ألف درهم إلى سنة، كانت حالَّةً له متى شاء أن يأخذ السلف؛ لأن السلف عارية لم يأخذ بها المسلف عوضًا؛ فلا يكون له أخذها قبل ما شرط المسلف فيها، وهكذا الوديعة وجميع العارية من المتاع وغيره، فلصاحبه أخذه متى شاء، وسواء غرَّ المعار أو المسلف من شيء أو لم يغرَّه، إلا أن الذي يحسن في هذا مكارمُ الأخلاق وأن يفي له، فأما الحكم فيأخذها متى شاء)[140].
  3. ذكر أبو الحسن اللخمي (ت478ه) أن البيوع المنهي عنها في السنة على ثلاثة أوجه، ثم ذكر أن الوجه الثالث منها ما كان حضًّا وتنبيهًا على مكارم الأخلاق وما يرفع الشحناء، ثم ذكر من أمثلة ذلك فقال: (نهيه ﷺ أن يبيع الرجل على بيع أخيه[141]، أو يسوم على سومه[142]، أو يخطب على خطبته، وهذا حض منه على رفع الشحناء وما يجر إلى التباغض. ونهيه ﷺ عن ثمن الكلب، وثمن السِّنَّور. أخرجه مسلم[143]. وعن كراء الأرض إذا كان صاحبها في غنى عن حرثها؛ لقوله ﷺ: (يمنح أحدكم أخاه أرضه خير له من أن يأخذ عليها خرجًا معلومًا)[144]. ونهيه عن عسيب الفحل[145]، وبيع نقع الماء وبيع فضل الماء[146]، وبيع الكلأ[147]، فهذا حض منه ﷺ على مكارم الأخلاق)[148].
  4. قال السرخسي في حديثه عن جواز المزارعة التي كان أبو حنيفة (ت150ه) يمنع منها: (والمراد ههنا الانتداب إلى ما هو من مكارم الأخلاق، بأن يمنح الأرض غيره إذا استغنى عن زراعتها بنفسه، ولا يأخذ منه أجرًا على ذلك)[149].
  5. وقال السرخسي كذلك: (صلة الرحم محمودة عند كل عاقل وفي كل دين، والإهداء إلى الغير من مكارم الأخلاق، وقال ﷺ: (بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)، فعرفنا أن ذلك حسن في حق المسلمين والمشركين جميعًا)[150].
  6. قال القاضي أبو الوليد ابن رشد (ت520ه): (الضيافة مرغَّب فيها ومندوب إليها، وليست بواجبة في قول عامة العلماء، إلا أنها من أخلاق المؤمنين وسجاياهم وسنن المسلمين)[151]. وقال: (المؤمن ينبغي له في مكارم الأخلاق ومحاسنها أن يكرم جاره وأن يكرم ضيفه فيتحفه ويخصه يوما وليلة ويطعمه ما يأكل ثلاثة أيام وما زاد على ذلك فهو صدقة، أي غير واجبة عليه في مكارم الأخلاق … وسئل الأوزاعي عمن أكرم ضيفه خبز الشعير وعنده خبز البر أو أطعمه الخبز والزيت وعنده اللحم، فقال هذا ممن لا يؤمن بالله ولا باليوم الأخر)[152]. قال النووي (ت676ه): (وأجابوا عن هذه الأحاديث الواردة في الضيافة بأنها محمولة على الاستحباب ومكارم الأخلاق وتأكد حق الضيف)[153].
  7. وقال القاضي ابن رشد أيضًا: (إعارة المتاع من عمل المعروف وأخلاق المؤمنين، فينبغي للناس أن يتوارثوا ذلك فيما بينهم ويتعاملوا به، ولا يشحوا به ويمنعوه، ومن منع ذلك وشحَّ به فلا إثم عليه ولا حرج، إلا أنه قد رغب عن مكارم الأخلاق ومحمودها، واختار لئيمها ومذمومها)[154]. وحكى أبو الحسن اللخمي (ت478ه) الأقوال في إجارة الثياب والحلي والماعون، ثم نقل عن الإمام مالك (ت179ه) أنه قال في إجارتها: (ليس هو من الحلال البين، وليس من أخلاق الناس). قال أبو الحسن: (يريد أنه ليس من مكارم الأخلاق أخذ الأجرة في مثل ذلك)[155].
  8. وقال القاضي أبو الوليد ابن رشد بعد ذكره وجوب اجتناب المساجد لمن أكل ثومًا نيئًا: (والأسواق في هذا بخلاف المساجد؛ لأن للمساجد حرمة تختص بها ليست للأسواق، إلا أن ذلك مكروه في مكارم الأخلاق)[156].
  9. قال الكاساني (ت587ه) في معرض الاحتجاج لكراهة أن يؤم الرجل الرجل في بيته: (ولأنَّ في التقدم عليه ازدراء به بين عشائره وأقاربه، وذا لا يليق بمكارم الأخلاق)[157].
  10. قال المرغيناني (ت593هـ) في أخذ العشور من الكفار الحربيين: (وإن علم أنهم يأخذون منا ربع العشر أو نصف العشر نأخذ بقدره، وإن كانوا يأخذون الكل لا نأخذ الكل؛ لأنه غدر. وإن كانوا لا يأخذون أصلاً لا نأخذ؛ ليتركوا الأخذ من تجارنا، ولأنا أحق بمكارم الأخلاق). وقال الكمال ابن الهمام (ت861ه) في شرحه: (وإن عرف أنهم يتركون الأخذ من تجارنا تركنا نحن حقنا؛ لتركهم ظلمَهم؛ لأن تركهم إياه مع القدرة عليه تخلق منهم بالإحسان إلينا، ونحن أحق بمكارم الأخلاق منهم)[158].
  11. قال موفق الدين ابن قدامة (ت620هـ): (ويجوز قرض الخبز ورد مثله عددًا بغير وزن في الشيء اليسير. وعنه: لا يجوز إلا بالوزن، قياسًا على الموزونات. ووجه الأول ما روت عائشة قالت: قلت: يا رسول الله، إن الجيران يقترضون الخبز والخمير، ويردون زيادة ونقصانًا. فقال ﷺ: (لا بأس، إنما ذلك من مرافق الناس، لا يقصدون به الفضل). وعن معاذ أنه سئل عن اقتراض الخبز والخمير، فقال: سبحان الله! إنما هذا من مكارم الأخلاق، فخذ الكبير وأعط الصغير، وخذ الصغير وأعط الكبير، خيركم أحسنكم قضاء. سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك)[159].
  12. قال أبو عبدالله المقري (759ه): (مراعاة مكارم الأخلاق التي بعث محمد ﷺ لتتميمها -مع تأكد ذلك على أهل الفضل والمروءة- طرازُ العدالة. ومن ثم نهي عن بيع الكلب والعسيب وأجرة الدم، ورُدَّت الشهادة ببعض المباح، كاللعب بالحمام والأكل في السوق)[160].
  13. قال ابن البزاز الكردري (ت827ه): (المحمود من صنيع الأكاسرة أن المزارع إذا اصطلم زرعه آفة في عهدهم كانوا يضمنون له البذر والنفقة من الخزانة، ويقولون: المزارع شريكنا في الربح، فكيف لا نشاركه في الخسران؟! والسلطان المسلم بهذا الخلق أولى)[161].
  14. قال الكمال ابن الهمام (ت861ه) عند الكلام عن نبذ العهود مع العدو وإعلامهم بذلك: (ولا بد من النبذ؛ تحرزًّا عن الغدر، وهو محرم بالعمومات، نحو ما صح في البخاري عنه ﷺ من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص: (أربع خصال من كن فيه كان منافقًا خالصًا: من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر)[162]. وروى أبو داود والترمذي وصححه: كان بين معاوية وبين الروم عهد، وكان يسير نحو بلادهم، حتى إذا انقضى العهد غزاهم، فجاء رجل على فرس أو برذون وهو يقول: الله أكبر، الله أكبر، وفاء لا غدر! فنظروا فإذا هو عمرو بن عبسة، فأرسل إليه معاوية فسأله، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من كان بينه وبين قوم عهد فلا يشد عقدة ولا يحلها حتى ينقضي أمدها أو ينبذ إليهم على سواء) فرجع معاوية بالناس[163]. ورواه أحمد وابن حبان وابن أبي شيبة وغيرهم)[164].
  15. قال ميارة الفاسي (ت1072هـ): (إرفاق الجار لجاره حسن أو مستحب، بما جرت العادة من التسامح به، وهو من مكارم الأخلاق الذي بعث ﷻ لتتميمها، وذلك كأن يعطيه مسقىً أي موضعًا للسقي، يوصل منه الماء لسقي حائطه أو شرب داره مثلاً، أو يعطيه طريقًا في أرضه ليتوصل منها إلى مثل ذلك، أو يعطيه جدارًا يغرز فيه خشبة، ونحو ذلك من المرافق)[165]. وقال الدردير: (وندب إعارة جداره لجاره المحتاج لغرز خشبة فيه؛ لأنه من المعروف ومكارم الأخلاق)[166].

وينبغي التنبه ههنا إلى أن إطلاق اسم (الوجوب) في مكارم الأخلاق هو في رتبة دون رتبة الوجوب الشرعي، مع تأكده في مكارم الأخلاق ومحاسن العادات. ومكارم الأخلاق يحبها الله ويرضاها، ومن لزمها فهو أقرب وأحب إلى الله تعالى. قال اللخمي (ت478ه): (والأصل في الصدقة قول الله ﷻ: (لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس) [النساء: 114]، وفي الهبة قول الله ﷻ: (إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم) [البقرة: 237]، فحض سبحانه على مكارم الأخلاق بتنزيله، فمدحه فأخبر أنه أقرب للتقوى)[167].

كما ينبغي التنبه أيضًا إلى أن وصف العمل بأنه من مكارم الأخلاق أو من مساوئها لا يعني أنه لا مجال للاختلاف فيه. وقد كان يجدر إغفال هذه التنبيه لظهوره لولا أنه يخفى في نفس الأمر على كثير من الناس. فإن الفعل الواحد قد ينظر إليه من نواح عدة، فيحكم كل فقيه بما ترجح عنده من المصالح، فإن الأخلاق ليست شيئًا واحدًا، بل قد تتنازع في المحل الواحد.

مثال ذلك: السر أمانة لدى من استودع حفظه، وقد ذكر الفقهاء أن على الطبيب أن يكتم أسرار مرضاه. قال ابن الحاج (ت737ه): (وينبغي أن يكون الطبيب أمينًا على أسرار المرضى، فلا يطلع أحدًا على ما ذكره المريض؛ إذ إنه لم يأذن له في إطلاع غيره على ذلك)[168]. ومع هذا فربما عرضت للطبيب حالات يجري فيها التردد بين مفسدة إفشاء السر ومفسدة كتمانه؛ لما ينشأ عن الكتمان من ضرر على أهل المريض أو على من يخالطهم. فتتردد فيها أقوال الفقهاء حسب ما يغلِّبه كل واحد منهم من المصالح[169].

مثال آخر: الغيبة من مساوئ الأخلاق، والظلم من مساوئ الأخلاق. فإذا ظلم إنسان آخر، جاز للمظلوم أن يتظلم إلى من له قدرة على إنصافه منه من قاضٍ أو غيره، فيقول: ظلمني بكذا، وفعل كذا[170].

مثال ثالث: النميمة من مساوئ الأخلاق، وقتل الناس وأكل أموالهم بالباطل من مساوئ الأخلاق. فمن علم أن إنسانًا ينوي قتل إنسان أو سرقة ماله جاز له، بل وجب عليه إعلامه بذلك. قال الله تعالى: (وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين) [القصص:20] [171].

فعلم مما تقدم من الأمثلة، بل مما مضى ذكره وبيانه من المقدمات والتقريرات أن العلاقة بين الفقه والأخلاق علاقة تداخل في وشائج متصلة، ولا ينبغي أن تطرح حول فقه المسلمين نفس الأسئلة التي تطرح حول علاقة الأخلاق بالقوانين الوضعية، وأن فقه المسلمين أكبر من أن يسمى قانونًا، بل هو هدى ومنهاج حياة وأسلوب معيشة ووجدان يخفق وروح تنطق.


[1]  رسالة في التسامح، جون لوك (26).

[2] أصول الشرائع (58).

[3] انظر: تفسير الثعلبي (3/102).

[4] انظر: تفسير الطبري (5/529).

[5] انظر: تفسير ابن أبي حاتم (2/692).

[6] صحيح البخاري، كتاب العلم، باب العلم قبل القول والعمل.

[7] الفقيه والمتفقه (143).

[8] تفسير الطبري (5/530).

[9] تفسير ابن أبي حاتم (8/2498).

[10] ديوان زهير، صنعة ثعلب (107).

[11] رواه عنه ابن شبة في تاريخ المدينة (3/988)، وابن عبدالبر في التمهيد (1/118)، ورواه الخطيب في تاريخ مدينة السلام (5/173) عن عمر رضي الله عنه ولا يصح عنه.

[12] البيان والتحصيل (18/494). وانظر: الفخري لابن الطقطقي (57)، الملامح التربوية في الدراسات الأصولية تطبيقًا على مبحثي المباح والواجب، د.البشير شمام (22).

[13] انظر: فكرة القانون، د.دينيس لويد (41).

[14] انظر: المدخل للعلوم القانونية والفقه الإسلامي، علي منصور (37).

[15] من الأمثلة التي يمكن الإشارة إليها هنا لأجل التوضيح ما ذكره د.دينيس لويد من أنه إذا أصيب إنسان في جناية فمات بعد عام ويوم منها، ففي القانون الإنجليزي أنها لا تعد جريمة قتل، مع أنه لا فرق بين 366 يومًا و367 يومًا في واقع الأمر، ولكن هذه التحديدات هناك ما يبررها في الأنظمة القانونية. انظر: فكرة القانون (53)، وذكر بعدها أمثلة أخرى.

[16] يقول بنثام (ت1832م): (الحاصل أن الأخلاق والديانة خصوصًا هما اللذان يساعدان القانون في هذه المسألة، ويوجدان أحسن الروابط بين الناس، ومع ذلك نرى القانون قصَّر فيما يجب عليه). أصول الشرائع (61).

[17] موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين (1/11)، وانظر كلامه بعده.

[18] جامع المسائل، ابن تيمية (6/162).

[19] راجع ما كتبه أبو حيان التوحيدي في الليلة السابعة عشر من (الإمتاع والمؤانسة). وانظر: جامع الرسائل، ابن تيمية (2/232).

[20] عرض أندريه كونت سبونفيل عرضًا موجزًا للمراحل الثلاث التي مرَّ بها في حياته في فرنسا، فجعلها كالآتي: 1. جيل الستينات والسبعينات: جيل السياسة هي كل شيء، وكل ما هو صحيح سياسيًّا فهو مقبول أخلاقيًّا. 2. جيل الثمانينات والتسعينات: جيل الأخلاق هي كل شيء (حقوق الإنسان، العمل الخيري). 3. جيل الألفية الجديدة: جيل البحث عن معنى الحياة (الجيل الروحي). انظر: هل الرأسمالية أخلاقية؟ سبونفيل (19-31).

[21] الحاجة إلى علم مقدس (125).

[22] دستور الأخلاق في القرآن (32).

[23] ممن وضحوا هذا المعنى وأفاضوا في شرحه علي عزت بيقوفتش (ت1424ه) في فصل (الأخلاق)، من كتابه (الإسلام بين الشرق والغرب).

[24] انظر: الحاجة إلى علم مقدس، د.سيد نصر (130)، قوة القداسة، د.عبدالرزاق بلعقروز (238).

[25] لك أن تعود بالبحث مثلاً إلى ما جرى في الولايات المتحدة بعد إعصار كاترينا (سبتمبر 2005)، أو إعصار إيرما (سبتمبر 2017م)، أو ما جرى قريبًا بعد مقتل (جورج فلويد) على يد الشرطة الأمريكية في 25 مايو 2020م، وأن تتتبَّع ما كتب في مواقع التواصل الاجتماعي، ورصده الشهود أو سجلته المقاطع المرئية في كل ذلك، من فوضى وشغب وسرقة واغتصاب وتدمير لا يعرف حدودًا، مما كان مثار استغراب الناس فيما يسمى بـ(العالم الثالث)، ونشرت جريدة الشرق الأوسط في عددها (9776) بتاريخ 28 رجب 1426ه الموافق 3 سبتمبر 2005م تقريرًا عن الحادثة، نقلت فيها مقارنة مهمة لرجل من سريلانكا قال معلِّقًا على الحدث: (أنا أشعر بالاشمئزاز تمامًا! بعد موجات المد أراد شعبنا حتى من فقدوا كل شيء مساعدة الآخرين الذين كانوا يعانون. لم يتعرض سائح واحد للسلب في المنطقة أثناء موجات المد. الآن وفي ظل كل هذا الذي يحدث في الولايات المتحدة يمكننا أن نرى بسهولة أين يقع الجزء المتحضر من العالم). والمد الذي يقصده ما جرى في جزر شرق آسيا من المد المشهور بموجات تسونامي، الذي حصل في 26 ديسمبر 2004م، ومات على إثره نحو 300 ألف إنسان، ومع ذلك فلم يشهد الناس في إندونيسيا وغيرها ذلك الانفلات الذي حصل في الولايات المتحدة. ونقلت الجريدة في التقرير نفسه عن تقرير في صحيفة «الغارديان» البريطانية أن الأمر يكتسب (بعدًا عنصريًّا في واحدة من أفقر ولايات البلاد حيث يكسب السود نصف ما يكسبه البيض). وفي تعليق آخر له دلالته في موقع (BBC) العربي، على خبر بعنوان (أكبر إعصار في تاريخ أمريكا) قال (محمد علي) من هرجيسا من الصومال: (لقد كشف إعصار كاترينا الوجه الحقيقي لأمريكا. نحن في الصومال مثلاً لا يوجد عندنا السلب والنهب أو حتى السرقة، رغم عدم وجود حكومة نظامية لأكثر من 15 سنة. ننعم باستقرار وأمن لا يوجدان في كثير من الدول التي تدعي التقدم. وتعالوا عندنا في هرجيسا حتى تعرفوا السبب وتشاهدوا ذلك بأنفسكم). ولك أن تعود بالبحث أيضًا إلى ما جرى في المملكة المتحدة في السادس من أغسطس لعام 2011م بعد إعلان رئيس الوزراء البريطاني وقتها ديفيد كاميرون لسياسة التقشف، وما جرى في لندن وغيرها من كبار المدن من شغب كبير وفساد عريض، (واندلعت الاضطرابات في البداية في شمال لندن، بعد أن أطلقت الشرطة الرصاص على رجل أسود وقتلته، ورفضت أن تعطي لأقاربه معلومات عن الحادث، ولكنها تحولت بعد ذلك إلى أعمال نهب وعنف واسعة النطاق، في أنحاء شتى من العاصمة ومدن كبرى أخرى) راجع خبرًا بعنوان (بريطانيا: انتشار الشرطة في الشوارع لضمان عدم تجدد أعمال الشغب) في موقع (BBC) العربي. واللافت في مثل هذه الأحداث أن عدوان الناس لم يكن يستثني أحدًا، بل من شاهد المقاطع المرئية وسمع أقوال الشهود في قنوات الأخبار وغيرها رأى ما يطول منه العجب من التعدي على الأبرياء، والتسلط على الضعفاء، وتدمير الممتلكات العامة وكذا الخاصة لمن لا ناقة لهم في الأمر ولا جمل.

[26] ديوان أبي فراس الحمداني برواية ابن خالويه (2/213).

[27] عالم جديد شجاع (315).

[28] النظام المالي الإسلامي- المبادئ والممارسات، من إعداد: الأكاديمية العالمية للبحوث الشرعية بكوالالمبور (51)، وراجع ما بعدها.

[29] انتحار الغرب، ريتشارد كوك وزميله (80).

[30] الموافقات (3/22). وانظر: البرهان، الجويني (2/937)، المحصول، الرازي (5/160)، شرح تنقيح الفصول، القرافي (304)، نهاية السول، الإسنوي (4/84)، تشنيف المسامع، الزركشي (3/16)، التقرير والتحبير، ابن أمير الحاج (3/145).

[31] تبصرة الحكام (2/116).

[32] جامع الترمذي، أبواب البر والصلة، باب ما جاء في حسن الخلق (2134)، وقال الترمذي: هذا حديث صحيح غريب.

[33] البرهان (2/1336).

[34] التحقيق والبيان (3/402).

[35] الموافقات (3/176). وراجع بقية كلامه في هذا الموضع.

[36] ديوان المتنبي بشرح البرقوقي (/406)، والشملال الناقة القوية الخفيفة المشي. وانظر ما قرره الشاطبي في (5/308).

[37] راجع ما كتبه د.وائل حلاق في: القرآن والشريعة (39).

[38] لك أن تتصفح على سبيل التمثيل لا التقصي:

  1. الدعائم الخلقية للقوانين الشرعية، د.صبحي محمصاني.
  2. دليل التجار إلى أخلاق الأخيار، يوسف بن إسماعيل النبهاني.
  3. أخلاقيات التعامل الاقتصادي في الفكر الإسلامي مقارنة بالنظامين الاشتراكي والرأسمالي، د.أحمد المحمدي.
  4. النشاط الاقتصادي الإسلامي وأثر القيم والأخلاق فيه، د.محمد إرشيد.
  5. الاقتصاد والأخلاق، د.رفيق المصري.
  6. الاقتصاد والأخلاق والفساد، د.رفيق المصري.
  7. أخلاقيات وسلوكيات الحرب عند رسول الله ﷺ دراسة مقارنة مع القانون الدولي، د.وليد نور.
  8. أخلاقيات السلطة القضائية في الفكر الإسلامي، د.أحمد المحمدي.
  9. أخلاقيات المهنة في الحضارة الإسلامية، د.موفق نوري.
  10. الاقتصاد والأخلاق، د.محمد شابرا وزميله.
  11. البعد الأخلاقي في الأزمة المالية والاقتصادية، عبدالرزاق العاقل.
  12. الدستور الإسلامي للمهن الطبية (وثيقة الكويت)، المنظمة العالمية للطب الإسلامي.
  13. المسؤولية الطبية وأخلاقيات الطبيب، د.محمد البار.
  14. أخلاقيات المهن الصحية، د.فهد الثميري.
  15. الهندسة الوراثية والأخلاق، ناهدة البقصمي.
  16. الأخلاقيات البيولوجية الإسلامية، داريوش أتيجتكي.
  17. تحدي الرأسمالية: الإسلام والاقتصاد الأخلاقي، تشارلز تريب.

وغير هذا كثير جدًّا. وفي بحوث وقرارت المجامع الفقهية، والرسائل والبحوث الجامعية، وبحوث الملتقيات والمؤتمرات والندوات المختلفة، معالجات دقيقة لموضوعات شائكة، سواء في تقرير الأخلاق ومراتبها التشريعية، أو في الموازنة بينها عند التعارض. وهذه البحوث تختلف في جودة معالجتها بطبيعة الحال، ولكنها ت شهد فيما هو ظاهر من المادة الفقهية فيها على ضخامة المحتوى الأخلاقي في مصنفات فقهاء المسلمين، وهذا ما يراد التنبيه إليه ههنا.

[39] انظر: غمرات المقاصد، د.قطب الريسوني (37-40).

[40] الموافقات (5/300)، وراجع سائر كلامه في هذا الموضع عند المسألة الرابعة عشر من كتاب الاجتهاد.

[41] فيض الباري (3/575).

[42] نفسه (5/523).

[43] نفسه (3/483). ومن المهم الرجوع إلى سياق هذه النقول ومعرفة المسائل التي قيلت فيها، وإنما أضربت عن استيفاء ذلك اختصارًا.

[44] نهاية المطلب (4/101).

[45] مفاتيح الغيب (6/23). وراجع المقدمة الرابعة من مقدمات ابن عاشور في تفسيره (المقدمة الرابعة: فيما يحق أن يكون غرض المفسر).

[46] راجع ما كتبه الشيخ الطاهر ابن عاشور تحت فصل مكارم الأخلاق من كتابه (أصول النظام الاجتماعي في الإسلام).

[47] الإعلان الإسلامي، بيقوفتش (91). وانظر: بين التربية والقانون، د.علي القريشي (39).

[48] تفسير ابن أبي حاتم (1/36).

[49] كتاب الزهد، أبو داود، من زهد عمر رضي الله عنه وأخباره (105).

[50] الزهد الكبير، البيهقي، باب الورع والتقوى (942).

[51] الزهد الكبير، البيهقي، باب الورع والتقوى (993).

[52] رموز الكنوز (7/66).

[53] الانتصارات الإلهية (2/651).

[54] سنن أبي داود، كتاب الجهاد، باب في الرجل ينتفع من الغنيمة بالشيء (2696).

[55] تاريخ دمشق، ابن عساكر (49/423).

[56] شرح تشريح القانون (17). ولولا كثرة تطرق الوهم لكان الاشتهار يغني عن التنبيه على أمر ظاهر لمن له معرفة بالشريعة، وذلك أن تطرق الخشية والتورع من بعض الناس عن بعض الأفعال لا يلزم منه أن يكون مما تلحق به الملامة الشرعية بالضرورة في نفس الأمر. ففي شأن كلام ابن النفيس مثلاً، فنحن نرى للفقهاء تفصيلاً طويلاً في أحكام تشريح الجثث الآدمية، ومتى يجوز وما شروط جوازه. بل لقد لاحظ بعض علماء المسلمين أن المسلمين في تاريخهم الطويل كانوا كثيرًا ما يشترون السلاح من الإفرنج ولا يصنعون منه كفايتهم، فدينهم دين السلام، غرس فيهم السلام فكرهوا صنع أدوات القتل والفتك (انظر: الإسلام أهدى، عبدالله كنون/131). وذلك لا يعني لمن له معرفة بتاريخ المسلمين أيضًا أنهم لم يكن لهم خبرة بصناعة السلاح وإعداد القوة التي ترهب عدوهم، بل ذلك أمر مشهور لا يخفى، ولا يتصور في طبائع الأمور أن يكون لهم هذا السلطان العظيم دون أن يكون لهم معرفة في هذا الشأن، وقد وضعوا المصنفات الكثيرة في صناعة السلاح وآداب الفروسية، ولكن ما يجري التنبيه له هنا ما انطبع في نفوسهم من أخلاق الرحمة والسلام حتى كانوا يستغنون عن الصناعة بالشراء متى كانت المصلحة قائمة في ذلك. راجع مثلاً مما هو مطبوع كتاب: الفروسية لابن القيم، والأنيق في المجانيق للزردكاش، والعز والرفعة والمنافع للمجاهدين في سبيل الله بالمدافع لابن غانم الرياش الأندلسي، والنفحات المسكية في صناعة الفروسية للشريف الحموي، وغيرها كثير جدًّا، وانظر أيضًا: الأسلحة عبر العصور الإسلامية للدكتور عبدالناصر ياسين، وللدكتور علي الشكيل بحث نشره في مجلة آفاق الثقافة والتراث (42/112) في: القذائف والأسلحة النارية في الحضارة الإسلامية. ووضع عبدالرحمن زكي الذي كان مديرًا للمتحف الحربي بالقاهرة قائمة ببعض كتب الحرب عند المسلمين في كتابه: السلاح في الإسلام (4-7)، وكذلك وضع إحسان هندي مسردًا في بعض الكتب التي وضعها المسلمون في فنون الحرب وآدابها في كتابه (الحياة العسكرية عند العرب/364). وانظر أيضًا: قصة الحضارة، ديورنت (13/384).

[57] الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان (197). وفي اللحظات التي يفيق فيها بعض صناع الدمار من غفلتهم تنِدُّ منهم عبارات الأسف والندم. كقول أينشتاين بعد رمي القنبلة على هيروشيما (1945م): (لو كنت أعرف أنهم كانوا سيعملون هذا لكنت عملت صانع أحذية) انتحار الغرب، ريتشارد كوك وزميله (140). ويحكي د.المسيري أنه زار في عام (1965م) روبرت أوبنهايمر (ت1967) المدير العلمي على مشروع مانهاتن لتصنيع السلاح النووي الأول الذي استعمل في الحرب العالمية الثانية، فسأله: (ماذا كان شعورك بعد اكتشافك أن مشروعك قد نجح، وأن موعد إجراء أول انفجار كان وشيكًا؟) فأجاب أوبنهايمر باقتضاب شديد: (لقد تقيأت!). رحلتي الفكرية (263). وأخطر من استغلال العلم في الشر أن يكون للشر دور في توجيه العلم وحرفه عن مساره الصحيح الذي يراد به معرفة المعلوم على ما هو عليه، إلى أن يكون المراد تسويغ أفعال الشر نفسها. وكمثال على ذلك -والأمثلة لا تحصى- يقول موريس دوفرجيه (ت2014م): (لقد أدرك مونتسكيو أن النظرية التي تقول بأن السود دون البيض هي أداة لتبرير استغلال البيض للسود. لقد نشأت هذه النظرية أولاً في القرن السادس عشر إبَّان الموجة الاستعمارية الأولى، ثم عادت إلى الظهور في القرنين التاسع عشر والعشرين مع الموجة الاستعمارية الثانية. إن مبدأ المساواة بين جميع البشر لا يحتمل أن يجعل الأسود عبدًا، وأن يكره على العمل إكراهًا، أما إذا لم يعد السود بشرًا كسائر البشر، وإنما عدوا إخوة أدنين أصبح من المقبول أن يعاملوا تلك المعاملة. إن اتساع زراعة القطن في الولايات المتحدة الأمريكية ذلك الاتساع الذي لا يمكن أن يتم بغير استعباد أيدٍ عاملة هو الذي ولَّد النظريات العرقية. والاقتصاد في جنوب أفريقيا يقوم الآن كله على إبقاء السود في حالة تخلف). مدخل إلى علم السياسة (37).

[58]  تفسير عبدالرزاق (2/368).

[59] الأخلاق والسير (100).

[60] انظر: الحيل الفقهية، محمد إبراهيم (90).

[61] مجموع فتاوى ابن تيمية (33/39). وأما الحيل التي تكلم عنها متقدمو الحنفية ففيها كلام طويل، وقد ذكر الشيخ محمد أبو زهرة أن الحيل عند متقدميهم لم تكن للخروج عن سلطان الشرع وتفويت أحكامه، بل كانت من قبيل رفع الحرج عن الناس إذا نزلت بهم الشدة في الأيمان والشروط ونحوها، بخلاف ما جرى عند بعض المتأخرين منهم. انظر: أبو حنيفة، محمد أبو زهرة (434). وراجع أيضًا ما كتبه الشيخ محمد إبراهيم في كتابه (الحيل الفقهية/52 وما بعدها)، والكلام في هذا طويل مشهور.

[62] انظر: الأشباه والنظائر (75).

[63] نفسه (72).

[64] تفسير مقاتل (2/175). وانظر: نظرات في الإسلام، د.محمد دراز (74).

[65] انظر: نظرية الإجبار، د.يحيى عبدالمبدي (31).

[66] جواب الاعتراضات المصرية (95).

[67] رواه البخاري في كتاب الأحكام، باب موعظة الإمام للخصوم (7168)، ومسلم في كتاب الأقضية، باب الحكم بالظاهر واللحن بالحجة (1713).

[68] انظر: المدخل الفقهي العام، مصطفى الزرقا (1/277).

[69] الملكية ونظرية العقد (6).

[70] المغني (12/483).

[71] رواه ابن ماجه في باب ذكر التوبة (4250).

[72] رواه أبو داود في كتاب الحدود، باب العفو عن الحدود ما لم تبلغ السلطان (4328)، والنسائي في كتاب قطع السارق، باب ما يكون حرزًا وما لا يكون (4928).

[73] شرح منتهى الإرادات (6/267).

[74]  أحكام السوق (210).

[75] انظر: بين التربية والقانون، د.علي القريشي (49)، مقاصد العقوبات، د.زيد الزيد (46)، مقاصد الشريعة في الأيمان والنذور والكفارات، د.بركات ملحم (228)، المبادئ الشرعية في أحكام العقوبات، د.عبدالسلام الشريف (396)، حقوق الله وحقوق العباد في الفقه الإسلامي، د.معز المجولي (251).

[76]  رواه البخاري في كتاب الرقاق، باب التواضع (6511).

[77] انظر: دستور الأخلاق في القرآن، د.محمد دراز (87-99)، الجوانب التربوية في أصول الفقه الإسلامي، د.مصطفى البغا (320).

[78] انظر: جامع العلوم والحكم، ابن رجب (677).

[79] الوقف في تونس في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، أحمد قاسم، ضمن مجموع (الوقف في العالم الإسلامي أداة سلطة اجتماعية وسياسية/11).

[80] رواه مسلم في كتاب الإيمان، باب بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون (54).

[81] الإفصاح (8/62).

[82] رواه مسلم في كتاب الصلاة، باب تسوية الصفوف وإقامتها (436)، وأصل الحديث رواه البخاري في كتاب الأذان، باب تسوية الصفوف (726) من حديث النعمان رضي الله عنه.

[83] شرح صحيح مسلم (4/157)، والقداح جمع قِدح، وهي خشب السهام حين تنحت وتبرى.

[84] فتح الباري (6/268).

[85] رواه أبو داود في كتاب الصلاة، باب تسوية الصفوف (660).

[86] رواه أبو داود في كتاب الصلاة، باب تسوية الصفوف (662).

[87] رواه أبو داود في كتاب الصلاة، باب تسوية الصفوف (668). وراجع الأحاديث والآثار التي ساقها السيوطي في رسالته (بسط الكف في إتمام الصف).

[88] سنن الترمذي، أبواب الصلاة، باب ما جاء في إقامة الصفوف (226).

[89] ومن الإشارات التي تستطرف في هذا المعنى ما ذكره موريس دوفرجيه في (مدخل إلى علم السياسة /75) ووصفه بأنه (قيل بشيء من المبالغة) من أثر اختراع المصعد على الطبقات الاجتماعية، وذلك أن الناس قبله كانوا يسكنون في المباني الواحدة، فيسكن الأغنياء في السُّفل، والفقراء في العلو، ولكنهم حيث كانوا يرون بعضهم ظلُّوا متقاربين ومتواصلين. أما بعد انتشار المصاعد فقد ارتفعت قيمة الطوابق العليا، حتى اضطر الفقراء أن ينسحبوا إلى أحياء شعبية خاصة بهم، فانفصلت الطبقتان، وتفاقم الصراع بينهما.

[90] رواه مسلم في كتاب الصلاة، باب فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه (817).

[91] راجع ما كتبه الشيخ محمد دراز في: نظرات في الإسلام (47-58).

[92] محاسن الإسلام (112).

[93] قواعد الأحكام (2/89).

[94] راجع في بيان الأقوال وشرحها: ضوابط العدالة وتطبيقاتها في العبادات، إبراهيم الشقيفي (74). رسالة ماجستير غير مطبوعة بكلية الشريعة بجامعة أم القرى.

[95] المرقبة العليا، النباهي (73)، وراجع بقية كلامه فيه.

[96] رواه أبو داود في كتاب الزهد (66).

[97] رواه البيهقي في الزهد الكبير (967).

[98] رواه البيهقي في الزهد الكبير (951).

[99]  رواه البيهقي في الزهد الكبير (954).

[100] رواه البيهقي في الزهد الكبير (952).

[101] رواه البخاري في كتاب الرقاق، باب التواضع (6511).

[102] الإفصاح (7/303)، وانظر تفصيل هذا المعنى المهم عند الشاطبي في الموافقات (2/414-429).

[103] حلية الأولياء، أبو نعيم (5/222).

[104] راجع جميع هذه الآثار عنه في ترجمته في حلية الأولياء (5/221-234). وكانت وفاته سنة مائة وعشر ونيِّف.

[105] تاريخ دمشق، ابن عساكر (10/496).

[106] انظر: ضوابط العدالة وتطبيقاتها في العبادات، إبراهيم الشقيفي (517).

[107] السابق (181).

[108] طبقات الصوفية، السلمي (126).

[109] إحياء علوم الدين (1/242).

[110] انظر: فرض طلب العلم، الآجري (83)، جامع بيان العلم وفضله، ابن عبدالبر (1/56)، إحياء علوم الدين، الغزالي (1/197)، تعليم المتعلم، الزرنوجي (3)، حاشية ابن عابدين (1/29)، وراجع ما كتبه القرافي في كتاب (الفروق) في الفرق الثالث والتسعين (بين قاعدة النسيان في العبادات لا يقدح، وقاعدة الجهل يقدح، وكلاهما غير عالم بما أقدم عليه).

[111] جامع بيان العلم وفضله، ابن عبدالبر (1/56).

[112] رواه الترمذي في أبواب الوتر، باب ما جاء في فضل الصلاة على النبي ﷺ (493).

[113] فرض طلب العلم (84).

[114] الورع، عبدالملك بن حبيب (64)، اللطائف والظرائف، الثعالبي (29).

[115] المدونة (12/107). وانظر: التراتيب الإدارية، الكتاني (2/17).

[116] الفتاوى البزازية (4/525).

[117] المدخل (1/157).

[118] انظر: أخلاقيات المهنة في الحضارة الإسلامية، د.موفق نوري (118).

[119] الترغيب والترهيب (1/453).

[120] الفتاوى البزازية (4/526).

[121] البحر الرائق (5/282).

[122] الدوحة المشتبكة في ضوابط دار السكة (112)، وانظر ما ذكره بعد ذلك في (116) من أثر تمكن اليهود في فاس وغيرها من سوق الصرافة والصياغة، واستحلالهم غش المسلمين وتواصيهم بذلك. والرسالة منشورة بتحقيق د.حسين مؤنس في المجلد السادس من مجلة معهد الدراسات الإسلامية بمدريد، عام 1378ه.

[123] انظر: التحبير شرح التحرير، المرداوي (8/4041).

[124] رسالة في التسامح (19)، وراجع بقية كلامه المؤلم لتدرك حجم تذمر الفلاسفة والمثقفين من فساد الكنيسة المستشري.

[125] قصة الحضارة (21/35).

[126] قصة الحضارة (22/44). وراجع ما سجله بعد هذا مما يجري في الأديرة من الفساد والفجور.

[127] قصة الحضارة (22/47).

[128] الإعلان الإسلامي، علي عزت بيقوفتش (124).

[129] المعرفة والتاريخ، يعقوب بن سفيان (1/651).

[130] سير أعلام النبلاء، الذهبي (8/66).

[131] مفتاح طريق الأولياء (30)، والجامكية الراتب.

[132] فتاوى البرزلي (6/403). وراجع كتاب: أخلاقيات علماء الفقه المسلمين، للدكتور جمال الهنيدي.

[133] صيد الخاطر (228).

[134] راجع معاني هذه القواعد وما يدخل تحتها من الفروع في كتب الأشباه والنظائر، ككتاب السيوطي وغيره.

[135] انظر: معالم السنن، الخطابي (1/22)، المسالك، ابن العربي (2/301)، المجموع، النووي (2/76)، مواهب الجليل، الحطاب (1/391).

[136] حلية الأولياء، أبو نعيم (2/162).

[137] تعليم المتعلم، الزرنوجي (3)، الفتاوى البزازية (4/525). وراجع كلام الحافظ ابن رجب عن معنى الزهد واسم الزاهد، في شرحه لحديث: (ازهد في الدنيا يحبك الله)، من شرح الأربعين.

[138] طبقات الصوفية، السلمي (178).

[139] النوادر والزيادات، ابن أبي زيد (5/254)، وانظر: المجموع شرح المهذب (18/150).

[140] الأم (6/252).

[141] متفق عليه، رواه البخاري في كتاب البيوع، باب لا يبيع على بيع أخيه (2149)، ومسلم في كتاب النكاح، باب تحريم الخطبة على خطبة أخيه حتى يأذن أو يترك (1412). وجاء في نفس الحديث النهي عن خطبته على خطبة أخيه الذي ذكره اللخمي.

[142] متفق عليه، رواه البخاري في كتاب الشروط، باب الشروط في الطلاق (2745)، ومسلم في كتاب النكاح، باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح (1408).

[143] في كتاب الإجارة، باب تحريم ثمن الكلب (1569).

[144] متفق عليه، رواه البخاري في كتاب المزارعة (2342)، ومسلم في كتاب البيوع، باب الأرض تمنح (1550).

[145] رواه البخاري في كتاب الإجارة، باب عسب الفحل (2298).

[146] رواه مسلم في كتاب البيوع، باب تحريم بيع فضل الماء (1565). وروى أحمد (25087) عن يزيد بن هارون وساق الإسناد إلى عائشة رضي الله عنها قالت: (سمعت رسول الله ﷺ نهى أن يمنع نقع البئر). قال يزيد: يعني فضل الماء. وانظر: مختصر الأحكام للطوسي (5/468).

[147] روى الإمام أحمد (9458) وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تمنعوا فضل الماء، ولا تمنعوا الكلأ، فيهزل المال، ويجوع العيال). وانظر: طرح التثريب، العراقي (6/182).

[148] التبصرة (9/4272).

[149] المبسوط (23/12).

[150] شرح السير الكبير (1/70). والحديث رواه مالك في الموطأ بلاغًا في كتاب الجامع، باب ما جاء في حسن الخلق (2633) بلفظ: (بعثت لأتمم حسن الأخلاق)، ورواه أحمد في مسنده (8952) بلفظ: (إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق).

[151]  البيان والتحصيل (18/280).

[152] البيان والتحصيل (18/281). وانظر: إكمال المعلم، القاضي عياض (1/285).

[153] المجموع (9/58).

[154] المقدمات الممهدات (2/469).

[155] التبصرة (10/4952)، وفي المدونة (4/417): (وقد أجازه مالك مرة واستثقله مرة أخرى، وقال: لست أراه بالحرام البين، وليس كراء الحلي من أخلاق الناس).

[156] المقدمات الممهدات (3/454).

[157] بدائع الصنائع (1/158).

[158] فتح القدير (2/229).

[159] الكافي (3/174)، والحديثان رواهما أبو بكر عبدالعزيز في الشافي، وابن الجوزي في التحقيق (2/194)، والأول في إسناده من تجهل حاله، والثاني فيه انقطاع، انظر: تنقيح التحقيق لابن عبدالهادي (4/105).

[160] القواعد، المقري (320).

[161] الفتاوى البزازية (4/90).

[162] متفق عليه، رواه البخاري في كتاب الجزية، باب إثم من عاهد ثم غدر (3187)، ورواه مسلم في كتاب الإيمان، باب بيان خصال المنافق (58).

[163] رواه أحمد (17015)، وأبو داود في كتاب الجهاد، باب الإمام يكون بينه وبين العدو عهد فيسير إليه (2749)، ورواه الترمذي في أبواب السير عن رسول الله ﷺ، باب ما جاء في الغدر (1684) وقال: (هذا حديث حسن صحيح).

[164] فتح القدير (5/457).

[165] الإتقان والإحكام شرح تحفة الحكام (2/319).

[166] الشرح الكبير (3/371).

[167] التبصرة (8/3483).

[168] المدخل (4/135).

[169] راجع: قرارت وتوصيات مجمع الفقه الإسلامي بجدة، القرار رقم (79) بشأن السر في المهن الطبية.

[170] انظر: رياض الصالحين، النووي (488: باب ما يباح من الغيبة)، الفروق، القرافي (4/315: الفرق الثالث والخمسون والمائتان بين قاعدة الغيبة المحرمة وقاعدة الغيبة التي لا تحرم)، الآداب الشرعية، ابن مفلح (1/263).

[171] انظر: قواعد الأحكام، العز بن عبدالسلام (1/154).

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى